السبت، 13 مارس 2010

قراءة في قصة "صاحب العود والجنية" لعبد الهادي شلا

بقلم عزام أبو الحمام
أتم زميلنا الفنان الأديب عبد الهادي شلا قصته على ثلاثة أجزاء كل جزء فيها من حلقات عدة، وقد حازت القصة على اهتمام ملموس من قبل القراء وهي تحمل في طياتها أسباب نجاحها سواء في لغتها السردية السلسة أو من خلال المحاور والموضوعات التي طرحتها.
تسرد القصة حياة الرجل الفلسطيني "أحمد صاحب العود" الذي أفاق ذات يوم على نفسه وشعبه فإذا به لاجئا مشردا بعد أن جرى احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967مع أجزءا غالية أخرى من الأراضي العربية، وهو من مواطني قطاع غزة وكان يتعلم في القاهرة التي منها تخرج وسافر للعمل مدرسا في دولة عربية أخرى، وفي احدى القرى النائية كان حظ احمد صحبة بعض زملاء له وصحبة عوده الذي لا يفارقه ويعينه على آلام الغربة والوحدة والآلام الجديدة التي تتداعي نتيجة ما سمي بالنكسة التي ما هي إلا محاولة عربية يائسة للتخفيف من آلآم الهزيمة وآلام الفجيعة التي ألمت بالجيوش العربية وبالفلسطيني أكثر من غيره لأنه فقد بذلك ما تبقى من موطنه.وفي غمرة إغراق أحمد بهواجسه وآلامه تلك في تلك القرية العربية النائية.
تبرز في حياة أحمد إمرأة غريبة سيكون لها دور الصدارة في باقي القصة وحتى الكلمة الأخيرة.
المرأة هذه لم تكن بإمرأة عادية مثل باقي النساء، إنها غاية في الجمال والذكاء وقد راحت تعشق احمد وتتعلق به حد الجنون بل والاستعداد للتضحية بنفسها من أجله، لم تكن تلك المرأة سوى الجنية "سوراه" التي جذبتها الموسيقى التي يعزفها "أحمد" على عوده في تلك القرية النائية عقب انتهاءه من عمله في المدرسة.
يعود أحمد إلى القاهرة في إجازته الصيفية الأولى وهناك يلتقي بالصدفة مع حبيبته الأولى "زهرة" ويعيش في القاهرة فترة من الوقت وهو تواق للعودة إلى وطنه ولقاء أسرته لكن الاحتلال الجديد يحول بينه وبين تلك الأمنية فما كان منهُ إلا أن يستجير بصديقته الجنية "سوراه".
ولأن الحب يعمي البصر والبصيرة، فقد وقعت سوراه في حبائل جني شرير وعدها أن يساعدها على تحقيق أمنية صديقها بإعادته إلى موطنه، لكنها تدفع ثمنا باهظا مقابل ذلك عندما تسقط في حبائل العفريت الشرير فيجبرها على الزواج منه ويحكم عليها على عدم مقابلة حبيبها الإنسي احمد وإلا سيكون مصيرها الاحتراق والهلاك.
إذا، فنحن أمام عمل قصصي يطرح بجرأة علاقة غريبة بين عالمي الإنس والجن، رجل من الإنس وأنثى من الجن وتنشأ بينهما علاقة غرامية تتطور حتى اللقاء الجنسي تماما مثلما يجري بين الرجل وزوجته. والأدبيات في مثل هذه العلاقة تشير إلى أن الظاهرة معروفة في الكثير من المجتمعات العربية وبين الفئات التقليدية والأشد فقرا، وغالبا من يفسر ذلك بهروب الإنسان الرجل من واقع صعب ضاغط إلى واقع يعيد له التوازن العاطفي فيعيش في عالم من الأوهام للدرجة التي يرى فيها نفسه متزوجا من جنية يتخيلها فيأتيه طيفها ويتواصل معه لغة وعاطفة وعلاقات جنسية حميمة جدا قد تؤدي بالرجل إلى قمة الذروة.من ناحية أخرى فإن البعض يؤمن بأن مثل تلك الحالات هي حالات حقيقة ويحلفون أغلظ الأيمان على وجودها الواقعي وقد يسندون ذلك بتأويلات من النصوص الدينية في القرآن الكريم والسنة النبوية.من الناحية الأدبية يمكن الجزم بأن الكاتب استطاع توظيف هذه العلاقة الغريبة من أول القصة حتى نهايتها توظيفا ناجحا، وحسنا فعل الكاتب حينما وظف الموسيقى والعود ليبرر نشوء العلاقة بين احمد وبين الجنيه "سوراه" نظرا لما هو معروف في الأدبيات الشعبية عن تعلق الجن بالموسيقى والغناء، وبهذا فقد وفر الكاتب للقارىء عنصر التشويق حتى الدهشة، كيف لا ونحن بإزاء "جنية" تملك من القدرات والمعجزات ما لا يستطعه البشر، فهي لا تظهر إلا أمام حبيبها "أحمد" وهي تستطيع التنقل من بلد إلى آخر وتستطيع الوصول إلى صاحبها أينما وجد، بل وتقضي وطرها منه متى شاءت دون أن يشعر بها الآخرون، حتى إن ذلك يمكن أن يجري في الحافلة مثلما فهمنا من الفقرة التالية من نهاية الجزء الأول:
(( وقد جلس في مؤخرة الحافلة حتى يتمكن من استكمال نومه بوجود ( سوراه) بجانبه فشهق بصوت كتمته بيدها على عَجَلٍ وضمته إلى صدرها بقوة ،شعر معها بأن تمتص ما بقي فيه من رحيق وهي تردف إنما جئت لأوَدِّعـَك.. يا حـَبيبي ، بينما ( أحمد ) أصابه إغماء وتعب شديد ما شعر به من قبل وتذكر كلمات الرجل الذي مر به على باب البيت وترددت كلماته في مسمعه : ( ولكن دعني أ ُســِـِرُ لك سـِراً فـَزواج الجـِنِّية يحتاج رجُلاً قوياً فهي تستهلك منه تسـعة أضعاف ما تستهلكه المـَرأة الإنسـِـيَّة من زوجها. )..!! بعد ساعات استيقظ وهو يتحسس المكان،ويلتفت حوله فما وجد غير مساحات شاسعة من غابات الزيتون تمتد حتى عانقت الأفق بينما الحافة تقطع الطريق إلى المدينة، وصوت أغنية يحبها ينبعث من مذياع الحافلة.. مسافر زاده الخيال....))عاد احمد إلى القاهرة المحطة الإجبارية التي عشقها وترعرع فيها وتعلم فيها الموسيقى وتفتح قلبه على حبه الأول "زهرة" زميلته القاهرية التي تعلمت معه في معهد الموسيقى لكن الحياة راحت تفرق بينهما دون رحمة أو شفقة.وفي شوارع القاهرة المزدحمة بالناس، تظهر له حبيبته الأولى زهرة، لكن الأمر أشبه ما يكون بالحلم أو بمس من الجنون مثلما كان يحس أحمد آنذاك:((لابد ان ( سوراه ) قد ضاعفت من حالة المس التي تصيبني قبل أن ترحل فجأة، أو أنها هي ( سوراه ) تريد أن تختبرني وقد تقمصت صورة ( زهره ).. هكذا ردد بينه وبين نفسه بينما زادت حالتهُ اضطرابا ووجعا حتى فقد السيطرة على جسده فوقع على الكرسي فاغرا فاهه بينما ( زهره ) تتقدم منه وهي تشكر الصدفة التي هيأت هذا اللقاء بعد طول سنين في هذا المكان ))ومن الآن فصاعدا، يقع أحمد تحت تأثير علاقتين عاطفيتين، فهو قد وقع أسيرا لحب الجنية "سوراه" وراح يبادلها الحب كلما زارته فلا يقاوم رغبتها وقد تملكته بجمالها الذي لا يضاهي، ثم هو أيضا لا ينسى حبه الأول الذي يظل محفورا في قلبه مصداقا لقول الشاعر:نقل فؤادك حيث شئت من الهوى فما الحبُ إلا للحبيب الأولوكـــــم من منزل يألفه الفـــتى وحنـينه أبـــــدا لأول منزلالفلسطيني في واقع صعب :
من خلال حياة أحمد في القاهرة القريبة من فلسطين جغرافيا واجتماعيا وعاطفيا، نبدأ بمعرفة الفجائع الكبيرة المتتالية التي ألمت بالفلسطيني فأفقدته توازنه في عالم الواقع وهو يعيش في عالم عربي أنظمته تابعة وهزيلة وبوليسية وشعاراتية، وهو يعيش أيضا في بحر من شعوب نامية أو ما زالت تصنف كمجتمعات متخلفة تغرق في تحديات كثيرة كالفقر والجهل والهزيمة والتفرقة والاضطهاد، وكأي إنسان وكأي مجتمع يواجه الكوارث والصدمات الكبيرة، فإن "الحيل الدفاعية" تبدأ بالعمل، فإما أن تتجه اتجاها سلبيا أو تتجه اتجاها إيجابيا.
من خلال أحمد وهواجسه وعلاقاته وحواراته نتعرف على الهم الفلسطيني وقد ظهر لنا أن أحمد لم يكن ببعيد عن الجهود التي بدأت تتبلور وتتعزز لبناء ثورة فلسطينية تحاول تغيير الواقع الصعب وإعادة التوازن للفلسطيني الذي أصبح مشردا وممزقا ديموغرافيا ونفسيا وعاطفيا حيث يتجسد ذلك التشظي في احمد بطل قصتنا هذه، فهو يترك حبا له في القاهرة ويداهمه حب جديد من قبل "سوراه" الجنية، وهو لا يعرف أثناء وجوده في القاهرة ماذا يجب عليه ان يفعل لكنه ينتصر لنزعته في العودة إلى أسرته وموطنه رغم وجود الاحتلال.
الفلسطينيون عشية النكسة كانوا قد أطلقوا ثورة فبدأت مسيرتها بين حقول الألغام العربية والإقليمية والدولية، وفي الاتجاه السلبي راحت تطغي على تفكير الفلسطيني والعربي عموما الكثير من الغيبيات ممثلة في التخبط السياسي والفكري للدرجة التي أدت إلى التصادم مع شعوب عربية ومع أنظمة عربية مثلما حدث في الأردن مثلا، ثم في لبنان لاحقا، الواقع المعقد هذا الذي يشرف على تعقيده قوى استعمارية كبرى مع إسرائيل لم يترك خيارات كافية لمسيرة ناضحة رشيدة في كل خطواتها، وإن حدث ذلك فإنه سرعان ما يحاصر بالخطط والحروب لأن الفلسطيني سيظل مستهدفا في وجوده الفكري ووجوده الوجودي أينما حل ما لم يعلن عن تخليه عن حلمه وحقه وما لم يلتزم الصمت فيذوب في مجتمعات الشتات التي قذف به إليه رغما عنه.
في ذلك الواقع المعقد الصعب يسعى احمد مع الساعين لتنظيم جهد الشباب الفلسطيني والعربي لتحرير الأراضي العربية التي احتلت حديثا، فيساهم ذلك في تعويض قدر من احترام الذات الوطنية والقومية، لكنه أيضا يلوذ إلى علاقات الحب ليساهم في تحقيق التوازن العاطفي ليساهم في التغلب على حالة التشرد والضياع وقتامة المستقبل التي بدأ يواجهها بطلنا أحمد، وكأن بلسان حاله يقول مع الشاعر:
ما عالج الناس مثل الحب من سقم ولا برى مثله عظما ولا جسدا
هل القصة تقصدت رمزية معينة؟؟
لستُ على يقين إن كان الكاتب تقصد توظيف شخصياته توظيفا رمزيا مثلما يبدو لي أحيانا في شخصيتَيَ "سوراه" الجنية و "زهرة" الحبيبة الأولى!؟
من ناحية أولى، فإن القصة حققت أهدافها أو أنجزت ما يكفي لأن تكون عملا أدبيا متميزا بدون دلالاتها الرمزية المفترضة، فالقصة تروي لنا حياة ذلك الفلسطيني الذي يبدأ حياة التشرد والتنقل دون أن يتمكن من الاستقرار في وطنه نتيجة الاحتلال ، وفي حياة الفلسطيني المتشرد والمتنقل الكثير الكثير مما يقال في الروايات والقصص والأشعار وأشكال الفنون كلها، ولذلك فالكاتب لن يكون مضطرا لأن ينزع إلى عالم الرمزية إلا إذا رغب في تعزيز عمله ليكون في مستويين: مستوى واقعي تروى فيه أحداث تحمل في طياتها شيئا مما يحمله الأدب عادة، ومن السهل أن تصل تلك الرسائل إلى المتلقي "القارىء" العادي والمثقف.
أما المستوى الثاني فهو المستوى الرمزي الذي يتستر خلف الأحداث والشخصيات فلا يستجليه ويستمتع به غير القارئ المتبصر أو الأكثر مراساً.
وفي قصة "صاحب العود والجنية" يهيئ لي أن الفلسطيني – في تلك الفترة خصوصا- راح يعيش تحت ضغوط رهيبة تحت تأثير الصدمات السياسية الكبيرة، فقدْ فقدَ وطنه في حرب أقرب لأن تكون مسرحية، فاصطدم الفلسطيني بواقع عربي بائس، وانطلقت في تلك الفترة الثورة الفلسطينية فاكتشف الفلسطينيون أن التحدي الرئيسي لمسيرة الثورة لم يكن إلا العقبات والألغام الكثيرة في البلدان العربية، ولأن أحمد كان على صلة وثيقة بالعمل الثوري في تلك المرحلة شأنه شأن الكثير من الشباب الفلسطينيين وخصوصا المدرسين والطلبة، فقد كان احمد على اطلاع جيد بتلك العقبات والإرهاصات التي صورت له الأمر وكأنه يعيش عالمين غريبين متناقضين:
1- العالم الأول عالم واقعي مغرق في التشظي والتشرد والشتات وفقدان الأمل وازدياد العقبات ممثلا هذا الواقع بحبيبته الأولى " زهرة" القاهرية، وكأني بزهرة ما هي إلا الارتباط العاطفي بالمستقبل الواعد ، لكن ذلك الوعد بمستقبل جميل يتراجع ويتعقد ولا يستطيع الثبات نظرا للوقائع السياسية الجديدة لأن الوعد" زهرة" لا تستطيع الانتظار إلى مالا نهاية، بينما أحمد الذي يعود إلى غزة يدرك أنه أصبح مكبلا وقد فقد حريته في الاختيار، لذلك أختار أن لا يجيب على رسالة "زهرة" ولاذ بالصمت.
2- العالم الثاني عالم غرائبي ميتافيزيقي، رمز له العمل بالجنية "سوراه" وعلاقته معها، ويبدو أن مثل هذه العلاقة الميتافيزيقية كانت ضرورية لأحمد كي يحقق بعض التوازن النفسي والعاطفي بعد ما ألم به وبشعبه من مصائب، لأنه لو عاش الحياة "واقعيا" لجن جنونه أو لأدى به ذلك إلى الانتحار أو إلى الانسحاب من الحياة والعزلة.
ولا شك أن بعض الأفراد الفلسطينيين اختاروا بعض تلك الخيارات بطرق مختلفة.
وفي الخلاصة ، أننا لا نطلب من الكاتب أن يقر لنا فيما إذا كان تقصد الرمزية أم لم يتقصدها، فالكاتب في حل من التفسير وأصبح للقارئ الحق في استقبال التأويل الذي يراه مناسبا، وقد أثبتت الدراسات النفسية في الدراسات الأدبية ودراسات الاتصال والإعلام خصوصا، أن المتلقي ينتقي ما يراه مناسبا من تأويلات وفق خبراته السابقة، وهو لن يكون مقيدا بما استهدفه الكاتب من رسائل إلا إذا حصر الكاتب رسائله حصرا بحيث يصعب فتحها على تأويلات عديدة، لكن الأعمال الأكثر تأويلا هي تلك الأكثر نجاحا وأكثر متعة وجمالا مثلما هو معروف في عالم الأدب، ويتجلى ذلك أكثر ما يتجلى في عالم الشعر لأنه يستخدم الرمزية والتكثيف أكثر من غيره من الأجناس الأدبية.أخيرا، فقد تابعنا هذا العمل بمتعة للغته السردية السلسة الجميلة وللموضوعات الشائقة التي طرحها وللأفكار العميقة التي عالجها وكأنه أراد أن يكون العمل بانوراما مصغرة لحياة الفلسطيني عشية النكسة التي ألمت به عام 1967.
فكل التحية والتقدير للجهد الكبير الذي بذله زميلنا الأديب الفنان عبد الهادي شلا.. وكل التقدير لهذا العمل الأدبي الراقي الذي يحتمل تسليط الأضواء عليه من زوايا مختلفة.

الثلاثاء، 9 مارس 2010

قراءة في قصة صخب الموانئ (لزياد صيدم)

بقلم عزام أبو الحمام

بنشر الحلقة الأخيرة من رواية الزميل زياد صيدم، نحتفي بهذا العمل الأدبي المتميز من خلال هذه القراءة التي ستحاول التركيز على الرواية في بعدها السيكولوجي أكثر من الأبعاد الأخرى التي سأشير إليها باقتضاب قبل أن نلج معا في البعد أو المحور السيكولوجي.
الرواية – في الحقيقة – استحوذت على اهتمام القراء بشكل لافت، وقد مررتُ على الكثير من التعليقات وكان معظمها يعبر عن شغف المتابعة وعن سلاسة اللغة السردية للقصة وعن الإعجاب بصخب العواطف المضطرمة مما نجح في حياكته الكاتب بلغة مشوقة وبواقعية لدرجة أن أحد المعقبين أشار إلى أنه يظن أن الرواية هي عمل واقعي، وهذا في نظري هو قمة النجاح أن يصل الظن بالقارئ إلى أنه يقرأ عملا واقعيا بصرف النظر عن كون الحدث وقع فعلا أو أن الكاتب ركب عناصره من الواقع ومن الخيال ومن تجربة الحياة التي لا تعني أن الكاتب اطلع عليها مباشرة بالضرورة.
إذا نحن أمام عمل سردي واقعي متميز بلغته السردية المشوقة وبمحاولة سبره لأغوار النفس البشرية في حالة اجتماعية محددة تشكل مركزية أو محورية في حياة شخوص العمل الأدبي.
من ناحية أخرى، يسجل للكاتب أيضا أنه تناول الخوض في علاقة حساسة قلما ما تتناولها الأعمال الأدبية القصيرة بمثل هذا التركيز والإشباع، ألا وهو العلاقة العاطفية الموازية لعلاقة الزواج، وكيف؟، وعبر الحواسيب والتواصل الافتراضي.

من الناحية البنائية، فثمة مسألتين جديرتين بالتمعن والبحث: الأولى هي جنس هذا العمل الأدبي، هل هو رواية كما يحب أن يصف هذا النوع أستاذنا الكبير نزار ب.الزين أم هو قصة طويلة كما أميل إلى ذلك دون أن أجزم برأيي هذا؟ وأظن أن أمر النشر المجزئ (بالتقسيط) يساعد في عدم تقدير الطول الحقيقي للعمل، أما من ناحية مستويات الحدث والشخوص ، فهو – بنظري- من النوع المتوسط لأن الرواية عادة ما تتناول فترة زمنية طويلة وتتعامل مع عدد أكبر من الشخوص، ويبقى هذا مجرد رأي شخصي بالطبع، في حين أن القصة الطويلة لا تستطيع معالجة أكثر من مستوى أو مستويين من العلاقات التي تنسج بين الشخوص .
المسألة الثانية المتعلقة بالبناء وتعد إشكالية أيضا هو تعمد الكاتب إلى تغييب الأبعاد الاجتماعية/ المكانية / للقصة- الرواية. فهو لم يبسط الحيثيات الاجتماعية بما يكفي حول أبطاله خصوصا "نجوى" زوجته المريضة لنحاول أن نعرف الأسباب الاجتماعية التي ساعدت على ظهور مرضها، وكما نعرف فإن المرض محوري في العمل، وكما هو معروف أيضا فإن البعد الاجتماعي في مثل هذا المرض مهم ربما بأكثر من أهمية العامل الوراثي، لأن العامل الوراثي يظل كامنا ما لم يجد ظروفا اجتماعية أو بيئية أو صدمات معينة تخرجه من كمونه، ولكنه أشار إلى ذلك باقتضاب من خلال تقرير الأطباء في آخر أجزاء العمل.
أضف إلى ذلك أن بعد (الزمان) مهم في الروايات تحديدا ، لأن الرواية عادة ما ترتكز على عنصري الزمان والمكان بشمل كبير كي يكون للرواية قيمة تأريخية وقيمة معرفية إضافة ما للمكان والزمان من "إشعاع وجداني". فنحن في هذا العمل لا نعرف أين تجري أحداث الرواية، فالقارىء لا يستطيع أن يستنتج سوى أنها تحدث في مجتمع عربي، لكن أي مجتمع وأي منطقة تحديدا؟؟!، فهذا غير معروف لأن الكاتب موه ذلك علينا تمويها محكما وسد أمامنا كل اجتهاد من خلال المؤشرات المختلفة. الكاتب تقصد ذلك عن سبق ترصد وإصرار- كما يقول المحامون-.

وهكذا فنحن بإزاء مجتمع عربي ما، قد يكون في دولة خليجية أو دولة مغاربية أو في مجتمع من مجتمعات بلاد الشام، وربما كان هدف الكاتب أن يُضمنْ عمله رسالة تعميمية صالحة لكل المجتمعات العربية لذلك تخلى عن البعد المكاني، أما البعد الزماني فمن السهل معرفة أنه حديث لأننا بإزاء استخدام الإنترنت في المنازل، مع ذلك فإن حضور العنصر الزماني لم يستحضر بهدف بسط أو تفسير تطورات ظاهرة ما أو تحليلها أو بنائها وفق سياق زمني، لأن ذلك لم يكن في بال الكاتب، بل كان يتطلع إلى المسألة الأهم.

وبما أن هذين العنصرين غير حاضرين بوضوح في العمل ، فإنني ملت للقول أننا بإزاء "قصة طويلة" وليست رواية.
وكل ما تقدم يعيدنا إلى استنتاجنا الأولي من أن الكاتب كان يتقصد توريط القارئ في البعد النفسي فلا يشتته في الأبعاد الأخرى التي تخلى عنها أو موهها لدرجة كبيرة حتى يبسط أبعاد نفسية – عاطفية ويلقي من خلالها بإشكالية رئيسية أثارت بالفعل القراء والمعقبين وقد قرأت فيها من يتعاطف مع طرف من الأطراف الثلاثة للمعادلة العاطفية (إبراهيم – زوجته نجوى – حبيبته حنان) في حين أن بعضهم يستغرب أو يستهجن أو يتساءل عن مشروعية ما يقوم به الطرف الآخر.
وهكذا سأتناول بالتفصيل البعد النفسي في هذه القراءة بعد أن قدمنا لذلك بالسطور السابقة ، ولكن بعد أن نضع ملخصا للقصة.

الملخص :
جاءت القصة بلغة سردية على لسان الراوي الذي هو الكاتب نفسهُ، حاول الراوي أن يظل حياديا في سرده لأحداث الرواية ولوصف شخصياته فلم يشحننا بشكل مباشر لتوليد عواطف سلبية او ايجابية تجاه هذه الشخصية أو تلك، وعلى كل حال فالشخصيات في العمل محدودة وربما هذا من أحد أسباب نجاحها لأن القارئ ظل قادرا على تذكر الشخصيات وسماتها والأحداث رغم المباعدة في نشر حلقات الرواية، خصوصا الحلقات الثلاث الأخيرة.
شخصيات الرواية هي إبراهيم بطل القصة، وهو مهندس يعمل في احدى الدوائر الحكومية ، وأظن أنها سلطة الموانئ أو وزارة المواصلات ، و"نجوى" هي زوجة المهندس إبراهيم ، وهي منذ الحلقة الأولى تقيم في مستشفى للأمراض النفسية، وقد علمنا أنها تعاني من مرض الشيزوفرينيا، وهي إنسانة مثقفة أو متعلمة على ما بدا لنا وهي تفكر أو تتوهم أنها بصدد كتابة رواية، ثم صديقة أو حبيبة إبراهيم ، وهي "حنان" التي عرفنا من الحلقة الأولى أنها بادرت المهندس إبراهيم لعلاقة عاطفية عبر جهاز الحاسوب بعد أن قرأت له بعض نتاجه الأدبي، أي عبر التواصل الافتراضي أو السيبراني أو الإلكتروني ولا نعرف الكثير عن حنان وعن ظروفها الاجتماعية سوى أنها متفهمة لإبراهيم ومفتتنة به وتتعاطف معه ومع زوجته المريضة، وهي في ذلك تشكل متنفسا عاطفيا لإبراهيم الذي يعاني من الظمأ العاطفي نتيجة مرض زوجته الطويل . ثم نتعرف على أفراد اسرة المهندس إبراهيم، وهم أطفاله وأكبرهم إبنته " سلوى" التي تحمل عبئا كبيرا من وظيفة والدتها المريضة في رعاية أخوتها الصغار (لم يكن لهم كبير شأن في الأحداث)وهي أيضا تساعد في بتلبية بعض حاجات والدها. إضافة إلى "أم سعد" المرأة الكبيرة التي هي الخادمة التي تعمل في منزل الأسرة كي تعيل أفراد أسرتها هي الأخرى.

الحدث :
الحدث الرئيس وربما الوحيد هو " مرض نجوى" وما يرتبط بذلك من تداعيات، ولا أقول أحداث أو حوادث، لأن الكاتب ظل يضع هذا الحدث في بؤرة الاهتمام منذ الحلقة الثانية، بعد أن أطلعنا في الحلقة الأولى على سر علاقة إبراهيم بحنان التي تطل عليه عبر الحاسوب فقط. ويساير هذا المحور الأول ويلازمه حتى النهاية ، والكاتب لا يطلعنا على تفاصيل بهذا الشأن، لكنه يجمل ذلك إجمالا كما في قوله:


((..توقف متجها بنظره إلى ركن آخر يقع على يمينه مباشرة، كان مكتبه الصغير حيث ركز فكره ونظره صوب جهاز حاسوبه .. أطلق لفكره العنان مستذكرا ليلة أمس مع صديقته التي باحت بحبها له، وهى تعلم بأنه صاحب القلب المشغول حتى لحظة بوحها .. فأربكته وأوقعته في حيرة الإجابة، فكانت مفاجأة كالصاعقة عليه.. اقترب منه ولمسه بحنان، وتفقد بأنه في وضعه الآمن، كان كمن يتحسس ولده الصغير ويخشى عليه، تنهد تنهيده خرجت من بين شفاهه، وامتزجت بإحساس غريب ومميز !...فهل كانت بداية قصة حب جديدة تعصف بقلبه وكيانه تنقله إلى عالم قديم، يحن إليه ولطالما حن إليه ؟.. وهل سيتشقلب كيانه كما أول مرة ؟ أم أنها ستكون قصة عابرة وأحاسيس لطالما تبادلها مع عشرات من النساء الأخريات سرعان ما انتهت بهدوء وصمت.. فلم تترك إلا ذكرى تذوب رويدا، رويدا بمرور الأيام.. تساؤلات انهمرت على عقله كالمطر، بينما كان يتجه لأخذ حمامه الصباحي المعتاد، وقد ارتسمت عليه ابتسامة جميلة، استدل عليها من خلال إحساسه بارتياح ورضي بل وسعادة غامره ...- هل من لوازم ومتطلبات اليوم لإحضارها في عودتي؟ كان سؤاله شبه اليومي لابنته الكبرى التي تدير أمور البيت بعد غياب والدتها !...- نعم لقد أعددت لك هذه القائمة يا أبى حتى لا تنسى شيئا كعادتك، أجابته.. ادخلها في جيب بنطاله، والتفت إليها ملقيا بدعائه وأمنياته لها بالتوفيق والسعادة وطول العمر، ولا تفوته أبدا ابتسامة خفيفة يتركها قبل أن يغادر بوابة المنزل، ويمضى في طريقه بينما فكره لا يزال يعيد شريط ذكريات ليلة أمس، بكل تفاصيلها وصخبها !!.))
وفي الحلقة رقم (10) كانت هذه العلاقة قد تطورت وتعمقت، تعالوا لنقرأ الفقرة التالية التي تلخص هذه العلاقة النظرية/ السيبرانية:

(( كانت ليلة عصيبة على إبراهيم، فقد جابت أفكاره كل الاحتمالات، حتى شعر بصداع رهيب يضغط رأسه، كحمل ثقيل يتربع فوقها، صخب فظيع كأنه أجراس تدق في أعماق رأسه، فتناول مسكنا حتى استطاع المكوث مع حبيبته حنان، التي لعبت دورا كبيرا في حفظ توازنه، وتهدئته بمشاركتها في التخفيف عن قلقه، وحيرته وتعثر أفكاره.. فمنحته حنانها، وأفادته كثيرا في إعادة ترتيب أفكاره، حتى أحس بقربها منه أكثر، بل أصبحت بمثابة قطعة من جسده لا يستغنى عنها..))


ضغوط نفسية بسبب الواقع:

قلنا سابقا ،أن الكاتب أهمل البعد الاجتماعي في عمله "لغرض في نفس يعقوب"، وهي فرصة الآن لتوضيح ما قصدناه، البعد الاجتماعي هو ذلك البعد الذي من المفترض أن يخدم الحدث الرئيس، ألا وهو مرض زوجته "نجوى" ، أي أننا لا نعرف الحيثيات الاجتماعية التي سبقت المرض، لكننا لم نعدم إشارات اجتماعية أتت في سياق القصة لتخدم غرضا آخر – على ما يبدو لي – ألا وهو توضيح الحاضن الاجتماعي الذي يساهم في الهروب إلى الواقع الافتراضي (الحب عبر الحاسوب). فهل هذا يعني أن الحدث الرئيسي للعمل كان هو تلك العلاقة الافتراضية وأن مرض "نجوى" كان هو المسار الفرعي؟؟ بمعنى هل كانت حيثيات القصة بما فيها مرض زوجته "نجوى" كان هو الحاضن الاجتماعي لتسويغ العلاقة الأخرى مع "حنان"؟ ساترك الإجابة على هذا السؤال ولن أخوض فيه كي لا أشت عن افتراضي الأول المعاكس، لأن القراءة العاجلة لا تستطيع الوفاء بكل الإجابات والتساؤلات.

من الحلقة (4) نتعرف على يوم من أيام إبراهيم، وهذا مهم في سياق بحثنا عن البيئة التي يعيش فيها أو عن البعد الاجتماعي الذي لا بد أنهُ يشكل تربة خصبة لأي غرس نفسي لاحقا:
(( تركته على مكتبه قبل أن تطلب له قهوته المفضلة، يشعل سيجارته ويبدأ في تفحص الملف المعد ))

يهاتفه احد معارفه وينبئه بأن ابنه الفتي أصيب في حادث عرضي وانه نقل إلى المستشفى بسيارة الإسعاف، مما ملأ قلبه ذعرا ورعبا على ابنه، فأسرع إلى التوجه للمستشفى:

(( وصلا قسم الطوارئ، قابلا الطبيب الذي عاين حالة الصبي، كان إبراهيم متجهم الوجه، شاحب الملامح، اعتقادا بما سمعه من حديث العمال، فطمأنه الطبيب: بان حالته الأولية جيده وقد أغمى عليه نتيجة ارتطامه بالأرض، وهو يستعيد وعيه الآن، وقد ذكر اسمه صهيب وهذا مبشر على عدم حصول ارتجاج في المخ أو فقدان للذاكرة، كما أفاد: هناك بعض كسور في ساقه وذراعه سيتعافى منها في اقرب وقت،،،))

وفي مقطع آخر:
((نظر إلى ساعته التي كانت تقترب من الثانية عشرة والنصف، فأشار إلى سائقه بالتوجه إلى المصحة الخاصة، حيث موعده مع دكتور نصري الذي قرر اليوم بان يلتقيا ثلاثتهم مع زوجته، بعد فترة علاجية مركزة، حيث منع الزوج من لقائها لفترة أسبوعين متتاليين، حيث كان يتطلب علاجها ذلك ! فور وصوله مكتب الطبيب، كان بانتظاره و توجها على الفور إلى غرفة رقم: 22 حيث تقيم زوجته ..))
ومن الحلقة اللاحقة نشاهد مع الكاتب بطله إبراهيم في موقف حرج بعد أن اتصل به الأطباء لحال طارئ وموقف عاجل يتعلق بزوجته المريضة:

((- ماذا تقول ؟محاولة انتحار يا دكتور نصرى ! انتفض إبراهيم واقفا، ضرب كفه على جبينه، ثم ما لبث أن اسقط بجسده على الكرسي مستسلما، لقد بدأت تتضح معالمه جيدا بشكل لا يقبل التأويل أو الجدل، في استعصاء حالتها من شفاء قريب أو منظور)) .

وهكذا فإن إبراهيم يعيش حياة صاخبة نوعا ما بين عمله وهو يتحمل فيه مسؤوليات رئيسية وبين رعاية أبنائه بمساعدة الخادمة وبين مرض زوجته الصعب و"جفاف نبعها العاطفي" وبين "حنان" التي تتدفق ينابيعها حبا وهياما وافتتانا وغراما.

الأولاد يشكلون نقطة ضعف في الرواية:

كان وجود الأبناء - الأطفال في القصة مهما وحيويا من الناحية العاطفية على الأقل، ومن الناحية الاجتماعية الضاغطة، لكن ثمة ثغرة بسيطة في حيثيات التداعيات التي نشأت عن مرض الأم وعلاقة الأولاد بها ، والثغرة في البناء أو في التسويغ بلغة أخرى.
لننتظر ولنخمن هذا الخلل ، وهو الخلل الوحيد الذي رَصَدته في البناء.

في الحلقة(8)
(( لكنه استفاق على كلمات أوحت له بوجود بارقة أمل، عندما سمعه يقول: سنجرب معها الصدمة المرتجعة ؟ هي محاولة تتلخص في عمل لقاء مع أطفالها على وجه السرعة، وليكن غدا ..- أيمكن ذلك يا دكتور ؟ أيعقل بعد أن أخبرتهم بان أمهم في دراسة خارج البلاد.. كيف لي أن أتدبر الأمر الآن ؟ لكن لا باس، سأتوصل إلى حل ما ..- لكن كن حذرا، لقد أخبرتني بوجود ابنة كبرى فماذا ستفعل ؟ - سأواجهها بالحقيقة، ابنتي سلوى يجب أن تعلم الآن كل الحقيقة التي أخفيتها عنهم جميعا، فهي في المرحلة الثانوية، وعقلها سيدرك كل الأمور، نعم يا دكتور وبخصوص الأطفال سأجد حلا مناسبا ..))
ونتابع تطور الأحداث قبل اقتراب الأحداث إلى قمة أنتظرها القراء بشغف ليعرفوا كيف سيجري اللقاء بين الأبناء وأمهم:

(( بينما كان الأولاد يتناولون فطورهم، تحدثت سلوى إليهم بصفتها الأخت الكبيرة، مختلقة قصتها كما اتفقت مع أبيها، فأخبرتهم بأن أمنا عادت بالسلامة من سفرها أمس.. وقد نقلتها الوزارة إلى مركز للتعليم العالي لإكمال دراستها، وهى تنتظرهم اليوم حيث تقيم.. فرح الأطفال، واخذوا يتصايحون ماما..ماما.. والسعادة تغمر وجوههم، والبراءة على محياهم، تعلن تجلى الطفولة بكل صورها...

أظن أنكم استبنتم الخلل الذي قصدته في الفقرة السابقة؟
لا بد أنكم تساءلتم حين قراءة ذلك: كيف يمكن إقناع الأبناء ( وجميعهم بمستوى الإدراك ) أن غياب الأم كان في الخارج بقصد التعليم ونحن في عصر ثورة الاتصالات والمواصلات ، خصوصا أن شبكة النت حاضرة في منزل الأسرة نفسها!!وباعتقادي أن بإمكان الكاتب إعادة النظر في هذه الجزئية بأن يفصح لهم عن مرض الأم منذ البداية ويُجري الأحداث وفق هذه الحقيقة. ولن يغير ذلك شيئا من بنية القصة ولا من دلالاتها المستهدفة.
البعد النفسي في الأولاد أيضا:

((انزوت سلوى جانبا تسترق النظر إلى باب المكتب بعيون شاردة زائغة، لا تستقر على مقعدها، تنقل كفيها على وجنتيها تارة، وتضرب على ركبتيها المنتفضتين بعصبية لا إرادية تارة أخرى.. كان الطبيب يلاحظها باهتمام((
ويصل بنا الكاتب إلى ذروة عاطفية نفسية من خلال صورة الابنة الكبرى قبل أن تحظى بلقاء أمها:
ومما يدلل أيضا على أن الكاتب كان شغوفا بالحيثيات النفسية لأبطاله ما يرد في المقطع التالي:
(( أريد أمي حالا ..أريد رؤيتها الآن يا دكتور، أرجوكم ..أتوسلكم.. وأجهشت ببكاء تتقطع له القلوب. سارع إبراهيم إلى ضمها، يقبل رأسها، يحوطها بذراعه، يهدئ من روعها، هامسا بكلمات بالكاد تخرج من فيه، حالا بنيتي.. سترون أمكم فورا، ملتفتا جهة الطبيب، ينتظر إشارته بالتحرك إلى حيث تقبع نجوى، فهي لا تعلم بهذه الزيارة مسبقا كما أرادها إجماع الأطباء، لأنها تندرج ضمن وسائل علاجية حديثة، يتبعونها في مثل هذه الحالات .))

وفي الحلقة (10) يقدم لنا الكاتب ملخصا عن الحالة المرضية لزوجته نجوى مما يؤكد أنه درس الحالة المرضية دراسة علمية أثناء كتابة قصته، وبالتدقيق وجدت أن معلومات الكاتب لا غبار عليها إجمالا، فقد أورد على لسان طبيبها:

((( - هذا صحيح، لن نطيل عليهم، إليك خلاصة التقرير:باش مهندس، أنت تعلم بان مجتمعاتنا الحديثة مليئة بالمرض النفسي/ العصبي، وقد بدأنا هنا بعمل فحوصات فيزيولوجية عامة، ثم فحوصات للغدد الصماء وما شابه.. و بحثنا عن مسببات العقدة النفسية التي تجتاحها حتى تملكتها، وهيمنت على عقلها، أي عن أسباب الصراع الانفعالي داخل عقل نجوى، وعن مكونات أسباب اللاتلاؤم مع البيئة.. وحالتها وصلت إلى أعراض حالة الهلع، أو الخوف من كل شيء يحيط بها ..من الأسواق والأماكن الواسعة المزدحمة، وثبت بالمتابعة أنها بقيت ملازمة للمنزل وعدم مغادرته.. أو لغرفتها هنا دون طلب مغادرتها ! وهذه حالة متقدمة من الاكتئاب، ومن أعراض المرض نفسه.. حيث تم الكشف عن مورثات المرض في عائلتها، وثبت لدينا وجوده بالتدقيق والفحص.. وهنا تسببت العوامل الوراثية في انتقاله من جيل لآخر، وبدأ مع نجوى مع وفاة والديها بفترات وجيزة، عندما كانت في سن العشرين.. بشكل غير مرئي للأسف، فان الحالة شديدة التعقيد والخطورة، لأنها تطورت إلى انفصام تام في شخصيتها، يسبب لها آلامًا اشد وطأة من الآلام البدنية، وقد لا تقل عنها حدة ومدة أو عمقًا ودوامًا، بل إنها معرضة للانتقال إلى المرض العقلي بمعنى الجنون.. فمحاولتها الأخيرة للانتحار، كانت خير دليل على ما رصدناه من تطور للحالة.. ويبقى وجه الله وحكمته أولا وأخيرا.اغرورقت عيناه بالدموع، فأجهش بالبكاء.. بعد اطلاعه على ملخص مرير، افقده الرجاء بشفاء منظور لزوجته الحبيبة، وأم عياله، لكنه تماسك، فما زال هناك بصيص أمل في الخطوة القادمة، مطالبا سرعة العودة إلى أطفاله .. فكان ما أراد.)))
بالطبع لا يقصد الكاتب أن يقدم لنا أو للأطباء معلومات جديدة عن المرض، لذلك فإنه يمكن غض الطرف عن هنة ربطه أسباب المرض بموت والديَ المريضة ، لأنه بحسبة بسيطة سنعرف أن حادثة الموت وقعت منذ سنوات بعيدة لا تقل عن سبع سنوات على الأقل لأن الزوجة رعت أولادها وأكبرهم بعمر سبع عشرة سنة ، فلماذا الآن تتذكر المريضة موت والديها؟ لا بد أن ثمة أسباب اجتماعية أو حوادث مؤلمة لاحقة لموت والديها كانت أكثر أهمية ويصعب الخوض في ذلك لكثرة الاحتمالات الممكنة.

الحلقة (11)
ويجري اللقاء المنتظر بين الأم وأولادها :
((اتخذ الأطباء مكانا قريبا.. يسجلون ملاحظاتهم بدقة وخبرة عالية.. كانت سلوى في هذه الأثناء تعانق أمها بلهفة عارمة .. بينما الأطفال يتشبثون بتلابيب ثوبها.. صراخ وهتاف ماما..ماما.. بكاء ودموع تنهمر من مقلتي سلوى.. لا تصدق بان ذراعيها تطوقان أمها في لقاء طال انتظاره.. ))
ويتابع ، ونحن نتابع معه متشوقين لسبر أغوار نفوس الأطفال، ولمعرفة ردود فعلهم في هذه الذروة العاطفية الدرامية المؤثرة:

(( في تلك اللحظات الحاسمة ..كانت أقلام الفريق المشرف تسجل: ذهول وفتور واضح من جانب الأم..نظرات غير مستقرة.. ردة فعل عادية جدا لا توحي بحنين واشتياق للأسرة.. مجاملات أشبه ما تكون رسمية لا تغطى الحدث المتوقع... كانت رؤوس أقلام كتبتها أيادي مختصة..قبل أن يغلقوا ملفاتهم ويمضوا خارجين.
- نعم إبراهيم، شهور مرت ولم أشاهد أي منهم هنا؟..لكن لا باس، فقد عكفت على روايتي بهدوء ودون إزعاجات منهم !! تراجع إبراهيم إلى الخلف مذهولا من جملتها الأخيرة.. اصطدم بالكرسي، تماسك، التف حوله مصوبا نظراته إليها .. واضعا كلتا يديه على حافته كمن يستند عليه من هول إجابتها..كان الدكتور نصري مازال واقفا معهم.. يتابع بدقة متناهية...))

ونتابع عودتهم إلى المنزل:

((استقبلتهم الخادمة أم سعد وهي تسال عن صحة وأحوال نجوى،،،
لاذت سلوى بالصمت مسرعة إلى غرفتها.. أقفلت الباب على نفسها..وأجهشت بالبكاء.. بينما اصطحبت أم سعد كلا من انهار وأمجد إلى غرفتيهما.. تغير ملابسهما وترعى شؤونهما ..وانسل إبراهيم إلى غرفة نومه.. والحزن باديا على وجهه.. والألم يعتصر قلبه.. حيث فقد الرجاء وأمله الأخير بشفاء زوجته..)).

يعود بنا الكاتب/ الراوي في الحلقة (11) إلى المحور الآخر لقصتنا، إنها حنان، واختيار الاسم بالنسبة للكاتب لم يكن عشوائيا، بل فيه رمزية كبيرة:

((عاد مسرعا للبيت فور انتهاء العشاء.. فالساعة تقترب من الحادية عشرة.. حيث حنان تكون في انتظاره..هذا اللقاء الذي يحتاجه الليلة بشكل خاص وأهمية بالغة.. بادلها الكلمات فورا:- حنان.. احتاجك أن تكوني اقرب إلى أكثر من أي وقت مضى.. اهمس إلى قلبك الطيب: كوني بخير لأنك قلبي .. فدموع الفرح بلقائك تنهال منى الآن.. تغسل معها حنقا ويأسا وصخبا يجتاحني.. احتاجك يا مهجة الروح.. يا حبا اندمج في قلبي بكل سكناته ونبضاته.. فيدق هاتفا باسمك.. ويتغنى دوما بلحن حروفك ..هل تحبيني يا حنان؟؟ وانتظر يسمع إجابتها...))

الحلقة الأخيرة نهايات معقولة وتساؤلات:

يعاود الأطباء الاتصال بإبراهيم الذي يسارع لترك عمله ويصل للمستشفى ويخبره الأطباء بأنهم بصدد مرحلة جديدة من العلاج:
(( - أجرينا تقييما معمقا.. ومراجعة شاملة وكاملة.. تحدثنا مع نجوى أمس.. وبناء على ذلك اتخذنا قرارا بعد أن تيقنا من الحالة وصعوبة الشفاء التام: بان تخضع نجوى لعلاج دائم مدى الحياة.. وستغادر المصحة في أسرع وقت.. وهناك كثير من التعليمات والإرشادات التي ستتبعونها في البيت.. على أن تبقى تحت رعايتك.. وخصوصا أم سعد المربية التي تعين الأسرة، ستكون المعين لها ولكم وننصح ببقائها دوما.
- ياااه غير ممكن ؟ مستحيل!!.. ))

ثم يوضح الأطباء له أن نجوى تستطيع العودة لبيتها وأسرتها وممارسة حياة مستقرة نوعا ما بفضل الدواء وبتعاون أفراد الأسرة ولكنها – أي الزوجة – لن تكون قادرة على القيام بواجبها في فراش الزوجية وعلى الأرجح أنها فقدت عاطفتها تجاه إبراهيم وتجاه الأولاد أيضا، وذلك بفعل المرض وبفعل الآثار الجانبية للدواء الدائم الذي يتوجب عليها تعاطيه طوال حياتها.
يتصل إبراهيم بابنته سلوى ويزف لها خبر عودة أمها ولم شمل العائلة خلال يومين بعد معاناة طويلة لأفراد الأسرة.
ينتهي بنا الكاتب/ الرواي، بل وينهي قصته الطويلة بخلاصة المحور الآخر في السرد ألا وهو محور علاقته مع حنان فيجمل لنا توجهات إبراهيم النهائية نحو هذه العلاقة؟
ترى كيف ستؤول هذه العلاقة بعد أن تأكد لإبراهيم أن زوجته لم تعد قادرة على ممارسة دورها كزوجة؟
الجواب في الفقرة الأخيرة من هذا العمل الممتع:
((أسدل الليل بساتره .. وتسلل النعاس إلى الجفون..وأغلق كل منهما حاسوبه.. وقد قاربت الأمنيات من بوح صريح لأحلامهما .. بوح تشتاق القلوب العاشقة إلى سماعه..فلا عوائق نفسية أو معنوية أو مادية ستقف حائلا بينهما.. حيث سيكون لاحقا تجسيد الأحاسيس والشعور بالحب الصادق والعواطف الجياشة إلى حقائق دامغة.. رسمت الأحداث الصاخبة نهاياتها.. و بانت واضحة وضوح الشمس )).
تمت / فبراير 2010

أخيرا، هذا عمل من الأعمال المتميزة للقاص القدير الزميل زياد صيدم ، فقد جاء بلغة سردية ممتعة ومشوقة، وتضمن توترات عاطفية مستمرة بين مثلث إنساني يجمع الزوج – الزوجة – الحبيبة ، وقد جاء العمل في بناء شفاف غير معقد وكأننا نشاهد مسلسلا تلفزيونيا، و تناول محورا مستحدثا في العلاقات بين الناس، خصوصا تلك العلاقة العاطفية عبر النت، ثم بين رجل متزوج وأخرى ، ولا بد أنها غير متزوجة لأننا نستخلص أن إبراهيم يزمع الزواج منها غير آبه بالعقبات الكثيرة:
((..فلا عوائق نفسية أو معنوية أو مادية ستقف حائلا بينهما.. حيث سيكون لاحقا تجسيد الأحاسيس والشعور بالحب الصادق والعواطف الجياشة إلى حقائق دامغة..))
********
كل التحية والتقدير للأديب القاص الزميل زياد صيدم ولعمله الأدبي الكبير هذا.

أخيرا، أتمنى على الدارسين من الزملاء والقراء، التصدي بقراءات جديدة لأعمال جديرة بالدراسة في هذا المنبر على الأقل أمثال رواية زميلتنا الأديبة فايزة شرف الدين التي تقدم هي الأخرى عملا مجددا ومستحدثا ومشوقا وهو عمل أدبي ينتمي إلى الخيال العلمي ويطرح أسئلة كبيرة وعميقة.
وكذلك العمل الروائي المتميز "صاحب العود والجنية" لزميلنا الأديب الفنان عبد الهادي شلا الذي يتناول علاقة فريدة بين الإنسان والجان.
كذلك لاحظت أن زميلنا القاص محمد سنجر يقدم عملا متسلسلا (( عمدة كفر البلاص)) وهو يوظف فيه تقنيات كثيرة تحتاج إلى نقاش خصوصا إفراطه في استخدام اللهجة المصرية المحكية، ثم استخدامه لتقنيات النص المسرحي بشكل لافت.

وإلى لقاء