السبت، 6 فبراير 2010

الشجر الخرافي

بقلم عزام أبو الحمام

شادي الشاب ابن الخامسة والعشرين استشهد قرب حاجز الجيش الإسرائيلي المتوضع على مدخل مدينة الخليل للقادم من جهة القدس ، سيكون البرج على يسار الداخل للمدينة بينما مصنع الزجاج الشهير على يمينه، خرج شادي من منزله ليلا بعد أن أدى صلاة العشاء، كان ينوي الوصول إلى البقالات الواقعة خلف الحاجز على مدخل المدينة، الأمر معتادا بالنسبة له ولسكان المنطقة الوادعة في بطن ذلك الجبل الجميل، كان ثمة جنود وبنادق في البرج العسكري الذي يتحكم بالموقع، كان شادي أعزلا من كل شيء، وهنا، في هذا المتر المربع بالذات الذي نشاهده كل يوم، أطلقت خمسين طلقة على شادي فسقط بعد أن قاوم السقوط بضع ثوانٍ ، لقد سقط كما تسقط شجرة مرة واحدة. مررت بالموقع مرات عديدة بصحبة والده أو منفردا، في البداية كنت أهم بوضع كف يدي فوق رأسي خوفا من طلقة غادرة قادمة من أعلى البرج، في المرات التالية غادرتني تلك المخاوف عندما رأيت الناس لا تقيم وزنا للبرج، إنه من الغريب أن المرء سيعتاد البرج وكأنه شجرة غير مثمرة ، ولا يستظل بها أيضا، وهو يبدو لي كشجرة محايدة أحيانا، لأن الجنود لا يظهرون هناك إلا نادرا، وبالكاد تظهر عيونهم أو بنادقهم من نوافذ البرج الصغيرة، ما اكتشفته، أن ذويه، والده وأمه وأشقاءه وشقيقاته يمرون من الموقع يوميا مرات عديدة، وأنهم لا يلتفتون للبنادق ولا يخشونها ولا يرف لهم جفن عند المرور من فوق ظلها على الطريق. كل ما يفكرون به هو الاستمرار بالمرور والحياة ورعاية منتصر الصغير ابن الشهيد شادي المقبل على الحياة بلا تردد .في النهار يبدو البرج أحيانا كمركبة فضائية قادمة من كوكب آخر، وسكان هذه المركبة لا يشبهون البشر وليس لهم وجوه بأعين وأنوف وأفواه ، وهو لا يشاركون الناس حياتهم بل هي علاقة عداء وحذر بين الطرفين.في الليل يبدو البرج كشجرة خرافية، هي عبارة عن ساق طويل لا أغصان له يزيد ارتفاعه عن خمسة عشر متراً، لونه أخضر قاتم، له باب محكم الإغلاق في أسفله وله عيون أو فتحات زجاجية في أعلاه، في تلك الفتحات أو النوافذ الصغيرة ثمة حيوانات خرافية لا تعيش على الأرض، وليس بالوسع تحديد ملامحها، لا أحد يعرف كيف تقضي يومها، كأنها تعيش على خرافة الدم فقط، تأتي سيارة عسكرية كل صباح ولا أحد يعرف كيف أو ماذا يفعلون أسفل البرج، كأنهم يجلبون وجبات الرصاص للحيوانات الخرافية في أعلى البرج. في مداخل معظم القرى والمدن ثمة مثل هذه الأشجار الخرافية، وثمة أناس يمارسون حياتهم البشرية ويحتفظون بذكريات كثيرة عن الرصاص المنطلق من هذه الأشجار الغريبة.في النهار، الكل في حركة دؤوبة في المنطقة، السيارات لا تهدأ، طلبة المدارس يخرجون من طريق الجبل ويمرون قرب البرج، التقيت مرة برجل ثمانيني يركب حمارا وكان في غاية السعادة وهو يمر بجانب البرج حيث كان يغني بصوت مسموع أغاني ظريف الطول التراثية، من الواضح أن العجوز كان عائدا من كروم العنب والتين الخاضعة لرقابة البرج ومبعث سروره انه قضى سحابة يومه هذا في كروم العنب والتين وقد قطف الكثير منها وسيأكل من قطاف يديه، يا لغرابة ذلك العجوز الذي ظل يغني غير آبه بالمخلوقات القابعة في أعلى البرج، كأنه لم ير البرج على طوله ولونه القاتم المميز.الرجل الآخر الذي يعرف كل شيء عن البرج هو عبد الباسط رجل مصنع الزجاج اليدوي، محيط البرج يبدو للرجل طوال النهار من خلال باب المصنع المشرع على الشارع، ينفخ عبد الباسط الزجاج ويتفنن في تشكيله دون أن يلقي كبير اهتمام للبرج وسكانه، منذ سنوات عديدة صنع عبد الباسط مئات بل ألاف القطع الزجاجية الملونة، والكثير منها سافر مع السياح إلى الكثير من بلدان العالم، فيما بقي البرج على حاله يترصد المارين عبر الشارع ريثما يأتي أحدهم ذات يوم ليجرب شكل الموت، أو ليجرب قدرته على القنص، أو ليثبت لنفسه أنه رجل ينتمي إلى سلطة حاكمة، وأنه ينتمي لدولة لا تعترف بالقانون الدولي.المشهد لا يكتمل بدون ذكر شادي الثاني الذي رزقت به العائلة بعد استشهاد الأول بعام واحد فقط من أخيه الأصغر. وهكذا صار للعائلة شادي الأول نجما من نجوم الجنة، وشادي الثاني قمرا صغيرا من أقمار الحياة.جاء لزيارة العائلة اثنان من أساتذة الجامعات الألمانية المهتمين بالشرق الأوسط، طلبا تفسيرا لتوجيه الرصاص إلى شادي في تلك الليلة، لم يكن أمامنا غير احتمال واحد فقط :أصحاب البروج رغم كل قوتهم وأسلحتهم وجبروتهم الظاهر يعيشون حياة يملؤها الخوف والاغتراب والخرافة وهم يرقبون الناس يمارسون حياتهم بلا خوف، إنها عقدة المحتل التي ستفتك به ذات يوم ليس ببعيد.
8/9/2009 عمان / الأردن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق