الخميس، 25 فبراير 2010

استراحة (اربع قصص ق.ج)


اســتراحة الأسبوع (أربع قصص ق ج ) بقلم:عزام أبو الحمـــام
2009-05-15

اعزائي القراء،،،هيا نُغير التردد والموجة ترويحاً ،، مرة واحدة في الشهر.

الأولى ( في الصيف)

شاهدتُها،،شاهدتني فنادتني وراودتني،،غازلتُها وغازلتني،، اطربتني وأغرتْني فَلثمتُها ،، مصصتُها،، فانتشيتُ وانتشتْ وذابتْ ، وبَكتْ، ومِثلي أنا لم تََعدْ كما كانت،،،

الثانية ( في أول الشتاء)

رمقتُها،،أعجبتني،، بعيني غمزتُها ، لمعتْ، فرحتْ، صمتتْ،، ترددتُ،، وجلتْ فنادتني ، أضعفتني،،فبذلتُ لأجلها،، وراودتها ،، فاستجابتْ. ففرحتُ فاصطحبتُها،، عانقتها وعانقتني،،، لم يكن لي غيرها،،لازمتها ولازمتني ،، كانت تُدفئُني وتُزينني ،،،ثم كادتْ تَخنُقني،،تجرأتُ وعن صدري نزعتها ، وبعيداً ألقيتُ بها،، وها أنذا ابحث عن غيرها،،،


الثالثة ( منذ ولدتُ)
لا زلتُ أبحثُ عنها ، أريدها رقيقة قوية انيقة،،، أريدها صديقة رفيقة،،، ساعثرُ عليها،، لا لن اجدها ،،،ساجدها،،قد اجدها ،،،حتماً لن جدها،،،لا اظن أن لها وجوداً في الوجود،،،

الرابعة (حتى هذه الساعة)
لم تعجبني أبداً،،، من أول نظرة كرهتها ،،، أشحتُ بوجهي عنها ،، لاحقتني،، توسلتْ وتمسكنتْ ،،، فضعفتُ، وغُلبتُ،استسلمتُ ،،، أحبها وأكرهها ،، سألثمها،،بل سأحرقها،،، سانبذها ،، سا لفظها ،، سابذل لأجلها،،، ساحرقها،،،وما زلتُ أحبها.15أيار/يوليو 2009* أصدقائي القراء أشكركم وممتنٌ لكم على التشجيع،،،ثم إن بعض الظن إثم،،،وبعضه جائز بالطبع.

استراحة (القاصين والقطط)





الأولى: قاص أمين لمذهبه
* قاص مبتدئ في بداية الدرب أمثالي، توجه إلى كاتب كبير يسترشدهُ، فنصحهُ الآخر يقول له: أي بُنيَ،،راقب الحياة كما هي ، ففيها الكثير من القصص،،،، راقب من خلف ستار فلا يؤثر حضورك بالحوادث. فجعل القاص من هذا القول مذهباً له.وذات يوم رومانسيٌ أغَرٌ، وبينما الرجل يهيئ لنفسه مائدة عظيمة، تتوسطها سمكة شهية، فقد لاحظ َ- بعينهَ الراصدة - قطٌ يقترب من المائدة متمطياً كنسناس، مُتلنِعاً(1) كقصاصٍ(2)، وإذ ذاك تذكر القاص النصيحة فهرع إلى قلمه يستكتبهُ واختفى خلف مقعده، وراح يسجل ما اعتبره سبقاً قصصياً بامتياز:رائحة السمكة تعبق المنزل ، لساني يتلمظ ، ولعابي يسيل ، القط يقترب ، وانأ أختفي تماماً، القط يتمطى ويتجبد، وأنا في غاية التنبه، القط يقفز فوق المقعد، وأنا أختفي تماماً خلف المقعد المقابل، ولكنني في غاية الانتباه،،،القط يقفز فوق المائدة، هنا حبكة قصتي فركزوا معي ،،،القط يكشر عن أنيابه،،، القط يلتقط السمكة من ذيلها ويفر هارباً، لا زلت أكتب بانتباه، القط غاب عن ناظري، رائحة السمك تعبق الأجواء،،، لم يبقَ لي غير السلطة والخبز فقط. وتصبحون على خير خاتمة قصتي.
(1) مُتلنعاً، من تَلنعَ / يَتلنعُ/َتلنعُ : وتستخدم في بعض اللهجات الفلسطينية، وتصف حركة العينين مصحوبة بحركة العنق وهما تدوران معا في كل الاتجاهات بحثا أو حذراً أو ترقباً.(2) القصاص: المتتبع للأثر، وهي فراسة اشتهر بها العرب.
الثانية: الدعاء المستجاب
عاد القاص المبتدئ ذات مساء إلى بيته يداعبهُ رجاءٌ بخاطرٍ مناسب لقصة يشاركُ بها في مسابقة الغد ، كان آنذاك يسكن منزلاً بسيطاً في المخيم، يحيط بمنزله سور متهالك من الطوب المفكك والمُكسر.القاص يقترب من المدخل، وقبل أن يدفع الباب المتهالك بيده ، وقف يلتقط أنفاسه وَيشخصُ ببصره عالياً وهو يقول: اللهم ألهمني قصة رائعة لمسابقة الغد كي أكون من،،،، آآآآخ،،،،لم يكمل الرجل دعاءه ، فقد أفزع صوتهُ المتمسكن والمتهالك أيضاً قطاً نائماً بجانب قطته فوق السور، فهربت القطط مرتبكة غاضبة فدفعت طوبة آيلة للسقوط ، فوقعت فوق رأس صاحبنا، فَشَجتْ رأسهُ.وعلى صوت صرخته المُدوية ، خرج أهل بيته فزعين ، فأسعفوه.وفي قسم الطوارئ ، قال له الدكتور المُسعف : الحمد لله أنك لم تطلب رواية ،، لذهبوا بك إلى المقبرة بدل أن يأتوا بك هنا. هيا، استحمدْ الله فقد استجاب لدعائك، وستخرج من هنا بعد أسبوع لتكتب قصة رائعة عنوانها " الدعاء المستجاب".

الثالثة: أجواء النص مهمة
القاص صاحبنا إياه صاحب مذهب "راقب وسجل متخفياً"، كان يجلس ذات يوم في شرفة منزله مطلاً على حاوية النفايات في الشارع، كاتبنا ظل محتاراً وخاوياً من أي فكرة لنصٍ جديد، وفجأة جاء الفرج، حيث راح صاحبنا يراقب ويسجل:الحاويات هذا المساء غنية بالنفايات، من موقعي هنا أشتم رائحة السمك وعظام الدجاج وروائح أخرى كريهة ، حضر القط السمين يتبختر ومن خلفه رفيقتهُ القطة ذات الفراء الأشهب ، القط السمين يسيطرُ على منطقة الحاويات، ويعيثُ فساداً في النفايات، القط السمين يَستنِمر ويبعدُ قِطاً ضعيفاً مبرقع الفراء ، وفي خضم جشعه بالعظام يتناسى القط السمين صاحبته القطة ذات الفراء الأشهب،،، القطُ المبرقع الضعيف رفيع الجسم يَمكرُ شيئاً،،، يتخلى عن عظمة في فمه، ينسحب للوراء، يناغي القطة ذات الفراء الأشهب ويؤشر لها بذيله الرفيع، فتستجيب لهُ، وترقدُ أمامه فيمتطي ظهرها، ما أروعها من لحظات، تمنيتُ لو كنتم معي الآن،،،بالفعل كم تمنيتُ لو أن،،،آآآخخخانقطع النص، وتبين أن صاحبنا القاص أصيب بلكمة قوية من زوجته الضخمة السمينة التي كانت تؤمن بمذهب " راقب وتدخل في الوقت المناسب". وفي قسم الطوارئ قال له الدكتور المسعف ، استحمد ربكَ أن الحذاء الذي ضُربَ في رأسك كان نسائياً.

****

الرابعة: من سيربح الغليون ؟

نجح المتسابق ووصل إلى المرحلة الأخيرة من برنامج جورج قرداحي " من سيربح الغليون مع المليون" وتوقف عند السؤال الأصعب الذي سيؤهلهُ لربح المليون، وراح يستشيرُ زوجته التي تحتضن قطاً أبيضاً. قال جورج قرداحي: لم يبق لك أي وسيلة مساعدة،،، وئتكْ أربْ يِخَلصْ، يا الله يا خَيَي، فيك ما تؤلي مين قائد الثورة الصينية؟ بدي جواب نهائي يا خيي ،معاك خمس ثواني مش أكتر، أو بترجع للصفر.القط الأبيض الذي تحملهُ زوجة المتسابق يُبادرُ بسرعة: ماو ماو ماوجورج قرداحي : أحسنت يا خيي، ماو تسيتنغ إجابة صحيحة ،،،بدي أهنيك واتشكرك من كل ألبي، ربحتْ الغليون مع المليون.بَدي من الجمهور تصفيق كبير كتير كتير.(الجمهور يصفق تصفيقاً حاداً فيما ذيل القط الأبيض يتلوى على صدر صاحبته).

****

(استراحة الاستراحة)
عزيزتي القارئة ،عزيزي القارئ،،، لعل بعض أطفالكم يسألونكم الآن عن سبب الضحك أو الابتسام،،،لذلك أذَكُرُ الرجال بالتزاماتهم المالية للأسبوع القادم ، وأذكُرُ النساء بضرورة استكمال الأعمال المنزلية. أو : اقرؤوا لأولادكم وبناتكم القصة التالية بصوت مرنم ترنيماً حسناً كي يتلهوا بها . لكن لا تنسوا أن تطردوهم بعيداً في القصة اللاحقة.

****
الرابعة : أوبريت القطط : ( مهداة لمهدي ولانا وميرنا ورشا وإيهاب وليث وكل أبناء وبنات كتاب المنبر وقرائه)

تفتقَ ذهنُ صاحبنا القاص ذات مرة بعد أن قرأ بعض قصص كليلة ودمنة، فكتب أوبريتاً غنائياً على ألسنة القطط، اخترنا منه ما يلي:(ديكور المسرح ، حاوية نفايات، شجرة رصيف ،،،عظام أكياس مبعثرة )
القط المبرقع: مــــاوتْ قطتي فقلبي اليوم متبولُ **** متيم مُواؤها لم يفدِ مَكبولُِ
القطة العسلية: ولقد ذكَرتُك َوالقطاط نواهل مني **** ومواءُ الموَِ تَلوي الذيــولِ
القط المبرقع: مــــــاوي مواءً شـــــــيمتهُ الصبرُ*** أما للمُواءِ نَهيٌ عليك ولا ذيلُ
قطٌ جديد أبيض الفراء يدخل المسرح مُختالاً: ( ويرفع ذيله تحية للجمهور)القط الأبيض: مِومِوْ مَوواً ( أي عِمتُم مساءً)
القط المبرقع : وا مَاواً وا مَواواً ( أي: لا أهلاً ولا سهلاً).
القطة العسلية : موٍ ،،، موٍ،،، واموي مياوىً ( أي: صهٍ صهٍ، ولتكن لطيفاً)
القط المبرقع: موْ موواه وا ماووة (أي: هل أحببتهِ يا خائنة؟)
القطة العسلية: ماوِوْ ماوْ موائكَ ما مواوي ٍ( أي: حاسب على كلامك يا صايع)
القط المبرقع: موا موي بمواوي،،،(أنا لستُ بصايع ) مو موا مويوي موى مواو الموو الموي أمومها موي ، مماووين وا مووه ( بل أنا حزين على عظام السمك التي كنتُ أحضرها لكِ ، ستندمين يا كلبة)
القطة العسلية: مواوْ وا موا موَ،،، واموو ميموويوي.( أي: افعل ما بدا لك ،،، واذهب للجحيم).
القط المبرقع: ماو الموَ مووٍ ( أي إنها الحرب إذن) تُغلق الستارة على أصوات المعركة ( موواووامووويييخخخيوي.ي. خخخخ موخخخ موواوواووي.ي.ي.ي)

الخامسة: قطعت القطط قول كل خطيب.
(للأزواج فقط )زارني ذات مرة ثلاثة أصدقاء قدموا من الضفة الغربية، وكان موعدهم والغداء في منزلي، كان شهر شباط ينشر القطط فوق الأسوار وتحت الأشجار عشقاً ومواءً وخوارَ،،،وصل الأصدقاء مدخل المنزل وثلاثتهم كهول متزوجون، وكانوا قد يأسوا من موقف ثالثهم الرافض العودة للوطن والأهل في الغد ، فأسقطَ في أيديهم وقد تعاهدوا على اتخاذ قراراتهم بالإجماع، وبينما هم في انتظار فتح باب المنزل، فقد استوقفهم مشهد قط وقطتهِ في حديقة المنزل وهما في ذروة العشق والغزل ، وإذ ذاك تمتم الثالث قائلاً: غيرتُ رأيي ولتكن العودة باكرة للأهل ، فقد اشتقت للأولاد(1). و"البلاد طلبت أهلها"(2). فدخلوا المنزل يضحكون وقد تخلوا عن بعض وقارهم فشرحوا الأمر، فقلنا، "قطعت القطط قول كل خطيب".(1) الرجل ليس لديه أولاد لأنه عاقر، وإنما أراد بقوله أنه اشتاق لإنجاب الأولاد، (2) البلاد طلبت اهلها : قول مأثور في بلاد الشام وفلسطين تخصيصاً، ويدل على شوق العودة للوطن أو الزوجة أو المنزل.

استراحة (تعارف على الشات)

استراحة (تعارف على "الشات)
الدور، ربما من باب الفضول، ربما رغبت في الثأر من بنات جنسها، وربما استهوتها لعبة التنكر خلف شاشات الكمبيوتر،،،


تواعدا عبر "الشات" للقاء في "مقهى الحب المفقود" على ناصية هادئة حالمة....
* * *
هي /"هو": جعلت من نفسها شابا بشوارب مبرومة وربطة عنق خضراء..
أوهمتها/ أوهمها فتوهم/ فتوهمت...
هو / "هي": جعل من نفسه صبية بضفائر شقراء وعقد لازوردي على الصدر وحقيبة ليلكية..
أوهمه/ اوهمها، فتوهم/ فتوهمت...
في مقهى "الحب المفقود" جلس كل منهما إلى المنضدة نفسها وظل ينتظر... ويبحلق في ساعة معصمه ثم في الباب دون جدوى.. دون أن يأتي الآخر ....
عاد كل منهما بحسرته.. يجر أذيال الخيبة والهزيمة ، كما في مرات سابقة.....
* * *
في اليوم التالي بدأ كل منهما بالتفكير في حيلة جديدة،،،،لعل وعسى ....

استراحة (( تأملات وقصص من الهند)) بقلم عزام أبو الحمـام

استراحة (( تأملات وقصص من الهند))

कॉफी तोड़ो प्रतिबिंब (और भारत से कथाएँ)आजम अबू बाथरूम तक
عندما تَطرقُ أسماعنا كلمة بلاد الهند، تنداح في المخيلة الكثير من الصور المتخيلة، العجائب، ملايين البشر يسيرون في الشوارع ولا يجدون ما يقتاتون عليه، بقرة تنام في وسط الشارع ولا يجرؤ أحد على نهرها لأنها ربٌ مقدس، قرَدةٌ ترقص وسط حشد من القرويين المعدمين، أفعى كوبرا ترقص على أنغام المزمار، القمصان الهندية زاهية الألوان، البهارات الهندية المتنوعة، الأرقام الهندية التي نستخدمها اليوم، بوذا الذهبي وملحمة المهابارتا التي تشبه الالياذة الإغريقية،، وابن المقفع وكليلة ودمنة والأرقام الهندية،،،لكن هذا ليس كل شيء.فالهند ورثت حضارة عريقة كانت مُصدرا للكثير من العلوم والاختراعات والحكم والقيم، والهند اليوم رغم أنها دولة نامية لكنها دولة نووية، ولها أقمار اصطناعية تجوب الفضاء، واقتصادها يحقق أعلى معدلات النمو مثلها مثل الصين،(6-8% معدل النمور السنوي)، والصناعات التكنولوجية المتقدمة وخصوصا البرامج الكمبيوترية الدقيقة،،المهاتما غاندي محرر الهند من الاستعمار البريطاني، طاغور الشاعر العظيم، إنديرا غاندي،،،السينما الهندية،،،البراهما والداليت وما بينهماالمجتمع الهندي يدين بالعديد من الديانات والمعتقدات اللاسماوية، أي الوثنية، وبخلاف المسلمين والمسيحيين فإن معظم الديانات الهندية لا تؤمن بالبعث بل تؤمن بتناسخ الأرواح، وتلك المعتقدات تتشارك بها الكثير من الطوائف الدينية الرئيسية التي تعد بالعشرات، وقاعدتها تنهل من البوذية والكونفوشوسية.المجتمع الهندي يتألف من طبقات مغلقة بحيث لا يجوز الحراك بينها، فالفرد يولد في هذه الطبقة ولا يجوز له الانتقال إلى غيرها، لذلك فهي تسير وفق نظام الطوائف المغلقة.والبراهما هي أرفع طبقات المجتمع الهندي الرئيسية التي تشمل الكهنة والرهبان وسدنة المعابد الهندوسية، تليهم طبقة “كشاتريا” التي تمثل الأمراء ورجال الجيش، ثم طبقة “فيشياس” وتضم التجار والمزارعين والحرفيين، وبعد ذلك تأتي طبقة “شودراس”، وهي طبقة الخدم والعمال اليدويين.. ثم طبقة أخرى تُصَنَّف كطبقة خامسة وهي “الداليت” وهم المنبوذون. وبرغم إلغاء هذه الطبقات رسمياً عام ١٩٥٠ تاريخ قيام أول دستور للهند المستقلة، إلا أن المجتمع الهندي ما يزال يعيش على هذا النسق الذي تعاني منه طبقة المنبوذين بشكل كبير.إلى وقت قريب حرم أبناء طبقة البراهما على أنفسهم العمل، منذ حوالي عقدين من الزمن، أصبح شعارهم : “مرحباً بالبيزنس”.

***************************
महात्मा गांधी المهاتما غاندي
لا يمكن الحديث عن الهند الحديثة دون الحديث عن المهاتما غاندي الأب الروحي لدولة الهند المعاصرة.ولد المهاتما غاندي (أبو الهند) أي الروح الكبيرة عام 1869 في قرية راجكوب وسمي بهذا الاسم لأنه قاد مئات الملايين على طريق الحرية بقوته الروحية التي أدهشت المستعمرين والعالم...وفي 12 آذار عام 1930 قرر دعوة الشعب إلى مسيرة الملح والتي استغرقت مسير أربع وعشرين يوماً وكانت تهدف إلى تحدي احتكار الحكومة الإنكليزية لاستخراج الملح والذي كان الهنود يستهلكونه بكميات كبيرة.في عام 1921 حكم بالسجن ثلاث سنوات قضى منها عامين بسبب تدهور حالته الصحية، خرج بعدها واعتزل المهمات الحزبية ليحتفظ بدوره كمرشد روحي للنضال الهندي.توفي غاندي في 30 كانون الثاني من عام 1948 بعد إطلاق النار عليه من قبل أحد المتطرفين الهندوس الذين اعتبروا غاندي متساهلاً مع المسلمين أكثر مما تسمح به مصلحة الهند حسب اعتقاد أولئك المتطرفين السيخ.
*********************************
سأحاول أن أجعل أفكاري بمنجًى من أيِّ زيف، عالِمًا بأنك أنتَ الحقيقة التي توقظ نور الحقِّ في فكري. رابندرانات طاغور
***********************************
بوليوود (بومباي) هوليوود الهند
إذا كانت هوليوود في امريكا هي قبلة السينمائيين العالميين، بفضل غزارة إنتاجها وانتشاره وحذاقة صناعتها، فإن بومباي الهندية هي المنافس الوحيد لهوليوود الأمريكية، تنتج بومباي نحوا من 1000 فيلم روائي سنويا، خلاف الأفلام الوثائقية، وتبيع نحوا من 800 مليون بطاقة عالميا، ويبلغ عدد مشاهدي الأفلام الهندية خمسة مليون مشاهد يوميا، ويعتاش من ورائها عشرة ملايين هندي، إضافة إلى عشرات ألاف الممثلين وغيرهم.معظم الأفلام الهندية ميلودرامية، موسيقية، غنائية. وتستهدف قصص العنف والمطاردات إضافة المزيد من عناصر التشويق إلى قصص المغامرات العاطفية والأساطير وقصص الإثارة التي تعتمد الأكشن والمغامرات.يبدو أن ذلك ما يساعد الشعب الهندي على تقبل واقعهم الصعب فيعوضون عنه بهذه الأفلام التي تساعدهم على الاستراحة من ذلك الواقع لبعض الوقت على الأقل.
******************************
فيلم هندي أصلي साहसिक लड़की
نمر ضخم يكمن وسط أجمة خضراء، فتاة قادمة من بعيد بثيابها الجميلة الزاهية الألوان وهي تغني أغنية حزينة بلحن شجي، النمر يتوثب ويستعد للانقضاض عليها،،، شاب أنيق يظهر فجأة من فوق الشجرة ويقفز فوق ظهر النمر وينقذ الفتاة ويركبها ورائه على ظهر النمر وينطلق بها فتقع في حبه خلال الطريق ويصر على إعادتها إلى أهلها وهو لا يعلم أن والدها ثري كبير فيقابله والده بالترحاب ويوافق على زواجهما ويقام لهما احتفالا كبيرا ، ويقدم الراقصون والمطربون أجمل العروض الفنية بهذه المناسبة،،،في اللحظة الأخيرة وقبل دخول العروسين معا، تكتشف أم العروسة أن العريس ما هو إلا ابنها الضائع منذ عشرين عاما.انتهى الفيلم الهندي.
***********************************
وسأجهد في أن أجلُوَكَ في أعمالي، عالِمًا بأن قدرتك هي التي تمنحني القوة في العمل. رابندرانات طاغور
************************************
इंदिरा गांधी
إنديرا غاندي
مثلما المهاتما غاندي كان أبا روحيا للهند، فإن إنديرا غاندي وضعت بصماتها على هوية الهند السياسية والاجتماعية ، إنها واحدة من عالم الرموز الكبار في تلك الحقبة.ولدت في 19 نوفمبر 1916، تم اغتيالها في 31 أكتوبر 1984.كانت أول امرأة تصبح رئيسة للوزراء بالهند، وهي ابنة جواهر لال نهرو الذي كان أيضا رئيسا للوزراء. ولا تربطها صلة قرابة مع المهاتما غاندي الذي ساعد الهند في استقلالها.اشتغلت إنديرا بالعمل السياسي منذ وقت مبكر من حياتها، وتمرست على تقلبات الحياة السياسية، ففي عام 1942 (أي في العام الذي تزوجت فيه) اعتقلت هي وزوجها بتهمتي التخريب ومناهضة السياسة الاستعمارية فقضى الاثنان في السجن 13 شهرا.في أواخر السبعينات مرت الهند بفترة صعبة من القلاقل الداخلية واحتدم الصراع الداخلي وساد الانقسام، وحل البرلمان قبل عامين من الموعد المقرر، وتوجهت البلاد لانتخابات جديدة.وكانت إنديرا غاندي قد استعدت لذلك فجاءت نتائج الانتخابات في يناير/ كانون الثاني 1980 لتكرس انتصارها وانتصار حزبها وابنها سنجاي الذي انتخب هو الآخر بأغلبية ملموسة.في شهر يناير/ كانون 1980 كان ثمة قصة غريبة أخرى تدور في مومباي، سنعود إليها بعد قليل. سيكون أبطال القصة كل من إنديرا غاندي، الرئيس ياسر عرفات، شاب فلسطيني مغمور ، لكن الشاب المغمور هو بطل القصة الأول.وكان بعض زعماء السيخ المتشددين احتجوا على بعض سياسات إنديرا واعتصموا في أحد معابدهم المقدسة (معبد الشمس) وطالبوا باستقالتها، ولما امتنعوا عن الاستجابة لمناشدتها بفض الاعتصام وعدم إثارة الرأي العام أو النعرات الطائفية أعطت أوامرها للجيش باقتحام المعبد والقضاء على المعتصمين وعلى رأسهم سانت بيندرانوال مما أثار حفيظة بقية السيخ. في هذه الأثناء رفضت إنديرا تغيير حرسها الشخصي المكون من الضباط السيخ معتبرة أنه يجب أن لا يؤخذ الأبرياء بجريرة المذنبين على حد وصفها، لكنها لم تكن موفقة في هذا الرأي فقد تغلب التعصب الطائفي على الواجب القومي فسقطت إنديرا صريعة برصاصات قاتلة أطلقها عليها حرسها الشخصي صبيحة يوم 31 أكتوبر/ تشرين الأول 1984 فودعت الحياة السياسية عن عمر يناهز 67 عاما.
الزعيم عبد الناصر وإنديرا
जमाल अब्दुल नासिर, इंदिरा
استقبل الرئيس الراحل عبد الناصر صديقته إنديرا في مطار القاهرة عام 1967، والتقط المصورون صورة تجمعهما بينما غاندي تغطي وجهها بكفيها، كانت تحاول السيطرة على دموعها وهي تخنق بكاءها عندما قال لها عبد الناصر مُرحبا:والدك جواهر لال نهرو من أعظم الرجال الذين التقيتهم وتعلمت منه الكثير.كان جواهر لال نهرو وعبد الناصر والرئيس اليوغسلافي آنذاك جوزيف بروس تيتو هم من أنشأ حركة عدم الانحياز وكانوا أعظم رموزها. وانضم إليهم لاحقا ابو عمار وآخرون.
****************************
ولى زمن الرموز العظام، فهل يعود بعضهم؟؟؟
********************************
هوليوود العربصناعة السينما العربية تتمركز في مصر كما هو معلوم، لذلك يسميها البعض بهوليوود العرب، مع ذلك تشير الدراسات إلى أن السينما المصرية التي كانت رائدة الفيلم العربي تعاني أزمات كثيرة منها ما هو مالي ومنها ما يتعلق بالسيناريو والإخراج والرقابة ومجارة المعايير التجارية.يتراوح إنتاج السينما المصرية سنويا بين 45- 60 فيلم، ورغم أنها ارتفعت في عام 2008 إلى فيلما،65 إلا أن 56 فيلما فقط تمكنت من العرض في الصالات.أما البلدان العربية الأخرى، فإن صناعة السينما فيها ما تزال ضعيفة ومعظمها لا يملك البنى التحية والكوادر الكافية لإنتاج سينمائي واسع ومستقل تماما.ورحم الله مصطفي العقاد ويوسف شاهين وكل الفنانين السينمائيين الجادين.متى سيظهر خلفاء يسدون الفراغ الذي يخلفه الكبار في السينما أيضا؟؟
*****************************
أبو عمار وإنديرا غاندي अबू अमर, इंदिरा गांधी
من المعروف أن الرئيس الراحل أبو عمار رحمه الله، كان يقيم علاقة صداقة مع الزعيمة الهندية الشهيرة إنديرا غاندي منذ أواسط السبعينات، في أواخر السبعينات، كان أبو عمار يقوم بزيارة إلى الهند، وكانت أندرا غاندي تستعد للانتخابات آنذاك ( يناير كانون الثاني من عام 1980).ويبدو أن موقفها الانتخابي كان مقلقا مما اضطرها الاستنجاد بصديقها الرئيس أبو عمار ليساعدها في الحصول على ملايين الأصوات الانتخابية. أبو عمار بدوره استغرب الأمر وهو يعرف أن ليس ثمة جالية فلسطينية في الهند باستثناء القليل من الطلبة ، ولكنه كعادته كان مستعدا لكل طارئ ولا يرد طلبا لأي كان.نظر ابو عمار إلى سفيره هناك وإلى معاونيه فأخبروه بالقصة:ثمة طالب فلسطيني درس في جامعات الهند فأتقن لغتهم وانغمس في حياة بعض طوائفهم وتزوج منهم وعاش حياتهم وتبنى بعض معتقداتهم، والطوائف الدينية في الهند أكثر من أن تحصى، وأغلبها منصرف أو مُستولد من الطوائف والديانات الأساسية، فمنها الإسلامي والمسيحي والبوذي والكونفوشي ومنها ما يمزج مقاديرا مختلفة من تلك الديانات أو بعضها فينتج عن ذلك مذاهب جديدة بنكهات مختلفة.وحدث أن وقع ذات مرة صراعات وصدامات كبيرة بين طائفتين، فقام صاحبنا بدور الوسيط بين الطرفين، فأنتهت وساطته إلى ان جمع بينهما فصارت الطائفتان طائفة واحدة وجنب الطائفتين سفك الدماء (ليته تدخل بين طائفتي حماس وفتح)، ولذلك انتخب صاحبنا او زُكي أو وضعَ نفسه زعيما للطائفة المتوحدة الجديدة، وعند الشعب الهندي فإن الزعماء الدينيين وكذلك نجوم الفن والمجتمع يحظون بقدر كبير من التقديس ، فالزعيم أو النجم مطاع طاعة عمياء في أمور الدين والدنيا.الذي أزعج إنديرا غاندي أن زعيم الطائفة اتخذ موقفا مناهضا من غاندي وحزبها (المؤتمر) وأعلن عن رغبته وطائفته بعدم التصويت لصالحها في الانتخابات القريبة. وهذا ما اشتكته إنديرا لصديقها أبو عمار على اعتبار ان زعيم الطائفة نفر من شعبه.أنفذ أبو عمار من يأتي له بالشاب الفلسطيني الذي أصبح زعيم للطائفة الجديدة ، إلا أن الزعيم أبى وتمنع ، محتجا أن أبو عمار قد يهينه أو يقلل من شأنه أمام أنصاره ومريدوه ،،،ولذلك فقد اشترط أن يستقبله أبو عمار ويعامله معاملة زعيم طائفة بروتوكوليا، فكان له ذلك .قدم الزعيم ورهط من معاونيه الكبار إلى مقر إقامة ابو عمار، كان الزعيم يختال بين معاونيه مثل طاووس كبير يحف به معاونوه ويقرأون التعاويذ ويحرقون البخور أمامه ، كان يلبس عمامة ملونة يحيط بها الريش الملون الذي راح يتقصف أثناء اختياله.جلس الزعيمان وسط أعوانهما يتبادلان الحديث إلا أن تبدد الشك من نفس الزعيم الهندي الفلسطيني وحل محله الثقة والافتخار بعد أن لمس كل تلك الحفاوة من أبو عمار ومعاونيه.فتشجع الزعيم وسأل أبو عمار:- سيد ابا عمار، هل يمكن أن تخبرني كم هي أعداد الشعب الفلسطيني.- لماذا تسأل مثل هذا السؤال!!؟؟ رد أبو عمار وهو يتوقع ما يدور في ذهن السائل بعد أن قرأ ما بدا على وجهه من غرور.صمت أبو عمار قليلا فانبرى أحدهم وقال : الشعب الفلسطيني نحوا من ستة إلى سبعة ملايين في أرجاء العالم، فماذا تريد القول أيها الزعيم؟فتوجه الزعيم الهندي إلى أبو عمار قائلا:إذا كنت يا أبا عمار زعيما على ستة ملايين نسمة، فأنا زعيم على خمسة عشر مليون نسمة، هذا ما أردت قوله فقط.ابتسم أبو عمار ابتسامة عريضة وراح يفرك كفيه بعضهما ببعض وهو يقول:- إذا كنت أنت زعيم على خمسة عشر مليون هندي من المنبوذين، فأنا زعيم على سبعة ملايين من الرؤوس أمثالك، ألا ترى الفرق، وألا تعرف أن الشعب الفلسطيني كله روس أمثالك يا بني، مفيش حد يعتبر نفسه صغير.- ضحك الجميع وخجل الزعيم وتعهد وأعوانه لأبي عمار بأن يصوتوا لصالح حزب صديقته إنديرا غاندي، ولم يخرجوا إلا وهم في غاية الرضى.
***********************
ياسر عرفات نيشتاداتو
عرف هندي وافد الى دولة الأمارات العربية المتحدة في أيار 2009، على نفسه، بـ'ياسر عرفات'، ومن خلال معاينة بياناته، تبين أن اسمه ياسر عرفات نيشتاداتو . يبدو أنه من مواليد آخر السبعينات أو أوائل الثمانينات، وقال ياسر نيشتاداتو أن والده قد أطلق عليه الأسم تحببا بياسر عرفات وقضيته العادلة.
******************************
اللغة الهنديةاللغة الهندية (हिन्दी)
هي لغة هندوأوروبية من فرع اللغات الهندوإيرانية، تطورت اللغة الهندية مباشرة من لغة الهند القديمة وهي السنسكريتية.وهي خامس أكثر لغات العالم من حيث عدد الناطقين بها بفصاحة، حيث بلغ عددهم 182 مليوناً في عام 1998. في عام 1997، تبين من استفتاء أن ثلثي سكان الهند يجيدون اللغة الهندية.
*********************************
ورغم أن لونَ هذه الزهرة ناصلٌ نحيلٌ، ورائحتَها وانيةٌ، فخُذْها لخدمتك واقطفْها في أوانها.
*********************************
الأرقام الهندية والأرقام العربية
الأرقام الهنديةالأرقام التي نستخدمها اليوم في المشرق العربي هي التي اقتبسها العرب من الرياضيات الهندية، وقام الخوارزمي (780-850م) بوضع أرقام أخرى مغايرة وفق عدد الزوايا في الرقم، لكن أرقام الخوارزمي لم تحظ بالانتشار إلى أن انتقلت إلى الأندلس ومن هناك اقتبسها الأوروبيون وظلوا يستخدمونها إلى يومنا هذا.الأرقام العربية المُهجرة ظلت مهجورة في المشرق العربي، لكنها حية ويُحتفى بها في دول المغرب العربي حتى الآن.
********************************
توقفي أيتها النهاية الرائعة ، لحظة ، واذكري ،في صمت كلماتك الأخيرة .إنني أنحني لك وأرفع سراجي لأنير لك الطريق .

استراحة في الصين

قدر لي أن أزور الصين بصحبة وفد من تخصصات متنوعة قبل بضع سنوات وكانت زيارة ثقافية شملت خمس ولايات طفناها على مدى اسبوعين، ومن دفاتري التي سجلتها آنذاك أقدم لكم هذه الخلاصات، أمل أن يكون بها فائدة للقراء واستراحة تأملية لهم .

视频播放位置. 下载安装سور الصين العظيم :
في اليوم الأول لوصولنا بكين (بيجين) كانت وجوه الصينيين مكفهرة وكانت سماء بكين مغلفة بقبة رصاصية كئيبة بسبب مخلفات الصناعة التي تحيط بالمدينة للدرجة التي كانت تحجب فيها أشعة الشمس. ولحسن حظنا، فقد أشرقت وجوه مضيفينا الصينيين لأن الأمطار شرعت بالتساقط منذ منتصف الليل ، وكان صباحا مميزا ونحن نقف على سور الصين العظيم ونعبق بذلك التاريخ الذي يمتد أمام النظر كامتداد السور مخترقا الجبال والوديان.يبلغ طول الأجزاء المتبقية من السور نحوا من 6400كم. وبني على فترات متباعدة تبدأ من 220 قبل الميلاد وتنتهي في القرن الرابع عشر.وفي مصادر أخرى يقال : أن الطول الإجمالي للسور الذي بنته كل الأسرات الإمبراطورية خمسين ألف كيلومتر.يقول الصينيون: من لم يزر السور العظيم، كأنه لم يزر الصين.أثناء وقوفنا قال هاجس في عقلي: كم من رواية وقصة وحكاية رافقت بناء هذا السور ورافقت حياته؟قال ماو لمواطنيه عن السور: ليس رجلا من لم يزر السور العظيم.
***
لا أعرف زعيما من عظماء العالم لم ينعته بعض أفراد شعبه بالخيانة أو الانحراف، ولماذا الزعماء، فالأنبياء (صلوات الله عليهم وسلامه) قبلهم تعرضوا لتلك الاتهامات وحرق بعضهم أو شنق أو قتل بالسيف أو طرد وهجر من وطنه.
***
صن يات صن
الزعيم الذي لا يعرف اليأس صن يا تصن (1866- 1925) يعتبر أبو الصين الحديثة ، فقد ولد لأسرة فقيرة في العهد الامبراطوري أثناء ذروة أو قاع انحطاطه، وقاد ثماني انتفاضات فشلت جميعها إلا الأخيرة أحرزت بعض التقدم ، ورغم أنه أصيب بجراح بالغة في بعض المعارك واتهم بالخيانة من قبل أحزاب أخرى، إلا أنه كان متسلحا بإرادته القوية ، فبعد كل فشل كان يقول : هذا فشلنا الأول، ثم هذا فشلنا الثاني ،،وحتى السابع.المحاولة الثامنة نجحت فرشح لمهمة منصب أول رئيس جمهوري للصين، لكنه تخلى عن المنصب لحليفه السابق وخصمه الجديد يوان شيكاي بعد ستة أسابيع ونصف حفاظا على المصلحة العليا للصين، ظل يا تصن مطاردا ومتمردا ومنعوتا بالخيانة وألقي عليه القبض وحكم بالإعدام لكنه نجح في الهروب من السجن.إلى أن توفي بمرض السرطان عام 1925.فيما بعد تنازعت الصين الشعبية وجمهورية الصين (تايوان) الانتماء إلى سيرته وتراثه إلى أن تنبهوا إلى أن ذلك يمكن أن يكون عامل جمع بين الأخوة الأعداء فصار قبره محجا للجميع وكذلك شعاراته الثلاثة (الديموقراطية، القومية، الاشتراكية) صارت قاسما مشتركا لكل الصينيين في جمهورية الصين وفي الصين الشعبية. وعلى قبره نقشت عباراته تلك.
*****
مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة، فبماذا تبدأ مسيرة الستة آلاف ميل؟
***
ماو تسي تونج والمسيرة الكبرى
وفى 1933 جرت تعبئة مليون من جنود الكيومنتانغ ودبابات وطائرات ضد الجيش الأحمر الذي اضطر للتحصن في منطقة جبلية (كيانغسي) وسط الصين، كان الشيوعيون الماويون متهمون بالولاء للاتحاد السوفييتي وفى 16 أكتوبر 1934 ، أجبر ماو تسي تونغ والجيش الأحمر على القيام بتراجع إستراتيجي والشروع فى المسيرة الكبرى المدهشة نحو غرب الصين .بدأت المسيرة من بلدتي يودو وروجين في مقاطعة كيانغسي وسط الصين. قطع الجيش الأحمر بقيادة تسي أكثر من 6 آلاف ميل عبر بعض التضاريس الأكثر وعورة على الأرض (بعضهم يقدرها بثمانية آلاف ميل وبعضهم يزيد). مروا ب 12 ولاية كان يعيش بها 200 مليون شخص. وعبروا 18 سلسلة جبلية و24 نهرا واحتلوا 62 مدينة وبلدة. قاتلوا وتصارعوا مع مليون جندي من الكيومنتانغ بمتوسّط معركة واحدة يوميا، وقاموا بالسير 235 نهارا و18 ليلة من السير على الأقدام. فى أكتوبر 1935 ،سنة بعد مغادرة كيانغسى، انتهت المسيرة الكبرى إلى منطقة شمال شنسي.كانت المسيرة الكبرى قد بدأت بحوالي 100 ألف منهم المقاتلين ومنهم النساء والأطفال، وانتهت ب 20 ألف فقط. لقد قضى أغلبهم إما في الصدامات أو نتيجة الأمراض والإجهاد أو انسحب بعضهم وتخلف عن المسيرة.خلال الطريق، اضطر السائرون لغلي جلود الأحذية أو جذور الشجر لسد الرمق، وطبعا كان الحصول على أي نوع من الحيوانات يعد وليمة بالكاد تتخيلها الأحلام.البقية المتبقية من هذه المسيرة الكبرى، هي من شكلت النواة وحافظت على حلم الصينيين بدولة مستقلة يسودها السلام والأمن والرفاه. والحلم لا بد أن يتحقق حتى لو لم يحمله سوى خُمس أصحابه. ومسيرة الستة آلاف ميل لا بد لها من حلم مهما كان صعبا.
***
" بذرت العديد من البذور التى ستبزغ وتورق وتزهر وتثمر وستنتج حصادا في المستقبل". من مقولات ماو تسي تونغ بعد المسيرة الكبرى.
***
دينج زهاو بنج ولون القطط:في سيرة هذا الزعيم الصيني الكثير من الغرائب، أقصيً عن موقعه في قيادة الحزب لاتهامه بالخيانة أحيانا أو بالانحراف عن أيدولوجيا الاشتراكية الماوية لأنه كان ينادي بالتجديد والتغيير، بعد فترة قصيرة أعيد إليه الاعتبار وانتخب رئيسا ليخرج البلاد من أزمتها الاقتصادية، كافح خصومه بصبر وكافحوه بقسوة وهو الرجل السبعيني، مع ذلك اعتمد على إصراره وشجاعته وخط للصين نهضتها الحالية التي تجمع بين الاقتصاد الاشتراكي واقتصاد السوق، كان زهاو بنج يقول :ليس مهما لون القطة أن كانت سوداء أو بيضاء، المهم أنها تستطيع صيد الفئران.
***
اللغة الصينية:فهمت أن أصل اللغة الصينية يتكون من نحو سبعة آلاف شكل ورمز، هذا إذا ما رغبت بأن تفهم ثقافة الصين وتراثها، أما إذا ما اكتفيت بأن تكون متعلما جيدا، فعليك تعلم أكثر من ثلاثة آلاف رمز وشكل فقط،،وفهمت أيضا أن المحاولات مستمرة لاختزال اللغة لتصل إلى ما يقرب من ألفي رمز وشكل فقط. لكن هذا لن يتيح لك الاطلاع الجيد على تراث الصين الذي نقل إليهم منذ ما قبل الميلاد في كتب ومخطوطات كثيرة.أول كتابة صينية كانت على العظام كتبت فيها وصفة طبية من الأعشاب عام 1200 ق.م.وأول ما اخترع الورق في الصين سنة 105 ميلادية.سنة 1041 اخترع الصيني بي شينغ طريقة الطباعة بالأحرف المنفصلة أو المتحركة باستخدام الطين ثم الخشب. أي قبل اختراع الألماني جوتنبرغ لها بأربعمئة سنة ونيف.
***
المترجمون الصينيون كأي مواطن
أكثر ما يثير الإعجاب أن المواطن الصيني يحترم عمله ويقدسه وهم جميعا يقدسون المواعيد والنظام، لا بد أن يثير إعجابك أولئك المترجمين الذين تقل أخطاؤهم عن أخطاء أصحاب اللغة الأصليين.المترجمة الأنيقة التي استقبلتنا في وزارة الخارجية كانت تجيد العربية والترجمة الفورية كما لا تجيدها الكثير من مذيعات القنوات التلفزيونية والإذاعية. كانت فائقة الجمال، وكان إلقاؤها إذاعياً رغم أنه ارتجالي، ورغم أنها تعلمت العربية في جامعات الصين.أما المترجمة المرافقة صباح التي عبرت بوابة الخمسين من درب عمرها ولم يتبق لها سوى أسابيع للتقاعد،، فقد حافظت على نضارتها ورشاقتها وظل وجهها مشرقا طيلة الوقت وهي تحدثنا بزهو وحب غامر عن إنجازات الصين، وفي صباح تلمح ملامح شرقية أو عربية مزجت بالصينية فزادها ذلك إشراقا وعذوبة، وقد رافقتنا طيلة الزيارة مع زميليها كريم ومنصور (ليو وشو)، وجميعهم كانوا في غاية البراعة وصادق الانتماء لبلدهم وحضارته ، صباح تعلمت العربية في الجامعات السورية أوائل الثمانينات واسمها العربي هذا ما هو إلا ترجمة لاسمها الصيني "تشن".صباح، عندما عرفتها، تأكدت من أن لكل من اسمه نصيب.سامحك الله يا كريم (ليو) كنت أعتقد أنك استجبت لطلبي فالتقطت صورة لذلك العجوز الصيني الذي يعتمر قبعة القش التقليدية وفي وجهه الأسمر الهزيل كل ملامح الكدح والعنت الذي لاقاه أبناء جيله!!هل كنت تخشى أن لا تكون الصورة مناسبة ليحملها الأجانب؟؟!!أنا متأكد أنك كنت ستلتقط الصورة لو انتبهت مثلي للفرح الذي يشع من ابتسامته وهو يطوف في المدينة الإمبراطورية "المدينة المحرمة"؟ لقد كانت بالنسبة له لغزا كبيرا ومكانا محرما ،،لكنه الآن يدوسها بنعليه البسيطين.

استراحة رمضانية (حلاوة وهنب ومناسف)

الحلاوة
حكى لي صديقي معترفا فقال: كنت طفلا في أواخر السبعينيات الماضية عندما كان والدي يحضر الحلاوة قبيل رمضان لاستخدامها في طعام السحور، قال: وكان مستوى المعيشة آنذاك صعبا والأشياء ضنينة، لذلك تقوم الأسرة بتخبئة الحلاوة والقمردين في مكان آمن ريثما يبدأ رمضان.
وذات يوم اكتشفت مخبأ الحلاوة، وهي علبة تقدر بثلاثة كيلوغرامات. قال: ففتحتها ورحت أجرف منها جرفاً ، فأخرج للحارة وأعدو كما تعدو الجحاش فأبدد ما أكلته، ثم أعود إليها بين الحين والآخر لأتزود بمصدر جديد للطاقة . فظللت على هذا المنوال وأهلي لا يعرفون من أمري شيئا إلى أن بدأ رمضان، وقامت والدتي فترة السحور لتجلب علبة الحلاوة التي وجدتها فارغة ، فكان من الصعب إخفاء الأمر، لكن بركة رمضان حالت دون توجيه العقاب الفوري للجاني الذي جلس دون أن يحتسب هذه اللحظة، قال: وفي الصباح ، كان والدي يهم بتأديبي بعد أن عرف بالأمر، فأصابني منه القليل وحجزت أمي عني الكثير وذهبت للمدرسة واستمر رمضان بلا حلاوة إلي الأسبوع الثاني إذ يبدو أن والدي قد تدبر أمره ثانية، لكنه هذه المرة أتى بقطع من الحلاوة "أصابع" وليس بعلبة كاملة، وصار من الصعب علي الإغارة عليها لأن أي قضمة في القطع المستطيلة "الأصابع" سيظهر بسهولة للرقابة التي أصبحت حثيثة بعد أن صار لي سجلا في قائمة أصحاب السوابق والمشتبه بهم.


العنب والخبز
اعتاد الحج نعيم جرادات "أبو محمد" صديقي العزيز ووالد أصدقائي الكرام أن يتناول عنقودين من العنب يوميا مع رغيف خبز وذلك بعد قيلولة العصر، وفي اليوم الأول من رمضان الحالي، أفاق أبو محمد من قيلولته ووجهه يشع بهاء وطمأنينة، لكنه كان يشعر ببعض الجوع، فأمر ابنه الشاب أن يحضر بعض العنب من الحاكورة القريبة، فامتثل الشاب وأحضرها في الحال، وجلس يرقب والده، فقام الأخير وغسل العنب بيده، وراح واختار بنفسه رغيف خبز محمر وما زال الشاب يراقبه، وعلى الفور انقض الحج نعيم على عنقود العنب الأول فقضى عليه، وانثنى يجهز على الآخر فكان له ذلك في غضون دقائق معدودة، وما زال ابنه يرقبه مبتسماً، ولما فرغ من هوايته تلك، حمد الله وشكره ومر بيده على معدته مطمئنا نفسه، ثم قام ليصلي العصر، وحينئذ قال الشاب، يا أبتي أكلت العنب والخبز ونسيت أننا في الأول من رمضان، حينذاك، غضب الرجل وأنفلت يشتم ويسب ابنه قائلا: يا ابن الكلب، أما كنت تقول لي منذ البداية!؟، فرد عليه ابنه قائلا: إذا كان الله أراد أن يطعمك ويسقيك، فكيف لي أن أعترض رحمة ربي لك. دعها في عنقي يا والدي وما عليك.


الصائمون يقتلون
وتروى هذه القصة عن شيخ بدوي من قبائل الأردن، ولا داعي لتسميته بالاسم خصوصا أنه صار في ذمة الله منذ سنين طويلة.
قيل: جاءت ثلة من رجال الدعوة الإسلامية يوما ناحية الشيخ في أطراف الصحراء القريبة من مدينة مأدبا، وكانت عادتهم أن يجالسوا أهل المنزل ويطيلوا لهم في القول والوعظ والدرس، قيل: فكان نصيبهم أن وقعوا في منزل ذلك الشيخ صاحب السطوة والجبروت، فقدم لهم القهوة كعادة البدو فرفضوا شربها لأنهم صيام في ذلك اليوم من باب السنة. فألح عليهم الشيخ لشرب القهوة لكنهم رفضوا مما أحرج الشيخ وأصابه في مقتل لأن عدم شرب القهوة لها مغزى مهين جدا بالنسبة للبدوي. ولذلك فقد عزم الشيخ على معالجة الموقف، فقد ذبح ذبيحة من غنمه، وأمر أهل بيته بتحضير الطعام، وبقي رجال الدعوة في مجلسهم لا يعلمون من تدبير الشيخ شيئا، إلى أن أحضرت المناسف المحملة بالأرز واللحوم، فوضعت أمام الرجال، فهتفوا معا: لا يا شيخ إننا صائمون، ارفع الطعام يا شيخ يرحمك الله.
فما كان من الشيخ إلا أن يقوم واقفا ممسكاً ببندقيته، فيسحب الأقسام استعدادا للإطلاق، وإذ ذاك أقسم أن الذي لا يمد يده إلى الزاد سينال رصاصة في صدره، لأن قهوتنا وطعامنا لا يترك ولا يهان.
فأسقط في أيدي الرجال، وأكلوا وأجادوا في الأكل والشيخ يهش ويبش حولهم ويشتمهم قائلا: لعن الله أبو لحاكم (جمع لحية)، زادي ما يرتد ، ولما انتهوا غادروا المنطقة وهم يحمدون الله على السلامة ويشكرونه على المناسف.


يا رب سأخصم ذلك من رمضان

حكي لي رجل ثقة من أقاربي فقال: كان لصهري العجوز حمار يعتمد عليه في أعماله الزراعية وفي تنقله من مكان لآخر، وذات صباح أكتشف أن حماره يعاني مرض صعبا وأنه لا يقوى على الوقوف على قوائمه، وظل على هذا الحال بضعة أيام ، فوقف العجوز ودعا ربه شفاء الحمار ونذرَ صيام ثلاثة أيام إن منَ الله عليه بالشفاء، وهكذا كان ، إذ شفي الحمار، وقام وعاد لخدمة سيده العجوز الورع، ووفاء لنذره فقد صام الرجل الأيام الثلاثة. لكن سرعان ما انتكست صحة الحمار، وظل طريح الحظيرة لبضعة أيام إلى أن وجد نافقا ذات صباح، فحزن الشيخ كثيرا وتملكته سورة غضب وراح يشخص ببصره إلى السماء وهو يقول بحرقة :
يا رب، نذرت لك صيام ثلاثة أيام ووفيت بنذري، لكن الحمار نفق كما ترى، وسأخصم أيام الصيام الثلاثة من رمضان القادم. فسامحني يا رب سامحني.





يا رب احتسب لي النصفين بيوم واحد:

وحكى لي بعض أقاربي عن والدته العجوز وقال: شهدنا شهر رمضان في أواخر السبعينيات وكان الطقس حارا حينها، وألم بوالدتي العجوز عارض صحي فكانت تصوم حتى الظهيرة فتضطر لتقيؤ بعض الطعام من جوفها، فتضطر للإفطار على مضض لأن تقيؤ الطعام يعتبر من مبطلات الصيام.
قال: وفي اليوم الثاني كبر على العجوز أن يضيع من شهرها يومان، لذلك فقد جلست وشخصت ببصرها للأعلى وهي تقول : يا رب، أرجوك احتسب لي اليومان السابقان بيوم صيام واحد، يا رب أنت ترى كم أنا ضعيفة ومسكينة ولا أريد أن أطيل عليك ، فأنت أدرى بحالي.
وكم تذكرنا القصتان الأخيرتان بقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما كان يدعو فيقول: يا رب ارزقني إيماناً كإيمان العجائز.
وإلى لقاء في الأسبوع القادم 10/9/2009


الجبنة الصفراء

كنت حتى وقت قريب مولعا بتناول الجبنة الصفراء التي لها أسماء متعددة هنا وهناك، وظللت حريصا على توفرها في المنزل وكنت أطرب لرائحتها خصوصا حينما لا يكون ثمة رائحة طعام طاغية في البيت.
ظللت أفكر في أمر حبي للجبنة إلى أن تذكرت السبب: كنت في أواسط السبعينات في المرحلة الابتدائية في مدرسة القرية، كان ثمة مجموعة منتقاة من التلاميذ يتوجهون عقب نهاية الدروس إلى دار قريبة من المدرسة، فيدخلون فيها فيسلمونهم جبنة صفراء ويطعموهم حساء ساخنا دون أن نعرف لماذا هؤلاء الأولاد بالذات، وكان بعضهم يحتفظ بقطعة الجبنة فيأخذها إلى منزله، وأثناء عودتنا من المدرسة كنا نراها ونشتم رائحتها ولا نأكل منها ، فهي محرمة علينا ، فعرفنا في سنوات لاحقة أن أولئك الطلبة المحظوظين هم أبناء لاجئين لجئوا إلى قريتنا فجعلت لهم وكالة الغوث مكتبا ومطعما في قريتنا وكانت أم عيسى هي القيمة على المطعم. وكم تمنينا في سرنا آنذاك لو أن الله أنعم علينا بأن نصبح لاجئين كي نأكل من الجبنة الصفراء التي تعبق رائحتها الأجواء.
المهم، أن تعطشي وجوعي تجاه الجبنة الصفراء تعمق في نفسي دون أن أعلم، فرحت بعد بلوغي أتناولها في كل فرصة سانحة، وحرصت على بقاءها في ثلاجة المنزل عدة سنوات إلى أن أصبح الأمر معتادا وطبيعيا الآن، لكن إن خيرتني بين شطيرتين: واحدة باللحمة والأخرى بالجبنة، فسأختار الجبنة الصفراء بالطبع.

مغامرات سعيفان بعد حرب حزيران (4)

بقلم عزام أبو الحمام

سبق وأن نقلنا شيئا من بداية مسيرة ابن عمي سعيفان بعد حرب حزيران ، وللتذكير فقط وعلى هامش النص اذكر بأن سعيفان ابن عمومتي كان شابا أصيلا صاحب نخوة عالي الطموح قليل الحظ قليل التعليم، بل إنه تعلم ابجديات القراءة والكتابة على نفسه متأخرا بعد أن تعثر في المدرسة في أول يوم سجل فيها في أوائل الستينيات، ثم تعثر في أول يوم ذهب فيه للجيش إذ قامت حرب حزيران يومها قبل أن يستلم بندقيته وذخيرتها، فتشتت سعيفان مع المتشتتين في اللجوء وقطع المسافة من بيت لحم في الضفة الغربية إلى عمان مشيا على الأقدام.
****
ولأنه شابٌ طَموح فقد آبى أن يظل في المدينة متعثر الحظ فانتقل إلى العمل الزراعي في غور الأردن وبدأ مشواره هناك لكن حرب الكرامة آنذاك لم تمهله طويلا فنشبت قبل أن يغرس أقدامه فيها وتلقى فيها ضربة قوية بعد أن فقد خطيبته واسرتها هناك جراء حرب الكرامة، ولأنه غير محظوظ فقد فاته شرف المشاركة في المعركة الوحيدة التي يفتحر بها العرب لأنهم حققوا فيها بعض الانجازات على إسرائيل، فقد كان سعيفان في زيارة للمدينة لشراء حاجيات الخطوبة، وفقدت المنطقة مئات الضحايا بين قتيل وجريح وحمد سعيفان ربه على السلامة مع أنه كان يعلن أنه تمنى لو رزقه الله الشهادة بين الضحايا.
****
دارت السنون وتزوج سعيفان بنصيبه من فتاة قصيرة بيضاء تصغره كثيرا لكنها درويشة وأهلها رجال كرام وبدا وكأن الحظ بدأ يبتسم له ويعده بعتبة جديدة عندما حملت زوجته بلا إبطاء مما عزز ثقة سعيفان في نفسه وبدأ طموحه يرتقي وصار بعض الناس ينادونه ب "ابو الشوش" بعد أن رزقه الله بولد اختار له اسم " شامخ" فصار أصدقاؤه يدلعونه بأبي الشوش.
وكان من بشائر السعد أيضا أن زوجته سكنت معه في مزارع الغور وراحت تساعده في العمل بل وزادت بأن نجحت في اقتناء خمس دجاجات وديك وصارت تبيع منه ما يزيد عن حاجة الأسرة من البيض وتعطي سعيفان منه، وكان سعيفان قد نجح أيضا في اطالة شاربيه وصارا كالمخارز المدببة فوق جانبي فمه وهما يثيران إعجاب بعض الصبايا اللاتي كن يتابعن الموضات في تلك الأيام. كيف لا وهو أيضا بارع في ارتداء ملابسه وقد منً الله عليه بوسامة ورشاقة قل مثيلها بين المزارعين هناك.

بل إنه كان يلبس الثوب العربي "القمباز" و "الدشداشة" ويتأنق بالعباءة الشقراء اللون ويلبس كوفيات بيضاء اللون في أيام الأفراح والمناسبات فتبدو عليه ملامح الشيخة والأمارة حتى أن الكثيرين صاروا يستنجدون به لحل بعض مشاكلهم العشائرية وبعضهم اختاره ليكون الناطق الرسمي في العطوات وفي طلبات المصاهرة والخطوبة وحتى لإصلاح ذات البين بين الرجال ونسائهم وما إلى ذلك مما كان سعيفان لا يرده بل كان يسعى إليه في قرارة نفسه ويشعر بالزهو وهو يمارسه ويعود إلى أم شامخ بعد المساء مزهوا فيطلب منها المبيت باكرا لغرض في نفس الشاعر.

بعد ذلك، كان سعيفان يراوح بين عمان والغور إلا أن كلفه احد تنظيمات العمل الفدائي باستئجار مزرعة قريبة من النهر ليسهل تهريب الفدائيين المتسللين غربا وكانوا يسمونها "الدوريات"، ولم يكن على سعيفان غير الانتباه لمزرعته وزراعته وعليه أن لا يخشى الخسارة لأن مصاريف المزرعة مغطاة كليا من التنظيم وما سيزيد عن ذلك يعتبر حلالا زلالا له ولأسرته.
زرع سعيفان مزرعته وبدأ يتحين الفرصة حسب المخططات التي تأتيه مع الرسل من دمشق، وكان مع أول موعد لدورية وكان عليه أن يسهل لها المرور حسب المخطط المدروس، وصلت الدورية التي تتكون من خمسة رجال بأسلحتهم ليلا واستضافهم سعيفان في المزرعة وأولم لهم ثلاث من دجاجات أم شامخ وقادهم إلى منطقة مناسبة من النهر الذي منه سيمرون غربا وعاد إلى مزرعته، لكن بعض الأخطاء وقعت وتم إلقاء القبض على بعض أفراد الدورية قبل مرورهم جميعا واعترف البعض على دور سعيفان فألقي به في السجن وحكم لاحقا بحكم عال جدا لأن النشاط الفدائي كان قد صار محظورا بعد الأحداث الدامية في عام 1971. لكن الله لطف بسعيفان بعد عامين إثر عفو ملكي عام استفاد منه سعيفان وخرج ليجد أبناه شامخ ورائد صبيان يافعان.
وبعد ذلك بشهور قرر سعيفان الرحيل فسافر إلى سوريا والتحق بتنظيمه هناك وانضم إلى قوة شبه نظامية اسمها قوات اليرموك تابعة للممظمة التحرير الفلسطينية وراح يتدرب في معسكراتها في منطقة الهامة، وهناك اشترك في بعض العلميات في الخطوط الخلفية وكان دوره يقتصر على جمع أعقاب القذائف كي لا تبق أثرا في المنطقة لأسباب أمنية، وكثيرا ما كان ينسى لبس القفازات في يديه فيقبض اعقاب القذائف فتصلي كفيه بحروق رغم الوصايا المتكررة له بلبس القفازات، وذات مرة تهور أبو شامخ وقرر بصحبة زملاء له مغامرين أن يحاول التسلل من الجولان إلى فلسطين المحتلة فألقي القبض عليه ورمي في السجن عدة شهور إلى أن ابعد مرة أخرى إلى لبنان تسوية لوضعه بعد جهود كبيرة بذلها مسؤوليه وأهل الخير، ومن لبنان كان صوت أم شامخ وأطفالها يناديه ويستعطفه للم الشمل فقرر العودة إلى عمان بعد أن انفرجت الأمور السياسية قليلا وفي نفسه أن يعود مواطنا صالحا محافظا على القانون والأمن والنظام وأن لا يتدخل في أمور سياسية لأنه ليس بمحظوظ في هذا المجال مثلما كان بعض زملاءه يناكفونه.

****

عاد سعيفان إلى عمان واشترى سيارة فورد قديمة من موديلات الستينات بمبلغ زهيد لكنها كانت تحتاج إلى بعض الصيانة قبل ان تمارس أعمالها.
بمساعدة من بعض أقاربه قام سعيفان بسحب السيارة إلى كراج تصليح قريب في أطراف المدينة، واتفق مع صاحب المحل على تسلم السيارة بعد اسبوع، لكنه لما عاد في الأيام التالية إلى الكراج كان يستغرب أن يجده مغلقا، وظل على حاله ذاك عدة أيام إلى أن تأكد أن صاحب المحل يقيم في أحد المستشفيات منذ ذلك المساء الذي وضع سيارته فيه، وعلم أن مرضه ليس سهلا وأنه قد يستمر شهورا لأن صاحب الكراج كان قد وقع عليه باب المحل الحديدي الكبير حينما كان يهم بفتح محله في صباح اليوم التالي لوصول السيارة الحمراء.
ولما خشي سعيفان (أبو شامخ) على سياراته التي لم يستمتع بها ، فقد قرر سحبها مرة أخرى ووضعها في ساحة منزل ابن عم له ليس ببعيد حيث كان الرجل متعهد بناء ولديه ساحة كبيرة بجانب منزله.
ذهب سعيفان وأبقى السيارة إلى حين العثورعلى قطع السيارة المطلوبة من بلد مجاور، لكنها لم تأت، وأثناء ذلك كان سعيفان يأتي لزيارة السيارة يوميا تقريبا ويقضي مع ابن عمه متعهد البناء وقتا طويلا في لعب ورق الشدة ولعبة الزهر وغير ذلك، وكان ابن عمه يقول له، والله لا أعرف كيف بعثك الله لي كي أقضي على وقت فراغي، وقد أوضح له أنه لم يرزق بأي عمل منذ صباح اليوم التالي لوصول السيارة لساحة المنزل، وقد اعتاد المتعهد الخروج طلبا للعمل كل يوم دون جدوى ليعود خائبا يوما بعد يوم على مدى شهرين متصلين، وكان سعيفان يقول بدوره: وأنا لا أعرف ماذا كنت سأفعل وأنا بانتظار قطع غيار السيارة التي تأخرت على غير ما توقع الجميع.
ويبدو أن الله استجاب لدعاء المرأة العجوز والدة ابن عمه ولتوسلاتها بأن يبعد الله السيارة من ساحة المنزل، فقد وصلت قطع الغيار بعد شهرين واتفق سعيفان مع كراج آخر لأن الكراج الأول كان ما يزال مغلقا ولا يعرف مصير صاحبه.
نقل سعيفان السيارة من ساحة المنزل فإذا بسيارة أخرى تتوقف مكانها تماما وخرج منها مهندسون يطلبون المتعهد لعمل مهم وعاجل رزقه الله به دون غيره.

يَسر الله الأمر وأصلِحتْ السيارة وتدبر سعيفان المبلغ المطلوب ودفعه لصاحب الكراج قبل أن يشتعل حينها شجار عنيف بين صاحب الكراج وخصوم له جاءوا إلى الكراج كالغربان الجائعة يحملون عصيا طويلة، ونتج عن الشجار شج رأس صاحب الكراج ونقله للمستشفى في حالة خطر، ولم يكن لسعيفان في الأمر أي دور بالطبع، وقبل ذلك كان سعيفان قد علم شيئا مفيدا عن تاريخ السيارة.
لقد تعرف بعض العمال إلى السيارة وعرفوا أنها سيارة كانت تخص بعض قوات الأمن التي كانت تطارد المهربين في الصحراء وانه سبق وأن قتل قائدها أثناء بعض عمليات المطاردة ، فأضحت سيارة منحوسة في أعين رجال الأمن لأن زميلا لهم قتل فيها، لذلك فقد بيعت إلى أن وصلت سعيفان المحظوظ.
لم يهتم سعيفان كثيرا لقصة الشرطي الذي قتل في السيارة من فرط ما مر عليه من أموات في حياته بدءاً من حرب حزيران إلى معركة الكرامة إلى الحرب الأهلية في أيلول عام 1970 إلى المعارك التي شهدها في حرب تشرين 1973 في مرتفعات الجولان بصحبة كتيبة لجيش التحرير في الشام وهي المسماة "قوات اليرموك" ، لكن سعيفان لم يأبه وانطلق فجر اليوم التالي وعبأ السيارة بنبات الخس الطازج من مزارع الغور، واصطحب معه ابنه شامخ الذي صار في الخامسة من عمره، ومن هناك ذهب إلى شواطئ البحر الميت بعد أن درس الموضوع مليا – كعادته في التبصر والدراسة - وشاهد بأم عينه كيف يتهافت مئات الناس لشراء الخس اليانع بأثمان مجزية للبائع،،
عبأ سعيفان سيارته بالخس النضر واختار لها مكانا مناسبا بجانب الشاطئ وجعل شامخ يصيح مناديا الناس لشراء الخس الطازج، وكان الوقت ظهرا والصيف في أوجه والمصطافون كانوا ما زالوا يتقاطرون على المنطقة ويتهافتون لشراء حاجياتهم وأهمها الخضراوات والخس على وجه الخصوص.
انتصف النهار وراحت الشمس تميل غربا وشامخ لم يبع غير خسة واحدة بشلن فضي فذهب واشترى به ساندويتش فلافل ليسد به الرمق. وراح سعيفان يتعجب كيف أن بعض السيارات الأخرى أنفقت كل ما لديها من الخس فيما هو وشامخ بصوته الرخيم المرتفع لم يبع أكثر من خسة واحدة.
وفي لحظة نزق تقدم سعيفان بنفسه وراح يصيح بأعلى صوته: خس ببلاش يا ناس، بلا ثمن يا ناس، لكن الناس راحت تتطلع إليه بأسى ودهشة وهي تبتعد عنه مستغربة حالته التي بدت حالة هستيرية وهو يرمي بالخس من السيارة إلى جانب الطريق قبل أن يعود أدراجه إلى أحضان أم شامخ وإلى نقيق دجاجاتها ليبدأ التفكير في مشروع جديد وطريق جديدة.
*****
تقلب أبو شامخ مع تقلب السنون وانتهى به الأمر أن سافر إلى الكويت بعد أن مل الزراعة وطلقها ومل التجارة التي أورثته الديون الكثيرة، وراحت انظاره تتطلع نحو دول الخليج فتيسر له السفر إلى الكويت في أواخر العام 1990 بعد أن ساعده احد أنسبائه هناك، وفعلا بدأ يعمل في الكويت في احدى الشركات كأمين لمستودع نظرا لأنه لا يعرف أفضل من ذلك، لكن هيهات هيهات، فذات ليلة وقع ما لم يكن في حسبان المنجمين، إذا هاجمت القوات العراقية البلد واحتلته في ساعات واختل ميزان النظام ولم يعرف سعيفان ما الذي يتوجب علمه بعد ان جرى نهب المستودعات دون أن يتمكن من مقاومة ذلك ولو بكلمة واحدة، وصار هم سعيفان هو النجاة بجلده وتحصيل قوت يومه لأنه لم يسبق وأن استلم أي مرتب من الشركة التي بدأ العمل فيها منذ أسابيع فقط.
من هناك نزح سعيفان مع النازحين إلى بغداد هربا من جحيم الحرب، ووجد بعض الفلسطينيين القدماء هناك فشجعه بعضهم على العمل الزراعي بعد أن استعرض لهم خبراته الفريدة في ذلك الصعيد، وكان بعضهم أثرياء كبار فأقطعوه مئات الدونمات الزراعية في محافظة المسيب جنوب بغداد ووفروا له مستلزماته كلها وهم يأملون أن يحققوا انجازات كبيرة ومحاصيل وفيرة.
راح الضغط يشتد على العراق والحصار يزداد يوما بعد يوم وصارت الطائرات الأمريكية تقذف حممها كل يوم على البشر والحجر والشجر فعم البلاء وتعكر الصفاء وانتشر الفقر والجوع بسبب الحصار المضروب حول منافذ العراق وحدودها، لكن أم شامخ كانت تطمئن نفسها بأن سعيفان لن يناله الجوع لأنه مزارع وسيأكل مما يزرع، ويلبس مما يصنع،،،،
لكنها لم تكن لتعلم أن وزن سعيفان قل واضمحل إلى نحو خمسين كيلو بعد أن ذهب وهو ابن الثمانين كيلو وزنا، وهي لم تعرف ان الجوع في المنطقة بلغ مبلغا خياليا عندما راحت الكلاب نفسها تضطر إلى أكل المحاصيل الزراعية لتسد بها رمقها وهي تصارع جوعا سيحيلها وسعيفان إلى مخلوقات آكلة للأعشاب دون اللحوم على الإطلاق.
ومن غرائب الزمن أن تضطر الكلاب أكل الخيار والبندورة وهما المحصولين الرئيسيين اللذان زرعهما سعيفان إلى جانب مساحات كبيرة من القمح، وحصل نتيجة ذلك على دهم حكومي كبير بعد أن هيئ لهم أنه بصدد إطلاق ثورة زراعية تغني البلاد المحاصرة عن استيراد حبة قمح واحدة.
أما القمح، فقد كانت طائرات أمريكية تختار الوقت قبل أن يتم نضوج القمح واصفرار سنابله بقليل كي ترمي بقذائفها وحممها لتحرق سهول القمح وتأتي عليه على بكرة أبيه فيما سعيفان وغيره من المواطنين العراقيين واقفين مذهولين يدعون على أمريكا بأشد الويلات، وكان سعيفان يزيد على ذلك بأن يوجه أقذع الشتائم للأمريكان والإسرائيليين ويتوعدهم بالثأر المزلزل ريثما تبدأ الحرب البرية.
وإلى لقاء في جزء جديد من مغامرات سعيفان

الأنباط : تاريخ وحضارة (الجزء 5 والأخير من الفصل الأول)



سادساً- الملوك الذين حكموا الدولة النبطية:
من المؤكد أن النظام السياسي للأنباط مر – قبل أن نعرفه – بمراحل تطورية إلى أن جاء بالصورة الأخيرة التي عرفناه بها ألا وهو النظام الملكي النبطي، ومن المؤكد أن المرحلة الأسبق لهذا الشكل كان النظام القبلي الذي يترأسه شيخ أو مجلس شيوخ يجري تثبيته إما بالتوافق أو بالتوارث أو بالأسلوبين معا وفق ما نعرف عن الأعراف البدوية، القبلية التي لا تزال فاعلة حتى عصرنا هذا، ومن المحتمل أيضا أن الأنباط مروا في مرحلة لاحقة على النظام المشيخي ربما كان في شكل إمارات أو دويلات صغيرة، ولا بد أن القبيلة كانت عماد هذه الدويلات الصغيرة، وإنه لمن الحق التساؤل عن سبب تأخر الأنباط في إيجاد الدولة المركزية (قياسا إلى المرحلة التطورية التي تجاوزت نمط الدويلة – المدينة أو دولة المدينة التي كانت معروفة في بلاد الشام على الأقل منذ أواخر العصر االبرونزي (1200 ق.م)، وإن التخمين بأن سبب ذلك يعود إلى حالة عدم الاستقرار السياسي والسكاني في المنطقة أمر منطقي في ضوء الحقائق التي أصبحنا نعرفها عن أحوال المنطقة في تلك المرحلة. إذ إن الحملات العسكرية الكبيرة لا تكاد تنقطع عن المنطقة منذ أمد بعيد، حتى نهاية العصر المقدوني 332 ق.م، فمن حملات تجلات بلاسر إلى نابونئيد إلى شلمناصر إلى نبوخذ نصر من الحكام الأشوريين إلى حملات قمبيز الفارسي 525 ق.م وليس انتهاء بحروب البطالسة والسلوقيين من أجل الاستحواذ على المنطقة وحروب الجيوش اليهودية لأجل زيادة رقعة الدويلة اليهودية، كل ذلك إلى جانب استمرار الغزوات القبلية الواسعة النطاق في ضوء التخلخل السكاني الدائم في الشرق خصوصا الناتج عن حملات الأشوريين بدرجة أقل من الفرس، وقد لاحظنا آنذاك قيام أنظمة جديدة وانهيار أنظمة قائمة خصوصا في الشرق (بلاد الرافدين وفارس)، ومن الأنظمة المنهارة حضارة قيدار وحضارة الأدوميين وحضارة اللحيانيين والصفويين وآراميي الغرب (العموريين وآراميي دمشق) ونظام (دويلات اليهود) في فلسطين و نظام (فراعنة مصر) في الغرب.
وكنا قد أشرنا في مناقشة نشوء نظام الحكم في الصفحات السابقة إلى أن الأنباط كانوا قد بدأوا يظهرون كقوة سياسية منذ أواخر القرن الرابع قبل الميلاد على الأقل عندما بدأ خلفاء الاسكندر المقدوني الصراع على احتواء المنطقة الجنوبية من بلاد الشام والمنطقة الشمالية من شبه الجزيرة العربية للسيطرة على مفارق الطرق التجارية البرية والبحرية، مما سيدفع بالأنباط إلى واجهة الحدث السياسي والعسكري، وكانت مثل هذه الأحداث تجري دون أن نسمع شيئا عن ملك الأنباط أو حتى عن أية إشارة لنظامهم السياسي، وروايات ديودورس بشأن حملات أنتيجونيوس على (الصخرة-البتراء) تضمنت إشارات متناقضة في هذا الشأن، فالجيش السلوقي وصل إلى البتراء على حين غرة مثلما توحي الرواية، ويبدو أن ذلك وقع في النهار أو في آخر النهار لأن شباب (الصخرة-البتراء) كانوا خارجها آنذاك، ولما عادوا إليها بادروا باللحاق بجيش أنتيجونيوس وباغتوا معسكرهم في أثناء نومهم وقضوا وطرهم وعادوا بسلام غانمين. إذن أين الجيش والحرس والقادة والمسؤولين؟ بمعنى أين النظام السياسي، العسكري وعلى رأسه الأمير والجيش؟ لنفترض أن ديودورس كان قد تجاهل مثل تلك التفاصيل، لكن علم الآثار وحفرياته لا تدلنا على أية مسكوكات أو نقوش أو وثائق أخرى تفيد العكس، هذا ما يدفعنا للاستنتاج أن نظام الحكم لم يكن قد تحول إلى نظام سياسي ملكي أو غيره آنذاك، وعلى الأرجح أن المنطقة وشؤونها المختلفة والسياسية منها كانت تدار وفق النظام القبلي الذي سبق أن استعرضناه أيضا، وهو قائم على وحدات إدارية صغيرة هي غالبا ما تكون المجال الجغرافي أو الديموغرافي لمجموعات سكانية، والقبيلة أو العشيرة كانت عماد هذه الوحدات، خصوصا في ظل المرحلة التي كان ديودورس وقبله هيرودت قد وصفاها بالطابع البدوي، إنه النظام البدوي – العشائري الذي لا يزال فاعلا في أيامنا هذه بهذه الدرجة أو تلك في الكثير من البلدان العربية، ولأن مجتمع الأنباط كان قد ورث مجتمعات أسبق، وأهمها الأدوميين والمؤابيون، فإن هذه المجتمعات كانت قد عرفت الزراعة والاستقرار الزراعي قبل ظهور الأنباط بعدة قرون، ومن المؤكد أيضا أنهم عرفوا أنظمة سياسية غالبا ما كانت ملكية وفق مقاييس ذلك العصر على الأقل، وقد أخبرتنا التوراة عن سلسلة من ملوك الأدوميين، وعلمنا من خلال السجلات الأشورية عن عدد من الملوك العرب ومن ضمنهم الملكات أيضا، وكانت الملكة زبيبة (738 ق.م) اول ملكة عربية نعرف عنها في الممالك والدويلات الشمالية لشبه الجزيرة العربية، وضمت سلسلة ملوك قيدار والعربية قائمة من عشر ملوك أولهم الملكة زبيبة، وقد تبع هذه الملكة خمس ملكات أخريات قبل أن نعرف أربع ملوك آخرين، وفي حضارة لحيان صرنا نعرف اثني عشر من الملوك. أما في الشمال والغرب لبلاد الشام، فإن لدينا أيضا معلومات عن ملوك الدويلات الكنعانية ، والآرامية ثم الفلسطينية والعبرية، وهذه الممالك كانت أسبق من مملكة الأنباط التي لا بد وأن استفادت من تراث تلك الممالك وخصوصا من خلال التواصل الديموغرافي ثم الجغرافي والسياسي، أي أننا أمام أنظمة سياسية تركت تراثا استفاد منه الأنباط أيما فائدة، خصوصا إن بعض الأنباط لم يكن بغريب عن المدنية والاستقرار والزراعة والإدارة كذلك.
ومن المحتمل أن العامل الأكثر فاعلية في قيام الدولة ارتبط بسياسات الدول الكبيرة في المنطقة وصراعاتها، أعني دولتي المقدونيين السلوقيين في الشام والبطالمة في مصر. إذ إن تنظيم المنطقة بنظام حكم واضح المعالم قادر على تحمل المسؤوليات خير لهذه الدول من فوضى اللانظام أو أنظمة المشيخات القبلية التي تحتاج إلى صرف المزيد من الوقت والجهد لضبط سياساتها ودرء أخطار غاراتها على مصالح الدول القائمة. وهذا اتجاه سيترافق مع زيادة وعي الأنباط ورغبتهم في إنشاء دولة عصرية - وفق مقاييس ذلك العصر- مما سيحافظ على مصالحهم التجارية مستغلين حالة الصراع والتنافس بين الفريقين من ناحية، ومعظمين لدورهم بالحفاظ على شرايين التجارة ضد الأخطار التي تتهددها غارات الجماعات البدوية المنتشرة في الصحاري الواسعة من حولهم. وإنه لمن المفيد التذكير بأن المنطقة ظلت محطا لأنظار المجموعات البشرية والقبائل التي لم تجد لها موطئا نظرا لميزات المنطقة الجغرافية والمناخية إضافة إلى وجود المراعي الفسيحة وآبار المياه للمجموعات الرعوية إلى جانب القرى الزراعية أو التي يمكن أن تصبح زراعية للمجموعات الراغبة في حياة الاستقرار من خلال الزراعة والتجارة كذلك. وهذه العوامل مجتمعة ومتفاعلة لا بد من أنها خلقت لدى الجماعات البشرية من سكان المنطقة قدرا من الوعي والرغبة مما يستدعي معه إنشاء سلطة مركزية ستكون أقدر على تنظيم مصالحهم ورعاية شؤونهم. وكانت دول المنطقة قد تأسست بهذه الوتيرة من التطورات كالدولة العمونية، والمؤابية، والأدومية في شرقي نهر الأردن في القرن العاشر قبل الميلاد أو قبل ذلك بقليل، بعد أن كونت القبائل البدوية والمراكز الحضرية وحدات سياسية معا، وأدى التنافس الذي كان قائما بين شيوخ هذه القبائل إلى التطلع للاستيلاء على مساحة واسعة من الأراضي ليتسع نطاق حكم الشيخ ونفوذ قبيلته، وربما تجمعت مجموعة من العشائر في قبيلة واحدة، وأجمعت فيما بينها على اختيار أحد الشيوخ زعيما لهذه العشائر أو القبائل، ونجد مثالا على ذلك في كتاب العهد القديم الذي يروي كيف اختير شاؤول من بين مجموعة من القضاة (الكهنة- المشايخ) حاكما واحدا على إسرائيل(54).
وثمة اجتهادات حول ملك أسبق لحارثة الأول (الذي يصنف باعتباره اول ملك نبطي) لكن دون تأكيد حاسم في هذا الشأن، وليس من المبالغة القول أن عهد الملكية كان قد ابتدأ قبيل منتصف القرن الثاني قبل الميلاد وانتهى عام 106 ميلادي بالملك الثاني عشر أو الثالث عشر رب إيل الثاني. وثمة رأي آخر يفيد أن رب إيل توفي عام 101 م واستلم الحكم ابنه مالك الثالث الذي انتهت دولة الأنباط في عهده(55).
وجل ما نريد تأكيده في هذا الشأن أن النظام السياسي للأنباط لم يكن وليد قرار أو اجتماع بين قادة القبائل أو غير ذلك من الأشكال، إنما كان هذا النظام امتدادا لعملية تطورية مثلما تقتضي عوامل مؤثرة خارجية وداخلية أي موضوعية وذاتية، وعلى الأرجح أن احتكاك الإغريق بالأنباط بما يتضمن ذلك من تحديات سلبية وإيجابية كان قد ساهم في تطور النظام السياسي للأنباط، والأدلة على تأثر الأنباط الإيجابي كثيرة ومنها الشروع بسك العملة وفق المواصفات الهلينية لفترة طويلة بالكاد تنتهي في عهد عبادة الثاني (62-60 ق.م)، وهذا لا يعني توقف التأثير الهليني على هذه الناحية لكن الملاحظ أن السمات الأساسية بدأ يغلب عليها الطابع الشرقي – النبطي أكثر من السمات الهلينية. ويشار كذلك إلى أن الأساليب الإدارية للدولة كانت قد اعتمدت أنظمة مشابهة للأنظمة الهلينية حيث سيظهر ذلك في المسميات الإدارية (كالأسريتج والهفرك والكليركا وقنطرين (الكنتوريو) إلخ، وسنتعرض لهذه المسميات لاحقا.
وتجب الإشارة إلى ثمة تساؤلات لا تزال بحاجة إلى المزيد من التحقق والبحث، خصوصا البحث الأثري، بشأن سلسلة الملوك وكل ما يتعلق بهم كأسلوب أو أساس تتويجهم والقوانين والأعراف المتعلقة بمكانتهم وطريقتهم في العمل؟ ومن ذلك أيضا عدم الجزم بسنوات الكثير من الملوك، أو ببعض الفترات الغامضة في سلسلة تتابعهم، وثمة أيضا بعض الاجتهادات والآراء المتضاربة في هذا الشأن، فمنها ما يجعل رب إيل الثاني آخر ملوك الأنباط، مقابل رأي آخر يقول أن مالك الثالث إبن رب إيل كان آخر الملوك بعد أن قضى خمس سنوات في الحكم. ومن الحلقات الغامضة أيضا في هذه السلسلة ما يلاحظ من فترة طويلة بين الملك الحارثة الأول (169- 168 ق.م) وبين خلفه زيد إيل (146- ؟). ولا نعرف ما هو وضع الدولة النبطية في فترة تزيد عن عقدين من الزمن، دون أن ينتهي الغموض بتقلد زيد إيل السلطة، لكننا بعد ذلك نحصل على تتابع منطقي ومتصل بقليل من الغموض او الاختلاف الذي غالبا لم يكن جوهريا من حيث الاختلاف على بضع سنوات زيادة أو نقص لهذا الملك أو ذاك.
وتذكر بعض الدراسات أن لقب الملك لم يتخذ قبل الملك الحارثة الثالث (87-62 ق.م)، فقد اتخذ الحارث الثالث لقب الملوك السلوقيين والبطالمة Basilius- باسيليوس- (ومعناها باليونانية "الملك على مسكوكاته)، وبعد ذلك ظهر اللقب النبطي " ملكا " أي الملك على مسكوكات عبادة الثاني (62-60 ق.م)، وبعده فصاعدا على مسكوكات الملوك الأنباط حتى سقوط دولتهم(56).
يشار كذلك إلى أن بعض المصادر تعتقد ان الملك الحارثة الرابع (9 ق.م – 40 م) هو الملك الذي جاء من خارج السلالة الملكية بعد أن اغتصب الحكم، ويبدو أن هذا الملك كان من كبار ضباط الجيش، وهو الذي لقب نفسه المحب لشعبه (ر ح م ع م هـ )، وكان هذا الملك من القوة بحيث وصلت الدولة النبطية أقصى اتساع لها في عهده إذ شملت دمشق فترة من الوقت، ومما يذكره إسترابو من أن الأنباط في هذا الوقت كانوا تابعين للرومان، ونستطيع الافتراض أن الحارث هذا تمتع بمساندة الرومان خلال حكمه أو قبل قيامه بالسيطرة على الحكم. علاوة على الاستناد إلى قوته القبلية التي يوجد ما يساعد على استنتاجها أو افتراضها.
يشار كذلك إلى أن الأنباط اعترفوا أو أبرزوا دور المرأة إلى جانب الملك، وقد ظهرت صور بعض الملكات على المسكوكات النبطية، ومن ذلك شقيلت (شقيلة) و(خلدو) زوجتي الحارث الرابع وجميلت (جميلة) زوجة رب إيل الثاني. وكانت الملكة تعرف بأخت الملك مما حدا ببعض المستشرقين إلى الاعتقاد أن الملوك الأنباط تزوجوا من شقيقاتهم جريا على سنة الملوك الفراعنة والإغريق، إلا أن مثل هذا العرف لم يكن موجودا في الشعوب السامية عموما والعربية خصوصا، وإذا ما علمنا أن كلمة أخت وأخ لا تنحصر في علاقة الأخوة بالدم حسب مفاهيم اللغات السامية، إذ أن هذه الكلمة تحمل معنى مطلقا يشمل كل العلاقات الإنسانية من صداقة وحلف ومختلف درجات القرابة(57). وقد ذكر سترابو أن الملك النبطي كان يتخذ له وزيرا أو ذراعا قويا كان يسميه " أخو الملك" وهو بمثابة رئيس الوزراء أو الوزير الأول.. ومن المحتمل أن مفهوم أخو الملك كان يماثل "الأمير" أو "الرفيق" في عصرنا هذا لجهة تحمل المسؤولية. وكان الوزير سيليوس Syllaeus (صالح) أشهر هؤلاء الوزراء. ويخبرنا يوسيفيوس أن سيلي كان كثير المكوث في روما بجانب القيصر الأعظم، وقد حاز على ثقته، استطاع إقناع القيصر بأن هيرود ملك يهودا قام بالاعتداء على المملكة العربية، وقام بالقتل وأخذ الأسرى..إلخ. وقد دافع سيليوس خير دفاع عن دولته ومواطنيه، وكان قد لبس السواد (حدادا على ضحايا اعتداءات هيرود) قبل مقابلة الأمبراطور الروماني(58).
وأخيرا تجب الإشارة إلى أن ملوك الأنباط عموما امتازوا بقدر كبير من الديمقراطية والبساطة أيضا، فالملك ما يزال يحتفظ بكثير من خصائص شيخ القبيلة، فهو يخدم نفسه بنفسه، بل يخدم ضيوفه أيضا، ويقدم لشعبه " كشفا " عن شؤونه الذاتية، أي أنه يتمتع بقسط غير قليل من الروح الديمقراطية، وإذا قيل له "مَرنا " بمعنى سيدنا " (أو ربنا) فما ذلك إلا قياما بواجب اللياقة(59).

وفيما يلي استعراض لملوك الأنباط وفق الترتيب الأكثر شيوعا، وسنشير إلى أهم ما توافر من معلومات عن هؤلاء الملوك:
1- الحارث الأول (169ق.م- ؟):
يحيط بعض الغموض عهد هذا الملك، خصوصا فيما يتعلق بسنوات عهده، ونحن لا نعرف عن هذا الملك أكثر ما يعرض علينا سفر المكابيين الذي يصف زعيم النباطيين "بالطاغية"، والطاغية – حسب تفسير د.إحسان عباس- الحاكم المطلق التصرف غير الدستوري. أي أن ذلك وصف للملك النبطي. وإذا ما صدقنا سفر المكابيين، فإن الحارث لم يكن إلا شيخا أو كبير الشيوخ لمنطقة الأنباط. ويبدو لنا أن سفر المكابيين لم ينكر على الملوك ألقابهم فوصف الحكام البطالمة والسلوقيين وغيرهم بألقابهم المعهودة كملوك، وإن كان قد ألحق بهم صفات الظلم والبطش والكفر..إلخ. ومن ذلك مثلا: "فاستخلف ليسياس على أمور الملك من نهر الفرات إلى حدود مصر وهو رجل شريف من النسل الملكي... فاختار ليسياس بطلماوس بن دوريمانس ونكانور وجرجياس رجالا ذوي بأس من أصحاب الملك، ووجه معهم أربعين ألف راجل وسبعة آلاف فارس ليأتوا أرض يهودا ويدمروها على حسب أمر الملك" (المكابيين الأول 39-40) وهذا الوصف يعود بالطبع لملوك السلوقيين وحكامهم الذين يجهزون لحملة على يهودا. وبهذا يبدو افتراض أن زعيم الأنباط في هذه المرحلة لم يكن إلا زعيما قبليا أو أكبر هؤلاء الزعماء افتراضا منطقيا، وهو لم يكتسب لقب ملك بعد، بل إن ذلك سيتأخر أيضا إلى أكثر من مئة عام لاحقة، غير أن شيخ الأنباط يحتل مكانة تضاهي مكانة الملك، ونحن لا نعرف عن طبيعة نظام الحكم وملامحه في حينه الكثير مما يبقي افتراض "صفات المشيخة" هو الأقوى ما دمنا لا نملك ما ينفي ذلك حتى الآن.
2- الملك زيد إيل (146- غير واضح):
وبعض المصادر لا تأتي إلى ذكره. وفي قائمة (Kammerer) نجد الملك الثاني هو (مالك 145 ق.م) بينما نجد (رب إيل الأول) في قائمة (Bowersock) في حين تخلو قائمة (Meshorer) من الملكين الأولين. وقائمتي (Starcky) و(Letmman) تشيران إلى (حارثة الثاني 145 ق.م) كثاني ملوك الأنباط في حين أن مجموعة النقوش النبطية CIS تشير إلى مالك الأول. وهكذا فهذه الفترة من الملكية لا تزال غير واضحة إلى أن تأتي الأبحاث الأثرية بما هو جديد. وثمة احتمالات تخمينية عديدة لهذا الغموض الذي لا يتم حسمه بغير الأبحاث الأثرية الوافية.
3- الحارث الثاني (110- 95 ق.م):
يلاحظ في هذا الترتيب وجود فترة غموض تمتد إلى 36 عاما، ويعتقد البعض أن ثمة ملوك حكموا في هذه الفترة، لكن ذلك لا ينفي أن يكون (الملك الثاني وربما الثالث) قد استمر أو استمرا في الحكم مدة 36 عاما إلى ان وصل الحكم إلى الحارث الثاني.
وفي عهد الحارث الثاني هذا كانت العداوة في أشدها بينه وبين المكابيين اليهود، فقد سارع الحارث إلى مساعدة غزة في عام 96 ق.م بينما كان المكابيون يحاصرونها(60).
4- عبادة الأول (95-88 ق.م) :
تقلد الحكم بعد وفاة والده الحارث الثاني، واستمر في عهده النزاع بين الأنباط وبين المكابيين- اليهود بقيادة جينايوس، لأن أطماع جينايوس التوسعية امتدت إلى جلعاد ومؤاب واستطاع التغلب على عرب هاتين المنطقتين، ولذلك تصدى له عبادة في معركة " قانا " عند جدارة (أم قيس) إلى الشرق من بحيرة طبرية، واضطرته هجمات الأنباط إلى الوقوع في واد عميق، وكاد يفقد حياته، اضطر إلى رد ما كان استولى عليه من مؤاب وجلعاد مقابل أن يمتنع عبادة عن مساعدة خصومه. وقانا هذه تقع إلى الشرق من بحيرة طبريا وانتصر فيها عبادة الأول واسترد منهم المكابيين اليهود مناطق في مؤاب وجلعاد، لتصبح تحت الإدارة النبطية.
5- رب إيل الأول (88- 78 ق.م):
حكم بعد وفاة أخيه عبادة الأول، وانتصر على أنطوخيوس الثاني في حملته الثانية على بلاد العرب حوالي 88 ق.م، حيث قتل فيها أنطوخيوس متأثرا بجراحه على ما يبدو.
6- الحارث الثالث (87-62 ق.م):
هو ابن حارثة الثاني أيضا، وهو الابن الثالث الذي أصبح ملكا بعد إيل الأول وعبادة الأول، وفي عهده امتد الحكم النبطي إلى دمشق التي كانت تعصف بها التحديات والقلاقل جراء تهديد القبائل العربية الإيطورية، وهم حكام شرقي لبنان، وبناء على طلب من مجلس بلدي المدينة، تقدم الحارثة وعين واليا له فيها، ثم سك العملة وفرض الأمن، وظلت تلك النقود تصدر حتى عام 70 م حين انتزعت المدينة من أيدي الأنباط. ومن الطريف أنه ألحق باسمه عبارة "محب اليونانية" Philhellene على نقود تذكارية، وفي عهد هذا الملك وقعت البتراء تحت الوصاية أو التبعية الرومانية بعد أن زحف أحد جيوش "بومبي" إلى المنطقة، وكان الأنباط حينذاك في حالة حرب مع الإسكندر جينايوس حاكم اليهود، وقد زحف جيش بومبي بقيادة "سكاوروس" إلى البتراء وحاصرها وأحرق ممتلكات الأنباط حولها إلى أن جرت التسوية التي قضت بتبعية الأنباط للإمبراطورية الرومانية ثم بدفع جزية مقدارها 300 تالنت من الفضة، وعلى إثر ذلك – على ما يبدو – اصدر الحارثة نقدا عاديا يحمل صورته وصورة القائد الروماني سكاوروس يتوسطهما جمل وغصن زيتون يقدمه الحارثة لسكاوروس(61). ويعتبره البعض المؤسس الحقيقي لسلطة الأنباط، ففي عهده توسعت حدود الدولة، وضم دمشق في عام 85 ق.م لأول مرة نحو خمسة عشرة عاما(62)، كما حارب جانيوس زعيم المكابيين وانتصر عليه في معركة الحديثة قرب اللد حوالي عام 83 ق.م. وعلى إثر ذلك هاجم جانيوس شرقي الأردن واستولى على اثنتي عشرة قرية(63). ويبدو أنه ظل في حرب مع كل زعماء المكابيين الذين عاصرهم من أسرة جانيوس (أرسطوبوليس وهيركانوس) وهيركانوس هذا كان قد التجأ إلى الحارثة الثالث في أثناء صراعه مع شقيقه أرسطوبوليس عقب وفاة جانيوس والدهما، ولكن هيركانوس عندما تمكن من السلطة بمساعدة الرومان عاد وتنكر لصداقة الحارثة وجعل يمد الجيش الذي حاصر البتراء بالقمح، وربما بحكم قوة الرومان الطاغية على المنطقة في حينه. ويذكر أيضا أنه في عهد الحارثة بدأت البتراء تتخذ مظاهر مدينة يونانية نموذجية(64).
7- عبادة الثاني (62- 60 ق.م):
تولى الحكم بعد والده الحارث الثالث، وقد عثر على نقش في البتراء يذكر "عبادة بن الحارث " (لحياة عبادة ملك الأنباط بن الحارث ملك الأنباط، السنة 1)، وفي عهده ارتبطت دولته مع الرومان بتحالف وولاء قويين.
8- مالك الأول (60-30 ق.م):
تولى الحكم بعد والده عبادة الثاني، ولعل أهم الأحداث في عهده مشاركة الرومان بفرقة فرسـان في غزو الإسكندرية عام 47 ق.م، ورفضه مساعدة هيرود، مما أدى إلى وقوع معركة ديون(65).
9- عبادة الثالث (30-9 ق.م):
تقلد الحكم بعد والده مالك الأول، وقد اشتهر عنه ضعف الشخصية لحساب وزيره صالح، ولعل من أهم الأحداث التاريخية في عهده مساندة الرومان عام 25-24ق.م، وقد جرى ذلك بقيام وزيره صالح بقيادة ألف رجل لمساعدة الجيش الروماني في الوصول إلى جنوب الجزيرة العربية، وكان الوزير صالح يتكفل بمهمة إرشاد الجيش وتوفير تمويله من الماء والمواد التموينية، وقد آلت تلك الحملة إلى الفشل، وعزا سترابو ذلك إلى خيانة الوزير صالح للرومان(66) وقيام الرومان باعتقاله وقيادته إلى روما حيث أعدم. لكن الأهم في سيرته هو ما قيل عن نشوء عِبادة المَلك بسببه أو بسبب شخصه، إذ يذكر عدد من المصادر أن "عُبادة الثالث" كان قد ألِه من قبل الأنباط، وربما بعد موته، ووجدت بعض النقوش التي تشير إلى ذلك، ويقترح د.احسان عباس أن يكون هذا "التأليه" بتشجيع من خلفه الحارثة الرابع، طمعا في الحصول على المكانة نفسها بعد موته(67).
10- الحارث الرابع (9 ق.م- 40 م):
استولى على الحكم بعد وفاة عبادة الثالث، واسمه " إيناس"، ويعتقد بأنه من كبار ضباط الجيش وليس من العائلة المالكة، وهو الملقب بالمحب لشعبه (ر ح م ع م هـ).
وفي عهده عم الرخاء ووصلت الدولة النبطية أقصى اتساع لها، حيث شملت معظم شمال شبه الجزيرة العربية، ووصلت سيناء غربا والجوف شرقا وحوران شمالا والحجر في وادي القرى جنوبا(68)، ويذكر سترابو أن الأنباط في ذلك الوقت كانوا تابعين للرومان(69).
وتميز عهد الحارث بازدهار عمراني واسع تركز في البتراء ومدائن صالح (الحجر)، ويظهر جليا في القبور المنحوتة في الصخر التي نحتت معظمها في النصف الأول من القرن الأول الميلادي. وإذا أمعنا النظر فيها وجدناها عملت لضباط عسكريين من رتب مختلفة، مما يشير إلى أن الحجر أصبحت قاعدة عسكرية متأخرة في عمق الصحراء، إدراكا من الأنباط للخطر الروماني الماثل(70)، ومن المعروف أن الحارث الرابع كان أحد أبناء القبائل النبطية الجنوبية، وقد ظهر في النقوش الحجرية أن الحارث قد عين عددا من أبناء المناطق الجنوبية في هذه المناصب الرفيعة في المناطق والمدن النبطية(71).
إن كثافة المسكوكات في عهد هذا الملك تشير إلى ازدهار اقتصادي، حيث أن 80% من المسكوكات النبطية التي عثر عليها تعود للحارث الرابع، وقد تضمنت إصدارات تذكارية لزواجه من شقيلت (شقيلة) بعد وفاة زوجته الأولى خلدو.
ومن أهم الأحداث في عهد الحارث الرابع وقوع معركة بينه وبين "هيرود أنتيباس" حاكم الولاية اليهودية في سنة 34م؛ بسبب طلاق الأخير لابنة الحارث، وانتصر فيها الحارث ففزع هيرود إلى الامبراطور الروماني طيباروس الذي أراد الحارث حيا أو ميتا، إلا أن وفاة طيباروس حالت دون تحقيق ذلك(72).
11- مالك الثاني (40- 71 م ):
تولى الحكم بعد والده الحارث الرابع مدة 31 عاما، والأخبار عنه قليلة، أما أهم الأحداث التاريخية في عهده فهي مشاركته في الحملة الرومانية بقيادة تيطس على القدس عام 70 م بجيش قوامه ألف فارس وخمسة آلاف راجل، وقد أبطأت في عهده وتيرة التقدم مقارنة مع والده الحارث الرابع.
12- رب إيل الثاني (71- 106 م ):
تقلد الحكم صغيرا تحت وصاية أمه مدة خمس سنوات، حيث ظهرت صورتها على النقود معه، ولما كبر تزوج من جميلت (جميلة) حيث ظهرت صورتها معه على النقود ابتداء من عام 76 م.
وكانت فترة حكمه قليلة الأحداث بالرغم من طولها، وبموته عام 106 انتهت دولة الأنباط بعد أن رفض الرومان الاعتراف بخلف له، وقد ألحقها تراجان بالإمبراطورية الرومانية، وسماها "الولاية العربية" وعاصمتها بصرى الشام. وتشير الشواهد الأثرية إلى استمرار النشاطات المختلفة، خاصة الزراعية في نطاق الدولة النبطية.
وهناك رأي آخر يفيد أن رب إيل توفي عام 101 م واستلم الحكم بعده ابنه مالك الثالث حيث انتهت دولة الأنباط في عهده عام 106 م(73)، أي بعد أن رفض الرومان الاعتراف بخليفة الملك الأخير وقاموا بإنشاء ولاية جديدة تضم المناطق النبطية جميعها إضافة إلى مناطق جديدة في بلاد الشام، واسموها " الولاية العربية" وجعلوا عاصمتها بصرى الشام.


صدر الكتاب عن:

دار أسامة للنشر والتوزيع :عمان – العبدلي هاتف 5658252 6 00962 ،، أو 5658253 6 00962 فاكس: 5658254 6 00962ص.ب 141781 عمان ،الأردنE-mail:darosama@wandoo.jo دار أسامة للنشر والتوزيع :عمان – العبدلي هاتف 5658252 6 00962 ،، أو 5658253 6 00962 فاكس: 5658254 6 00962ص.ب 141781 عمان ،الأردنE-mail:darosama@wandoo.jo

مراجع الفصل الأول وهوامشه:
1- جواد علي، تاريخ العرب قبل الإسلام ،ص 12
2 -سماح بركات، حروب الأنباط ،ص5
3- Hammond.P.C, The Nabataeans,Their History…p.12
4 - د.احسان عباس، 2007،ص23.
5 -Kuhlenthaland Fischer,20
6 -سماح بركات، حروب الأنباط ،ص 8.
7 - محمد خطاطبة ، 2006،ص48.
8 -د.خير نمر ياسين، الآدوميون،ص 99-100.
9- - هشام أبو حاكمة، 2007،ص217
10- زيد الكفافي، 2006،ص 327
11 - محمد الخطاطبة، 2006،ص 48
12- ,The Other Side.pp 167-193 Gluck
13- سماح بركات، حروب الأنباط ،ص12
14 – Hammond,1973:13
15 - 7:10Diodurs,8
16- جواد علي، المفصل، ج 3،ص18.
17- هتون الفاسي 1993،ص 86.
18- خيرية عمرو2003
19 - هيرودوت، تاريخ هيرودوت 2001،ص 220
20 - أنطون جوسان، 1997، ص 143- 146.
21 - د.احسان عباس، 1985،ص32.
22- زيدان كفافي، 2006 ،ص 382.
23- Markoe,Clenn,Lost & Found: Petra Antiquites.verand,Jan 2004.Issue 1,p36-46.6p,8c.)
24 - خير نمر ياسين1993،ص327
25 – المصدر السابق،ص146
26 - محمد الخطاطبة ،2006،ص49
27 - نبيه عاقل، 1972،ص 109-111.
28 – كان الحكم النبطي في دمشق مؤقتا مدة 15 عاما، أما بالنسبة لشرق لبنان فإن الأمر لم يكن واضحا تماما وربما كان هو الآخر مؤقتا وربما اقتصر على النفوذ التجاري، ويعتقد البعض أن بلدة النبطية في لبنان ما هي إلا من آثار ذلك النفوذ، وعلى العموم لم يعثر حتى الآن على آثار عمرانية للأنباط لا في دمشق ولا في لبنان.
29 – حيث قاوم الأنباط محاولات السلوقيين والبطالمة منذ وقت مبكر عندما بدؤوا بمحاولات الزحف على بلادهم وإخضاعها والإستيلاء على مقدراتها.
30- احمد العجلوني، 2002،ص 73
31- Starcky, op.cit. SD.b,pp 888-900.
32- احسان عباس، ص: 76
33- د.سعد أبو دية 1984، ص19
34- هاردنج 1971،ص 143
35- احسان عباس ،ص73
36 -هامش: القاع هو الأرض الواسعة المنخفضة.
37 - هتون الفاسي 1993،ص 50
38- د.احسان عباس 2007،ص 80
39- محمد خطاطبة، 2006،ص 167
40- موقع السويداء.Swaida.com
41- د.احسان عباس،ص 82
42- محمد خطاطبة، 2006،ص42
43- مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، ج 1، ق 1، ص 125- 126) وكذلك: رجاء وحيد دويدري، جغرافية سوريا والوطن العربي، دمشق، مطبعة طبرين، 1982 م.ص 46، 67
44- محمد خطاطبة، 2006،181ص.
45 - Negev,1997: 63
46- غالي إبراهيم أمين 1976،ص 26-27.
47- د.احسان عباس 2006،ص 79
48 - زيدون المحيسن، 2007،ص 15
49- موقعwww.swaida.com،
50 - د.إحسان عباس 2006،ص 72
51 - موقعwww.swaida.com
52- غالي إبراهيم أمين، 1976، سيناء المصرية عبر التاريخ، ص 26-27
53 – محمد خطاطبة 2006،ص 45
54 - زيدان الكفافي، ص 402
55 - جواد علي، المفصل 1969، ج 1،ص47
56 - هتون الفاسي،1993،ص 168
57 - احسان عباس 2007،ص 62+115
58 - Josephus,Jewish Antiquities,p323-325
59- د.احسان عباس 2007،ص36
60 - الدباغ ،ج1، ق1، 1973،ص 638
61- د.احسان عباس، 2007،ص 42. خطاطبة 2006،ص 51
62- جواد علي، 1969،ج 3،ص 26
63 - خطاطبة 2006،ص 51
64- الدباغ، ج1، ق1 ،ص 638
65 - عبدالعزيز سالم، 1973،ص 95
66 - محمد مبروك نافع 1952،ص87.
67- احسان عباس،2007،ص52
68- نافع 1952،ص 88
69- Strabo,17,4:21
70- د.احسان عباس 2007،59ص
71- سليمان الذييب، نقوش الحجر النبطية، 1998،ص6
72 - عباس، 2007،ص 65- 66
73 - جواد علي، 1969، ج 1،ص 47

الأنباط : تاريخ وحضارة (كتاب في التاريخ والثقافة)

الأنباط : تاريخ وحضارة "(الجزء 1من الفصل الأول)
لمؤلفه عزام أبو الحمـام .

.................................................................................
صدر هذا الكتاب في أوائل العام 2009 عن دار أسامة للنشر والتوزيع(الأردن وفلسطين) بأربعة فصول تمتد على 288 صفحة من الحجم الكبير وملحق بالصور الملونة.
وسنقوم بنشر مقتطفات من هذا الكتاب ونشرها تباعاً لتسهيل الاطلاع عليه من قبل المهتمين في أرجاء العالم.
حقوق الطبع محفوظة بما لا يمنع الاقتباس حسب الأصول العلمية.
الباحث، عزام أبو الحمـام
.................................................................................
من مقدمـة الكتاب:
تعددت جوانب الإثارة في تاريخ الأنباط وحضارتهم مثلما تعددت جوانب الغموض أيضا، وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن على اكتشاف هذه الحضارة على يد "بيركهارت" وتوالي البحوث منذ ذلك الوقت، إلا أن صورة الحضارة النبطية لا تزال بحاجة للمزيد من المقاربات التي تجلي الجوانب الغامضة وتستكمل الأجزاء الناقصة لهذه الحضارة الفريدة وسماتها المثيرة.
ويحاول هذا الجهد المتواضع التوجه إلى القارئ المثقف بمستوياته المتعددة، إذ أن جل ما كتب عن حضارة الأنباط (وخصوصا بالعربية) إما أنه جاء جافا قاسيا تحت وطأة "تقاليد التخصص الآثاري" مما سيرهق القارئ العادي ويحرمه تمثل تجربة الأنباط الكلية. أو أنه جاء استعراضيا- مسطحا- تقريريا – مما سيفقد تجربة الأنباط الحضارية من روايتها الإنسانية التي لا غنى عنها لتمثل جوهر تلك الحضارة. أو أنه جاء "جزئيا" لدواعي الأعراف والشروط الأكاديمية. وهذه الملاحظات لا تقلل من شأن تلك الأبحاث العلمية، بل على العكس، فهي التي شكلت قاعدة البيانات الضرورية لهذا الكتاب الذي سعى لتحقيق قدر معقول من التوازن بين دقة المعلومة وبين " ترابط الرواية الحضارية " وكليتها. فلا هو أهمل دقة المعلومة وسبر أغوارها وتقليب معانيها المحتملة، ولا هو ركن إلى التقريرات المتسامحة المختزلة بقصد التسويق السياحي الإعلاني محترما ثقافة القارئ وأحقيته في المعرفة التاريخية التي تمثل حقيقة التجارب الحضارية الإنسانية بكل ما فيها من عبر وحكم ودروس.
في الفصل الأول من الكتاب: حاولنا البحث في الجذور الأولى لهذه الحضارة بأصولها السكانية، وبحثنا في نشأة وتطور نظامها السياسي في خضم الأحوال السياسية السائدة آنذاك. ثم استعرضنا بإسهاب المنطقة الجغرافية التي نشأت فيها وترعرت هذه الحضارة المثيرة لننتهي إلى سلسلة ملوك دولة الأنباط، وذلك كي يتمكن القارئ من التأسيس لمزيد من فهم جوانب هذه الحضارة في الفصول اللاحقة.
وفيما يلي الجزء مستلاً من الفصل الأول من الكتاب، على أمل متابعة الأجزاء الأخرى تباعا في هذا المنبر. أملا كل الأمل أن يحقق الفائدة المرجوة لكل مهتم بهذا الحقل التاريخي، الثقافي الذي شكل رافدا أساسيا من حضارة المنطقة وثقافتها.

(الجزء الأول من الفصل الأول)
تاريخ الأنباط وتأسيس دولتهم:
1- من هم الأنباط ومن أين جاؤوا..؟ هل هم عرب أم غير ذلك ؟
2- نشوء الدولة وتطورها والنظام السياسي ،الاقتصادي.
3- الوضع السياسي الإقليمي في أثناء فترة الأنباط (التأثيرات السياسية الخارجية).
4- حدود الدولة النبطية ومناطق نفوذها وجغرافيتها ومناخها.
5- الملوك الذين حكموا الدولة النبطية.
أولا: من الأنباط ؟ أهم عرب أم غير ذلك ؟
ظل أصل الأنباط موضوعا للنقاشات والاجتهادات بين الباحثين والمختصين الغربيين خصوصا بشكل مبالغ فيه، ظنا منهم أن حضارة الأنباط المتقدمة قد تكون نتاجا لبعض الشعوب القادمة من خارج الجزيرة العربية التي تمتاز بحضارة بدوية – رعوية أو زراعية يستبعد ان تكون حضارة الأنباط نتاجا لها، بعد أن كشفت الآثار المعمارية في المدن النبطية عن حضارة تمتاز بالرقي في العديد من المجالات خاصة العمرانية منها التي تبرز في الأبنية المنحوتة في الصخر والقصور والفلل المبنية من الحجر المشذب وفي أنظمة الري المتقدمة التي تعبر عن عبقرية هندسية بالغة.
الاسم: ويرد حول اسم الأنباط و اشتقاقه أكثر من رأي: فيقول ابن منظور أن "النبط" هو الماء الذي ينبط من البئر. و أيضا النبط هو ما يتجلّب من الجبل كأنه عرق من عروق الصخر. كما جاء في تاج العروس أن "النبط" جيل ينزل بالبطائح في بلاد الرافدين.
والموطن الأصلي للأنباط والزمن الذي هاجروا فيه غير معروفين على وجه الدقة(1) وذهب بعض الباحثين إلى أن أصل الأنباط جاء من "نبايوت" الوارد في التوراة (سفر التكوين – 13:25و 9:28)، ونبايوت هذا هو بكر اسماعيل حسب التوراة، فيما ربط البعض الآخر الأنباط باسم "نبيت" الوارد في سجلات الملك الأشوري تجلات بلاسر (727-745 ق.م) التي تشير إلى الحروب التي كانت تقع بين قبائل متعددة من شمال شرقي الجزيرة العربية والقوات الأشورية. غير أن ثمة مؤشرات لغوية تدحض أي رابطة بين "نبيت " ونبطو، إذ أن الأنباط عرفوا أنفسهم "بنبطو" من خلال نقوشهم، وبذلك فإن الاسم الأشوري لا يمكن مقاربته لاسم الأنباط في ضوء اختلاف حرفين أساسيين بين الاسمين(2)، وعلاوة على ذلك، فإن ورود الاسم في سجلات تجلات بلاسر كان أسبق بكثير على ظهور الأنباط المعروف في القرن الرابع قبل الميلاد. أي بفارق أربعة قرون مديدة من السنوات.
وأشارت بعض الاجتهادات إلى أن الأنباط قدموا من الساحل الغربي للخليج العربي، فيما أشارت اجتهادات أخرى لكونهم قدموا من جنوب بلاد الرافدين لورود اسم الأنباط من بين القبائل الرافدية "النبطيين" وخصوصا في كتب الإخباريين المسلمين، وهؤلاء النبط غير أنباط العرب، لأنهم أعاجم مع أنهم تكلموا اللغة الآرامية، واشتبه الاسم على الإخباريين المسلمين لاشتهار هؤلاء بالزراعة واستنباط الماء من الأرض. وبعض النصوص التاريخية مثل (Pliny) أشارت إلى أنهم كانوا قد استوطنوا جزيرة في البحر الأحمر قبل أن يدحرهم أو يطردهم الأسطول المصري، وهذا مدهش ونحن نعرف أن الأنباط إنما هم الأكثر ارتباطا بالصحراء والقوافل التجارية(3)، غير أن آراء جميع الباحثين في تعيين الموطن الأصلي للأنباط متفقة على شيء واحد هو تحديدهم للمنطقة الكبرى التي كانت منبتهم أي الجزيرة العربية، غير أن آراءهم تفترق حول تحديد الناحية المعنية من تلك الجزيرة، هل هي الحجاز، أم جنوبي منطقة الجوف، أم منطقة الخليج أم جنوبي الجزيرة العربية؟ وسنظل نجهل متى احتلوا منطقة الصخرة (أي بتراء) ما دام أقدم أخبارهم لا تتجاوز أواخر القرن الرابع إلى ما قبله(4). لكن هذا الحدث جرى بالتأكيد عقب أفول دولة الأدوميين سكان البتراء السابقين على الأنباط، وذلك إما عقب حملة نابونئيد الأشوري (552 ق.م) الشهيرة أو عقب ذلك بقليل إثر حملة قمبيز الفارسي (525 ق.م) التي ربما أجهزت على الأدوميين أو ما تبقى لهم من كيان سياسي، لكن دون القضاء على البنى الاجتماعية والعشائرية لهم، حيث سيظهر الأدوميون مرة أخرى بأشكال متنوعة في تاريخ المنطقة، وقد توجوا هذا الظهور السياسي في العهد الروماني ببناء أسرة حاكمة استطاعت نزع الحكم من المكابيين اليهود في فلسطين وتمكنت أيضا من توسيع حدود ولايتهم كما لم تكن من قبل. وسنعود للحديث عن الأدوميين في الصفحات القادمة نظرا لما لذلك من علاقة وثيقة بتاريخ المنطقة، خصوصا ما قبل الأنباط.


"صورة جوية بالأقمار الصناعية لشبه الجزيرة العربية"

ومن المرجح حسب الكثير من الباحثين -خصوصا الجدد- أن يكون الأنباط جزءا من قبائل ثمود الوارد ذكرها في القرآن الكريم (سورة الحجر) التي كانت تنتشر في وسط الجزيرة العربية وشمالها، وقد أثبتت النقوش المكتشفة في مناطق الجزيرة العربية انتشاراً واسعاً لهذه القبائل في تلك المناطق، وعزز ذلك ما وجد للأنباط من تراث ديني فيما يتعلق باسماء الآلهه خصوصا، وثمة وجاهة كبيرة في هذا الرأي من أوجه كثيرة، فالوجود النبطي المتأخر في شمال غرب الجزيرة العربية وحتى جنوبي بلاد الشام وشرقيها يعتبر امتدادا طبيعيا لوجود الثموديين، خصوصا أن معظم هجرات القبائل العربية من الجزيرة كانت تأخذ هذا المنحى في أغلب الوقت إضافة إلى المنحى الآخر المتجه إلى الشمال الشرقي للجزيرة، أي باتجاه بلاد الرافدين، ولكن الاتجاه إلى الشمال الشرقي لم يَكُنْ متاحا باستمرار في ضوء الجهود الحربية الواسعة التي كانت دولة الرافدين تقوم بها مما سيضطرها لأخذ المنحى أو الاتجاه الأخر نحو الشمال الغربي وصولا إلى بلاد الشام، إذ أن "نابونئيد - Nabonidus " (555-539 ق.م) الملك الأشوري كان قد هاجم تيماء عدة مرات إلى ان أحتلها وأقام فيها بنفسه لتنظيم الدفاعات التي كانت ضرورية لصد هجمات القبائل المحاذية لمملكته، وقد أقام نابونئيد خلال الأعوام (552-544 ق.م) في تيماء حيث قام من هناك بعدة حملات بين الواحات العربية ونفى الكثير من السكان، ويشير البعض(5) إلى أن هذه الفترة هي نفس الفترة التي بدأ منها استقرار الأنباط في المناطق الأدومية، ويعزز هذه النظرية الحفريات التي قامت بها كريستال بنت (C.Bennet) في بصيرة عاصمة الأدوميين(6). وعلى الأرجح فإن نهاية الأدوميين جاءت على يد نابونئيد في حملته الشهيرة هذه التي كان قد سجلها على حجر "سيلع" عام 553 ق.م بعد أن أخضع بصيرة عاصمة الأدوميين، ومن هذه اللوحة يسـتنتج أنه لم يكن للأنباط وجود سياسي آنذاك، لكن ذلك لا ينفي وجودهم كقبائل بدوية عاشت في ظل الدولة الأدومية، قبل أن يتمكنوا - فيما بعد – من الاستيلاء على المنطقة وتكوين دولتهم(7)، ومن المعروف تاريخيا ان نبوخذ نصر قد سبق هذه الحملة بحملة على مملكة اليهود الجنوبية عام 586 ق.م لتأديبهم جراء مساعدتهم لحكام الفراعنة (الملك نخاو) هم وعدد آخر من ملوك سوريا وفلسطين (ومملكتي عمون ومؤاب خصوصا). ومن ذلك نتنبه إلى أهمية دويلات المنطقة في ذلك العصر- مثل كل العصور اللاحقة- بالنسبة للدول العظمى في كل مرحلة، مما يعني أيضا تأثير سياسات تلك الدول في البناء السكاني لدويلات المنطقة. لكن دولة الأدوميين استطاعت تجنب غضبة نبوخذ نصر من خلال إعلان الولاء للأشوريين ومن خلال الامتثال لرغبتهم بدفع الجزية والامتناع عن تأييد المصريين، ونقرأ من النقش الذي خلفه تجلات بلاسر "استلمت الجزية من سـانيبو من بيت عمون، وسلمانو المؤابي، ومتني من عسقلان ويوحاز من يهودا، وكوشملكو الآدومي، ومازور... وهانو من غزة، وهذه الجزية تتكون من الذهب، والفضة، والتنك والحديد والملح، وملابس الكتان الملونة المزخرفة بالزخارف المحلية والملابس الصوفية ذات اللون القرمزي الداكن، إضافة إلى جميع الأشياء الثمينة"(8). وهذا الرأي لا ينهي النقاش بشأن نهاية الأدوميين إن كانت على يد الأشوريين كما تتوقع أغلب الفرضيات، أو على يد الفرس الذين تبعوا الحملة الأشورية بحملة أخرى بعد حوالي عقدين من الزمن. لكن الملاحظ أن الوجود الأدومي ظل مستمرا في العديد من مناطق جنوب الأردن، حتى "بصيرة" نفسها فقد بينت الحفريات فيها آثار تعمير وبناء في العصر الفارسي القصير الذي دام سبع سنوات.
لقد اتبع الأشوريون سياسة تهجير الجماعات في نطاق الدولة الأشورية، وكانت سياساتهم اتجاه هذه الجماعات ليست بمعاملتها كسبايا أو عبيد، بل هم مثل أفراد الرعية الأشورية، وهذه السياسة خلقت نماذج جديدة من المجتمعات لم تكن معروفة من قبل، والمفهوم الأشوري للتهجير له قداسته واحترامه عندهم نظرا لعلاقته بالمفاهيم الدينية التي يؤمنون بها؛ لأن الآلهة هي التي أعطتهم الحق في أن يكونوا فوق جميع الشعوب(9).
والبحث في تاريخ الأنباط وأصولهم لا يمكن أن يسـتقيم بدون البحث في تاريخ أسلافهم وربما شركائهم في مجتمع الأدوميين. فمنطقة الأدوميين شكلت النواة الجغرافية لدولة الأنباط. وكانت مملكة الأدوميين قد قامت في جنوب شرقي الأردن بين وادي الحسا وخليج العقبة، في الفترة الممتدة من القرن التاسع الميلادي، حتى الغزو الفارسي في القرن الخامس قبل الميلاد. ومن المرجح أيضا أن الأدوميين كانوا يتمركزون في جنوبي فلسطين، خصوصا منطقة صحراء النقب التي وجدت فيها الكثير من الآثار الأدومية (عراد) وأن جغرافيا الأدوميين كانت تضم منطقة مدين وتيماء ومنطقة الحجر إلى الشرق من سواحل البحر الأحمر. ووجد الأثريون أن النقوش الأدومية بقيت قيد الاستعمال حتى العصر الهلنسـتي، فقد عثر على كسرتين من الفخار تحملان كتابة أدومية، الأولى في تل الخليفة (Gluck 1971) والثانية في موقع قلعة العزى الواقع إلى الجنوب من تل عراد إلى الجنوب الغربي من البحر الميت في فلسطين، وكتب على الكسرة الاولى اسماء، مثل قوس بنا، وقوس نداب، وبي قاقس، بينما يتحدث النص المكتوب على الكسرة الثانية عن إعطاء أوامر لإحضار طعام إلى أحد المذابح(10)، وأظهرت الحفريات الأثرية في أم البيارة وفي طويلان بالقرب من البتراء وجود استيطان أدومي منذ القرن السابع قبل الميلاد، وقد لوحظ تجاور الاستيطان النبطي والأدومي، مما يشير إلى أن الأنباط حلوا تدريجيا بين الأدوميين الذين لم يرفضوهم، حيث اختلطوا بهم وذابت العناصر المتبقية منهم(11)، ويقترح جلوك أنه عن طريق علاقات الدم السابقة إضافة إلى علاقات التزاوج، فقد قام الأنباط بتنبيط الأقوام الأخرى كالمؤابيين والأدوميين"، أي أنهم لم يحاربوهم أو لم يحتلوهم أو لم يطردوهم، بل قاموا بامتصاصهم في الجسم الأوسـع، المجتمع النبطي الأوسـع، وكان الأنباط قد قاموا بتبني الأساليب الدفاعية والتنظيمات التي كان المؤابيون والأدوميون قد أوجدوها في مناطقهم وعملوا على تطويرها لمئات السنين، وورث الأنباط أيضا الأبنية قبل أن يقوموا بتحسينها أو بترميمها وفق مخططاتهم، وفي بعض الحالات أبقوا عليها كما وجدوها، لكنهم أيضا بنوا الكثير من المصاطب الزراعية والسدود أو البرك المائية ومئات المستوطنات الزراعية جنبا إلى جنب مع المستوطنات الزراعية القائمة أصلا(12). وبالطبع فإن مملكة الأنباط الجديدة راحت ترث الكثير من الدويلات أو المشيخات السابقة لها مما سيفسح لها امتداداً جغرافيا وديمغرافيا واسعا ضم حدود مدين القديمة وتيماء والحجر في الجزيرة العربية، ولهذه المناطق حضارات مثبتة قبل أن نعرفها ايضا من خلال الأنباط الذين بنوا فوق ما وجدوه من إنجازات سابقة لهذه الحضارات، وامتد التمازج الديموغرافي أيضا إلى حدود سيناء عبر النقب الفلسطيني الذي حفظ لنا آثارا مهمة عن الفترة النبطية.

وثمة من يشير إلى أن الأنباط أصلا لم يكونوا قبيلة واحدة مثلما قد يعتقد البعض، بل إنهم تجمع واسع من القبائل الجًزرية (نسبة إلى الجزيرة العربية) إضافة إلى بعض العناصر البشرية من مجموعات أخرى من الشمال ومن بلاد الشام. ويعتقد فريدمان (Fredman,1992) أن اسم الأنباط يجب أن يفهم كمدلول واسـع لجماعات من أصول مختلفة، حيث أن الأنباط حفظوا لهجات السكان وخطوطهم أو أن هذه الجماعات من شمال نهر الأردن وجنوبه سواء الأدوميين أو المؤابيين أو السوريين، ودل على ذلك النقوش الثنائية مثل الصفوية والثمودية إلى جانب النبطية(13). ومن المحتمل أيضا أن تكون بعض العناصر السكانية تمازجت مع الأنباط قبل ظهور دولتهم ونظامهم السياسي خصوصا الأدوميين والمؤابيين وفروع متعددة من الثموديين، ومثل هذا التخمين يحمل قدرا من الوجاهة في ضوء ما نعرف عن الحركات السكانية الواسعة في المنطقة إن كان بسبب التقلبات السياسية والحملات العسكرية في المنطقة أو بسبب الظروف الاقتصادية للمنطقة من ظروف الجفاف والخصب ومتغيرات العلاقات التجارية خصوصا ما اتصل منها بطرق التجارة. وبما أن الأنباط كانوا يستخدمون الخط الآرامي، وهم في كل المراحل كانوا جيرانا للآراميين في الشمال والشرق، فليس بمستبعد أن الحلف النبطي ضم أعدادا أو قبائل من هؤلاء، ويعزز هذه الفرضية ما عرف عن الأشوريين من سياسات النقل الجماعي للسكان في أوقات الاضطرابات، ليس عقابا لهم في كل الحالات، بل من أجل تغيير البنية الديموغرافية لهذه المنطقة أو تلك.
وثمة صيغة أخرى منطقية للتركيبة الديمغرافية للأنباط يوردها الكثير من الباحثين، وهي أن الأنباط شاركوا قبائل أخرى عديدة للمناطق التي تواجدوا فيها إبان قيام المملكة النبطية، وحسب هاموند أيضا فمن المحتمل أن تكون "نبطو" عبارة عن اتحاد بين عدد من القبائل الحليفة(14) التي انضوت تحت مظلة أكبر أو أقوى قبائل الاتحاد. بل إن الاتحاد النبطي كان يجمع أيضا وحدات إقليمية صغيرة أدركت أهمية هذا الاتحاد لبقائها وازدهارها، ويجب أن لا ننسى الامتداد الجغرافي – الديمغرافي الكبير الذي ضمته دولة الأنباط مما يؤكد التنوع الكبير في الأصول السكانية لمجتمعات هذه الدولة، ومما سيظهر لاحقا أيضا في سياسات التسامح والانفتاح التي اعتمدها الأنباط اتجاه الأجانب الذين عايشوهم في البتراء وغيرها من المناطق، ولا بد من أن قسـما من التجار أقام في المناطق النبطية وتزاوج وتصاهر مع الأنباط، وثمة دلائل كثيرة أيضا على هذا الانفتاح والتنوع منها التأثيرات المعمارية الواضحة لكل الحضارات الرئيسية المحيطة كالمصرية والهلينستية والفرثية (الفارسية) والأشورية، ويتجلى ذلك أيضا في استخدام الأنباط للغات الأخرى إلى جانب لغتهم، خصوصا اللغة الآرامية واليونانية، كانت الآرامية في الحقيقة لغة التعاملات التجارية والرسمية والدينية، ومع بداية التأثيرات الهلينستية بدأت اللغة اليونانية تأخذ هذا الدور وتزاحم الآرامية إلى أن أزاحتها تماما لصالحها ثم لصالح الرومانية فيما بعد.
ومن كل ذلك يستنتج أن الأنباط كانوا نواة التحالف أو التجمع أو المجتمع الأحدث الذي صار يعرف فيما بعد بالأنباط، ويستنتج أيضا أن هؤلاء الأنباط بكل مكوناتهم البشرية والثقافية ما هم إلا قبائل عربية تشاركت في الأصول والقيم والتقاليد مما سهل تمازجها لتشكل دولة مركزية في المنطقة. والدلائل الواضحة على عروبتهم، هي:
1- أن الذين عاصروهم من الأجانب كالمؤرخ ديودورس والجغرافي سترابو والتوراة وصفوهم بأنهم عرب.
2- أن موطنهم الأصلي هو الجزيرة العربية وبالذات أراضي المملكة العربية السعودية.
3- أن اسماء ملوكهم ومعظم أعلامهم عربية كالحارث ومالك وعبادة وجميلة وشقيلة وخلدو (خلود أو خالدة) وصالح وسلمو...إلخ.
4- أن اسماء آلهتهم وأصنامهم كانت معروفة وشائعة في أرجاء الجزيرة العربية وحضاراتها الشمالية والجنوبية.
5- ثبت أن أصول الكتابة العربية الحالية والحروف خصوصا يستندان إلى ما وصلت إليه الكتابة النبطية في هذا المجال.

ثانيا- نشوء نظام الحكم والدولة: نشوء وتطور الدولة والنظام السياسي ،الاقتصادي:

المصادر والمراجع :
- جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج3، ط3، بيروت – مكتبة النهضة، 1976 ، ص12
2 - سماح بركات، حروب الأنباط ،(رسالة ماجستير غير منشورة) الجامعة الأردنية، 2002. ص 5.
3-
Hammond.P.C, The Nabataeans,Their History,Culture &
Archaelogy(Gothenburg,Sweden,Paul Astrom Forag,1973). p.12
4 - د.إحسان عباس، تاريخ دولة الأنباط، عمان – منشورات وزارة الثقافة، 2007،ص 23.
5 -Kuhlenthaland Fischer,20
6 - سماح بركات، حروب الأنباط ، ص8.
7 - محمد خطاطبة ، عمارة الأنباط السكنية، ط1، الرياض – مطبعة فهد الوطنية، 2006،ص48.
8 - د.خير نمر ياسين، الأدوميون: تاريخهم وآثارهم، عمان – الجامعة الأردنية، 1994،ص 99-100.
9- - هشام أبو حاكمة، الأساطير المؤسسة للتاريخ الإسرائيلي القديم، ط1، عمان – دار الجليل، 2007،ص217
10- زيدان عبد الكافي الكفافي، تاريخ الأردن وآثاره في العصور القديمة (العصور البرونزية والحديدية)، ط1، 2006،ص 327
11 - محمد الخطاطبة، 2006، ص48
12-
Gluck ,N.The Other Side of Jordan,(Cambridge,ASOR,1970). .pp 167-193


الأنباط: تاريخ وحضارة (ج2 من الفصل الأول)
لمؤلفه عزام أبو الحمـام

ثانيا- نشوء نظام الحكم والدولة: نشوء وتطور الدولة والنظام السياسي ،الاقتصادي:
لم تكن الدول وأنظمة الحكم لتوجد فجأة بدون مقدمات ومرتكزات تستند إليها، فلا بد أن يسبق ذلك تطور الكثير من البني السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن العدل الافتراض أن دولة الأنباط لا تشذ عن هذه القاعدة، أي أن حضارة الأنباط كانت امتدادا طبيعيا لمجموعة من التطورات التي حصلت في المنطقة مثلما أوردنا لبعض المؤشرات، فحضارة الأنباط هضمت ما سبقها من حضارات خصوصا حضارات الأدوميين والمؤابيين والمدينيين مثلما أشرنا، لكن العوامل الأساسية في نشوء الدولة ونظام الحكم تمثلت في الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمنطقة آنذاك مثلما في أغلب العصور، نتيجة وقوعها على خطوط التجارة والاتصال البري والبحري مثلما كان ذلك سيتضح لنا لاحقا، فإذا ما قيض للمجتمع الجديد العناصر الأساسية للدولة من إقليم شاسع مترامي الأطراف يتحكم بطرق أهم التجارات لذلك العصر، ومن عناصر سكانية متقاربة أو متشاركة في الأصول والثقافات، ومن نظام سياسي مستقر ورشيد، فإن ذلك لا بد من أن ينتج دولة قوية مثلما هي دولة الأنباط.
إن أول مرجع معروف - بخلاف الآثار- يذكر الأنباط يعود للقرن الأول قبل الميلاد، لمؤرخ يوناني، ديودورس السقلي (المتوفي سنة 57 ق.م، وكان عمله مستندا إلى شاهد عيان كان قد كتب في القرن الرابع قبل الميلاد في الفترة التي انتشر فيها نفوذ الاسكندر المقدوني) وقد وصف ديودورس حياة الأنباط في ذلك التاريخ (أي القرن الرابع قبل الميلاد) واصفا إياهم بأنهم يعيشون حياة البداوة في أراض صحراوية قاحلة " لقد آلوا على أنفسهم ألا يبذروا حبا، ولا يغرسوا شجرا يؤتي ثمرا، ولا يعاقروا خمرا، ولا يشيدوا بيتا، ومن فعل ذلك كان عقابه الموت، وهم ملتزمون بهذه المبادئ لأنهم يعتقدون أن من تملك شيئا استمرأ ما ملك، واضطر من ذلك إلى أن ينصاع لما يفرضه عليه ذوو القوة والسطوة"(15)، وهكذا فإن الصورة التي ينقلها صديق ديودورس عن أحوال الأنباط في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، وهي الفترة نفسها التي بدأ فيها الأنباط بالظهور على المسرح السياسي، هذه الصورة التي ترسم مجتمعا بدويا من الطراز الأول، لكن هذا المجتمع - كما سيشير ديودورس لا حقا- كان شديد الاهتمام بالتجارة إلى جانب تربية قطعان الماشية، وهذه التجارة ستوفر له ثراء كبيرا سيدفع به إلى الاستقرار للتمتع بهذا الثراء الذي زودته به التجارة، ومن الطبيعي أن يمارس الأنباط التجارة منذ هذه الفترة وربما قبل ذلك بكثير من السنوات، فهم إنما ورثوا ما وجدوه عند أسلافهم الثموديين والأدوميين والقيداريين الذين أملى عليهم موقعهم الجغرافي مثل هذا النشاط(16).
ويصلنا خبر أيضا عن مقاومة الأنباط لأحد الجيوش المقدونية التي كانت في سوريا حين بدأ الصراع بين القواد من خلفاء الاسكندر، وكانت آنذاك لا تزال بيد أنتيجونوس الذي أرسل إليهم حملتين في عام 312 ق.م، الأولى بقيادة أثنايوس، ونتج عنها فشل ذريع، وسنعود لتفصيلها، والثانية بقيادة ابنه (ديمتريوس) التي لم يكن نصيبها بأفضل من الأولى، إذ قنع بأن ينسحب مقابل بعض الهدايا القيمة والإبقاء على علاقات طيبة بالأنباط(17).
ويصبح من شبه المؤكد أن يكون الوجود السياسي للأنباط قد بدأ في التبلور مع بداية القرن الرابع قبل الميلاد، وإن اصطدام القوة السلوقية بقيادة إنتيجونوس لدليل على وجود قوة نبطية منظمة، لكن ذلك لا يحسم بوجود دولة ونظام حكم واضح المعالم مثلما بدأنا نعرفه في بداية القرن الثاني قبل الميلاد، إذ تشير المكتشفات الأثرية، خصوصا المسكوكات النقدية إلى أن أول ملك نبطي على الأرجح كان الملك الحارث الأول (169- 168 ق.م)، ومن المحتمل أن يكون قد سبق هذا الملك ملك أو أكثر. وعلى الرغم من الذكر التاريخي الشهير لوجود الأنباط في جنوب الأردن منذ عام 312 ق.م، إلا أننا لم نستطع حتى الآن تمييز مظاهر حضارتهم المادية السابقة لبداية القرن الأول قبل الميلاد(18). ومع ذلك يجوز افتراض أن المجتمع السياسي النبطي كان قد تبلور إلى مسـتوى جيد قبل تاريخ الحارث الأول بكثير، إذ أن كل الدويلات التي كانت تقوم في بلاد الشام وفي أطراف الجزيرة العربية كانت غالبا ما تسـتند إلى نظام الدويلة – المشيخة- ومثل هذه الدويلات كانت تعتمد على بنية سياسية عشائرية اتحادية إلى حد بعيد قبل أن يجري الارتقاء إلى المرحلة اللاحقة، أي الدولة المركزية أو الوطنية، فالتجمعات والأحلاف العشائرية هي الوحدات الأساسية المكونة للمجتمع وللدولة، وهذه الوحدات الكبيرة هي التي تشكل آليات العمل والفعل في المجتمع والدولة من حيث إيجاد القوة- السلطة وتوجيهها، وهي كذلك تقوم بوظائف إدارية وعسكرية واقتصادية معينة كحماية الحدود والطرق التجارية والآبار وعقد الصفقات التجارية الكبيرة وإمداد الحملات العسكرية بالمقاتلين. .إلخ. والمشايخ أو القضاة (كما يسميهم العهد القديم) هم عماد النظام السياسي وهم حلقات الاتصال مع رأس النظام السياسي، وكل شيخ أو قاض يتولى إدارة منطقة معينة عادة ما يكون لها مدينة مركزية، أي عاصمة أو حاضرة، والشيخ الذي أحيانا ما يلقب بشيخ المشايخ أو بالملك يشرف على إدارة المنطقة بنفسه في كل المجالات، وهو غالبا ما يتلقى المساعدة في الإدارة من مشايخ محليين أو قضاة أو قادة يمثلون التجمعات السكانية القائمة وتأمين الطرق التجارية التي تمثل مصلحة مشتركة لأكبر القبائل، ونادرا ما يوجد تنسيق مع الدويلات المجاورة باستثناء ما يختص بالمراعي ومصادر المياه لمنع التعديات وفض الخلافات عند وقوعها، لكن تنسيقا أخر لا بد من أن يجري في حالات الحروب وصد الهجمات من الأعداء والخصوم، وفي هذه الحالة يجب على كل منطقة المساهمة بالجهد الحربي أو الدفاعي بقدر استطاعتها، ولا نعرف الكثير عن قوانين وآليات هذه المشاركات باستثناء الاعتماد على العدد، إذ تتقدم هذه التجمعات بأعداد من المقاتلين أو من الضرائب أو الماشية والإبل والخيول تبعا لأعداد رجالها أو أعداد بيوتها، لكننا نعرف عن المجتمعات العربية اللاحقة حتى صدر الإسلام مرورا بالجاهلية بعضا من المعلومات المهمة في هذا الشأن. فإن على القبيلة أو العشيرة أو الحلف العشائري القيام بما يوكل إليه من القائد الأعلى أو الملك أو الشيخ وفق الاتفاقيات أو المعاهدات التي كانت عادة ما يتم إبرامها بين القبائل، وهذا النوع من المعاهدات التي غالبا ما تكون شفوية لها من القوة والثبات ما يصل حد التقديس، والوفاء بالعهود والمواثيق المقطوعة جزء جوهري من ثقافة القبائل العربية منذ قديم الزمان، ولدينا نص صريح من هيرودوت في هذا الشأن بخصوص معاهدة القبائل العربية في الشمال الغربي للجزيرة لقمبيز الملك الفارسي الذي قاد الغزو الفارسي لمصر 525 ق.م مرورا بمناطق القبائل العربية حيث تعهدت تلك القبائل أو ملكها بتقديم المياه اللازمة للجيش الفارسي في أثناء عبوره عبر جنوب الأردن فالنقب فسيناء: "وما من أمة تحترم العهود وتقدسها مثل العرب، فإذا أراد رجلان أن يوثقا العهود بينهما فإنهما يقفان على جانبي رجل ثالث يحمل حجرا حادا يسـتخدمه لجرح راحتي يديهما بالقرب من أسفل الإبهام، ثم يأخذ بعض خيوط الصوف من ثيابهما ويغمسها بدمهما ويلطخ بها سبعة أحجار تقع بينهما، وهو يردد اسم كل من ديونيسيوس وأورانيا، ثم يقوم الشخص الذي أخذ العهد على نفسه بتوصية أصدقائه بمن عاهده سواء كان غريبا أم قريبا، وبذلك يعتبر أصدقاؤه أنفسهم ملتزمين بهذا..(19)، ومن حيث المبدأ فإن على كل قبيلة حماية حدودها ومنطقتها مثلما أن لها حق طلب العون من القبائل الأخرى في بعض الحالات التي تكون فيها قوة هذه القبيلة لا تكفي لصد الهجمات على المنطقة، ونحن نستذكر أن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) كان قد أناط ببني قريظة وبني النضير حماية جزء من المدينة أمام هجمات القبائل التي حاصرت المدينة (الأحزاب)، فيما كانت الأحزاب عبارة عن تحالف آني مؤقت للقيام بمهمة محددة ألا وهي القضاء على بؤرة الدعوة الإسلامية التي انتقلت إلى يثرب، ولدينا من التراث الجاهلي أخبار غزيرة عن الصراعات والتحالفات القبلية، وثمة قوانين وأعراف ثابتة لهذه المواثيق والتحالفات لا مجال هنا لتفصيلها. ولا بأس بالإشارة إلى بعضها: قاعدة "التآخي" أو "البنعمة"، حيث تتحالف قبيلتان فيصبح جميع أبنائها بمثابة أبناء العم الحقيقيين، "وهي نوع من الحلف الهجومي والدفاعي"(20)، وقاعدة الجيرة أو الاستجارة، وهي مناشدة شخص قوي أو قبيلة قوية لتحصيل حق ضائع أو للحماية من خطر داهم، ومن تلك القواعد أيضا الدخالة والقصرى والموالاة...
ومع أن ديودورس كان قد وصفهم "بأنهم بدو رحل، يقتنون الإبل ولا يعرفون الخيل، لا يزرعون الحبوب،..إلخ، وكذلك كان أمرههم حينما جرى حصارهم للمرة الثانية من قبل ديمتريوس في الصخرة (البتراء أو السلع) خاطبوا اليونانيين قائلين" ليس من الحكمة في شئ أن يعلن اليونان حربا على شعب لا يملك ماء أو خمرا أو حبا، نحن لا نعيش كما يعيش أبناء اليونان، ولا نرغب في أن نصبح عبيدا لهم "(21)، مما يعني أنهم كانوا لا زالوا في طور البداوة، إلا أنه من المحتمل أن يكون الأنباط أكثر تقدما في نظامهم السياسي مما نعتقد قبل ظهورهم السياسي في المنطقة، وإن وصف ديودورس هذا ربما كان جزئيا وانتقائيا إلى حد كبير، فإن ما عاينه ديودورس أو شاهد العيان الذي اعتمد عليه لم يكن ليعلم بالجانب الآخر من الصورة، ففي المركز من هذه القبائل ثمة حواضر أو مدن تتمركز فيها الأنظمة السياسية،الإدارية، وفيها قدر من التمدن، وهذا النمط من التمدن لا بد أنه ظل متجاور ومتسق مع الأنماط الأخرى البدوية والزراعية التي لا تزال تعيش حتى أوقاتنا هذه، وستظل كذلك إلى أمد بعيد لا يمكن التكهن به، ما دام أن طبوغرافيا المنطقة لا تزال تحتفظ بخصائصها هذه التي يغلب عليها السمات الصحراوية وشبه الصحراوية، والتي لا تزال تشكل الجزء الأكبر من تضاريس المنطقة.
من ناحية أخرى، فإن للأنباط تجارب غنية في الحروب على ما يبدو قبل قيام دولتهم، وهذه ميزة كان لا بد منها في عصر كثرت فيه القلاقل والهجمات من جهات عديدة، فحملات الغزو والسلب كانت لا تزال شائعة في المنطقة منذ أمد بعيد، وما الحملات التي كانت تقوم بها الجيوش الأشورية والفارسية من الشرق والمصرية من الغرب إلا صدى لهذه الهجمات أو تأديبا للقائمين عليها لحماية مصالح الدول الكبرى في ذلك الحين، ثم إن القبائل العربية نفسها كانت تتبادل الأدوار في هذه اللعبة الحربية الواسعة التي كانت ضرورية على ما يبدو لاستمرار العيش أو حماية النفوذ والمصالح، والوثائق التاريخية والأثرية حافلة بأنباء الكثير من الغزوات والحروب والمعارك منذ نهاية عصر البرونز وبداية العصر الحديدي، ولم يكن قيام الممالك والدويلات في المنطقة (آرام – ماري – إسرائيل – أدوميا – عمون – مؤاب - قيدار. .إلخ) ليحد من الصراعات والمعارك والغزوات، بل إن حروبا أوسع صارت تنشب بين هذه الكيانات الصغيرة بين الحين والآخر، وكانت بين كل ذلك مجموعات من القبائل البدوية الكبيرة التي لا ترتبط بأي من تلك الكيانات (مثل قبائل الشاسو والعبيرو) مما سيكون سلاحا لها وعليها في الوقت نفسه، فهي مرة في حل من الالتزامات الدفاعية المترتبة على الدولة أو الدويلة، وهي مرة أخرى هدفا لغزوة هذه الدولة أو تلك خصوصا من الدول الكبيرة كدولتي المصريين والأشوريين.
وفوق كل ذلك، كانت القبائل العربية، تواصل الصراع على العيش والنفوذ، فإلى جانب قساوة الصحراء ومتطلبات العيش فيها، فإن الزحف السكاني الذي ظل يدفع سكان الجنوب نحو الشمال ربما خلق ازدحاما في ظل ضآلة الموارد المائية والغذائية، وإذا ما أضفنا إلى ذلك هجمات الجيوش الكبيرة المنظمة على المناطق القبلية أمكننا تخيل الفوضى الإضافية التي ستدفع بمجموعات واسعة إلى الغرب، المنفذ الأقل قوة لصد هذا التدفق،وهو أيضا الأكثر إغراء من ناحية الموارد، خصوصا المائية والمناخ مقارنة بالمناطق الداخلية والشرقية لشمال الجزيرة العربية. ويبدو أن المناطق الغربية الشمالية المحاذية لبلاد الشام إضافة إلى بلاد الشام نفسها ظلت نسبيا أكثر أمنا واستقرارا من المناطق الشرقية والداخلية لشمال الجزيرة العربية، وهذا ما سمح ببناء حضارات في أطراف الجزيرة عاشت فترات طويلة مثل حضارة القيداريين (المديانيين) واللحيانيين والصفويين، وهكذا ظلت هذه المناطق المحاذية لمنطقة بلاد الشام خصوصا والهلال الخصيب عموما تكتنز إرثا حضاريا غنيا بعناصر بناء الدول والأنظمة السياسية والإدارية، وظل هذا الإرث هاديا للمجموعات العشائرية الكبيرة المندحرة والفائضة من هذه المناطق لمعاودة استرجاع أمجادها وبناء أنظمتها السياسية الخاصة بها، القادرة على حماية مصالحها، مستفيدة مما وجدته أيضا من أساسات وقواعد في هذا المجال، ويشهد على ذلك تبنيها لمختلف النظم الزراعية والصناعية (كصناعة الفخار) والعمرانية والإدارية (كتعيين حكام ولايات أو نواحٍ أو قضاة ومشايخ)، ثم اتخاذهم المدن السابقة مقرا لهم (كالبتراء والسلع وبصيرة) التي كانت للأدوميين، و(الحجر، والعلا وتيماء) التي كانت للقيداريين الثموديين، (وصلخد، السويداء) التي كانت للآراميين السوريين (آرام دمشق)...إلخ.
ويجب التذكير أيضا في سياق الإرث الحضاري لبناء الدول بأن بلاد الشام ومنطقة الأردن تحديدا كانت قد خبرت بناء الدول – الدويلات منذ عصر مبكر، وتحديدا منذ المرحلة الثانية من العصر الحديدي (1000-586 ق.م )، وهذه المرحلة من أهم المراحل السياسية في منطقة جنوبي بلاد الشام، خصوصا الأردن، إذ ظهرت مجموعة من الدول في بلاد الشام ومنها شرقي الأردن، وتمتعت هذه الدول بمركزية في الحكم وبعلاقات خارجية مع الدول المجاورة(22).
ومنذ نهايات القرن الرابع قبل الميلاد، حتى بدايات القرن الثاني قبل الميلاد، أي ما يزيد على قرنين من الزمن، لا نملك صورة تامة عن مجريات التطور في هذه الحقبة الطويلة باستثناء القليل الذي تجود به قطع الآثار الصماء التي يعثر عليها بين الحين والآخر في الحفريات التي يقوم بها مختصون معظمهم من الأجانب، إلى أن تصلنا لمحات سريعة من الجغرافي الروماني سترابو Strabo الذي هو الآخر ينقل عن صديقين له عاش أحدهما في البتراء في القرن الأول قبل الميلاد، ينقل لنا سترابو صورة مجتمع جديد مناقض لما وصفه ديودورس قبل أكثر من قرنين من الزمان، هنا تختفي البداوة وتصبح الغلبة للتمدن والكسب والثراء والاستقرار في بيوت الحجر، وهنا يظهر الملك ونظام الإدارة، وهنا تتعمق القيم المادية على الزهد البدوي في الملكية، فيعاقب الخامل الفقير ويكافأ الغني المجد، وفوق كل ذلك، يصبح شرب الخمر طقسا من طقوس الضيافة والكرم والعبادة... إلخ.
وحسب سترابو فقد حدثت معجزة الانتقال إلى عصر التمدن من عصر البداوة، فوجدنا مجتمعا متمدنا ومدينة مأهولة ومصقولة في الصخر، ومنازل مبنية محاطة بالحدائق، والمدينة تعج بالأجانب، وهي تعج بالثراء وبالتجارة القادمة من جنوب الجزيرة العربية ومن آسيا حتى الهند إلى الشرق، هذه هي عاصمة مملكة الأنباط المستقلة(23).
يتحدث سترابو عن البتراء في أوج ازدهارها العمراني والتجاري، بعد أن قطعت المدينة شوطا كبيرا في التمدن والتحضر من خلال الاتجار والاستقرار اللذين كانا مرتبطين إلى حد كبير، لكننا مع ذلك لا نستطيع تحديد بداية الازدهار على وجه التعيين، لكننا سنتقلى المزيد من الإشارات المفيدة من سترابو نفسـه ومن مصادر أخرى كالمؤرخ اليهودي يوسيفيوس الذي كتب كثيرا عن دولة المكابيين خصوصا حروبهم مع دول الجوار مضطرا الإشارة إلى الأنباط من منظاره اليهودي المتعصب لليهود - للمكابيين ثم للرومان الذين منحوه الجنسية الرومانية.
من الناحية الاقتصادية، أقصد مسيرة التطور الاقتصادي للأنباط، فإن خط سير هذا التطور يمكن أن يكون أكثر وضوحا من غيره، وبالإمكان إعادة تصور المحطات الرئيسية لمسيرة التطور هذه لكن دون الكثير من التفصيلات، ومصادرنا الأساسية في هذا التطور هي ذاتها المصادر الأساسية الكلاسيكية: ديودورس اليوناني، وسترابو الروماني ويوسيفيوس بدرجة أقل، وأفضل تلك المصادر الفخار النبطي ومختلف اللقى الآثارية المادية المتنوعة.
من المؤكد أن الأنباط قبل ظهورهم السياسي في القرن الرابع قبل الميلاد كانوا قبائل وجماعات يغلب عليها الطابع البدوي في نمط العيش والاقتصاد، جماعات عماد اقتصادها قطعان الإبل بالدرجة الأولى ثم الأنواع الأخرى من الماشية خصوصا الضأن كما شهد سترابو، ولو افترضا أيضا أن قسماً منهم كان قد اعتاد حياة التمدن في الحجر أو في تيماء أو العلا قبل هجرتهم إلى الغرب نحو جبال الشراة "سعير"، فإن هذه الفئة لا بد من أنها أعادت بناء نفسها والمعطيات الجديدة، أي الاستعداد للارتحال الدائم، ثم الاهتمام أكثر باقتناء الإبل، مع الاحتفاظ بالتطلع إلى الفرص التجارية أو فرص الاستقرار كلما أمكن ذلك، دون أن ننسى أن شرائح متزايدة من الأنباط كانت على صلة بالزراعة قبل نزوحها الجبري والاختياري نحو الشمال الغربي، أي نحو بلاد الأدوميين، ولا شك أيضا في أن امتهان الزراعة كان ذا صلة وثيقة بالعمل التجاري للأنباط، فهو ضروري لتموين القوافل بالحبوب خصوصا وبالمنتجات الأخرى التي توفر سلعا لهذه القوافل يمكن المتاجرة بها والحصول من خلالها على بعض المال أو بعض السلع التي تحملها القوافل عندما كانت تتوقف في المحطات التي يقطنها الأنباط. وهكذا يمكن الافتراض أن الأنباط قدروا قيمة الأعمال الزراعية في وقت مبكر وعلى الأرجح بعد استقرارهم في بلاد الأدوميين، وقد جذبت بلاد الأدوميين خصوصا جبال الشراة – سعير ما يمكن تسميته بطلائع المزارعين الأنباط ليشاركوا الأدوميين خبراتهم في هذا المجال ثم ليبدؤوا مزاحمتهم فيه في وقت لاحق ليرثوا هذا القطاع أيضا من قطاعات العمل الاقتصادي بعد أن كانوا قد احتكروا قيادة القوافل التجارية وتهيئتها بكل مستلزماتها ذهابا وإيابا عبر شرايين الطرق المتفرعة شمالا وجنوبا، شرقا وغربا.

منظر لخربة وقرية "بصيرة" عاصمة الأدوميين، تقع على التلة الحصينة المحاطة بالأودية – قرب الطفيلة

وبالنسبة لهؤلاء ثم لكل الأنباط القادمين من الشرق والجنوب، فإن بلاد الأدوميين أصبحت أكثر المناطق استقبالا للجماعات الجديدة، ويجب الاستذكار دائما أن الأنباط ليسوا بغرباء عن المنطقة، وليسوا بغرباء عن الأدوميين، فلا بد من أنهم تعارفوا قبل ذلك من خلال عمليات النقل التجاري والتبادل التجاري، ولربما تعاون الطرفان في توفير خدمات القوافل التجارية في أرجاء المنطقة، وكان للأدوميين تجارة واسعة أيضا، وربما كانوا وسطاء أكثر منهم أصحاب تجارة بسبب موقع بلادهم المتوسط بين الأسواق الكبرى، وبالحد الأدنى فقد شكلت بلادهم ملتقى الطرق التجارية المتجهه نحو الشمال والغرب أو العكس نحو الشرق والجنوب مرورا بتيماء ومكة نحو جنوب الجزيرة ونحو شرقيها إلى الهجرة (الجرعاء) على الخليج العربي، ثم على ميناء البحر الأحمر الأكثر قريب لهم (لوكي كومي) و (إيلة). هذه الطرق التجارية كانت قد وفرت للطرفين حدا معينا من التعارف وربما التزاوج في مرحلة أبكر مما يعتقد بعض الدارسين الذين جعلوا الاختلاط والتمازج النبطي الادومي لاحقا لانهيار دولة الأدوميين مع أواسط القرن السادس الميلادي على يد الملك الأشوري نابونئيد (552 ق.م) أو الملك الفارسي قمبيز، إن افتراض هذا التمازج سيظل مدعوما بالكثير من الدلائل ومنها الدلائل اللغوية حيث تتشابه اسماء الأشخاص وكذلك الدلائل الدينية حيث المشاركة في الآلهة، ومن ذلك مثلا أهم الآلهة الأدومية التي تبناها الأنباط أو كانوا يشاركونهم فيها: ذو الشرى الذي خلف " قوس" إله الأدوميين. إذ أن المكتشفات الأثرية كشفت النقاب عن عدد كبير من المستوطنات الأدومية المتأخرة في المناطق التي آلت أخيرا للأنباط. ويرى الأثريون أن النقوش الأدومية بقيت قيد الاستعمال حتى العصر الهلنستي، فقد عثر (Gluck 1971) على كسرتين من الفخار عليهما كتابة أدومية الأولى في تل الخليفة، والثانية في موقع العزى الواقع إلى الجنوب من تل عراد إلى الجنوب الغربي من البحر الميت في فلسطين، وكتب على الكسرة الأولى اسماء مثل قوس بنا، وقوس نداب، وبي قاقس، بينما يتحدث النص المكتوب على الكسرة الثانية عن إعطاء أوامر لإحضار طعام إلى أحد المذابح(24) والحقيقة أن الزراعة في جنوبي بلاد الشام كانت قد راكمت تراثا عريقا منذ العصر الحجري النحاسي، وظل هذا التراث يتراكم ويتطور فجمع بين الزراعة وتربية الماشية، وبمرور الأيام اتجه مزارعو العصر البرونزي القديم (3500-3100 ق.م) إلى الزراعات الشاملة، ثم اهتموا بزيادة الإنتاج لأغراض التصدير، وأدى هذا إلى ظهور أنظمة اقتصادية معقدة رافقها إنتاج بضائع لا علاقة لها بالزراعة(25) أما بالنسبة لأنواع الزراعات فإنها أصناف المزروعات تكاد تكون نفسها منذ أبعد العصور، فطبوغرافيا المنطقة ومناخها وأمطارها هي التي تتحكم أكثر بهذه المزروعات شأن المناطق الأخرى في العالم، لذلك فإنه يمكن القول أن العنب وأشجار اللوزيات والرمان وما شابه ذلك عرفت في المنطقة منذ أقدم العصور، ولا شك أيضا في أن الزيتون كان من أقدم الزراعات على الرغم من إشارة سترابو التي قال فيها أن الأنباط كانوا يستخدمون زيت السمسم بدلا من الزيتون، لكن إشارات أكثر دلالة وصلتنا من مصادر متعددة عن انتشار الزيتون في المنطقة مثلما انتشرت في المناطق الكنعانية المجاورة، أما الحبوب فهي أيضا من أقدم الزراعات لأنها ظلت ولا تزال متطلبات أساسية لغذاء الإنسان والحيوانات الأليفة أيضا.
في مجال الصناعة، ورث الأنباط نوعين أساسيين من أنشطة الأدوميين الصناعية وأهمها صناعة الفخار التي تشير الدراسات إلى تطوره المباشر عن الفخار الآدومي الذي يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد(26). ثم تعدين المعادن، خصوصا النحاس الذي اشتهرت به منطقة فينان قرب الطفيلة، ثم مناجم النحاس وغيره في سيناء القري
بة مما سنتعرض له في الفصل الرابع في مناقشة النظام الاقتصادي للأنباط.