الأحد، 13 مارس 2011

دور وسائل الإعلام في ترسيخ الوئام بين الأديان- إعداد: عزام أبو الحمـام

دور وسائل الإعلام في ترسيخ الوئام الديني:
بين العشوائية وردات الفعل- ورقة عمل *

إعداد: عزام أبو الحمـام

مقدمة:
يعتقد بعض الخبراء أن وسائل الإعلام هي من أصبحت يرسم للشعوب منهاج حياتها، إذ صار للإعلام إمبراطوريات وأباطرة يرسمون لها هذا الدور في صياغة الرأي العام وصناعة الصورة للأفراد والمجتمعات. وتهدف هذه الشركات بما تقدمه من منتجات إلى التأثير في قيم واتجاهات المستهلك، ولا تعتمد هذه الشركات على القوة العسكرية، كما كان سابقا في الاستعمار العسكري، بل على استراتيجيات السوق والبحوث والإعلانات التي تمكنها من التأثير على سلوك المستهلك بخلق تفكير وتصور عقلي عالمي واحد تجاه المنتجات والخدمات الثقافية .

و يتفق الكثيرون على أهمية التخطيط لوسائل الإعلام تخطيطاً يكفل حماية مصالح المجتمعات ويحافظ على تماسكها. تخطيطا يحمي وسائل الإعلام من تغول المجمعات الكبيرة المتنفذة سواء كانت جهات رسمية أو تجارية أو مصلحية. تخطيطا يخرج وسائل الإعلام من السقوط في مسارات العشوائية والعمل بردات الفعل الآنية أو الانجرار وراء الخطابات الديماغوجية بأنواعها المختلفة سواء في المستوى الديني أو القومي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. ذلك لأن الخطاب الديماغوجي هو المقدمة الأولى للصراعات والتفكك والانحراف عن مسار التقدم والرقي والاستقرار والبناء.

ولعله من المتفق عليه أن معظم المجتمعات العربية غادرت مرحلة البساطة في بناها وفي علاقاتها وفي ثقافتها وفي اقتصادها وفي إنسانها الفرد والجماعة، وولجت هذه المجتمعات مرحلة تتسم بالتعقيد والتركيب والتنوع والتعدد والتناقض والتكامل. لذلك فقد نشأت تحديات كثيرة في باطن هذه المجتمعات وجب عليها مواجهتها بغير ما اعتادت علية من أساليب قديمة، وقد بات خطر الصراع خطرا حقيقيا بين المجموعات المختلفة يبرز بين الحين والآخر في بعض الأطروحات التي تصنف باعتبارها أطروحات (راديكالية أو يمينية أو أصولية أو إرهابية) أو غير ذلك من التسميات.
والمؤسف، أن البعض من أصحاب تلك الاتجاهات كثيرا ما يستخدمون الخطاب الديني تعزيزا لأطروحاتهم الخلافية والصراعية، بل إنهم يحققون قدراً لا بأس به من النجاح في أهدافهم التفريقية أو الصراعية لأن الخطاب الديني يملك من التأثير السحري على القلوب والعقول ما لا يملكه أي خطاب آخر، فالخطاب الديني يلامس الكثير من نوازع الإنسان الفطرية الطبيعية، ومن هنا تأتي خطورة استغلال الخطاب الديني في تحقيق أجندة صراعية وسياسية واقتصادية وعدوانية، وتزداد خطورة هذا الخطاب حينما يتمكن من التسلل إلى وسائل الإعلام خصوصا بعد هذا التطور الكبير في وسائل الاتصال والإعلام وانفتاحها على كل الجماهير والسهولة في تعميم الرسائل بأقل التكاليف.

حقيقة الدين:
يقول المفكر الإسلامي د.محمد عمارة أن الإسلام بُني على التعددية، ويؤكد أن التعددية تبلغ – المؤسسة على طبع وسجية التنوع والاختلاف – مبلغ الفطرة التي فطر الله الناس عليها التي قد تُكبتْ أو تُقهر، لكنها سُنة الله لا تبديل لها ولا تحويل. ولأن هذا هو شأن الاختلاف، ومكان التعددية، ومقام التنوع، في الرؤية الإسلامية، كان القرآن الكريم-كتاب العقيدة والشريعة ومنظومة القيم وفلسفة التنظيم والتدبير للعمران – هو المصدر الأول لالتماس موقف الإسلام من التعددية والاختلاف...فلم ولن يكون الناسُ نمطاً واحداً أو قالباً فرداً، وإنما كانوا ولا يزالون مختلفين ، يقول تعالي (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم (سورة هود:118،119)
ويقول تعالي عن الهدف من رسالة النبي "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" (سورة الأنبياء 107) ، فالدين أنزل من قبل خالق الكون وخالق العباد رحمة إلى الناس كافة يهديهم إلى الحق والخير، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( قيل يا رسول الله ادع على المشركين. قال: إني لم أبعث لعاناً وإنما بُعثْتُ رحمة ) رواه مسلم.
تلك الرحمة التي جعلت نجاشي الحبشة يبكي حتى أخضبت دموعه لحيته وآمن به وجعلت هرقل الروم يقول : لو كنت عنده لغسلت عن قدمه صلى الله عليه وسلم
وجعلت المفكر الإنجليزي برنارد شو يقول : لو تولى محمد صلى الله عليه وسلم أمر العالم اليوم لوُفِقَ إلى حل مشكلاتنا بما يُؤًمنْ السلام والسعادة التي يرنو إليها البشر، ويقول الكاتب الإنجليزي توماس كارليل : إني لأحب محمداً لبراءة طبعة من الرياء والتصنع ويرى الأديب البريطاني جورج ويلز : أن محمداً صلى الله عليه وسلم أعظم من أقام دولة للعدل والتسامح. هذا هو النبي الرحمة ورسالته التي جاء بها ولا جديد في ذلك .
وتؤكد النصوص القرآنية الكريمة والسنة النبوية الشريفة على الرابطة الإنسانية كأساس لكل الروابط الأخرى بين الناس، قال تعالى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".(الحجرات: 13)
ويشرح الدكتور محمد عمارة الاختلاف بين الناس والأمم والشعوب في الشرائع والمناهج والسياسيات فيعتبر ذلك سنة الله الطبيعية في خلقه، ولذلك تعددت الرسالات والكتب والشرائع الإلهية بتمايز ما اختلفت فيه هذه الأمم والجماعات والأقوام. ويستشهد بالكثير من الآيات القرآنية ومنها (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدةً ولكن ليبلوكُمْ في ما آتاكُمْ فاستبقوا الخيراتِ إلى الله مرجعكم جميعا فينبئُكُم بما كُنتمْ فيه تختلفونَ( سورة المائدة:48)
وهذه الفلسفة القرآنية السمحة تحفز الناس جميعا على اختلاف أديانهم على التنافس في تحقيق التقوى، وهي المعيار الأهم عند الله بالنسبة لعباده ، والإسلام لا يمكن أن يدعو لغير الدعوة بالكلمة الطيبة وبالحسنى، إذ يقول تعالى" ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة، وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هي أَحْسَنُ إِنَّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ".(النحل: 125)

ويشير الدكتور محمد عمارة إلى وثيقتين مهمتين وأساسيتين جسدتا فلسفة الإسلام في العلاقة بالآخر الديني- الكتابي منه والوضعي: اليهود والنصارى والمجوس ومن ماثلهم..وتعتبر هذه الوثائق وثائق دستورية يبنى عليها، وأولى هذه الوثائق الدستورية هي "الصحيفة..الكتاب" دستور دولة المدينة المنورة، التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم عقب الهجرة، وفي تلك الوثيقة تحدثت موادها – التي زادت عن الخمسين مادة- عن التنوع الديني في إطار الأمة الوليدة والدولة الجديدة وعن المساواة بين الفرقاء والمتنوعين. أما الوثيقة الدستورية الثانية، فهي خاصة بالعلاقة مع الآخر النصراني، وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران – عهدا لهم ولكل المتدينين بالنصرانية عبر المكان والزمان، وفيها يُقر الرسول للنصارى بكامل الحقوق الدينية والمدنية بما لا يميزهم في شيء عن عامة المسلمين.
ويقول سبحانه وتعالى" لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّنْ دِيَارِكُم أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّنْ دِيَارِكُم وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُم أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة: 8-9).
والإسلام بما يملك من تراث كبير من التسامح والتعايش مع أصحاب الديانات والثقافات الأخرى يملك الكثير مما يستطيع تقديمه إلى الناس عبر وسائل الإعلام، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، ويبدو لنا أن أهل الكتاب هم أكثر الناس استعدادا للتعايش مع المسلمين لأنهم أكثر الناس إيماناً بالدين القائم على وحدانية الله الخالق سبحانه وتعالى وأن خالط ذلك بعض التشويش في بعض جماعاتهم.

وللأسف، فإن أغلب وسائل الإعلام لم ترتق حتى الآن – إلا باستثناءات قليلة- في تقديم خطاب ديني سمح، مقابل الكثير من وسائل الإعلام التي تتمسك بخطاب ديني ضاغط، أو مُكفر، أو مُشكك، أو مُنفر، خطاب ديني لا يأخذ في الاعتبار الاختلاف في التجربة والتربية ومستوى المعرفة والبيئة، خطاب يتوجه إلى الأنصار أو إلى الذات أكثر من توجهه إلى جمهور مستهدف يُرجى له الهداية ويُرجى له التقرب ويرجى له القناعة والتعاطف، أو على الأقل التفهم في حده الأدنى.
لقد فشلت وسائل الإعلام الإسلامية خصوصا في عرض رسالة الإسلام القائمة على الهداية والتسامح، ويهيأ لنا أن معظم وسائل الإعلام الأخرى فشلت في بسط رسالة الديانات السماوية في التسامح والتفهم والتعاون.

فالأديان بحكم انتمائها إلى السماء، فإنها لا تأمر إلاّ بالخير والحق والصلاح ولا تدعو إلا للبِر والحب والرحمة والإحسان، ولا توصي إلا بالأمن والسلم والسلام، وما كانت يوماً في حد ذاتها عائقاً أمام التبادل والتلاقح والتَّثاقف ولا أمام التعايش والتعارف والحوار، وإنما يكمن العائق، كما يشير عقيل عيدان، في الذين يتوهمون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة ويستغلون الأديان في أقدار الناس ومصائرهم، تلك المهمة التي أبى الله تعالى أن يمنحها لأنبيائه الأخيار. مما يعني، أن الإشكال ليس في الأديان ذاتها وإنما هو كامن في عُقم فَهمِ بعض القائمين عليها ولا زالت المفارقات بين المبادئ والممارسات الواقعة هنا وهناك لا تُحصى .

وهذه الورقة ستحاول التركيز على سمات الأداء السلبي لوسائل الإعلام في مجال التعايش الديني وفي مجال ترسيخ القيم الدينية الجامعة التي تؤدي إلى الوئام والتفاهم وتسهيل الحوار بين المختلفين.
والورقة تميز بين سمات سلبية في وسائل الإعلام الغربية في جهة، وسمات سلبية في أداء وسائل الإعلام العربية والإسلامية في الجهة الثانية.
وسائل الإعلام الغربية والعربية: أكثر من ساهم في الفرقة والتحريض

أولا: وسائل الإعلام الغربية:

تعاني وسائل الإعلام الغربية الكثير من المظاهر السلبية رغم التقدم الكبير الذي حققته تقنيا وتنظيميا ومن الناحية الرأسمالية أيضا، وفيما يلي أهم تلك المظاهر السلبية مما يتصل بقيم الوئام بين الجماعات والشعوب والأديان:
1- حريات شوهاء:
صحيح أن وسائل الإعلام الغربية تتمتع بنظم سياسية وقانونية تتيح لها حريات مطلقة أو شبه مطلقة، لكن يبدو أن تلك الحريات هي (حريات شوهاء ) إذ إن وسائل الإعلام الغربية، فقدت حرياتها الحقيقة كما تشير الكثير من التحليلات الغربية لصالح الكارتيلات الاقتصادية الكبرى ولصالح جماعات الضغط السياسي، والكارتيلات الإعلامية؛ هي تجمعات متآلفة للشركات الكبرى العابرة للقوميات التي تهدف إلى السيطرة التامة على الفضاء الإعلامي والإعلاني والمعلوماتي في سعيها الدائم لتحقيق المزيد من الأرباح.
ويؤكد بعض الباحثين أن 10 شركات كبرى تسيطر على ما يسمعه ويشاهده ويقرأه الجمهور الأمريكي، وترتيبا على ذلك يرى (باجدكيان) أن أمريكا تتحول إلى ديكتاتورية شمولية تسيطر فيها هذه الشركات على الجمهور الأمريكي، وتعمل كما لو كانت وزارة الإعلام في الديكتاتوريات الشمولية . إلى أن ماكويل يشير إلى أن الشركات الأوروبية واليابانية أفقدت الشركات الأمريكية احتكارها للأسواق الإعلامية حينما بدأت في عمليات الشراء للشركات الإعلامية الأصغر أو الاندماج المستمر بين الشركات الكبرى.
وكادت لجنة (ماكبرايد) التابعة لليونسكو، قد أشارت في وقت مبكر إلى الاختلالات الكبيرة والانحرافات الواضحة عن الأدوار الحقيقية لوسائل الإعلام الغربية خصوصا لناحية التدفق الإعلامي ولناحية الأخلاق الإعلامية وذلك في تقريرها عام 1980 .
وأشار تقرير (ماكبرايد) أيضا إلى أن أفق التفكير الضيق يؤدي إلى الركود، والثقافة لا تتطور بانغلاقها على نفسها، وإنما تتطور بالتبادل الحر مع الثقافات الأخرى .
فعندما تصر بعض وسائل الإعلام على الإساءة إلى بعض الأديان، وتحديدا الدين الإسلامي الحنيف ونبيه الكريم عليه الصلاة والسلام، فإن هذا يعد في عرفهم حريات إعلامية، لكن بالمقابل، فإن التشكيك في ما يُسمي "المحرقة" (الهولوكست) أو حتى في أعداد الضحايا، فإن ذلك لا يعد من قبيل الحريات، بل يعد من قبيل معاداة السامية، رغم أن ذلك يعتبر أحداثا تاريخية، يجوز بحثها والتشكيك بها، في حين أن مسألة الدين، وصورة النبي صلى الله عليه وسلم، هي مسائل عقيدية، يجب احترامها ولا يجوز الإساءة فيها حتى لو كانت مُنكرةً من قبلهم.
2- سلوك الذباب الأزرق:
فوسائل الإعلام الغربية تتغاضى عن صور التعايش السلمي التاريخي المديد بين أنصار الأديان المختلفة في المجتمع الواحد، وبدلا من ذلك فهي تهرع بكاميراتها وميكروفوناتها وأقلامها إلى بعض الحوادث السلبية المعزولة أو المخططة هنا أو هناك مثلما يتداعي الذباب الأزرق إلى الروائح السيئة والعظام المتعفنة ، وقد فعلت وسائل الإعلان الغربية ذلك حينما هرعت إلى تغطية بدعة القس تيري جونز التي خَطَطَ - أو خُططَ له - أن يفتح جبهة للعداء والصراع بين المسلمين والمسيحيين.
وكان الأجدر بوسائل الإعلام عدم منحه كل هذه الشهرة التي حصل عليها جراء فعلته العدائية تلك. والأحرى بها أن تعطي حيزا مناسبا من تغطياتها لحياة التعايش التي نعم بها المسلمون والمسيحيون في المجتمعات الغربية أو الشرقية طوال عصور تاريخية طويلة. والأحرى بها أن تقابل هذه الحادثة بصور أخرى منددة من قبل رجال الدين الآخرين الذين يمثلون الدين ولا يمثلون أجندة سياسية لهذا الطرف أو ذاك.
ويجدر بنا الإشادة بقرار الحكومة البريطانية في منع تيري جونز من دخول أراضيها يوم 19/ يناير هذا العام باعتباره شخصا يعمل على التحريض ضد المسلمين ويثير الفتن بين الشعوب .
3- الصور النمطية للعرب وللمسلمين:
غالبا ما تسمح وسائل الإعلام الغربية بمرور الصور النمطية السلبية للمسلمين والعرب والآخر بشكل عام، بل فهي من أكثر النظم في المجتمعات الغربية التي تقوم على صناعة الصورة النمطية للعرب والمسلمين، وقد برعت السينما في ذلك خصوصا سينما هوليوود في الولايات المتحدة.
وتتصف صورة العرب والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية، وفي مناهج الدراسة، والثقافات الشعبية الغربية بالسلبية الشديدة، وترجع هذه الصورة السلبية إلى عوامل تاريخية وثقافية وسياسية، كما أن للدعاية الإسرائيلية الصهيونية دورا في تفاقم حدة سلبية الصورة، مقابل إضفاء سمات ايجابية على صورة إسرائيل بهدف إدارة الصراع العربي الإسرائيلي لصالح إسرائيل .
ولقد أصبحت الصورة النمطية للمسلمين والعرب عقبة كأداء أمام تعايش وتفاهم حقيقي بين الأديان وبين الثقافات المختلفة، لأن تغيير الصورة النمطية يتطلب وقتا طويلا قد يستغرق عشرات السنين بسبب طبيعته الثقافية. وهو يحول دون التقبل ودون الحوار والتعايش السلمي.
إن الإلحاح على تنميط الآخر بالصور السلبية لا يعبر إلا عن عقدة نقص أو عقدة عجز أو عُقد الفوقية والتفوق، وكلها عقد تتساوى في السلبية، لأنها تعتبر انحرافا عن الطبيعة الحقيقية للبشر والمجتمعات التي قامت على التنوع والاختلاف منذ بدء الخليقة حتى الآن.
ورغم المساهمات الايجابية لعشرات الآلاف من العرب والمسلمين في النخب الثقافية والأدبية والدينية والعلمية والسياسية في المجتمعات الغربية، إلا أن ذلك نادرا ما ينعكس في وسائل الإعلام. بل إن وسائل الإعلام تضع حواجز كثيرة أمام هؤلاء وفقا لسياسات مالكيها ورغبات اللوبيات Lobbies في المجتمعات الغربية خصوصا اللوبيات الصهيونية واليمين المسيحي السياسي. ومن هذا المنطلق كان الاهتمام الكبير لوسائل الإعلام الغربية بقصة سلمان رشدي الذي ألف كتابا يسئ فيه للنبي محمد عليه الصلاة والسلام.
ومرة أخرى يجدر الإشادة بموقف زعيمة حزب المحافظين البارونة فارسي التي انتقدت وسائل الإعلام الغربية لأنها عملت على تنميط المسلمين بين متطرفين ومعتدلين .

4- الخلط بين السياسي والديني:
تعمد الكثير من وسائل الإعلام الغربية للخلط المتعمد بين الظواهر السياسية والظواهر الدينية، فالدين يُلبسْ الثوب السياسي حينما يتعلق الأمر بالتنديد بالأخر، والسياسة تُلبَسْ ثوبا دينيا إن لزم الأمر حشدَ العواطف الداخلية بواسطة الدين، فالرجل الملتحي مثلا أو الذي يلبس الزي العربي التقليدي يقدم كفرد مسلم إذا ما كان الحديث عن حوادث عنف كما في العراق أو باكستان مثلا، وهذا جزء من التنميط الذي يُخرج الحوادث والحقائق من سياقاتها الطبيعية، ويمكن أن تصبح (أمريكي) أو (أوروبي) إذا كان الأمر يتعلق بعمل علمي أو عمل ايجابي ، وحينئذٍ لا تقدم هويته كمسلم. وفي المقابل، قد يتحول العدوان والاحتلال إلى تطلعات دينية ووعود إلهية وحروب صليبية لأجل حشد الدعم والتأييد للتحالف بين السياسيين والشركات الاقتصادية الكبرى.

5- استخدام الفبركة والتزييف وتضخيم الآخر كخصم:
ولوسائل الإعلام الغربية قدرة كبيرة على الفبركة والتزييف يساعدها في ذلك الإمكانيات البحثية والعلمية والاتصالية والتكنولوجية، فالإمكانيات البحثية والعلمية توفر البيانات والحقائق أو جانبا منها ليصار إلى استغلالها في بناء صور مشوهة أو زائفة ، والإمكانيات الاتصالية توفر لهم قدرة على النشر والتعميم، والإمكانيات التكنولوجية توفر مستوى مؤثرٍ وفعالٍ في صناعة الصور والنصوص خصوصا في مجال الإنتاج السينمائي الذي يغزو بيوت العالم.
وإذا ما علمنا أن الولايات المتحدة استطاعت أن تهيئ شعبها للدخول في الحرب العالمية الأولي عام 1916 بواسطة تلك الإمكانيات التي كلفت بتهيئتها ما عرف بلجنة (كريل) . فإنه بالإمكان تخيل أضعاف تلك الإمكانيات منذ ذلك التاريخ وحتى وصولاً إلى حرب الخليج أو أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2003.

6- الترويج للمواد الفاحشة المنافية للآداب العامة:
يرى بعض الخبراء والدارسين أن وسائل الإعلام الأمريكية خصوصا والغربية عموما تضع في رأس أولوياتها تحقيق الربح ولو كان ذلك على حساب جودة المواد الإعلامية التي تقدمها للجمهور، مما سمح ذلك بترويج قدرٍ كبيرٍ من مواد الترفيه والمواد الفاحشة المنافية للأخلاق والآداب العامة.
ويرى خبراء ودارسون أن عامل الربح ليس هو العامل الأهم فحسب، بل هو العامل الوحيد الذي يحدد السياسة العامة للوسيلة الإعلامية في المجتمع الأمريكي، وتعتمد وسائل الإعلام في المجتمع الأمريكي على تقديم نسبة 90% تقريبا من مواد الترفيه مقابل 10% من المواد التي تخدم الصالح العام .

ولا شك أن قدرا كبيرا من تلك المواد الفاحشة والترفيهية تسللت إلى وسائل الإعلام في دول الجنوب وصارت مواد يستهلكها الجمهور في هذه الدول. علاوة على أن هذه المواد أثرت في الوعي الغربي وجعلته وعيا مسطحا قائما على الترفيه والمتعة والمنفعة. خصوصا إذا ما علمنا أن وكالات الأنباء الخمس الكبرى في العالم تكاد تحتكر الأخبار إذ تبلغ حصتها منها 90%، ويشار أيضا إلى أن الولايات المتحدة صدرت في الستينات من القرن الماضي برامج ومواد تلفزيونية تعادل ما أنتجته دول العالم الثالث مجتمعة(ما بين 100-200ألف ساعة سنويا).


ثانيا: وسائل الإعلام العربية:

تتحمل وسائل الإعلام العربية أيضاً قدراً كبيراً من المسؤوليات تجاه قضايا التعايش الديني والثقافي بين الشعوب وبين مكونات الشعب الواحد أيضاً، ويبدو أن سوء التخطيط أو انعدامه أو تدني مستوى المسؤولية كان وراء قدر كبير من المظاهر السلبية التي تلتصق بوسائل الإعلام.
ومن المظاهر السلبية التي عرفت في وسائل الإعلام العربية عامة على صعيد التعايش الديني وترسيخ الوئام والسلم الاجتماعي ما يلي:

1- الاستغراق في الماضوية الجدلية:
تقوم بعض وسائل الإعلام، خصوصا المحطات الفضائية، ومواقع الصحافة الإلكترونية، بإحياء بعض القضايا العقيدية والتاريخية الخلافية رغم عدم أهميتها في الواقع، وذلك من باب الإثارة والجدل ولفت الأنظار واستقطاب الأنصار والتحريض والتعبئة ضد الآخر.

لقد عمدت بعض الفضائيات الدينية، وبعض مواقع الانترنت إلى إعادة نبش كل القضايا التاريخية الخلافية وخصوصا بين السنة والشيعة وعمدت إلى تسليط الضوء عليها مجددا بطريقة مثيرة وليس بطريقة علمية هادئة، وكذلك فعل بعضها وهو ينبش في الجدال المسيحي/ المسيحي أو الإسلامي/ المسيحي القديم حول الأقانيم الثلاثة وحول الجسد والروح وغير ذلك من المحاور التي صارت في غياهب التاريخ.

وكذلك فإن نشر بعض الصور للتفجيرات والأحداث الأمنية ساهم في زيادة أجواء التوتر، كما تم نشر العديد من التقارير عبر مختلف وسائل الإعلام والتي تحرض على الفتنة المذهبية والصراع الديني.
والغريب أن مثل هذه الاتجاهات في اهتمام وسائل الإعلام يأتي استجابة لأجندات استعمارية أو تقسيمية تأتي من خارج حدود الوطن العربي، لكن البعض يستجيب لها سواء بوعي أو بدون وعي.

2- التعامل وفق ردات الفعل(الثور الأسباني):
فوسائل الإعلام العربية كثيرا ما تتصرف كما يتصرف الثور الاسباني في حلبات المصارعة، فهو يثور حينما يحرك له المصارع العلم الأحمر. ويهدأ حينما يخرج المصارع من الحلبة ويختفي عن الأنظار.
ومن أمثلة ذلك، المقالات المفبركة وردات الفعل السريعة الغاضبة على ما نشر من صور مسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في الدنمارك وغيرها من دول أوروبا، فوسائل الإعلام تعاملت مع تلك القضية بردات الفعل وانتهى الأمر عند ذاك الحد إلى أن تُبرُزَ قضية أخرى مشابهة فيخرج رد فعل آخر وهكذا دواليك.

ووسائل الإعلام العربية في أكثريتها تفتقد إلى التخطيط الطويل المدى أو المتوسط المدى، والإعداد للبرامج غالبا ما يأتي من أفراد أو من موظفين يطلب منهم تحضير أو إعداد برامج على عجل دون أن يكون له القدرة على الاستفادة من تجارب أهل الاختصاص أو الإحاطة بالأبعاد التربوية أو الفكرية أو الاجتماعية لخطة البرنامج. ناهيك عن أنها لا تحمل في طياتها أهدافا بعيدة المدى بشأن الوئام الاجتماعي أو الديني أو الثقافي.

3- الاستهلاك الزائد لبرامج ومواد إعلامية غربية:
لا يمكن لوسائل الإعلام العربية، خصوصا القنوات التلفزيونية والسينما، اللتان تقدمان الصورة، أن ينتجا صورا تناسب أهداف المجتمعات العربية وحاجاتها ما دامت تستغرق حيزا كبيرا من وقتها في استهلاك ما ينتجه الغرب لحاجات متنوعة وعلى رأسها تحقيق الربح من خلال الإثارة والتسلية المسطحة أو المضَلِِِلة.
وكان الحري بوسائل الإعلام العربية التوقف عن التشتت بين الإنتاج الهزيل والإنتاج المستورد، والعمل بدلا من ذلك على إيجاد الآليات التعاونية فيما بينها لإنتاج مواد إعلامية على مستوى عال من الإنتاجية مثل أفلام المخرج الشهيد مصطفى العقاد التي حققت اختراقات ثقافية وسينمائية رائعة.

4- الثقافة الإقصائية:
اعتادت الكثير من وسائل الإعلام العربية، والحكومية منها بشكل خاص على إقصاء ما تعتبره خصوما أو أندادا أو أقليات أو أطراف نسبة إلى المركز الذي تمثله.
إن مثل هذا الاتجاه في وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية يساهم في إشاعة ثقافة الإقصاء في كل المستويات مما يعود في النهاية على المجتمع بالتفكك وضعف الانتماء ومما يهدد قيم الولاء والانتماء ويضعف من قيم الوئام والسلام بين مكونات المجتمع الواحد.
يبرز ذلك في الاحتفاء ببعض المناسبات الدينية لبعض الأديان أو لبعض المذاهب، مقابل تجاهل مناسبات أخرى ولو من باب قيمتها الخبرية، وكان الأحرى بها أن تقدم جميع المناسبات الدينية أو أن تشير لها على الأقل، ليعرف الناس، والنشء الجديد خاصة، أن ثمة آخرين يعيشون بجوارنا ويختلفون معنا في بعض معتقداتهم أو تقاليدهم ولكنهم مواطنون شركاء لنا في الكثير من القواسم وخصوصا قاسم المواطنة والانتماء.
5- الانعزالية المعرفية والتاريخية: وتبرز هذه السمة في الجدل الديني والسياسي الذي يبرز في الكثير من وسائل الإعلام خصوصا في الإعلام الفضائي والإعلام على شبكة الإنترنت .

توصيات الورقة:
توصي هذه الورقة لوسائل الإعلام العربية والقائمين على التخطيط الإعلامي في الدول الإسلامية والعربية بما يلي:
1- استثمار ما في الدين الإسلامي الحنيف من قيم التسامح وقيم التآخي والتعايش والسلام والوئام؛ وترجمة كل ذلك إلى برامج ومواد إعلامية متنوعة المضمون والشكل واعتماد سياسة دائمة في هذا الاتجاه، وعدم الاعتماد على الموسمية وردات الفعل الآنية.
2- التنسيق بين الوسائل الإعلامية في البلد الواحد وعلى المستوى الإقليمي، والقومي في مستويات الإنتاج والأخبار والبرامج الحوارية. ولأجل هذا الغرض توصي الورقة بتفعيل المجالس والاتحادات الوطنية والإقليمية والقومية ورصد موازنات لها تكفي لتحقيق أهدافها.
3- توصي الورقة وسائل الإعلام ببذل جهودٍ حقيقية في التوجه إلى الآخر عبر لغته وعبر مكونات ثقافته من أجل تقديم صور حقيقية موضوعية تخفف من حدة الصور الذهنية والنمطية السلبية التي ما تزال تترسخ في وسائل الإعلام الغربية.
4- توصي الورقة بتشجيع الشراكة بين القطاع الخاص والقطاع الحكومي لإنشاء شركات إنتاجية ووسائل إعلامية تتوجه إلى الآخر ليس بهدف تحقيق الأرباح بل بهدف تعزيز التعاون والوئام وشرح القضايا الوطنية والقومية وفق قواعد علمية يشرف عليها أصحاب الاختصاص والخبرة.
5- توصي الورقة وسائل الإعلام العربية والإسلامية بالنزول إلى الواقع في مجتمعاتها؛ وعكس صور الوئام والتعايش القائمة فعلا بين المسيحيين وبين المسلمين أو بين أصحاب الطوائف والمذاهب الدينية المختلفة وعدم الاقتصار على أخبار الحوادث الفردية التي قد تقع هنا أو هناك.
6- توصي الورقة بمراجعة التشريعات والقوانين ذات العلاقة؛ للتأكيد على معاقبة الخطابات التحريضية الداعية إلى القسمة والتحريض والفتن الدينية والمذهبية.
7- توصي الورقة بالاستمرار في عقد مثل هذه اللقاءات والمؤتمرات على كافة المستويات وتعزيزها كثقافة عامة بين الشعوب وليس بين النخب الثقافية أو الأكاديمية أو الإعلامية.
* ورقة عمل قدمت في مؤتمر التعايش بين الأديان في (الجامعة الهاشمية- الأردن) بتاريخ 28 شباط/ فبراير 2011
إعداد: عزام أبو الحمـام باحث في الشأن الإعلامي والثقافي- كلية الإعلام – جامعة الشرق الأوسط





الهوامش:

الأربعاء، 6 أكتوبر 2010

الشيء والشيء الآخر - بقلم عزام أبو الحمـام




ذلك الرجل المشرد لفت انتباهي في الآونة الأخيرة فقط، صرت أنتبه لوجوده كلما ذهبت إلى منطقة عملي الثانية هذه، إذ في ساعات الضحى كان يجب علي الانتقال بسيارتي من أطراف المدينة الكبيرة إلى منتصفها تقريبا،حيث ازدحام السيارات مما يضطرني للدخول بسيارتي إلى تلك الساحة الترابية الفسيحة قريبا من مكان العمل.
****
يأتي الرجل المشرد إلى الساحة الترابية الفسيحة المنبسطة بمحاذاة الشارع العام كل يوم حيث يختار أصحاب السيارات ترك سياراتهم هناك، ينتحي الرجل المشرد أقصى الساحة حيث السور الواطئ وشجرات الصنوبر الثلاث الهرمات،وحيث الكثير من النفايات الصغيرة وبعضها من نفايات مطابخ المطاعم ، الرجل يتدثر بأسمال بالية يبدو أنه لم يجددها ولم يغسلها منذ سنوات، نعم منذ سنوات وليس منذ شهور أو أسابيع، لذلك فإن لونها استحال إلى لون معدني خالطته الأتربة والزيوت، تبدو لي كحديد صدئ سحب من تحت أنقاض منزل مدمر بقذائف الطائرات، وحينما دققت النظر من خلف زجاج سيارتي لاحظت الكثير من الخروق في هذه الثياب المعدنية كأنها خروق الرصاص وشظايا القذائف، وعلاوة على ذلك فإنك تخشى الاقتراب منه تحاشيا لروائحه التي لا بد أنها لا تطاق. يبدو لي الرجل في عقده الخامس مما تنبئ به لحيته التي طغى فيها الشيب على السواد، ومن بُعد عدة أمتار ومن خلف زجاج نافذة السيارة، تمعنت في وجهه، فلم أستطع الإطالة في هذا المنظر المزري، لقد تآكلت أدمية الرجل تماما وبدا جسدا هزيلا تكاد نسمة هواء عابرة أن تطيح به، وقد لاحظت أن عظام وجنتيه بارزتان وعيناه خائرتان في محجريهما، ساكنتان جامدتان، محايدتان، للدرجة التي لا تجعله يأبه بي أو بمن حوله من أشخاص متحركين، وربما أنه يتحاشى الاحتكاك أيضا مع معشر الناس اتقاءً لشرورهم بعد أن خبرها بنفسه فأورثته الكثير من الخروق والندبات الظاهرة وغير الظاهرة.
****

نادرا ما أصادف الرجل خارج تلك البقعة رغم أن حركتي في المنطقة شبه يومية، أنا أعرف أن لكل مشرد اسمه أو هويته على الأقل، إلا هذا الرجل، ثمة في المدينة بعض المشردين الذين نشاهدهم باستمرار، كان أشهرهم ذلك الذي يتشبه- من خلال ملابسه - بالقائد التاريخي نابليون بونابرت، ولذلك تعارف الناس على كونه المشرد نابليون، أما هذا الرجل فلا شيء يميزه لأنه أصلا لا يتحدث مع الناس ولو بكلمة واحدة، ولم يصادف أن شاهده أحدهم يتعاطى حديثا ، ولا أنه متوقف مع شخص آخر ليشتمه أو ليتوسله أو حتى ليتسول منه شيئا، ومن خلال مشاهداتي المتكررة له قدرت أنه يعيش كما يلي:
يتناول وجبته مما تيسر من بقايا المطاعم في الموقع ساعات الضحى قبل أن ينام بمحاذاة السور بين النفايات مستفيدا من ظلال السور وظلال ثلاث أشجار صنوبر باسقات، أما شتاء فلا بد أنه يعرف أحد كراجات السيارات المسقوفة فيأوي إليها أو ربما تحت واحدة من هذه البنايات التجارية الكثيرة،. أما يومه فإنه يقضيه متسكعا في مكان بعيد، لست واثقا تماما من ذلك لأنه لا يشاهد في النهار على الأرصفة مثله مثل المتسولين وبعض المشردين العابرين، من المحتمل أنه يقضي جل يومه نائما، وكل هذه تكهنات لخيالي المحدود، وقد يكون له عالم آخر غير عالمنا هذا الذي نعيش به.
***

وصلت ذات يوم ساعة الضحى وكان الجو قائظا والهواء ساكنا والرطوبة عالية، ولاحظت الرجل في الموقع وهو يشعل ناراً وسط النفايات الصغيرة، يبدو أنه يطبخ شيئا فوق النار التي يحاول إشعالها، تحدثت بخصوص الرجل المشرد مع الرجال الأربعة المتقاعدين من أعمالهم وقد اعتادوا أن يقضوا النصف الأول من النهار في لعب ورق الشدة أمام الجمعية التي لا يفصلها عن موضع الرجل المشرد سوى بضعة أمتار، هم لا يشاهدونه إلا حينما يصل المكان فيجلس ويختفي بالسور الواطئ، لكن دخان النفايات التي يشعلها يصلهم ويعبق أجواءهم، مع ذلك لم يحفلوا بالأمر ولم يحاولوا تغيير مجراه، بل إنهم لا يعرفون ماذا يفعل الرجل خلف السور إلى أن قلت لهم أنه يغلي شيئا ما في وعاء صدئ، كل ما فعلوه أن أولهم صمت ولم يحرك ساكنا، فيما الثاني زم شفتيه مستغربا، وقال الثالث، لا يوجد شيء نخاف عليه ليشتعل، أما الرابع فقد قال بنبرة اختلطت فيها السخرية باللامبالاة، ولماذا تشغل نفسك بهذا الشيء؟!.
ومن المؤكد أن أيا منهم لا يعرف أسما أو كنية للرجل أو أي شيء يشير إلى أي بعد من أبعاده كأصله أو قصته أو مرضه.
****
استغربت الموقف إلى حد ما وعدت أجلس في سيارتي لأرقب الرجل بنفسي، وخطر لي خاطر أن هذا الرجل أقرب أن يكون شيئا ، على الأقل في ذهني أنا ومعي الرجال الأربعة الذين يلعبون الورق ما دمنا لا نعرف أسمه أو أصله أو روايته، أليس لكل فرد فينا رواية يدافع عنها أو يعتز بها أو يتألم لأجلها؟.
رأيت الرجل يجثو على ركبتيه بين النفايات بينما كان عمود الدخان الأزرق ينهار فوقه ويحيط به من كل جانب لأن الرياح سكنت تماما في تلك الأثناء، الرجل المشرد فقد حتى ملامحه العامة وبدا لي كتلة سوداء أو شيئا غامضا وسط الدخان الأزرق الكثيف الذي يغمر الموقع، لم يعد شخصا أو رجلا، بل هو اقرب لأن يكون شيئا متحركا على الأرض، وحركته ليست حركة تامة، بل هي ململة في الموضع نفسه، كأن الشيء يحاول نفث الهواء وإذكاء النار الخامدة، توقفت عن مهاتفة صديقي وأمعنت النظر لأرى نتيجة الصراع هذه، يبدو أن الشيء يعاني كثيرا في إخراج الهواء من داخله ، فالدخان يملأ أرجاء المكان ولا بد أنه يملأ رئتيه، ألقيت نظرة سريعة على الرجال القريبين الذي يلعبون ورق اللعب، ثمة أذرع عريضة من الدخان الأزرق الكثيف تحوم حولهم كأنها أذرع إخطبوط ضخم تحاول الانقضاض عليهم ، لكن أحدا منهم لم يحرك ساكنا بل كانوا في غمرة الانهماك في اللعب وتدخين السجائر.
بعد جهد كبير وبسبب موجة خفيفة من الرياح نهض عمود الدخان مرة أخرى كمارد أزرق خالطه بعض البياض فظهرت شعلة النار الواهنة من جديد وبدا لي الوعاء الأسود فوقها، صار بوسعي أن أرى الشيء يمد ذراعا تبدو لي ذراعا معدنية صدئة لتلتقط الأوراق وبعض النفايات وتزج بها إلى النار، في هذه الأثناء جاء الرجل الكهل صاحب السيارة المتوقفة قريبا من الشيء وفتح بابها دون أن ينظر إلى الشيء وأدار محرك سيارته وطفق يبتعد على مهل دون أن يلقي نظرة للشيء الذي يشعل نارا.

بعد قليل خمدت النار تماما وانقشع الدخان فيما الشيء يواصل تململه، لكن بأكثر بطئا، كأنه يُلقم فمه شيئا لم أستطع تبينه، بعد دقائق معدودة توقف الرجل عن تحريك ذراعه إلى فمه، ثم رأيته يتكور على نفسه بين النفايات كفقمة جريحة تلفظ أنفاسها، وقدرت أنه ينام في موضعه بعد أن أحكم لف القماش ذو اللون المعدني الصدئ حول وجهه، وسرعان ما سكنت حركته تماما، حينها غادرت المكان نحو عملي ونسيت أمر ذلك الشيء وانغمست في أشياء الحياة الأخرى.
****
بعد ثلاثة أيام، شاهدت الشيء مرة أخرى في ساعات المساء لكن ليس في الموقع نفسه، بل في المنطقة نفسها وليس ببعيد عن موقعه المعتاد حينما كنت أعبر السوق الذي يزدحم بمئات من الناس، وحيث الأرصفة النظيفة المرصوفة بالبلاط الأصفر والكرميدي وحيث صفوف شجر الآكاسيا ذات اللون الفستقي، إنه موسم بداية التسوق لشهر رمضان وبداية التسوق للمدارس أيضا. ولأول مرة أشاهد الشيء رغم مروري المتكرر من هناك، كان جسده مستندا إلى ساق شجرة الاكاسيا التي قلمت أغصانها تماما فبدت كعجوز متصابية، من بعيد تأملت الشيء تحت الأضواء الساطعة فبدا لي رجلا طويل القامة بلا أطناب وله وجه طويل ملتحي يشبه وجوه رجال الأفلام التاريخية، لكن عيناه بدتا جامدتان ساكنتان لا تستطيع أن تقرأ فيهما شيئا ، لا هو الغضب ولا الرضا ولا الاندهاش ولا الخوف ولا الاستجداء ولا الاعتداد ولا أي شيء على الإطلاق، كان عشرات من الناس يمرون من أمامه كل دقيقة فلا يثير أي منهم، للحظة شككت أنني أتوهم بوجوده لأن عشرات من الناس لا تلتفت نحوه ولا يثيرها وجوده. في هذه الأثناء لم أتمالك الوقوف مطولا أمامه تماما رغم أني أعرف أنه لا يعرفني ولا ينظر إلى ولا لغيري بل كانت عيناه ساهمتان جامدتان كعدسة الكاميرا الساكنة، أو كتمثال برونزي صدئ.
قررت أن أغير مكاني فوقفت بمحاذاته على الرصيف وغمرتني رائحته الكريهة التي تشبه رائحة النفايات القديمة، صرت أتخيل مثله حشود الناس المتحركة عبر الرصيف، وتحت الأضواء الساطعة بدت تلك الجموع في صورة مختلفة عما كنت أراها سابقا:
حشود من الأشياء الملونة المتراصة تتدفق في الاتجاهات كلها، بعضها يدور في المكان بشكل دائري فلا يصطدم بأي شيء وبعضها يدور بلا أي نظام فيصطدم بأشياء ساكنة أو متحركة، بعض تلك الأشياء – كباعة الرصيف وغيرهم- يراوح مكانه ويناول الأشياء الساكنة الملونة للأشياء الملونة التي تتحرك على الرصيف، إنها أشياء لا عيون لها، بل هي أفواه شرهة كأنها كائنات آلية لا يهمها إلا الحصول على كل شيء ملون، لذلك فهي لم تلتهم هذا الشيء الآخر الساكن الذي يحتمي بالأسمال ذي اللون المعدني الصدئ وذي الرائحة الكريهة التي تشبه رائحة النفايات القديمة.

الكرة الصغيرة،،بقلم عزام أبو الحمـام

كنت ابن التاسعة حينما بدأت بالمواظبة على الجلوس في حانوت والدي الصغير الذي يقبع في السوق القديم المسقوف الذي بني قبل مئات السنين.
وحينما صرت في العاشرة من عمري أحببت ذلك السوق وتعلقت به كثيرا وصرت أتمنى أن يأتي يوم الجمعة كل يوم. فقد تعرفت خلال تلك المرحلة بصديق من سني، كان لقبه غزال ، وكان يأتي كل يوم للسوق لأنه توقف عن الذهاب للمدرسة لمساعدة والده الأعرج الذي يبيع الشاي لأصحاب السوق، كان غزال ووالده ركنا من أركان السوق وعلامة أساسية فيه، كان والدي يداعبه كلما أتى له بكأس من الشاي فتعرفت إليه وبدأت علاقاتنا تتوطد فأحببته وصرنا صديقين حميمين، كنت أنتقي له من الحانوت أفضل ما فيه من الحلويات وكان هو بدوره يحضر لي الشاي وقطعة من كعك البرازق المكسو بالسمسم فيأبى أن يأخذ ثمنا لذلك، كان غزال طفلا مثلي وكان يساعد والده الذي ينادى بأبي غزال في بيع الشاي وتوزيعه على الناس في السوق ، وكانت الابتسامة المشبعة بالرجاء والأمنيات تشع في عينيه وهو يري غزال يكبر ويصبح قادرا على دفع العربة كان الرجل يدفع العربة الخشبية التي تحمل إبريقا كبيرا من الشاي وقد رصت الكاسات الزجاجية حوله، وكان يسير خلفها بصعوبة بادية بسبب التواء في ساقه، وكان غزال يتبعه وهو يصيح، شاي ، سخن الشاي، شاي الغزال ما في منو. وكان دور غزال لا يقف عند المناداة بصوته الرفيع الرخيم، بل كان يتمتع في دفع العربة الخشبية الثقيلة كلما كلً أبوه عن الدفع ، أو حينما كان يسارع إلى نقل كاسات الشاي إلى طالبيها من الزبائن، وكان يتفنن في حركاته الرشيقة وهو يضع عروقا من النعناع من الاضمامات التي يحملها ويرمي بها في كوب الشاي الزجاجي، ثم كان يقوم بغسل كاسات الشاي بعد أن يتسلمها من الزبائن دون أن يتوقف عن المناداة بسعادة بادية في صوته، شاي، شاي الغزال،،اشرب يا عطشان،،اشرب يا كسلان،،اشرب يا زعلان،، اشرب يا فهمان،،،
كان غزال، يختلس أوقات الهدوء، فيأتي إلي في الحانوت حاملا كأسين من الشاي وبضع حبات من كعك البرازق البني بعد أن يضعهما على كرتونة صلبة. وكنت أهيىء له مكانا مناسبا أمام الحانوت، فنجلس ونباشر بشرب الشاي وقضم الكعك وتبادل أطراف الحديث، كنت أروي له بعض القصص الصغيرة التي تدور في المدرسة، وكنت أتوق كثيرا لسماع قصصه وحكاياته المليئة بالعجائب والمغامرات، كان لغزال ذاكرة رائعة لا يفوتها أدق التفاصيل، وكان قاصا يضفي على الحكايات من خياله الكثير فيلهب خيالي الصغير، وكنت أنا أعجب من أين له بكل هذه الحكايات وهو ما يزل طفلا لم يتعلم في المدرسة سوى عامين فقط، كانت حكاياته تدور حول الملائكة والسماء وكان يقول إن العصافير التي نراها حولنا ما هي إلا ملائكة تدور في الفضاء لترى ماذا يفعل الناس في حياتهم،،

وحينما تسائلتُ عن سبب تنوع ألوان وأشكال العصافير والطيور قال إن اختلاف الألوان ما هي لاختلاف المهمات والواجبات التي كلفت بها العصافير، فمنها ما هو لتسجيل الخير ومنها ما هو لتسجيل أعمال الشر ومنها ما هو لجلب الشفاء للناس أو الأرزاق أو غير ذلك، وكان يؤكد أن الأطفال الذين يموتون يصبحون عصافيرا من عصافير الجنة فيمرحون ويطيرون ولا يواجهون أي منغص في جنانهم. وكنت حينما أسأله عن مسائل لا يتواني عن الإجابة، أما حينما يعجز عن الإجابة فقد كان يسارع للوقوف وهو يقول: لا بد أنني تأخرت عن مساعدة والدي وسأعود لك لاحقا.
كان غزال محبوبا من قبل جميع رجال السوق ورواده، وكان صوته الرفيع الرخيم يدل على مكان وجوده باستمرار ويضفي على ذلك السوق الهرم لحن الخلود، ويبدو أن الكل يعرف أن غزال هو الابن الوحيد لوالده ، إذ إن أمه ماتت قبل ذلك بسنوات، وكان هو أمل والده الفقير المثخن بالأمراض في الحياة، ولذلك إذا أراد أن يغلظ الإيمان يقسم بحياة غزال وغلاوته.
وذات جمعة وصلت فيها إلى السوق وأنا أتوق لملاقاة غزال وقد جلبت له كرة قدم جديدة سمح لي والدي بشرائها وجلست في الدكان أنتظر سماع صوته، لكن صوته تأخر عن الوصول، ولم يبادر إلي كما كان يفعل في كل مرة، بل كان السوق هادئا وذابلا، ولما سألتُ عنه قال والدي إن والده أيضا لم يأت منذ أسبوع، ولعلهم انتقلوا إلى سوق آخر فألقيت بالكرة داخل الدكان والخيبة تجلل وجهي.
جاء الأسبوع القادم وعدت إلى السوق وقد تشنفت أذناي لسماع صوت غزال مرة أخرى، لكن الهدوء كان يخيم على السوق مثلما كان في الجمعة السابقة، وأحسست بقلبي يرتجف كعصفور صغير في قفص متهالك، وخطر لي خاطر بأن أتمارض كي أعود للمنزل بعيدا عن هذا السوق الكئيب الهَرم. ولاحظ والدي تباطئي وذبولي فتحسس رأسي وسألني عن صحتي فلم أخف عليه حزني لأن غزال لم يكن في السوق. لكنني عدتُ وتمالكت نفسي إذ خطر لي خاطر أن خبرا قد يأتيني عن غزال أو لعله يأتي متأخرا بنفسه.
وبعد أن عاد والدي من صلاة الجماعة من مسجد السوق ظهرا، كان قد أتى بالخبر الفاجع، لقد تكلم الجميع بالخبر ولم يعد سرا يخفيه عني. لقد مات غزال إثر مرض مفاجئ وما يزال والده طريح الفراش لا يقوى على الوقوف، وكان يقول، لقد قطعت يداي الاثنتان وقطعت رجلي ولم يعد لي قائمة.
حينها بدأت أتساءل عن سر الحياة، فلا أجدها في الحياة، وكبرت وأنا أبحث بين الكتب لكن دون أن اصل إلى السر حتى الآن رغم عشرات وربما مئات الكتب التي قرأتها।

ومن يومها لم أعد أحبس العصافير في الأقفاص لأني أخشى أن يكون من بينها صديقي الذي أحببته ورحل مبكرا.

الخميس، 2 سبتمبر 2010

الجمعة، 16 يوليو 2010

سلة الأحلام الثلجية ....بقلم عزام أبو الحمـام



1- انا بانتظارك

الرياح تعصف وعيدا وتهديدا فتتراقص الغيوم وتزفر النوافذ انتظارا وترقبا وتحرقا، لكن الثلج يتمنع مثلما أميرة تُدعى إلى كوخ راع فقير.
أنا هو الراعي الفقير الذي ظل ينتظر أميرته المترددة المتمنعة.
اهلي أيتها الأميرة وأقبلي، فلم أعد احتمل برد الشتاء وحيدا، لا بد من بياض ثلجك لندفئ فراشنا معا قبل أن يغشاني سلطان النوم الغاشم.

2- كي نطير كالنوارس

لن أنتظرك طويلا كما تعتقدين، لأنني لن أحتمل مثلما قُلت لك، ما زلت أسمع صرير عجلات عربتك السابحة في المدى، أسمع زفير خيولها يأتيني مع الرياح، أسمع أنفاسك اللاهثة وأحسها حريرا يرطب شعر صدري.
لن أنتظر أكثر، ها آنذا آتيك بجناحي نورس كبير، سألاقيك فوق سحاب البحر وسنحلق معا كالنوارس التي لا تتوه عن شواطئها الأخيرة.

3- فنهاجر إلى بلاد الثلج

فوق أجنحة الريح الجنوبية، سنسافر معا في سرب كبير من النوارس، أعدك أن ننتحي جانبا خلف غيمة صغيرة لنتبادل شيئا من لغة العشق قليلا. وسأهديك سمكة صغيرة خبأتها تحت جناحيَ.
أعدك أن تكون الرحلة جميلة ومثيرة، أعدك ، أعدك.


3- ونحط على جزيرة خضراء
سنطير فوق المحيطات ونشاهد البحارة يتشاجرون في مراكبهم وقبطانهم مغضب ومتوتر وهو يعارك الأمواج.
فإن ملتْ أعيننا مشاهدة البحر فسنحط على جزيرة الأحلام الخضراء ونبني معا عشا من ريش النعام.

4- فإن وجدتني نائما


فإن تمكن مني سلطان النوم الجبار، فأوصيك أن تهزي كتفيً هزا رفيقا، أو أن ترمي بضفيرتك الرطبة على وجنتيَ كي لا استيقظ، فتأخذي سلة أحلامي وتطيري بها فوق المحيطات وتنثري منها زهورا فوق الجزر البعيدة.
يكفيني إن حملتِ سلة أحلامي معك، يكفيني.

5- لا تنسي لا تنسي

أنا بانتظارك كي نطير كالنوارس، فنهاجر إلى بلاد الثلج، وقد نحطً على جزيرة خضراء، ونبني عشا من ريش النعام.
فإن وجدتني نائما، فخذي سلة أحلامي بين جناحيك. لا تنسي لا تنسي.

حكمة بعض الفلاسفة في الزواج والزوجات



When a man steals your wife, there is no better revenge than to let him keep her. David Bissonette
عندما يسرق شخص زوجتك.... أكبر انتقام أن تتركها معه......
دافيد بيسونيت
After marriage, husband and wife become two sides of a coin; they just can't face each other, but still they stay together
Sacha Guitry
بعد الزواج, يصبح الزوجان كوجهي العملة... يستحيل أن يلتقيا لكنهما يظلان سوية....
ساشا غويتري
By all means marry. If you get a good wife, you'll be happy. If you get a bad one, you'll become a philosopher. Socrates
لكل من ينوي الزواج... اذا كانت زوجتك جيدة ستكون انسان سعيد.. أما إذا كانت سيئة ستكون فيلسوف...
سقراط
The great question.... which I have not been able to answer.... is, 'What does a woman want? Dumas
السؤال العظيم... اللذي لم استطع الاجابة عليه هو..... ماذا تريد النساء؟؟؟؟
دوماز
I had some words with my wife, and she had some paragraphs with me. Sigmund Freud
لدي بعض الكلمات مع زوجتي..... و هي لديها بعض النصوص معي..... سيغموند فرود
'Some people ask the secret of our long marriage. We take time to go to a restaurant two times a week. A little candlelight, dinner, soft music and dancing. She goes Tuesdays, I go Fridays.' Anonymous
بعض الناس يسألون عن سر زواجي الطويل.. لدينا الوقت لنذهب إلى المطعم مرتين بالأسبوع, شموع صغيرة, عشاء, موسيقى ناعمة رقص. هي تذهب الثلاثاء و أنا اذهب الجمعة......
مجهول
'There's a way of transferring funds that is even faster than electronic banking.. It's called marriage.' Sam Kinison
هناك طريقة سريعة جداً لتحويل المدخرات حتى أنها اسرع من التحويل الالكتروني.... تسمى الزواج....
سام كينيسون
'I've had bad luck with both my wives. The first one left me, and the second one didn't.' James Holt McGavra
كان حظي سيء مع الزوجتين..... الأولى تركتني و الثانية لم تفعل.....
جيمس هولت ماكغافرا
Two secrets to keep your marriage brimming 1. Whenever you're wrong, admit it, 2. Whenever you're right, shut up. Patrick Murra
هناك سرين لتحتفظ بزواجك: ... - - عندما تكون مخطأً اعترف بذلك 1عندما تكون على صواب...... اخرس-2
باتريكك مورا
The most effective way to remember your wife's birthday is to forget it once.... Nash
أفضل و سيلة لتتذكر عيد ميلاد زوجتك..... أن تنساه مرة واحدة.....
ناش
You know what I did before I married? Anything I wanted to. Anonymous
هل تعرف ماذا فعلت قبل الزواج؟؟؟؟ كل شيء أردت فعله....
مجهول.
My wife and I were happy for twenty years Then we met. Henny Youngman
أنا و زوجتي كنا سعيدين لعشرين سنة.... بعدها التقينا.....
هيني يانغمان
A good wife always forgives her husband when she's wrong. Rodney Dangerfield
الزوجة الصالحة دائما تسامح زوجها عندما تكون على خطأ.....
روندي دانغرفيلد
A man inserted an 'ad' in the classifieds: 'Wife wanted'. Next day he received a hundred letters. They all said the same thing: 'You can have mine.' Anonymous
وضع شخص اعلان في الاعلانات المبوبة: مطلوب زوجة. في اليوم التالي حصل على مئات الرسائل التي تقول... تستطيع أخذ زوجتي..... مجهول
First Guy (proudly): 'My wife's an angel!' Second Guy: 'You're lucky, mine's still alive.' Anonymous
الشخص الأول بفخر: زوجتي ملاك! الثاني: أنت محظوظ... زوجتي ما زالت على قيد الحياة....
مجهول
********
بعض الحكم العربية في الزواج:
أمام المرأة، يصبح الرجل أكبر الأطفال قاطبة مهما ثقل وزنه وسمى فكره.
الأديب نزار ب. الزين) !
حياة الزواج تشبه برميلا من الزفت دهنت واجهته بطبقة رقيقة من العسل، بعضهم يبدأ بالمقلوب.
***
حينما ينصحني الطبيب بالتوقف عن الاجهاد، ينصح زوجتي بالابتعاد قليلا.
-أنا-
***
الزوجات مثل البطيخ: أنت وحظك، أما إذا كان العرض على السكين فذلك أكثر مرارة.
***
حينما يكون الإبداع، فتش عن المرأة، وحينما يكون الانتحار فتش عن المرأة أيضا.
-أنا-
***
ومسك الختام ببعض اقوال الرسول عليه الصلاة والسلام:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أوصيكم بالقوارير خيرا، قالوا وما هي القوارير يا رسول الله؟، قال: النساء.
****
وقال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده، لا تؤدي أمراة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها كله حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه"(رواه ابن ماجه وحسنه الألباني). معنى كلمة قتب: السرج
***سئل النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن خير النساء فقال:) التي تطيع إذا أمر , وتسر إذا نظر , وتحفظه في نفسها وماله).

الخميس، 8 يوليو 2010

كسنبلتين في حقل بعيد....بقلم قلبين عاشقين


كسنبلتين في حقل بعيد

في المدى الواسع بين السماء والأرض ........تنزلق الأماني كما الخطى ، حينما أترقبك في ذاك المدى ... دون أمل بلقاء كسير ، قلت لك بصمت كم هي وعرة الطريق، فمنذ أن تعلمت أبجدية الحب بحروف اسمك، عرفت أن الطريق وعرة،وعلمت أن الدرب طويل، وعرفت أن خصمي هو المستحيل.
لكنك قلت أنها ستلين أمام عشقنا ، وتواعدنا بأن نرسم معا - في وسادتنا- حلما نقدسه، نكتب به حكايا بعيدة عن غبار الزمن وعن ضجيج الإذاعات المسمومة، لا يوجد مستحيل، قلت لي .. وفي صمت تبادلنا الحب...وتلامسنا كسنبلتين في حقل بعيد ।
***
كثيرة هي الأوهام التي تدمرنا - حبيبتي - رغم إدراكنا للحقيقة ، قلت لي وأنت تدير ظهرك وتغيب بعيدا خلف طيفك الساكن في الحدقات، في الآهات، في نبرة صوتي المندفع، المنكسر، المتدفق، المتألم، الساكن، المنفجر، الضاحك الباكي، السابح في المحيطات.
وقلت لك: أن عشقنا لم يخط وعودا على الرمال ، إنما شق جدران الحدود وعانقته الأرواح.
وقلت لك: حين تتهافت الهمسات ويصبح الليل في نظري كعابر سبيلأسابق الزمان بالزمن وادفن اشتياقي عنوة.فلكل أنثى كبريائها سيدي، رغم ما في الداخل من نيران تقيد.

***
أهديك الصبر سيدتي، حبيبتي ، فتجملي به، فليس عندي الآن غيره وبعضا من دماء الوريد.
فإن كنت أنت على الشكوى قادرة، فما حسبي وقد تكبل لساني بطعم القيود.

***

الصبر، الصبر ، تعللني بالصبر كأنك تسكب ماء الحياة في الوريد ، فما هو الصبر في قاموس الاشتياق وقد صهر شوقي زبد الحديد؟

***

ارتقبتك بخوف عصفورة صغيرة تاهت عن سربها فوق المحيط ، بكيت بصمت عل بكائي يخترق أذنيك ،،، وقد تمدد حنيني إليك كبحر في عصر التكوين الأول، أو كطوفان نوح جديد، وحينما وجدتك حمامتي، وكنت علي عجلة من أمرك ، أعدت لي قبلة جامدة بخلاف عادتك، ولم تعد لي غصن الزيتون الأخضر ... لحظتها أجبرني صمتي على الكلام ولكني عجزت عن التعبير. فأرسلت لك زفرة من قلب الطوفان، كأنها الشمس في أول خلقها.

حاولت أن أهمس لك باشتياقي ، وحاولت أن أقول لك أنا أحتاجك، أريدك بجانبي، في أحضاني، أحتاجك ساعة اشتياقي ولوعتي، حين نومي وصحوتي،،،، حاولت أن أقول لك ساعدني لكي أقترب فإن قلبي برغم ما تفعله يشتاق إليك.

ولكنك ما تزال مترددا قلقا ، لم أعهد بك ضعفاً ولا سكونا ولكني عهدتك فارسا صادقا قويا ... شيئا ما يحيرني ويزيد ألمي ، أتذكر قول معلمة الشعر وهي تشرح بيتا، قالت : يقول الشاعر، كم هو صعب أن تعشق بصمت والأصعب أن يصبح الصمت رفيقنا الوحيد ..وقالت: كم هو جميل أن نمتلك الشجاعة والجرأة لنبوح عما بأعماقنا . وأنا أقول لك: كم هو ممض صمتك هذا، كم هو غريب حبك هذا الذي تناثرت حروفه عبر الحدود.
قلت لي لا وقت لدي للحب، مع أني احتاجه مثلما تحتاج جمال الصحراء شربة ماء في درب الحجيج.
***
الحب سيدتي لا يحتمل الوعود، لا يحتمل الصراخ، لا يمر عبر أسلاك الكهرباء، بل هو والصمت أخوان ، ألا ترين أن الجبال تظل صامتة مع أنها تحب النسور؟

***

قلت لي: كل شيء هذه الأيام سيظل ضجيجا ما عدا العشق، فلا يجوز له أن يشبه الكل. وأنا لا أريد أن أقتنع بكل ذلك، لأني أحب أن أجد كل شيء صامت ساكن من حولي كي أعزف لحن العشق الصاخب بالأنين والوجع اللذيذ.

حاول حبيبي أن تستعيد كل الكلمات الجميلة الصادقة التي كنت تهدين، ، حاول حبيبي أن تطلق خيول الأمل علها تصلني قبل وقت الأصيل، حاول كي أمتطيها نحو هضاب قلبك الخصيب،،
فالحياة بيننا بلا حدود ...... حاول أن تكسر قيدك ، حاول أن تطلق خيولك قبل الأصيل॥
حاول فهذه أنا أبحث عنك ممتطية أجنحة المستحيل كي نعيش معا كسنبلتين في حقل بعيد.

نافذة من بغداد: مجرشة الكرخي في لندن !!بقلم : الدكتور كامل خورشيد



و ( المجرشة ) عبارة عن ألة تراثية كان اهلنا في العراق يستخدمونها لصنع الطحين بوضع الحبوب بهذه الآلة ومن ثم تدار بمقبض، وبمجرد ان يوضع القمح في المجرشة يطحن ويخرج ( الجريش ) من فتحة في الالة ويصبح طحينا بعملية صعبة جدا !و( المجرشة ) خلدها الشاعر الشعبي العراقي الملا عبود الكرخي ( 1869-1946) بقصيدة حملت الاسم نفسه ، فاذا ذكرت المجرشة ذكر الكرخي والعكس صحيح ايضا ، اذ يقول بمطلعها على لسان امرأة تجرش وتنوح باسى ولوعة :ذبيت روحي اعلى الجرشوادري الجرش ياذيهاساعة واكسر المجرشةوأنعل ابو راعيها !!و(( ذبيت روحي على الجرش )) تعني (( رميت نفسي على الحبوب المجروشة )) اذ تقرر المرأة المغلوبة المتعبة ان تكسر المجرشة ، وقيل ان المجرشة بقصيدة الكرخي كناية ذكية عن الوضع الماساوي للناس او هي الاحتلال البريطاني ، وان المرأة هنا هي الشعب الذي لا بد له من ان يكسر ( المجرشة ) اي الواقع المرير ، و طبعا كان هذا الكلام في ثلاثينيات القرن الماضي ! !والملا( عبود بن الحاج حسين السهيل الكرخي ) من الشخصيات العراقية الوطنية التي احبت العراق وضحت من اجله ، تلقى علومه الأولية بالكتاتيب ، وحفظ القران الكريم وهو في الرابعة من عمره ، وتعلم اللغات الكردية والتركية والفارسية والالمانية حيث سافر الى المانيا ردحا من الزمن .عمل الكرخي في بداية حياته مع والده بالتجارة ، وجرب الزراعة ولم يفلح بها ، فلجأ الى الصحافة والادب ، حيث يعد المؤرخون والمهتمون بالشأن العراقي الدواوين الشعرية التي وضعها الملا عبود الكرخي باللهجة العراقية الدارجة بمثابة أعظم موسوعة عراقية تؤرخ للثقافة العراقية السائدة في الزمن الذي عاش فيه الكرخي ولأحداث ومواقف وصور شعبية جميلة ، حتى انه لقب بامير الشعر الشعبي العراقي !اما قصة ( المجرشة ) في لندن ، فما زلت أتذكر التاريخ : لندن ، الاربعاء 27 تشرين الثاني من عام 1985 ، الثامنة مساء ، وفي الطابق تحت الارضي المخصص للعروض المسرحية في المركز الثقافي العراقي بشارع توتنهام كورت رود ، كنت اجلس بمكاني ملبيا دعوة كريمة من مدير المركز الأخ وجيه القيسي ، اتابع العرض المدهش الذي قدمه الفنان يوسف العاني ، الذي جسد شخصية الملا عبود الكرخي ، واختار (المجرشة ) للتجوال برحاب تلك الشخصية البغدادية الفذة !كان يشاركه الأداء ، في الغناء الذي يتطلبه العرض ، الفنان الدكتور سعدي الحديثي الذي اطرب الحضور ، وأبكاهم ، وهو ينوح بأغنية المجرشة بصوته الشجي ، تصاحبه معزوفات موسيقية رائعة ادتها احدى الفنانات العراقيات التي نسيت اسمها مع الاسف ، مما أضفى على العرض لمسة جمالية تندر ان تتوفر لعمل يؤديه ثلاثة انفار ويستغرق ساعتين من الزمن !!كانت امسية عراقية تلبي حاجات نفسية ورغبات اجتماعية للمغتربين العراقيين والعرب في عاصمة الضباب ، حيث استحوذت ( مجرشة ) الكرخي التي جلبها يوسف العاني من كرخ بغداد الى عرب لندن ، على قلوب الحضور من الجالية العراقية والعربية وبعض المستشرقين الانجليز حتى ان القاعة كانت تغص بالحاضرين وبعضهم لم يجد مكانا حتى خارج القاعة !!وقد يكون هذا العمود قاصرا عن الإلمام بمسيرة الكرخي وعطائه الثري ، اذ جسد بنضاله ووطنيته ومبدئيته النموذج العراقي الأصيل ، ولم يكتف الكرخي بكونه صحفيا واديبا وشاعرا بل انضم الى ثوار ثورة العشرين عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني وكان من شعراء الثورة الشعبية ، وقاد مظاهرات صاخبة بنفسه من جامع الحيدر خانة بقلب بغداد ، واصدر العديد من الصحف، مناصبا العداء للانجليز ، وقد فرضت السلطات عليه الاقامة الجبرية عام 1940 ، ولكنه أصيب بانفجار الدماغ وتوفي عام 1946 مخلفا وراءه كما هائلا من التراث الشعبي الذي لابد وان نعيد قراءته ودراسته واستخلاص العبر والتجارب منه .وللكرخي جولات وصولات فكاهية وساخرة ، وله مما يسمى بالادب المكشوف الشيء الكثير ولعل من ابرز ما دونه قصيدة ( داود اللمبجي ) وداود هذا كان يعمل بوظيفة ايقاد (اللمبات) التي تضاء بالليل في شوارع بغداد لتنيرها وكان يتقاضى أجره من البلدية ، وعندما مات داود نظم الكرخي قصيدة في رثائه جاء فيها :مات اللمبجي داود وعلومهتعالوا دا انعزي اليوم فطومة !!اي ان داود مات وماتت معه ( علومه ) اي اسراره وخصوصياته ، فداود اللمبجي كانت له وظيفة اخرى عند ( فطومة ) لا يسمح المقام هنا بشرحها !!ومما يذكر من نوادر عن الملا عبود الكرخي ، انه كان في يوم من الايام يجلس في ما نسميه بالعراق ( بلما ) اي زورقا صغيرا ، قاصدا الانتقال من مدينة المسيب إلى الكوفة ، فوجد نفسه أمام شخص اسمه ( عطية المسودن ) ، وما ان تحرك الزورق حتى بادر الراكب عطية بالقول : ((اللف اذا تسمح وتتفضل عليَّ ملا علوان)) اي انه التمس من الملا عبد الكرخي ان يسلفه سيجارة من نوع ( اللف ) التي كانت هي الشائعة انذاك ! فسارع الملا عبود لتصحيح الاسم (( عفوا اخوي انا ملا عبود وليس ملا علوان )) ! واصل ( البلم ) رحتله الهادئة في نهر الفرات فوصل منطقة ( البو افشيكة ) وهنا سأله الرجل (( واش اسم المنطقة هذه ملا عليوي ؟)) ، فرد ملا عبود بشيء من الضيق : ( اخوي انا اسمي ملا عبود وليس ملا عليوي من فضلك ! )) .وحان موعد الغداء على الزورق فقال عطية: (( ملا عودة تفضل على الغداء )) فنظر إليه الكرخي قائلاً: (( خاطر الله .. أنا ملا عبود .. ومشكور على الغداء )) وبعد الغداء قدم اليه عطية المسودن استكانا ( اي قدحا ) من الشاي وهو يقول (( ملا عيدان تفضل هذا الشاي مخدر ومهيل )) ، فصمت الشاعر وقال في نفسه ( ما كو فايدة ) وقبل ان يصل الزورق الى ضفة النهر الأخرى قال عطية للشاعر الكرخي : (( شنو قلت لي اسمك ملا ؟؟ )) ، فرد الشاعر قائلاً بعصبية وسخرية : (( ملا زبالة الكرخي )) !! فردد عطية (( هسه - اي الان - افتهمت)) !!وحينما نزل عطية على ضفة النهر الاخرى قال له ((مع السلامة ملا زبالة )) فما كان من الكرخي الا ان صاح به (( يا ابن ال.... هسه افتهمت ها !؟ تنسى كل هاي الأسماء وتتذكر بس ملا زبالة )) !!

جوقة نفاق بقلم الأديبة الصديقة: سهام بيايضة



جوقة نفاق بقلم: سهام البيايضة
وقف أبو شرف أمام المرآة يملس شعره الأجعد المتبقي فوق أذنيه وأعلى رقبته، الذي انحسر عن مساحة كبيره من رأسه ، يضع الكثير من ماء الكولونيا فوق أوداجه المنتفخة وعلى رقبته، وهو يدندن لحن أغنية قديمه لام كلثوم ،يتذكر بعض الكلمات وينسى البعض الآخر مستمرا بدندنة ألحن المشهور الذي حفظه بالتقادم والتكرار عن ظهر قلب ।دخلت ام شرف بهدوء تراقب زوجها الذي اعتاد، أن تزفه حتى باب البيت وهو يستعرض نفسه أمامها بمشيته ،بعطره وهندامه المستورد المختوم بالماركات العالمية .سألته مستفسرة:"الى أين يا أبو شرف॥يظهر أن مهمتكم اليوم على مستوى كبير ..من هو سعيد الحظ – هذا- الذي سيتشرف بزيارتكم؟"أبو شرف: "مسؤول ..مسؤول كبير ..أتوقع أن يستلم وزاره بالتعديل القادم..لا بد أن أبادر الى زيارته حتى لا يعتقد أني أنافق له بعد أن يستلم مهام وزارته..يعني ..تمهيد.. ..لن اخسر شيئا..لا بل من الممكن أن اكسب غداء على مستوى عالي.. ادعٍ لي..المهمة صعبه قليلاَ!"ام شرف:" لا يا عزيزي ..إنها ليست بصعبة عليك ..خذ معك جوقتك المفضلة وأنا متأكدة أنه لن يترككم ابدآ ..انتم خير جليس لأي مسؤول يحب ال ن.. ف.. ا...اقصد المنادمة ..الله يقطع لساني ..كدت أن أغلط فيكم!!"نظر إليها أبو شرف نظرة عدم ارتياح قائلا:"أنت تعيشين في عالم آخر..تسيطر عليه مبادئ وأفكار والدك المعلم السابق، التي لا تزال راسخة فيك..أيامكم عفا عليها الزمان..الحياة تغيرت يا "مدام" ..انظري الى كل هذا العز الذي تعيشين فيه ...من أين جاء برأيك؟.. هكذا مسؤولين يحتاجون الى هكذا نفخ ...أو سميه كما تشائين !..أنهم يحتاجون إلينا كحاجتهم الى المستشارين والعلماء وأصحاب العقول في السياسة والاقتصاد ..نملأهم بالغرور.. ونطربهم بالمدح والإطراء،ونرفه عنهم من مشاكل الناس وطلباتهم ،ونرفع من قيمتهم في الأوقات التي يتقاعسون فيها عن تأدية واجباتهم،وندعم مسيرتهم الفاشلة في العمل والخدمة ..ونصفق لهم عندما تشتد المعارضة حولهم،ونجعل منهم أبطال يدخلون سجل الوطن التاريخي !!صمتت ام شرف وقد غلبها حديثه ، وشعرت أن هناك مسافات تمتد بينهما اتسعت وهوت الى أعماق سحيقة، من اختلاف المبادئ وطرق التعامل وكسب الرزق ..واكتفت في لجة التغيير وصراع المناصب وتبدلها، على رعاية بيتها وتربية أولادها،وكتمان غيظها ،عندما تتسع مدارات علاقاته لتصل الى من يستطيع الاستفادة منهم بكل الوسائل والمهارات التي اكتسبها على مدار سنوات حياته المهنية ،التي جعلته دائماً في صدارة المجالس يتقدم العزائم، ينال الهدايا والهبات، ويقدم بالمقابل مخزونة ألقيمي من خدمات، دون أي اعتبار أو حد، لصون كرامته ..فكم هي المرات التي شهدت فيها أوقات محرجة كان فيها فوق محك تقليل الشأن!! وسمعت ما يقوله الآخرون عنه ، ونعته بنعوت الرياء والنفاق ..لكن عزمه وإصراره ، أذاب ماء وجهه، في سبيل الوصول والبقاء قريبا من كل ما هو كبير ومسؤول، والصمود أمام اكبر إهانه،مبرراًً لها ، انه يفعل ما سيفعله الآخرون ، وان الشتائم مهما كانت لن تلتصق به،والمواقف نتائجها مضمونة لصالحه، طالما أن اذرع الشياطين تنشط في تلك الأجواء المحمومة بالغيرة والصراع،وعندما يستبعد في حالة الإطاحة بوزير أو صاحب قرار كان المقرباً له ومحسوب من حاشيته ، لا يلبث أن يجد لنفسه مكانا مناسباً في سلسلة توارث عائلي لمراكز القوى !قال لها يوما يشرح فلسفته ليقطع عليها انتقاداتها وخوفها من عاقبة الأمور:"إنها لعبة متعددة الجوانب في أجواء الصراع على المكاسب والامتيازات الحكومية، أتجاوز فيها أي مبدأ أو خلق إنساني محترم ،كل يوم ازداد قوة ، رغباتي حاضرة، مكانتي محفوظة في الصدارة ، أمتع أصحاب العطوفة، المعالي والسعادة، بكلمات الثناء والتفخيم ، الذي لا ينقطع طالما هناك مواطن يطالب بحقوقه ومسؤول لا يعمل على تلبيتها ،منشغلاَ ،يبحث عن السلطة والمال، ولا يحظى برضا الناس ..أنا - يا سيدتي - أمارس معهم علم نفس وفن إدارة الصراع والاسترضاء، واعلمي أن الحال إذا بقي على ما هو، ستحتاج البلد الى الكثير من المصفقين ،المطبلين والعازفين على كافة الأوتار،كتاب ،صحفيين ،مرتزقة ،سماسرة ووكلاء أمن وحماية ، لإشباع هذا الكم الهائل من الغرور والشعور بالسلطة والأهمية !فكرت ام شرف كثيرا بكلام زوجها الذي كانت تجده قوياً مزدهراً يوم بعد يوم،لا شيء يكسره، في أعماقها كانت تعلم أن ما يقوم به غير صحيح لكن الواقع يثبت لها العكس دائماً ..انه رجل المرحلة بكل معنى الكلمة!!،محاط بالأصدقاء دائما ،مشغول معظم الوقت ،يحمل فوق حزامه أربعة هواتف متنقلة ، أموره ميسره ،مجرد هاتف بسيط يتخطى صفوف الانتظار ،وتصرف له أفضل الأدوية وتوقع له أصعب المعاملات ،وإذا ارتفع ضغطه قليلا تداعى عليه الكثير من معارفه وخلانه ،يمطرونه بالهدايا والعطايا،علهم يصلون بواسطته الى من يتمسح بهم ،وأحيانا خشية من شكواه عليهم في حالة غضبه أو عدم رضاه لسبب ما!! وإذا احتاجه احد، قصرت ! وضاعت حيلته ،وضاقت عليه السبل.. متعذرا بالسفر وكثرة الانشغال!! فلا يهون عليه.. أبدا.. أن يرى أحدا قد نال مكسب من مسؤول أو خدمه دون نفسه!! .أما شرف الصغير ،فلقد كان له أداة للنفاق والنصب الاجتماعي ، يصطحبه في الأعياد والمناسبات، ويدربه على استلام ولاية عهدة،يدفعه بصوته الجهوري الضحَاك:"مد يدك يا بني ..سلم على أعمامك !!" ...فلا يترك احد من الحضور .. يسلم بيده ويتبادل معهم الأحضان والقبلات ، حاصداًً ما في جيوبهم من نقود ، تعتمد قيمتها على كرمهم وحبهم للظهور، ليخرج الولد وقد امتلأت جيوبه بالدنانير ويداه محملتان بالهدايا!!..حتى أتقن أساليب وفنون والده صغيراً ،وتفوق عليه شاباً!!أثناء انشغالهما بالحديث رن جرس البيت، توجه أبو شرف ليفتح الباب، مرحباً بصديقيه:" أهلا وسهلا..تفضل أبو صادق ..تفضل أبو نزيه ..!!".. ثم ادخلهما الى صالة الجلوس، لحين اقتراب موعدهم المبرم مع الوزير الموعود ،في هذا الأثناء سمع أبو شرف ابنه شرف قادما يناديه !نظر إليه مستفسراًً،وقبل ان يتفوه بكلمة.. انهال الشاب عليه واخذ يقبل يديه ورأسه..وهو يكيل له عبارات المدح والتفخيم :"والدي العزيز ..سيدي..بركة هذا البيت العامر بوجودكم وحضوركم..اسمح. لي..!!."قاطعه والده زاجراًً إياه أمام ضيوفه:"خفف يا ولد من هرجك وهات من الآخر..كم تريد ؟"اشرف بكل انكسار ومسكنه :"من خيركم ..مئة دينار فقط لا غير!!"... غص أبو شرف في ريقه واخذ يسعل بشده ،حينها انتفض صديقاه يحاولان التخفيف عنه وهما يربتان على ظهره ويصرخان :صحة.. صحة .. يا أبو شرف..أعدائك وحسادك عنك ..عين وأصابتك!!!استعاد أبو شرف صوته الذي ضاع بالسعال ،واضعاً يده داخل معطفه مخرجاًً محفظته، ليؤكد عدم انزعاجه من طلب ابنه الذي اختار الوقت المناسب والحرج، ليطلب والده هذا المبلغ !!.ناول أبو شرف ولده ورقتي نقد من فئة الخمسين دينار قائلا: خذ..يكفيك هذا المبلغ؟؟!!اخذ شرف ورقتي النقد قائلا:"منك يا والدي العزيز كل شيء فيه بركة"..وبسرعة هم الى يده يريد تقبيلها ..لكن والده أسرع وسحب يده من قبضة قائلا :"لم يأت أوانك بعد..لا زلت صغيرا يا ولد !!"رد شرف، عين على والده وأخرى تصطنع الخجل:" تربيتك وعضدك الأيمن يا والدي العزيز!!"نظر أبو صادق الى أبو نزيه وقد أدهشهما،سلوك شرف الشاب وما وصل إليه من حرفيه وإقناع ،وقد استوعبا أهدافه وغاياته !قال أبو صادق وهو يحاول إخفاء ضحكة مكتومة :"ما شاء الله نعم التربية!!"قال أبو نزيه :"سبحان الله ..من شابه أباه ما ظلم ...الولد مستقبله واعد !!"قال أبو صادق مقترحاًً:"ما رأيكم أن يرافقنا شرف ؟..اعتقد أننا نحتاج الى دماء جديدة ترافقنا في جولاتنا!!" نظر أبو شرف الى الرجلين بعينين باردتين وكأنه لم يسمعهما..وبكل هدوء توجه الى باب البيت ليفتحه قائلا :تفضلوا .. هيا يا شرف ..لا نريد أن نتأخر..أمامنا مهمة جديدة لك!!!خلف ستائر غرفة نومها وقفت ام شرف تراقبهم وهم يستقلون مركبة أبو نزيه الذي جلس بجانبه أبو صادق في المقعد الأمامي،وإثناء سير المركبة مبتعدةً، شاهدت ابنها شرف من خلف الزجاج.. جالساً متصدراً المقعد الخلفي بجانب والده !! ..معلنةً الساعة، ولادة فرخ جديد!!

الثلاثاء، 29 يونيو 2010

رحلة إلى الأعماق -رواية من الخيال العلمي في حلقات بقلم:نزار ب. الزين



خمسة أصدقاء من بلاد عربية مختلفة ، جمعتهم الدراسة في إحدى الجامعات الأمريكية و السكن المشترك قريبا منها د।عبد الله من المغرب تخصص ألكترونيات و برمجة و هندسة الحاسوبد। هشام من سورية تخصص معادن و سبائك معدنية د। مجدي من مصر تخصص جيولوجيا و طبقات الأرض و علم الزلازل و البراكيند। حمود من الإمارات العربية المتحدة /أمارة دبي تخصص كيمياء ، فرع النفط و الصناعات النفطية د। رياض فلسطيني يعيش في الأردن تخصص ميكانيك و محركات ثقيلة ।لم تلههم المغريات الكثيرة من حولهم ، اللهم سوى حضور أفلام الخيال العلمي التي يشتركون جميعا بعشقها ، إضافة إلى زيارة المتاحف و مطالعة المجلات العلمية ؛ و قد أبدوا جميعا لفرط ذكائهم تفوقا في مجالات دراساتهم ، حتى أن الكثير من مؤسسات البحوث العلمية أو الشركات الأمريكية التخصصية عرضت عليهم وظائف مغرية ؛ إلا أنهم رفضوها جميعا لأنهم تعاهدوا أن يعودوا إلى وطنهم العربي للمساهمة في تطويره و تقدمه ।في سنة التحضير للدكتوراه ، و قبل أشهر من مناقشة أطروحاتهم ، عرض هشام على أصدقائه مشروعا مدهشا ، بدا لهم أول الأمر خياليا و مستحيل التنفيذ ، إلا أنه رويدا رويدا تمكن من إقناعهم به ، مقدما لهم البراهين على إمكانية تنفيذه إذا تضافرت جهودهم معا ، فتعهد حمود بتمويل المشروع ، ليس هذا و حسب ، بل تعهد لهم أيضا بتدبير وظائف لهم في دبي في شركة البناء التي يملكها والده كغطاء يمكنهم من الحصول على التأشيرات اللازمة لدخول الإمارات ।و طوال تلك الأشهر التي سبقت مناقشة أطروحاتهم ، لم يكن من حديث لخمستهم سوى المشروع الذي سيحدث ضجة عالمية من شأنها أن ترفع من مكانة العرب تجاه الشعوب الأخرى التي سبقتهم علميا و تقنيا بمراحل ، بعد أن كانوا رواد العلوم ذات يوم ।في مكان ناء من مدينة دبي بنوا مختبرهم الذي بدا ظاهريا كأنه مستودع بضائع .كان هدف الدكتور هشام السعي لتكوين سبيكة معدنية تحتمل الضغوط الهائلة و درجات الحرارة العالية .أما الدكتور رياض فكانت أمامه أصعب المهمات ، الأولى منها ابتكار محرك قوي قادر على دفع مركبة خلال طبقات الأرض ، أما الثانية فكانت العمل على تطوير حفارة حلزونية تثبت في مقدمة المركبة ، أما الثالثة فكانت ابتكار ذراع آلية لالتقاط العينات و فحصها ، و قد وظف حمود تحت إمرته عددا من الميكانيكيين المهرة لتحقيق مهمته الصعبة .أما الدكتور عبد الله فقد انشغل بابتكار برامج حاسوبية تساعده في عدة أغراض ، أولها تصميم المركبة المنشودة ، و ثانيها ربط المجسات و الرادارات و الكاميرات بجهاز حاسوبي واحد يمكن التحكم بها من خلاله ، و ثالثها مساعدة الدكتور حمود في ابحاثة ، فالدكتور حمود يأمل بإثبات فرضية حديثة عن تكوين البترول ، الفرضية تؤكد أن النفط غير قابل للنضوب لأن المواد الهيدروكربونية - و هي أساس تكوينه - في حالة تشكل مستمر نتيجة اتحاد الكربون مع الهيدروجين ( و هما مادتان موجودتان في الأعماق مثل وجودهما في الجو ) هذا الإتحاد يتم تحت درجة حرارة و ضغط هائلين في الطبقات العميقة لجوف الأرض ، لينساب – من ثم - نحو الأعلى ، مجدداً تعبئة الخزانات الطبيعية الموجودة أو تكوين خزانات غير معروفة و لم يتم اكتشافها بعد . و يقول الدكتور حمود إذا تمكن من إثبات هذه الفرضية يصبح بإمكان البشر تكوين حاجاتهم النفطية بمصانعهم ، و ستكون تلك خطوته التالية ، مما سيحدث ثورة في مجال الطاقة تفوق الثورتين الصناعية و الألكترونية معا .أما الدكتور مجدي فكان يبحث في صفائح القشرة الأرضية التي تقوم فوقها القارات و التي تعوم فوق طبقة من الصخور شبه المائعة فتسبب حركتها الدائبة التي تؤدي إلى حدوث الزلازل ؛ و ذلك سعيا وراء إيجاد الفالق الباطني المناسب الذي يمكِّن من النفاذ إلى الأعماق .و يؤكد الدكتور مجدي أن هناك فوالقا زلزالية و أنفاقا و كهوفا طبيعية في الأعماق كما في السطح و من الممكن عبورها بيسر إذا نجح زملاؤه بتصميم المركبة المنشودة ، و التي سوف يكون عليها اختراق عدة طبقات مختلفة التكوين قبل الوصول إلى طبقة المعادن المصهورة و هي بسامكة 2800 كيلومتر و بحرارة تقارب المائة درجة مئوية قرب السطح و 3500 درجة مئوية في أعمق نقطة .و بما أن جاذبية قلب الكرة الأرضية الصلب المكون من معدن الحديد – و هي جاذبية أقوى من جاذبيتها على السطح - فإن قوة الدفع المكتسبة من تلك الجاذبية سوف تمكن المركبة من الإتجاه بنفس السرعة نحو السطح ثانية و لكن نحو قارة أخرى من خلال فالق زلزالي آخر ، و قد لا تستغرق الرحلة – نظريا - إذا كانت مباشرة ، أكثر من ساعات معدودة ، و الحاسوب يشير إلى أن الإنتقال من غرب آسيا – مثلا -إلى شرق أمريكا قد لا يستغرق أكثر من أربع إلى خمس ساعات.بعد ثمانية عشر شهرا من العمل الشاق و إنفاق مبالغ كبيرة قدمها الدكتور حمود و والده بسخاء و بلا أدنى تردد ، اكتمل بناء المركبة التي صنعت من سبيكة معدنية ولَّفها الدكتور هشام ، يمكنها احتمال حرارة تقترب من 4000 آلاف درجة و ضغط عدة أطنان فوق السنتيمتر المربع الواحد ، و بطنت من الداخل بطبقتين من نوعين مختلفين من السيراميك و زودت بمحرك ديزل دافع بقوة تعادل قوة قاطرتي ديزل ، و بمحرك قوي آخر لحفارة حلزونية ثبتت في مقدمة المركبة مستخدمة شفرات شُحذت من نفس سبيكة الدكتور هشام المعدنية ، قادرة على اختراق أصلب الصخور و قذفها إلى ما وراء المركبة ، و بمحرك آخر لتشغيل الذراع الآلية ، و بمحرك رابع لتوليد الطاقة و تشغيل أجهزة التبريد و الأجهزة الكهربائية و الألكترونية الأخرى ، كما زودت بكاميرات ألكترونية خاصة تحتمل درجات الحرارة العالية ، تُمكِّن الباحثين في الداخل من رؤية ما يجري حولهم في الخارج بدل النوافذ ، و برادار قوي و مجسات حساسة لقياس المسافات و الأعماق و درجات الحرارة فوق هيكل المركبة من الخارج ، و أخرى للتعرف على الإتجاهات ؛ و بجهاز إتصال يصلح للإتصال في جميع الظروف .و اقتضت الخطة أن تكون أول رحلة تجريبية و مباشرة ، على أن تكون رحلة العودة رحلة إستكشافية تخصصية ، تليها رحلات .و ستغوص المركبة في الخليج العربي ثم تتجه جنوبا إلى بحر العرب ثم غربا نحو شرق أفريقيا و من هناك سيتم إختراق فالق البحر الأحمر . أما لماذا اختاروا أن تبدأ رحلتهم من أعماق البحر فالدكتور عبد الله يجيب على هذا السؤال قائلا : " أن القشرة الأرضية تقل سماكتها في أعماق البحر فهي بين – 60إلى70 كيلومتر- مما يوفر الجهد و الوقت ." و من ثم سوف تغوص المركبة في الأعماق مندفعة نحو قلب الكرة الأرضية الصلب ، ثم تنزلق قبيل بلوغه في اتجاه الصعود لتبلغ فالق المحيط الأطلسي - تماما كما تفعل سفن الفضاء التي تستفيد من جاذبية أحد الكواكب لتنزلق قريبا منه باتجاه كوكب آخر مستفيدة من قوة الدفع التي اكتسبتها من جاذبيته - و لعلها تتجه من هناك إلى إحدى دول أمريكا اللاتينية ، و الأرجح أنها ستكون الجزيرة الكوبية أو أيا من جزر الكاريبي ، و لذا فقد حصلوا على التأشيرات اللازمة من سفارات تلك الدول معلنين لها أن زيارتهم ستكون عبر سفينة أبحاث أسموها : << دبي 1 >>.و في اليوم الموعود ، اتجهت المركبة فوق شاحنة مغطاة إلى منطقة معزولة بين أمارتي عجمان و رأس الخيمة ، و ما أن أُنزلت المركبة على شاطئ الخليج حتى دنت منها سيارة فارهة يعقبها سيارة حماية ، ثم ترجل منها مسؤول رفيع المستوى و برفقته والد الدكتور حمود ، جاءا خصيصا لوداع و تشجيع زمرة العلماء العرب الذين سيخوضون أكبر مغامرة إستكشافية في التاريخ ؛ و قد حرص الجميع أن تكون المغامرة بعيدا عن أية ضجة إعلامية ، خشية الصدمة الكبرى و الإحباط الشديد إذا باءت الرحلة بالفشل .عندما غاصت المركبة في الخليج كانت قلوب خمستهم واجفة خشية أن يكونوا قد ارتكبوا غلطة فنية ما ، و لكن لسعادتهم البالغة سار كل شيء على ما يرام ، المحرك الدافع قادهم نحو شرق أفريقية خلال 15 دقيقة فقط ( أي اسرع من اية غواصة ) ، و هناك بدأ الدكتور عبد الله و الدكتور مجدي يبحثان من خلال شاشتي الحاسوب عن فالق البحر الأحمر ، و ما لبث الدكتور مجدي أن صاح صيحة ( أرخميدس ) : وجدته !... وجدته !... ؛ ثم ما لبث الإثنان أن بدءا بالبحث عن الثغرة المناسبة للعبور منها إلى أعماق الأرض ، فوجداها بعد دقائق قرب خليج السويس ، و بدأ من ثم الإختراق ॥كانت الحفارة الحلزونية تعمل بشكل رائع لشق الصخور و الكتل الطينية بينما يدفعها إلى الأمام المحرك الخلفي بسرعة أكبر من سرعة طائرة نفاثة أو صاروخية ، فكانت سعادة خمستهم لا توصف لمدى النجاح الذي حققوه حتى الآن .كان اتجاههم نحو الشمال الغربي بشكل مائل تحت القارة الأفريقية وعند بلوغهم عمق خمسين كيلومتر ، أحسوا أن الحفارة الحلزونية تدور في فراغ ، رصدوا ما حولهم بقلق بالغ ، فتبين لهم أنهم داخل كهف عملاق يتجه بهم نزولا بخط مائل ، فسارت بهم المركبة خلاله بيسر دونما حاجة إليها॥و قد امتد الكهف – من ثم - أكثر من مائتي كيلومتر فكان تارة يضيق إلى بضعة أمتار و تارة يتسع إلى مئات الأمتار ، أما الإرتفاع فيتراوح بين أمتار قليلة و عشرات الأمتار . ثم بلغوا نهاية الكهف فبدأ الإختراق من جديد ॥بدأت الحفارة الآن تعمل بشكل أيسر فقد بلغوا طبقة أقل كثافة مكونة من الصخور الحارة شبه المائعة و التي – كما سبق أن أفادهم الدكتور مجدي – تطفو فوقها صفائح القشرة الأرضية و التي تسبب حركتها الدائمة .أما الدكتور عبد الله فقد أخبرهم أن الحرارة خارج المركبة بلغت الآن مئتي درجة مائوية .و المركبة لا زالت مندفعة نحو الأعماق ...قال الدكتور مجدي : "نحن الآن في عمق ألف خمسمائة كيلومتر ॥"قال الدكتور عبد الله : " الحرارة خارج المركبة تبلغ الآن خمسمائة درجة مئوية ..."و المركبة لا زالت مندفعة نحو الأعماق ..." نحن الآن على عمق ثلاثة آلاف كيلومتر" ، قال الدكتور عبد الله ؛" و بدأنا نخترق المائع الناري " ، قال الدكتور مجدي ؛" و بدأت الجاذبية تتزايد وتيرتها بشكل متسارع ، اربطوا الأحزمة جيدا و اتخذوا وضع الإستلقاءعلى ظهوركم " ، قال الدكتور رياض الذي يتولى قيادة المركبة .و المركبة لا زالت مندفعة نحو الأعماق بوتيرة متسارعة..." بدأنا الآن بالإتجاه المعاكس " ، قال الدكتور رياض ، و قد خرجت الكلمات من فمه بطيئة و بصوت خافت بسبب الضغط الكبير الواقع على صدره و بطنه ؛إنه ضغط السرعة الخيالية التي اكتسبوها من جاذبية قلب الكرة الأرضية المعدني .و المركبة بدأت تندفع من الأعماق نحو السطح ..." نحن الآن تحت المحيط الأطلسي ، في وسطه تقريبا ، و الرحلة تسير من نجاح إلى نجاح " ، قال الدكتور عبد الله ، عندما بدأ الضغط الكبير يزول تدريجيا عن جسده ، و بدأ يتابع جهاز الحاسوب بدون صعوبة॥و المركبة لا زالت تندفع من الأعماق نحو السطح ॥" سنخترق فالق الأطلسي وشيكا " ، قال الدكتورمجدي ، رد عليه الدكتور حمود قائلا : " لقد عثرت بين العينات التي التقتطها من الكهف العملاق الذي مررنا به ، على كميات كافية من عنصر يندمج فيه الكربون بالهايدروجين فيما يمكن أن نسميه خميرة البترول و ليس فيه أي اثر لكائنات عضوية ميتة أو بقايا كائنات عضوية ، و هو ما يؤكد فرضية أن البترول في حالة تكوين مستمر ، و ليس فقط نتيجة المواد العضوية المترسبة كما كان يُظن ، و عندما سنمر في طريق العودة من ذلك الكهف سألتقط عينات أخرى لمزيد من البحث॥ إنه لفتح علمي كبير أيها الأعزاء ! "و المركبة لا زالت تندفع من الأعماق نحو السطح ...و ما أن اجتازت فالق الأطلسي ، و بدأت الحفارة في تكسير الصخور الصلبة تمهيدا لبلوغ قاع المحيط ، حتى بدت من جديد و كأنها تدور في فراغ .-----------------------------------* نزار بهاء الدين الزين ، سوري مغترب ،عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب الموقع http://www.freearabi.com/

رحلة إلى الأعماق / الجزئين الثاني والثالث ،،بقلم الأديب الصديق نزار ب.الزين




رحلة إلى الأعماقرواية من الخيال العلمينزار ب. الزين*الفصل الثانيلم يطل قلقهم طويلا " أنه مدخل كهف عملاق آخر !" صاح الدكتور مجدي فرحا!" شيء لا يصدق يا إخوان ، المجسات تؤكد أن حرارة الكهف لا تزيد عن 40 درجة مئوية ، و الهواء فيه مليء بالأكسيجين " أضاف الدكتور عبد الله ...فرد الدكتور مجدي : " أمر غريب نحن على عمق خمسين كيلومترا تحت سطح المحيط الأطلسي ، و الأكسيجين متوفر ؟؟!! ذلك سيقلب جميع معارفنا الإنسانية رأسا على عقب ، هذا يعني أن الكهف صالح للحياة ، دعونا نتجول قليلا فيه و نريح أقدامنا المتعبة ، و ما يدرينا فقد نعثر على مخلوقات من نوع ما ! "فأجابه الدكتور حمود : " قد تكون تلك المخلوقات من فئة الداينصورات ، فعلينا أن نكون متيقظين و ألا نبتعد عن المركبة !"و ما أن هبطوا من المركبة حتى لجمت ألسنتهم مفاجأة لم تخطر على بالهم ، كان الكهف مضاءاً بإنارة لم يتمكنوا من معرفة مصدرها و مزدانا بعشرات اللوحات الفسيفسائية تفصل بينها أعمدة رخامية تتصل في أعلاها بأقواس تشبه أقواس قصر الحمراء في غرناطة الأندلس ، أما أرض الكهف فقد رصفت بالحجارة المنحوتة ..تساءل الدكتور هشام مشدوها : " هل من المعقول أن نكون أمام مدينة ما أو جزيرة ، غاصت نتيجة زلزال ، و بقيت مبانيها على حالها على هذا النحو ؟ ما رايك يا دكتور مجدي ، هل يمكن علميا أن يقع مثل هذا الأمر البعيد عن كل معارفنا ؟ أفدني يا دكتور مجدي ، هل سمعت أو قرأت عن مثل هذه المعجزة التي نراها ؟ "أجابه الدكتور مجدي و هو لا يقل شعورا بالذهول عن زملائه : " قد يحدث أن تغوص مدن أو جزر و لكنها تبقى في قاع البحر و لكن ليس تحت خمسين كيلومترا من قاعه ؛ لقد تم اكتشاف بقايا الإسكندرية القديمة قرب سواحلها و لكنها كانت خرائب ، و ادعى روبرت سارماست و هو عالم أمريكي مؤخرا أنه اكتشف خرائب جزيرة أطلنتس التي تحدث عنها أفلاطون ، و لكنه قال أنها مجرد آثار مدينة و ليست مدينة سليمة ..."ما أن أكمل الدكتور مجدي جملته ، حتى سمعوا جميعا صوتا أرعبهم : " أنتم الآن في أتلنتيا " ثم اضاف : " أتلننتيا و ليس أتلنتس ، و شعبها يرحب بكم ، تقدموا بمركبتكم خمسمائة متر و ستروننا في استقبالكم ! " .نظروا إلى بعضهم بعضا و قد عقدت الدهشة ألسنتهم ، ثم قال الدكتور حمود لزملائه : " هيا مِمَّ نخاف ؟ الصوت بدا آدميا و ودودا ، و بالتأكيد نحن لا نحلم ! "أجابه الدكتور هشام و قد ارتعش صوته لرهبة الموقف : " يا إخوان نحن نعيش الآن معجزة حقيقية ! "هبطوا من المركبة ثانية ، عندما وجدوا أنفسهم أمام بوابة ضخمة ، ما لبثوا أن سمعوا صوتها و هي تفتح ببطء ، ثم بدؤوا يلمحون بشرا حقيقيين ، نساء و رجالا ، في غاية الجمال ؛ طول فارع يعادل 150% من الطول المتوسط للبشر ، شعر يميل إلى الحمرة ، عيون واسعة عسلية اللون ، ، الرجال منهم يرتدون ثيابا بيضاء مكونة من قطعتين ، سروال قصير و قميص ( نصف كم ) مزين بزخارف هندسية يتوسط ، بينهما حزام جلدي مزخرف ، و في أقدامهم نعالا خفيفة ترتفع إلى ما فوق الكاحل ، مزينة بزخارف شبيهة بزخارف الحزام ، أما النساء فقد ارتدين ملابس زاهية الألوان بلا أكمام ، و طويلة تكاد تلامس الأرض ، و قد زينوا صدورهن بعقود اللؤلؤ و المرجان.تقدم منهم ما بدا أنه كبير القوم ثم ما لبث أن قال لهم من خلال جهاز بدا و كأنه جهاز للترجمة الفورية : " مرحبا بكم ، هذه هي المرة الأولى التي يشرفنا فيها بالزيارة سكان من سطح الأرض ، و لا بد أنكم تملكون تقنية عالية الكفاءة مكنتكم من الوصول إلى أطلنتيا ." تقدم الدكتور حمود - و قد استطاع التغلب على دهشته الشديدة – تقدم منه ، ثم مد يده راغبا في مصافحته ، و بعد تردد منه مد الآخر يده ثم تشابك مع حمود بمصافحة حارة و هو يضحك ، ثم ما لبث أن شده نحوه معانقا ، و تنكرر ذلك مع بقية رفاقه ؛ ثم بدأ الدكتور حمود يعرفه بأصدقائه العلماء و بتخصصاتهم ؛ في حين كانت الحشود من حولهم تردد ما يشبه الأهازيج الترحيبية ، و قد تزينت وجوههم جميعا بابتسامات عريضة ملوحين بايديهم مرحبين.سار بهم كبير القوم مسافة بسيطة ثم تقدمهم صاعدا درجات مايشبه أهرامات ( المايا ) و لكنها مبنية من الرخام ، ثم ولجوا جميعا إلى قاعة كبرى التف حولها مدرج جلس عليه عشرات من النساء و الرجال ممن بدوا أنهم وجهاء القوم ، عرَّف بهم مضيفهم على أنهم نواب شعب أتلنتيا ، فقوبل الدكتور حمود و صحبه بتلويح الأيادي و صيحات الترحيب .بعد أن رحب بهم رئيس المجلس ، توجه بهم مضيفهم إلى قاعة مجاورة التف حول مائدة بيضاوية الشكل مصنوعة من من الرخام النفيس ، عشر نساء و أربعة رجال ، عرفهم مضيفهم على أنهم وزراء أتلنتيا و أنه شخصيا رئيسهم . ما أن جلس الضيوف حتى انهالت عليهم الأسئلة ؛ كيف وصلوا و كيف تمكنوا من اختراق المحيط ، و من أي منطقة في العالم جاؤوا و ماهو هدفهم ، كان كل منهم يجيب على أحد الجوانب ، فقد أوضح لهم الدكتور مجدي أن مجموعتهم علمية بحتة ، و أنها لم تكن تفكر إطلاقا بالبحث عن حضارة أتلنتنيا أو آثارها ، و أنهم إنما بلغوها بمحض المصادفة ؛ ثم شرح لهم هدف المجموعة و هو إثبات إمكانية اختراق باطن الكرة الأرضية بسرعة قياسية إذا توفرت المركبة المناسبة ، و أنهم قدموا من البلاد العربية و تحديدا من الإمارات العربية المتحدة و من أمارة دبي تحديدا ، و يهدفون إلى بلوغ أمريكا الوسطى ، و على الأرجح بلوغ إحدى جزر الكاريبي ، و بسرعة قياسية تتجاوز سرعة أية وسيلة ابتكرها البشر حتى الآن ، فنحن قضينا حتى الآن ثلاث ساعات و عشرين دقيقة و هدفنا أن نبلغ إحدى جزر الكاريبي ، في زمن يتراوح بين أربع إلى خمس ساعات .ثم تناول الدكتور عبد الله الحديث مبينا لهم أنهم لهذا السبب لن يتمكنوا من المكوث أكثر من بضعة دقائق أخرى و إلا فشلوا في تحقيق هدفهم .ابتسم أحد الوزراء قبل أن يجيبه من خلال جهاز ترجمته ، الذي يستعمل كل منهم مثيله : " أنتم ضيوفنا و لن نتخلى عنكم بالسهولة التي تظنون .!.."ثم أضافت وزيرة أخرى : " في الحقيقة ، بلدنا ينقصه الذكور ، و عدد سكاننا في تناقص ، فنحن نرحب بكل ذكر يحضر لزيارتنا ، لقد بلغت نسبة الإناث 76% من مجموع السكان ، و هذا يهدد شعبنا العظيم بالانقراض ."ثم تصدت وزيرة أخرى للحديث ، فقالت : " علامَ عودتكم إلى السطح ؟ و شعوبه لم يتمكنوا حتى الآن من التغلب على حيوانيتهم ، شعوب لا زالت متناحرة متنافسة متحاربة ، شعوب تملك من وسائل التدمير أكثر مما تملكه من وسائل التعمير ! "أجابهم الدكتور هشام : " لهذا السبب اتحدنا نحن الخمسة ، و هدفنا الإسهام في تطوير العلوم و المعارف البشرية ، لكي يصبح للناس جميعا مصادر رخيصة للطاقة ، مصادر جديدة للمياه العذبة ، مصادر جديدة للمعادن ، لنحقق في النهاية ما يكفي كل البشر من الغذاء و الكساء و البيوت المريحة و المواصلات السهلة ، و نعتقد أنه إذا تحقق كل ذلك فإن الصراعات سوف تنتهي و أن العدالة سوف تسود ؛ أما إن بقينا في ضيافتكم - كما تطلبون – فإن كل جهودنا ستذهب أدراج الرياح "ثم أضاف الدكتور حمود قائلا : " لا تنسوا يا أيها المحترمون أن لدينا أهلا و أصدقاء في انتظارنا على أحر من الجمر ، فإذا بقينا في ضيافتكم – كما تقترحون - فسيظنون أننا قُتلنا ، و أن رحلتنا فشلت ؛ و سنسبب لهم خيبة أمل رهيبة و حزنا كبيرا ! "صمت الجميع و كأن على رؤوسهم الطير ، ثم ما لبث رئيس الوزراء أن قال لهم : " لقد اقتنعت بما تقولون و بأنكم بشر طيبون و أن أهدافكم نبيلة ، و لكنني أطلب منكم أمرين ، أولهما أن تدخلوا غرفة التاريخ لتتعرفوا على حضارتنا و علومنا و مقومات وجودنا لكي تتخلصوا من كل ما لُفِّق عنا من أقاويل ملأت كتب تاريخكم ، و ثانيهما أن تتعهدوا بعدم ذكر أي شيء عن وجودنا و مكاننا لأي إنسان على سطح البسيطة ، و إلا عرضتمونا لخطر فادح ، فهناك دول قوية و عدوانية فوق السطح ، قد تتمكن من الوصول إلينا و إيذائنا و تدمير حضارتنا المعمرة ، و التي بلغت خمسة آلاف سنة ، نعم خمسة آلاف سنة بدون حروب أو أي نوع من الصراعات ، نحن لا نحتاج للشرطة أو الجيش ، و لم يسبق أن تشاجر منا اثنان ، و حكومتنا التي ترون هي حكومة علماء و حكماء ، فإذا بحتم بسرنا فربما تكونون السبب في القضاء علينا ."أجابه الدكتور حمود : " أعاهدك باسمي و بإسم إخواني بأن نَكْتم سركم ، و بأنكم بالتأكيد لن تسمعوا عن لساننا كلمة واحدة ، و لكن ليس لدينا وقت أكثر للاطلاع على ما تحويه غرفة التاريخ ؛ رجائي – و قد اقتربنا من النجاح – أن يحدثنا أحدكم بموجز عن تاريخ أتلنتيا و نحن في طريقنا إلى مركبتنا ."في الطريق إلى المركبة و في وسط حشود شدها الفضول لمشاهدتهم ، كانت إحدى الوزيرات التي كلفت بمرافقة الضيوف العلماء ، كانت تحدثهم عن تاريخ أتلنتيا ، فقالت : " كنا نعيش في وسط المحيط الأطلسي و أقرب إلى الأمريكتين ، و كانت لنا علاقات تجارية مع مصر الفراعنة و بلاد الإغريق في الشرق ، و مع سكان المايا بعد ذلك في الغرب ، و كنا نحن وسطاء تجاريين بين هؤلاء و اؤلئك ، و قد حاولنا إقامة علاقات ودية مع الجميع و لكنهم أخذوا يقابلوننا بالعدوان ، ففي أواخر علاقاتنا بهم ، كانوا قراصنتهم يعتدون على سفننا التجارية و ينهبون ما فيها من بضائع ، ثم قَدِم إلينا الإغريقيون فوق سفنهم الحربية هادفين غزونا ، فأحرقناها عن آخرها باستخدام الليزر الذي لم يكونوا يعرفونه ، و الذي عرفتموه أنتم حديثا.أما سكان المايا فكانوا أكثر توحشا ، رغم كل مظاهر التقدم التي كانوا عليها ، كانت لهم أبجديتهم الهيروغليفية و كانت لهم أهراماتهم التي اقتبسوها من أهرامات المصريين مع بعض التغيير ، كان سكان المايا بعرفون الأرقام و الحساب ، و كان لديهم إلمام بعلم الفلك ، و لكنهم كانوا دمويين ، فبينما كانت أهرامات المصريين القدماء مقابرا لملوكهم ، فإن أهرامات المايا كانت تستخدم لنحر الضحايا الأدميين ، أما أهرامتنا التي اقتبسها الطرفان منا فكانت مخصصة للبحوث العلمية ، أعود إلى المايا فقد كان كهنتهم يقيمون كل فترة احتفالات ينتقون خلالها أجمل الشبان أو الفتيات ، فيذبحونهم ذبح النعاج ، ثم ينتزعون قلوبهم و يقدمونها قرابين لإرضاء آلهتهم كما كانوا يزعمون ، و كانوا يخوضون على الدوام حروبا شرسة فيما بينهم أو مع جيرانهم ، و الحقيقة كنا نتوقع انهيار حضارتهم السريع كما حدث بالفعل .و عندما اكتشف علماؤنا ، أن هناك بوادر حدوث زلزال كبير قد يغير خارطة الكرة الأرضية ، صنعوا فوق جزيرتنا قبة هائلة الحجم من لدينة قوية ، و قد شارك جميع السكان متعاونين في تدعيم البيوت و تقوية أساسات المباني العامة و أهرامات البحث العلمي ؛ ثم جهز علماؤنا الجزيرة أيضا ، بمولدات الطاقة التي ستستفيد من حرارة الأعماق ، لغرض الإنارة و استخلاص الأكسيجين و الماء العذب و الغذاء من مياه المحيط ، إضافة إلى تعديل حرارة الجو ؛ و انتظروا - من ثم - اللحظة الحاسمة ."ثم أضافت بعد أن التقطت أنفاسها : " و حدث الزلزال الكبير و ابتدأت جزيرتنا تغوص في ماء المحيط بهدوء و كأنها فوق مصعد أحد الأبنية ، حتى بلغت القاع ، و بدون إلحاق الأذى إلا بالقليل القليل من الأبنية التي لا زالت في قاع المحيط حتى اليوم ، أما بالنسبة للأفراد فكان هناك عدد من الجرحى فقط ؛ و حدثت هذه الضرار البسيطة عندما استقرت جزيرتنا في قاع المحيط . ثم ما أن استقر الوضع حتى ابتدأ الحفر نحو هذا الكهف الذي كان علماؤنا قد اكتشفوه قبلا ، و الذي أصبح مدينتنا المزدهرة كما ترون ، أما القبة فقد تآكلت بالتدريج بتاثير ماء المحيط المالح ، ثم أخذت الرمال تغطي ما تركناه من مبان . "كانوا قد وصلوا إلى مركبتهم عندما قالت لهم مرشدتهم : " لا حاجة لكم للرجوع إلى أول الكهف ، فلدينا منفذ يؤدي بكم إلى قاع المحيط مباشرة ، تستخدمه مركباتنا الفضائية التي تطلقون عليها اسم الأطباق الطائرة أو ظاهرة الأجسام المجهولة ، نعم أيها السادة إن حضارتنا كانت متقدمة منذ خمسة آلاف سنة على الأقل و لم تقف عجلة تقدمنا لحظة واحدة ، فقد تمكنا مثلا و منذ البداية ، من اكتشاف وسيلة تلغي حاذبية الكرة الأرضية أو أي الكواكب الأخرى ، مما يَسَّر تنقلنا بين النجوم و الكواكب! "تساءل الدكتور هشام متعجبا : " إذاً أنتم الذين دوختم العالم بأطباقكم مجهولة الهوية ؟! قال بعض البحارة أنهم شاهدوها تخرج من المحيط و لكن أحدا لم يصدقهم .. ! "ضحكت المرشدة و هي تجيبه : " نحن من كنا نجوب بلادكم مستكشفين مدى تقدمها ، و مدى اقترابها من السلام الشامل الذي سبقناكم إليه منذ قرون، و أحيانا نختطف منكم بعض ذكوركم فيقيمون بيننا ضيوفا معززين مكرمين ، فكما أفادكم رئيس وزرائنا ، نحن نعاني من نقص حاد بالذكور ، و لهذا السبب قمنا باختطاف بعض طياريكم ، أو ركاب سفنكم ، أو مزارعيكم ، دون أن نسبب لهم أي أذى ، و قد عاشوا بيننا سعداء في غاية الرضا ، و منهم من لا يزال بيننا حتى اليوم ، لأننا تمكنا أيضا من إطالة أعمار البشر !" .سألهها الدكتور حمود : " لديكم كل هذه التقنية و لا زلتم عاجزين عن حل مشكلة النقص الحاد في عدد ذكوركم ؟ " ابتسمت مرافقتهم و هي تجيبه :" بعد بحوث علمية و تجارب كثيرة تبين استحالة التلقيح الصناعي بسبب لا زلنا نجهله ، و إن كنا نعتقد أن للجاذبية الكبيرة التي نعايشها في هذا العمق دورا في هذه المشكلة ، و هو السبب نفسه الذي جعلنا أطول من البشر فوق السطح ، أي بالإختصار فإن بعض التغييرات البيوفسيولوجية طرأت على كينونتنا منذ هبطنا هذا الكهف الذي جددنا فيه حضارتنا ."سألها الدكتور عبد الله : " كما فهمت منك ، فإنكم جُلْتم في الفضاء الخارجي أيضا ، فهل اكتشفتم حياة في أي كوكب غير كوكبنا الأرض؟! "أجابته واثقة مما تقول : " لقد جبنا كل مجرتنا ( درب اللبانة أو التبانة ) من أقصاها إلى أقصاها ، و هي التي تضم ما يزيد عن 200 مليار نجم , و التي يزيد قطرها على 100 ألف سنة ضوئية ؛ ذلك أن علماءنا اكتشفوا خطوطا للجاذبية تمر بين النجوم ، و تسمح بالإنطلاق بسرعات تفوق أضعاف سرعة الضوء ، و النتيجة أننا لم نعثر فيها على كوكب واحد صالح للحياة كما كنا نأمل .سالها الدكتور رياض مستغربا : " طالما أنكم تعيشون هذه الحضارة المتقدمة و تنعمون بالسلام الشامل ، و بالاستقرار الإقتصادي و السياسي و الإجتماعي ، فما هو دافعكم لاكتشاف الفضاء؟"أجابته بعد فترة صمت : " سؤالك في محله ، السبب أنتم ، أنتم من دفعنا لبذل هذه الجهود الجبارة و التكاليف الباهظة ؛ فبعد إلقاء قنبلتي هيروشيما و ناغازاكي النوويتين ، و ما تبعهما من تجارب نووية ، شعرنا أن الكرة الأرضية باتت تحت خطر الفناء ، فقد تنحرف عن مسارها بسبب ردات الفعل العكسية ، و قد يتلوث جوها كله بالإشعاعات النووية ؛ و لهذا السبب كثفنا بحوثنا في الفضاء على أمل العثور على كوكب ملائم نهاجر إليه ، هناك كواكب كثيرة صالحة للحياة ، و فيها مخلوقات بعضها أرقى من البشر و بعضها أقرب إلى الحيوانات ، و لكن لم نجد شبيها لكوكب الرض .إن البشر منذ تواجدوا فوق هذا الكوكب ، و هم يتخيلون الفردوس ؛ الفردوس يا سادة بين أيديكم ، الفردوس هنا في كوكب الأرض لو أحسنتم رعايته و تعلمتم أخلاق التعايش فيه ، كوكبنا لا مثيل له في كل مجرتنا المحتوية على ملايين النجوم و الكواكب ، لا مثيل لمناخه ، لتنوع مخلوقاته من حيوان أو نبات ، لألوان أزهاره و أطياره و فراشاته و أسماكه ، لمناظر جباله و بحاره و أنهاره و بحيراته الخلابة ، لخيراته الوفيرة ؛ و لكن ناسَكم للأسف لا يدركون ذلك و لا يقدرونه ، بل يسعون لتدميره بالتلوث البيئي و الأخلاقي معا ، من تعصب عنصري إلى استعباد قويِّكم لضعيفكم ، إلى حروبكم المدمرة التي تشعلونها لأتفه الأسباب ، و التي لا تخلف إلا الخراب و اليباب و القتلى و المشوهين و المقعدين ! " سألها الدكتور حمود : " و ماذا عن المجرات الأخرى ؟"فأجابته:" المجرات الأخرى تبعد ألاف و بعضها ملايين السنين الضوئية و أقرب مجرة إلينا هي مجرة المرأة المتسلسلة التي تبعد عن مجرتنا مليونين و نصف المليون من السنين الضوئية ، و ليس في وسع تقنيتنا بلوغ أيا منها حتى الآن . " ثم أضافت : " سأصعد معكم لأدلكم على المنفذ ."عندما بلغوا النهاية لاحظوا وجود عدد كبير من الأطباق الطائرة بأحجام مختلفة بعضها بقياس سيارة صغيرة و بعضها الآخر أكبر من باخرة ، عدد منها على شكل أقراص و مجموعة أخرى في أشكال كروية و مجموعة ثالثة في أشكال أسطوانية .قالت لهم مرافقتهم : "عندما نفتح البوابة التي تقابلكم ادخلوا فيها بمركبتكم ، ثم سنغلقها من خلفكم ؛ ستمتلئ الغرفة بالماء قبل أن نفتح البوابة العلوية ، عندئذ سوف يكون بوسعكم الإندفاع إلى أعلى لمسافة تزيد قليلا عن خمسين كيلومترا و بعدها ستبلغون قاع المحيط في منطقة مثلث برمودا . "ثم ودعتهم بحرارة و هي تذكرهم بوعدهم – بلهجة مفعمة بالرجاء - ألا يتحدثوا عن وجود أتلنتيا مع أي كان حتى مع أقرب المقربين .شَغَّل الدكتور عبد الله جهاز الاتصال و لفرحته تجاوّبَ في الحال ، نادي الدكتور حمود قائلا : " هيا اتصل بالوالد و طمئنه أننا اقتربنا من الهدف و أننا سنكون في سواحل جزيرة كوبا خلال عشر دقائق "- ألو .. آلو ... مرحبا ( يوبا ) أنا حمود ... أنا حمود هل تسمعني ؟يجيبه صوت مختلط ببعض التشويش := هَلا ( بِولْدي الحبيب ) لقد تأخرتم أكثر من ساعتين عن موعدكم المقدر ، و بدأنا نقلق عليكم ! ..و لكن أين أنتم الآن ؟- نحن قريبون جدا من جزيرة كوبا ( يوبا ) ، بلغ سفير الأمارات هناك ، بقرب وصولنا ( طال عمرك ) .يصيح والد حمود := إحذروا من الإقتراب من (غوانتنامو) يا حمود يا ( وِلْدي )...أكرر ، إحذروا ..إحذروا...لا تقتربوا من ( غوانتنامو ) !- عبد الله .. عبد الله .. إصحَ من نومك يا ( خوي ) ، كف عن الصراخ ، فأنت تحلم !يلتفت نحو مجدي الجالس بجواره ، قائلا :- يبدو أن عبد الله تعرض لكابوس اسمه ( غوانتنامو ) !!!يفتح عبد الله عينيه بصعوبة ، يتلفت حوله ، ثم يغرق بالضحك و هو يجيبهما بكلمات قطعتها قهقهته := بل كنت أحلم بأتلنتيا و بمدينة أفلاطون الفاضلة !
الجزء الثالث:

رحلة إلى الأعماقرواية من الخيال العلمينزار ب। الزين*الفصل الثالثيجيبهم رياض مستغربا :- علام تضحكون ؟؟؟ ربما كان عبد الله يحلم بمدينة أفلاطون الفاضلة و بجمهورية أتلنتس الأسطورية ، و لكنه لا يحلم بغوانتانامو فنحن نمر قربها الآن ، و على بعد بضع دقائق من هافانا عاصمة كوبا ، إننا فوق سطح المحيط الأطلسي يا إخوان !يتحرك عبد الله نحو أجهزته الألكترونية ، ينظر إلى الخارطة المنقولة عبرالأقمار الصناعية ، يصيح :- نحن بالفعل قريبون من ( هافانا ) ، لقد نجحنا يا إخواني ... نجحنا ॥ نجحنا ..!و أخذوا يهنئون بعضهم بعضا و يتبادلون العناق و القبل .*****يخاطب حمود والده فرحا :- ( يوبا ) نحن قريبون جدا من هافانا ، عدة دقائق و نكون في مينائها ، هل أبلغت سفيرنا بقرب وصولنا ؟يجيبه والده فرحا :- إنه في عرض البحر في انتظاركم مع مسؤول كوبي كبير ..يصيح عبد الله فجأة :- الله و أكبر ... أعداد كبيرة من المراكب و السفن مزدانة بالأعلام الكوبية و العربية ، تتجه نحونا ، سيكون استقبالنا حافلا ، يا إخوان ، جهزوا أنفسكم لهذا الحدث العظيم ، رتبوا ملابسكم ، اعتنوا بمظهركم ، ربما هناك – أيضاً - صحفيون و تلفزة ..يفتح رياض الفوهة العلوية للمركبة ، ثم يباشر رفاقه بالخروج منها الواحد إثر الآخر .بدؤوا – من ثم – يلوحون للمراكب الآتية نحوهم ، و إن هي إلا بضع دقائق ٍ، حتى اقترب منهم ( يخت ) ناصع البياض، كاد يلامس مركبتهم ، و مالبث أن ظهر في مقدمته رجلان بالملابس العربية الخليجية و إلى جانبهما ضابط بحرية بدا أنه أدميرال البحرية الكوبية ، لكثرة الأوسمة التي يزين بها صدره ، و خلفهما اصطفت ثلة من الجنود البحارة .يلكز عبد الله صديقه الدكتور هشام ، و يهمس في أذنه :- إنظر إلى الأعلى ياأخي ، هناك قليلا إلى الشمال ؛ ينظر هشام إلى حيث أشار صديقه ، ثم يجيبه مندهشا :- حتما إنه صحن طائر !!!!*****في صباح اليوم التالي ، كان موعدهم مع الصحافة في بهو الفندق الكبير ؛ كانت المفاجأة الأولى وجود والد حمود إلى جانب السفير الأماراتي ، و لفيف من أركان السفارات العربية الأخرى .كان اللقاء حميما و التهاني تزفهم فردا فردا و التصفيق يصم الآذان.ثم جلسوا على المنصة ... *****افتتح وزير العلوم الكوبي المؤتمر الصحافي ، مشيدا بهذا الإنجاز غير المسبوق ، ثم تلاه السفير الأماراتي ، منوها بالإسهامات الكبيرة للعلماء العرب عبر التاريخ في مجالات الرياضيات و الفيزياء و الكيمياء ، و حتى الطيران ، فقد ثبت أن عباس بن فرناس و هو من الأندلس ، أول من حاول الطيران في التاريخ ؛ مؤكدا أن زمرة العلماء العرب الشبان- الذين ترونهم الآن - بدؤوا باسئناف المسيرة العلمية العربية .و انهالت من ثم اسئلة الصحافيين : السؤال الأول : = كيف تمكنتم من اختراق باطن الأرض مع أننا نعلم أن الحرارة قد تصل إلى درجة 2000 درجة مئوية أو أكثر ، و أن الضغط قد يصل إلى طن فوق البوصة الواحدة أو أكثر .أجابه الدكتور عبد الله :- لقد دخلنا فعلا في حرارات تتراوح 500 و 2000 درجة مئوية ، و تحملت مركبتنا ضغوطا أعلى من طن على ميلمتر مربع ؛ و يعود الفضل بهذا الإنجاز الكبير إلى الدكتور هشام ، تفضل يا دكتور .يتناول الدكتور هشام مجسم الصوت ( المايكروفون ) و يجيب الصحافي السائل :- لقد تمكنتُ مع فريق من التقنيين ، من توليف سبيكة مقاومة للحرارات العالية ، كما أننا اختبرنا عدة هياكل مقاومة للضغط الهائل الذي من المحتمل أن تتعرض له المركبة ، إلى أن توصلنا إلى الهيكل المناسب ، و قد نجحت مركبتنا باختراق درجات حرارة باطن الكرة الأرضية العالية كما تحملت أثقل الضغوط ؛ بنجاح تام و بدون أية صعوبة تذكر .عقب صحافي آخر := هذا يعني أن هذه السبيكة يمكن أن تدخل في صناعة مركبات الفضاء ، أليس كذلك ؟ - بالتأكيد ! و يعني أيضا ، أننا يمكن بمركبة كهذه زيارة كوكب الزهرة ( فينوس ) توأم الأرض ، على سبيل المثال ، و التجول فوق سطحه بيسر، حيث تصل درجات الحرارة هناك إلى 450 درجة مئوية أو أكثر ، بينما بلغنا بمركبتنا مناطق في الأعماق بلغت قرابة الألفي درجة مئوية .السؤال الثاني := علمنا أن المدة الزمنية بين الإمارات و هافانا استغرقت ست ساعات و ربع تقريبا ، أي اسرع من أية طائرة معروفة حتى الآن ، فهل هذا هو الزمن الذي قدرتموه بالضبط ؟أجابه الدكتور حمود :- جميع تقديراتنا وفق الدراسة التي أجراها الدكتور عبد الله ، تؤكد أننا كنا سنصل إلى إحدى جزر الكاريبي خلال أربع ساعات ، و قد كنا بالفعل تحت قاع المحيط الأطلسي نبحث عن فالق يمكننا اختراقه لبلوغ قاع المحيط بسهولة ، بعد ثلاث ساعات و عشرين دقيقة من انطلاقنا ، و اصارحكم القول أننا لا نعلم ما الذي أخرنا ساعتين إضافيتين ، و التفت إلى الدكتور عبد الله طالبا منه أن يشرح هذه النقطة ؛ فاضاف الدكتور عبد الله قائلا :- بعيد بلوغنا قاع الأطلسي ، فوجئت تماما بأن جميع تسجيلاتي الصوتية و المرئية عن الرحلة كانت ممحية بالكامل خلال آخر ساعتين ، و قد حاولنا ، جميعا ، شحذ ذاكراتنا لنعرف ما الذ ي جرى خلال ذلك الزمن الضائع المعادل لثلث الرحلة ، و لكن دون جدوى ؛ شيء ما عطل أجهزتنا و ذاكراتنا لمدة ساعتين !و هنا جرى لغط كبير بين جميع الحضور ، فقد أصابتهم الدهشة لهذا الزمن المفقود ، لولا أن نهض أحد صحافيي فضائية عالمية، فطرح السؤال الثالث := هل لذلك علاقة بأحجية مثلث برمودا ، فالمعروف لدى الكثير من قادة السفن و الطيارين أن لديهم ملاحظات شبيهة بما ذكرت ، كتوقف البوصلات و أجهزة الإتصال و ما إلى ذلك ؟أجابه الدكتور عبد الله :- ربما ؟ و بالمناسبة فقد لفت نظرنا وجود صحن طائر خلال استقبالنا في عرض البحر .صمت قليلا ريثما هدأت الضجة التي أثارتها ملاحظته ثم أضاف :- ربما نتمكن من حل هذا اللغز أثناء رحلة العودة !السؤال الرابع := هل يمكن أن تصفوا لنا ما شاهدتموه في أعماق الأرض ، أقصد على أعماق تزيد عن الخمسين كيلومتر تحت قاع البحر ؟فيتصدى الدكتور مجدي للإجابة على هذا السؤال :- باطن الكرة الأرضية ليس طبقات ذات كتلات متجانسة لكل منها -كما شبهها البعض - بطبقات ثمرة البصل مثلا ، فهناك مناطق صلبة رغم وجودها على أعماق تزيد على المائة كيلومتر ، و هناك مناطق ملتهبة ، و أخرى نصف مائعة قريبة جدا من سطح الأرض أو قاع البحار ، تتحرك فيها المعادن المنصهرة كأنها في مرجل من مراجل مصانع الحديد و الصلب ؛ و في الأعماق – أيضا - كهوف ضخمة ، أحدها تجاوز المائتي كيلومتر طولا تحت القارة الإفريقية ، و هناك تسرب كبير من مياه المحيط إلى الأعماق ، فما أن أن تلامس المياه المتسربة الخليط المنصهر حتى تتبخر و تبدأ في الصعود ثانية إلى أعلى متخللة المادة الأصلب لتتبرد من جديد متفاعلة مع المعادن و أشباه المعادن لتظهر على شكل مياه معدنية ، أو لتشكل فجوات من الماء العذب ، لم يكن لدينا وقت كافٍ لرصد حجمها ، و لكن بعضها كبير جدا ، و سنقوم بدراستها بتأنِ خلال رحلة العودة .و مما يلفت النظر أنه في قاع البحر الأحمر قرب خليج السويس أي قرب الفالق الذي تمكنا من اختراقه إلى الأعماق ، توجد مساحات دائمة الإشتعال رغم وجودها في وسط مائي ، و لاحظنا مثلها في قاع الأطلسي ، أي قرب الفالق الذي خرجنا منه باتجاه القاع .السؤال الخامس := ماهي قوة المحركات التي سمحت لكم باختراق باطن الأرض ، بما تحويه من صخور و معادن صلبة ؟ و نحن نعلم أن اختراق الصخور في بعض المناجم يحتاج إلى أشهرا أو سنينا .تصدى الدكتور رياض للإجابة فقال :- زودنا مركبتنا ( دبي1 ) ، بثلاث محركات ، أولها محرك الدفع و تعادل قوة دفعه حوالي 3000 حصان ، و باستخدام وقود مضغوط شبيه إلى حد ما بالوقود الجاف المستخدم لدفع الصواريخ الفضائية ، و المحرك الثاني محرك الحفر لتشغيل الحفارة الحلزونية المثبتة في مقدمة المركبة ، و الثالث محرك لتشغيل الذراع الهايدروليكية ، لالتقاط العينات ، و نستفيد منه أيضا في عملية التبريد الداخلي للمركبة .ثم اختتم الدكتور حمود المؤتمر الصحافي ، مؤكدا على روح التعاون التام التي سادت بين مصممي المشروع و فريق المهنسين المساعدين الذين حولوا العمل من النظرية إلى التطبيق ، مشيدا بدور والده الذي أنفق على المشروع من ماله الخاص و بسخاء منقطع النظير ، و بدور الحكومة الأماراتية عامة و أمير دبي على وجه الخصوص ، لما قدموه من دعم معنوي و تشجيع منقطع النظير .*****============*نزار بهاء الدين الزين سوري مغترب عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العربالموقع : www.FreeArabi.com
----------------*نزار بهاء الدين الزينسوري مغتربعضو إتحاد كتاب الأنترنيت العربالموقع : www.FreeArabi.com

الاثنين، 28 يونيو 2010

الجندي العاشق،،بقلم : عزام أبو الحمـام




كان قد أصيب في أنحاء مختلفة مرات عديدة أثناء وجوده في الجبهة، أصيب المرة الأولى في فخذه واخترقه الرصاص لكنه مع ذلك تمكن من الوقوف بعد ثلاثة أيام فقط، وانفجرت القذيفة بجانبه وأصيب بشظاياها ولم يكلفه ذلك غير شعر رأسه وتشويها في عنقه ، لكنه لم يأبه لذلك كثيرا مادام له ساعدان قويان وقلب صلب، ظل يرفض الانتقال إلى المستشفيات خلف خطوط الجبهة، وكان يقول: المحارب في داخلي لم يصب ولم ينزف نقطة واحدة. فلماذا أتحول إلى الأسِرة كالعجزة!؟

ظل عنيدا على نفسه في رفضه التحول إلى العلاج بعيدا عن الجبهة، إلا أن حمل أخيرا على النقالات إلى المستشفى خلف خطوط القتال رغما عن إرادته ورغما عن وعيه ، هاجمته الشظايا وأدمت كل أنحاء جسده الذي كان صلبا، أصيب في ساعده ولم تعد يده قادرة على حمل بندقية ولا حتى الحركة، لم يكن أمام الأطباء غير بتر ذراعه ، لقد أصبح بذراع واحد فقط.

كان المستشفى بالنسبة له قبر كبير، وكان يعرف أن الحرب لم تضع أوزارها ولم تخمد حرائقها بعد، ما يزال يشتم رائحة البارود والدماء في ثيابه رغم ابتعاده عن الجبهة الساخنة، كان ما يزال بوسعه مشاهدة أعمدة الدخان المتصاعدة من خلف التلال البعيدة جدا، وكان يعض على جراحه وهو يجرجر قامته نحو نوافذ حجرات المستشفى ليرقب التلال البعيدة ،،،كانت رائحة الخسارة تحيط به من كل حدب وصوب وتأتيه في نكهة اليود والدماء المتخثرة.
كان شعورا قاسيا وهو يعرف أنهم تخلوا عنه لأنه لم يعد جنديا بساعدين اثنين.
كان شعورا قاسيا حينما أدرك أنه لم يصبح جنديا محاربا، وكان يدرك ان الجبهة لفظته ولم تعد تطلبه وأنه لم يعد بوسعه العودة ، فجندي بيد واحدة لا يصلح للجبهة.

بدأ يحس بنفسه عبئا كبيرا ، لقد أضنته الحرب وقطعت به السبل، لقد مات قلبه تماما وذوى كزهرة جافة ذرتها الرياح، لم يعد يحب الجبهة ولا يكرهها أيضا، كيف لمن مات قلبه أن يحب أو يكره، فلا هو من جيش المنتصرين بالمعركة ولا هو من جيش المهزومين أيضا، لقد فعلت كل ما بوسعي، لقد رميت بنفسي في النار ولم تشأ النار أكلي، لقد أعفتني من ذلك كي أموت فوق السرير فلا يأبه لموتي أحد.
في ليلة ظلماء، تسلل من سريره ورمى بثياب المستشفى وبدأ يحمل نفسه ، أراد أن لا يموت في المستشفى، أراد أن يموت بعيدا عن الأعين المشفقة، أو بعيدا عن أعين الأعداء الزاحفين، رغب أن لا يقدم جسده مختبرا لتجارب الأطباء، كم سيكون خجلا حينما يفتح الأطباء جثته فلا يجدوا قلبه الذي كان ، الموت في الصحراء سيكون أشرف من الموت في المستشفى بلا قلب.
لم يكن الأول الذي سيختار هذا المصير، كانت الصحراء أمامه تفتح فاهها الضخم فتبتلع كل عابر فيه مثلما يبتلع فم الكهوف الكبيرة النمل الصغير في طرفة عين.
يغذُ السير على رجلين متهالكتين، تلفحه رياح الصحراء المحملة بالرمل الناعم، تخز حصى الصحراء قدماه بلا انقطاع، ينسى الجبهة وما فيها من خيبات، ومن معارك خاسرة، يراوده طيفها كسراب بعيد، كان جنديا لم تعد الجبهة بحاجته، لم يعد جنديا مقاتلا، الصحراء وضواريها المفترسة أولى به من الجبهة وأولى من المستشفيات التي تذكره بأنه ليس برجل مقاتل، وأنه لا حول له ولا قوة ولا قلب له، لن يكون محط شفقة الآخرين وعطفهم ، لم يكن ولن يكون.

بدأ يحس بنفسه نملة صغيرة تدب في ظلام الصحراء اللا متناهية، بدأت أصوات المدافع تتلاشى من أذنيه وصار وقع أقدامه نبض الحياة الوحيد في هذه الصحراء ، أحس بقدميه تسيران إلى المجهول، أحس بجسده يتهالك ويسقط، أدرك أنها النهاية، فاستسلم في عراء الصحراء وظلمتها وبردها القارص،،،
في الصباح، مع خيوط الفجر، كانت أيد تقوده إلى الخيمة الوحيدة في تلك الصحراء البعيدة، وكانت الأيدي تسقيه الماء واللبن وتغذيه بالتمر وتبلسمه بالأعشاب الصحراوية.
بدأ يستنشق رائحة الحياة، وبدأ يستعيد أنفاسه، لم يمت بعد، لم تأكله ضواري الصحراء مثلما رفضت نار الجبهة أكله من قبل.

بعد بضعة أيام، كان شيخ الخيمة الوقور يعرض عليه الصفقة، أزوجك من ابنتي الكبيرة هذه، تنجبا لنا أبناء وبنات، نعيش معا على ما يقسم الله لنا، الفتاة تحبك وترغبك ، يداها هي التي بلسمت جراحك،،،وهذه هي الأغنام وهذه هي الصحراء لنا ولك. دع الجبهة لأصحابها الجنود، وهذه الصحراء لنا ولك.
يقبل العرض كأن لا حول له ولا قوة على الرفض، كيف يرفض من ليس له قلب وليس له طريق، لتكن الصحراء محطته الأخيرة. لتكن الصحراء لكل من لا يعرف محطته الأخيرة.

تغمره الفتاة بالحب، تسقيه من مائها العذب، تمسح بيدها جراحه كل ليلة، تداعب شعر صدره فينبت من جديد، تنفخ أنفاسها الساخنة في فيه، تسدل عليه بشغاف قلبها فيهتز قلبه بعد موات، ويتفتح زهورا في وجهه، يبادلها الحب عشقا، يبنيان معا خيمة صغيرة ويقضيان فيها الوقت الطويل، يشربان معا رحيقا لم يألفاه كلاهما ، تروي له حكايات الصحراء ووحشتها وقساوة رياحها، لا أنيس هنا غير عواء الذئاب، ولا طريق هنا غير طريق النسيان. يروي لها حكايات كثيرة عن الجبهة، عن المعارك الكثيرة التي ربحها أو التي خسرها، يحدثها عن الوطن البعيد، عن الجراح والدخان والأشلاء والطائرات المغيرة، يحدثها عن الحلم الكبير، نسي تماما أنه فقد ساعده، لم يعد يأبه بذلك. أصبح لديه الآن طاقة أكبر من طاقة اليد والبندقية والمدافع، اكتشف أنه قلبه لم يهزم، لم ينكسر، لم يمت، قلبه حي بالإرادة والحب والإيمان بالنصر.

في ليلة عاصفة، كان قراراهما مشتركا، التوجه إلى الجبهة معا. وكان الشيخ يودعهما بالدعاء والدموع.