بقلم عزام أبو الحمام
أتم زميلنا الفنان الأديب عبد الهادي شلا قصته على ثلاثة أجزاء كل جزء فيها من حلقات عدة، وقد حازت القصة على اهتمام ملموس من قبل القراء وهي تحمل في طياتها أسباب نجاحها سواء في لغتها السردية السلسة أو من خلال المحاور والموضوعات التي طرحتها.
تسرد القصة حياة الرجل الفلسطيني "أحمد صاحب العود" الذي أفاق ذات يوم على نفسه وشعبه فإذا به لاجئا مشردا بعد أن جرى احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967مع أجزءا غالية أخرى من الأراضي العربية، وهو من مواطني قطاع غزة وكان يتعلم في القاهرة التي منها تخرج وسافر للعمل مدرسا في دولة عربية أخرى، وفي احدى القرى النائية كان حظ احمد صحبة بعض زملاء له وصحبة عوده الذي لا يفارقه ويعينه على آلام الغربة والوحدة والآلام الجديدة التي تتداعي نتيجة ما سمي بالنكسة التي ما هي إلا محاولة عربية يائسة للتخفيف من آلآم الهزيمة وآلام الفجيعة التي ألمت بالجيوش العربية وبالفلسطيني أكثر من غيره لأنه فقد بذلك ما تبقى من موطنه.وفي غمرة إغراق أحمد بهواجسه وآلامه تلك في تلك القرية العربية النائية.
تبرز في حياة أحمد إمرأة غريبة سيكون لها دور الصدارة في باقي القصة وحتى الكلمة الأخيرة.
المرأة هذه لم تكن بإمرأة عادية مثل باقي النساء، إنها غاية في الجمال والذكاء وقد راحت تعشق احمد وتتعلق به حد الجنون بل والاستعداد للتضحية بنفسها من أجله، لم تكن تلك المرأة سوى الجنية "سوراه" التي جذبتها الموسيقى التي يعزفها "أحمد" على عوده في تلك القرية النائية عقب انتهاءه من عمله في المدرسة.
المرأة هذه لم تكن بإمرأة عادية مثل باقي النساء، إنها غاية في الجمال والذكاء وقد راحت تعشق احمد وتتعلق به حد الجنون بل والاستعداد للتضحية بنفسها من أجله، لم تكن تلك المرأة سوى الجنية "سوراه" التي جذبتها الموسيقى التي يعزفها "أحمد" على عوده في تلك القرية النائية عقب انتهاءه من عمله في المدرسة.
يعود أحمد إلى القاهرة في إجازته الصيفية الأولى وهناك يلتقي بالصدفة مع حبيبته الأولى "زهرة" ويعيش في القاهرة فترة من الوقت وهو تواق للعودة إلى وطنه ولقاء أسرته لكن الاحتلال الجديد يحول بينه وبين تلك الأمنية فما كان منهُ إلا أن يستجير بصديقته الجنية "سوراه".
ولأن الحب يعمي البصر والبصيرة، فقد وقعت سوراه في حبائل جني شرير وعدها أن يساعدها على تحقيق أمنية صديقها بإعادته إلى موطنه، لكنها تدفع ثمنا باهظا مقابل ذلك عندما تسقط في حبائل العفريت الشرير فيجبرها على الزواج منه ويحكم عليها على عدم مقابلة حبيبها الإنسي احمد وإلا سيكون مصيرها الاحتراق والهلاك.
إذا، فنحن أمام عمل قصصي يطرح بجرأة علاقة غريبة بين عالمي الإنس والجن، رجل من الإنس وأنثى من الجن وتنشأ بينهما علاقة غرامية تتطور حتى اللقاء الجنسي تماما مثلما يجري بين الرجل وزوجته. والأدبيات في مثل هذه العلاقة تشير إلى أن الظاهرة معروفة في الكثير من المجتمعات العربية وبين الفئات التقليدية والأشد فقرا، وغالبا من يفسر ذلك بهروب الإنسان الرجل من واقع صعب ضاغط إلى واقع يعيد له التوازن العاطفي فيعيش في عالم من الأوهام للدرجة التي يرى فيها نفسه متزوجا من جنية يتخيلها فيأتيه طيفها ويتواصل معه لغة وعاطفة وعلاقات جنسية حميمة جدا قد تؤدي بالرجل إلى قمة الذروة.من ناحية أخرى فإن البعض يؤمن بأن مثل تلك الحالات هي حالات حقيقة ويحلفون أغلظ الأيمان على وجودها الواقعي وقد يسندون ذلك بتأويلات من النصوص الدينية في القرآن الكريم والسنة النبوية.من الناحية الأدبية يمكن الجزم بأن الكاتب استطاع توظيف هذه العلاقة الغريبة من أول القصة حتى نهايتها توظيفا ناجحا، وحسنا فعل الكاتب حينما وظف الموسيقى والعود ليبرر نشوء العلاقة بين احمد وبين الجنيه "سوراه" نظرا لما هو معروف في الأدبيات الشعبية عن تعلق الجن بالموسيقى والغناء، وبهذا فقد وفر الكاتب للقارىء عنصر التشويق حتى الدهشة، كيف لا ونحن بإزاء "جنية" تملك من القدرات والمعجزات ما لا يستطعه البشر، فهي لا تظهر إلا أمام حبيبها "أحمد" وهي تستطيع التنقل من بلد إلى آخر وتستطيع الوصول إلى صاحبها أينما وجد، بل وتقضي وطرها منه متى شاءت دون أن يشعر بها الآخرون، حتى إن ذلك يمكن أن يجري في الحافلة مثلما فهمنا من الفقرة التالية من نهاية الجزء الأول:
(( وقد جلس في مؤخرة الحافلة حتى يتمكن من استكمال نومه بوجود ( سوراه) بجانبه فشهق بصوت كتمته بيدها على عَجَلٍ وضمته إلى صدرها بقوة ،شعر معها بأن تمتص ما بقي فيه من رحيق وهي تردف إنما جئت لأوَدِّعـَك.. يا حـَبيبي ، بينما ( أحمد ) أصابه إغماء وتعب شديد ما شعر به من قبل وتذكر كلمات الرجل الذي مر به على باب البيت وترددت كلماته في مسمعه : ( ولكن دعني أ ُســِـِرُ لك سـِراً فـَزواج الجـِنِّية يحتاج رجُلاً قوياً فهي تستهلك منه تسـعة أضعاف ما تستهلكه المـَرأة الإنسـِـيَّة من زوجها. )..!! بعد ساعات استيقظ وهو يتحسس المكان،ويلتفت حوله فما وجد غير مساحات شاسعة من غابات الزيتون تمتد حتى عانقت الأفق بينما الحافة تقطع الطريق إلى المدينة، وصوت أغنية يحبها ينبعث من مذياع الحافلة.. مسافر زاده الخيال....))عاد احمد إلى القاهرة المحطة الإجبارية التي عشقها وترعرع فيها وتعلم فيها الموسيقى وتفتح قلبه على حبه الأول "زهرة" زميلته القاهرية التي تعلمت معه في معهد الموسيقى لكن الحياة راحت تفرق بينهما دون رحمة أو شفقة.وفي شوارع القاهرة المزدحمة بالناس، تظهر له حبيبته الأولى زهرة، لكن الأمر أشبه ما يكون بالحلم أو بمس من الجنون مثلما كان يحس أحمد آنذاك:((لابد ان ( سوراه ) قد ضاعفت من حالة المس التي تصيبني قبل أن ترحل فجأة، أو أنها هي ( سوراه ) تريد أن تختبرني وقد تقمصت صورة ( زهره ).. هكذا ردد بينه وبين نفسه بينما زادت حالتهُ اضطرابا ووجعا حتى فقد السيطرة على جسده فوقع على الكرسي فاغرا فاهه بينما ( زهره ) تتقدم منه وهي تشكر الصدفة التي هيأت هذا اللقاء بعد طول سنين في هذا المكان ))ومن الآن فصاعدا، يقع أحمد تحت تأثير علاقتين عاطفيتين، فهو قد وقع أسيرا لحب الجنية "سوراه" وراح يبادلها الحب كلما زارته فلا يقاوم رغبتها وقد تملكته بجمالها الذي لا يضاهي، ثم هو أيضا لا ينسى حبه الأول الذي يظل محفورا في قلبه مصداقا لقول الشاعر:نقل فؤادك حيث شئت من الهوى فما الحبُ إلا للحبيب الأولوكـــــم من منزل يألفه الفـــتى وحنـينه أبـــــدا لأول منزلالفلسطيني في واقع صعب :
من خلال حياة أحمد في القاهرة القريبة من فلسطين جغرافيا واجتماعيا وعاطفيا، نبدأ بمعرفة الفجائع الكبيرة المتتالية التي ألمت بالفلسطيني فأفقدته توازنه في عالم الواقع وهو يعيش في عالم عربي أنظمته تابعة وهزيلة وبوليسية وشعاراتية، وهو يعيش أيضا في بحر من شعوب نامية أو ما زالت تصنف كمجتمعات متخلفة تغرق في تحديات كثيرة كالفقر والجهل والهزيمة والتفرقة والاضطهاد، وكأي إنسان وكأي مجتمع يواجه الكوارث والصدمات الكبيرة، فإن "الحيل الدفاعية" تبدأ بالعمل، فإما أن تتجه اتجاها سلبيا أو تتجه اتجاها إيجابيا.
من خلال أحمد وهواجسه وعلاقاته وحواراته نتعرف على الهم الفلسطيني وقد ظهر لنا أن أحمد لم يكن ببعيد عن الجهود التي بدأت تتبلور وتتعزز لبناء ثورة فلسطينية تحاول تغيير الواقع الصعب وإعادة التوازن للفلسطيني الذي أصبح مشردا وممزقا ديموغرافيا ونفسيا وعاطفيا حيث يتجسد ذلك التشظي في احمد بطل قصتنا هذه، فهو يترك حبا له في القاهرة ويداهمه حب جديد من قبل "سوراه" الجنية، وهو لا يعرف أثناء وجوده في القاهرة ماذا يجب عليه ان يفعل لكنه ينتصر لنزعته في العودة إلى أسرته وموطنه رغم وجود الاحتلال.
الفلسطينيون عشية النكسة كانوا قد أطلقوا ثورة فبدأت مسيرتها بين حقول الألغام العربية والإقليمية والدولية، وفي الاتجاه السلبي راحت تطغي على تفكير الفلسطيني والعربي عموما الكثير من الغيبيات ممثلة في التخبط السياسي والفكري للدرجة التي أدت إلى التصادم مع شعوب عربية ومع أنظمة عربية مثلما حدث في الأردن مثلا، ثم في لبنان لاحقا، الواقع المعقد هذا الذي يشرف على تعقيده قوى استعمارية كبرى مع إسرائيل لم يترك خيارات كافية لمسيرة ناضحة رشيدة في كل خطواتها، وإن حدث ذلك فإنه سرعان ما يحاصر بالخطط والحروب لأن الفلسطيني سيظل مستهدفا في وجوده الفكري ووجوده الوجودي أينما حل ما لم يعلن عن تخليه عن حلمه وحقه وما لم يلتزم الصمت فيذوب في مجتمعات الشتات التي قذف به إليه رغما عنه.
في ذلك الواقع المعقد الصعب يسعى احمد مع الساعين لتنظيم جهد الشباب الفلسطيني والعربي لتحرير الأراضي العربية التي احتلت حديثا، فيساهم ذلك في تعويض قدر من احترام الذات الوطنية والقومية، لكنه أيضا يلوذ إلى علاقات الحب ليساهم في تحقيق التوازن العاطفي ليساهم في التغلب على حالة التشرد والضياع وقتامة المستقبل التي بدأ يواجهها بطلنا أحمد، وكأن بلسان حاله يقول مع الشاعر:
ما عالج الناس مثل الحب من سقم ولا برى مثله عظما ولا جسدا
هل القصة تقصدت رمزية معينة؟؟
لستُ على يقين إن كان الكاتب تقصد توظيف شخصياته توظيفا رمزيا مثلما يبدو لي أحيانا في شخصيتَيَ "سوراه" الجنية و "زهرة" الحبيبة الأولى!؟
من ناحية أولى، فإن القصة حققت أهدافها أو أنجزت ما يكفي لأن تكون عملا أدبيا متميزا بدون دلالاتها الرمزية المفترضة، فالقصة تروي لنا حياة ذلك الفلسطيني الذي يبدأ حياة التشرد والتنقل دون أن يتمكن من الاستقرار في وطنه نتيجة الاحتلال ، وفي حياة الفلسطيني المتشرد والمتنقل الكثير الكثير مما يقال في الروايات والقصص والأشعار وأشكال الفنون كلها، ولذلك فالكاتب لن يكون مضطرا لأن ينزع إلى عالم الرمزية إلا إذا رغب في تعزيز عمله ليكون في مستويين: مستوى واقعي تروى فيه أحداث تحمل في طياتها شيئا مما يحمله الأدب عادة، ومن السهل أن تصل تلك الرسائل إلى المتلقي "القارىء" العادي والمثقف.
أما المستوى الثاني فهو المستوى الرمزي الذي يتستر خلف الأحداث والشخصيات فلا يستجليه ويستمتع به غير القارئ المتبصر أو الأكثر مراساً.
وفي قصة "صاحب العود والجنية" يهيئ لي أن الفلسطيني – في تلك الفترة خصوصا- راح يعيش تحت ضغوط رهيبة تحت تأثير الصدمات السياسية الكبيرة، فقدْ فقدَ وطنه في حرب أقرب لأن تكون مسرحية، فاصطدم الفلسطيني بواقع عربي بائس، وانطلقت في تلك الفترة الثورة الفلسطينية فاكتشف الفلسطينيون أن التحدي الرئيسي لمسيرة الثورة لم يكن إلا العقبات والألغام الكثيرة في البلدان العربية، ولأن أحمد كان على صلة وثيقة بالعمل الثوري في تلك المرحلة شأنه شأن الكثير من الشباب الفلسطينيين وخصوصا المدرسين والطلبة، فقد كان احمد على اطلاع جيد بتلك العقبات والإرهاصات التي صورت له الأمر وكأنه يعيش عالمين غريبين متناقضين:
1- العالم الأول عالم واقعي مغرق في التشظي والتشرد والشتات وفقدان الأمل وازدياد العقبات ممثلا هذا الواقع بحبيبته الأولى " زهرة" القاهرية، وكأني بزهرة ما هي إلا الارتباط العاطفي بالمستقبل الواعد ، لكن ذلك الوعد بمستقبل جميل يتراجع ويتعقد ولا يستطيع الثبات نظرا للوقائع السياسية الجديدة لأن الوعد" زهرة" لا تستطيع الانتظار إلى مالا نهاية، بينما أحمد الذي يعود إلى غزة يدرك أنه أصبح مكبلا وقد فقد حريته في الاختيار، لذلك أختار أن لا يجيب على رسالة "زهرة" ولاذ بالصمت.
2- العالم الثاني عالم غرائبي ميتافيزيقي، رمز له العمل بالجنية "سوراه" وعلاقته معها، ويبدو أن مثل هذه العلاقة الميتافيزيقية كانت ضرورية لأحمد كي يحقق بعض التوازن النفسي والعاطفي بعد ما ألم به وبشعبه من مصائب، لأنه لو عاش الحياة "واقعيا" لجن جنونه أو لأدى به ذلك إلى الانتحار أو إلى الانسحاب من الحياة والعزلة.
ولا شك أن بعض الأفراد الفلسطينيين اختاروا بعض تلك الخيارات بطرق مختلفة.
وفي الخلاصة ، أننا لا نطلب من الكاتب أن يقر لنا فيما إذا كان تقصد الرمزية أم لم يتقصدها، فالكاتب في حل من التفسير وأصبح للقارئ الحق في استقبال التأويل الذي يراه مناسبا، وقد أثبتت الدراسات النفسية في الدراسات الأدبية ودراسات الاتصال والإعلام خصوصا، أن المتلقي ينتقي ما يراه مناسبا من تأويلات وفق خبراته السابقة، وهو لن يكون مقيدا بما استهدفه الكاتب من رسائل إلا إذا حصر الكاتب رسائله حصرا بحيث يصعب فتحها على تأويلات عديدة، لكن الأعمال الأكثر تأويلا هي تلك الأكثر نجاحا وأكثر متعة وجمالا مثلما هو معروف في عالم الأدب، ويتجلى ذلك أكثر ما يتجلى في عالم الشعر لأنه يستخدم الرمزية والتكثيف أكثر من غيره من الأجناس الأدبية.أخيرا، فقد تابعنا هذا العمل بمتعة للغته السردية السلسة الجميلة وللموضوعات الشائقة التي طرحها وللأفكار العميقة التي عالجها وكأنه أراد أن يكون العمل بانوراما مصغرة لحياة الفلسطيني عشية النكسة التي ألمت به عام 1967.
فكل التحية والتقدير للجهد الكبير الذي بذله زميلنا الأديب الفنان عبد الهادي شلا.. وكل التقدير لهذا العمل الأدبي الراقي الذي يحتمل تسليط الأضواء عليه من زوايا مختلفة.