الخميس، 25 فبراير 2010

استراحة رمضانية (حلاوة وهنب ومناسف)

الحلاوة
حكى لي صديقي معترفا فقال: كنت طفلا في أواخر السبعينيات الماضية عندما كان والدي يحضر الحلاوة قبيل رمضان لاستخدامها في طعام السحور، قال: وكان مستوى المعيشة آنذاك صعبا والأشياء ضنينة، لذلك تقوم الأسرة بتخبئة الحلاوة والقمردين في مكان آمن ريثما يبدأ رمضان.
وذات يوم اكتشفت مخبأ الحلاوة، وهي علبة تقدر بثلاثة كيلوغرامات. قال: ففتحتها ورحت أجرف منها جرفاً ، فأخرج للحارة وأعدو كما تعدو الجحاش فأبدد ما أكلته، ثم أعود إليها بين الحين والآخر لأتزود بمصدر جديد للطاقة . فظللت على هذا المنوال وأهلي لا يعرفون من أمري شيئا إلى أن بدأ رمضان، وقامت والدتي فترة السحور لتجلب علبة الحلاوة التي وجدتها فارغة ، فكان من الصعب إخفاء الأمر، لكن بركة رمضان حالت دون توجيه العقاب الفوري للجاني الذي جلس دون أن يحتسب هذه اللحظة، قال: وفي الصباح ، كان والدي يهم بتأديبي بعد أن عرف بالأمر، فأصابني منه القليل وحجزت أمي عني الكثير وذهبت للمدرسة واستمر رمضان بلا حلاوة إلي الأسبوع الثاني إذ يبدو أن والدي قد تدبر أمره ثانية، لكنه هذه المرة أتى بقطع من الحلاوة "أصابع" وليس بعلبة كاملة، وصار من الصعب علي الإغارة عليها لأن أي قضمة في القطع المستطيلة "الأصابع" سيظهر بسهولة للرقابة التي أصبحت حثيثة بعد أن صار لي سجلا في قائمة أصحاب السوابق والمشتبه بهم.


العنب والخبز
اعتاد الحج نعيم جرادات "أبو محمد" صديقي العزيز ووالد أصدقائي الكرام أن يتناول عنقودين من العنب يوميا مع رغيف خبز وذلك بعد قيلولة العصر، وفي اليوم الأول من رمضان الحالي، أفاق أبو محمد من قيلولته ووجهه يشع بهاء وطمأنينة، لكنه كان يشعر ببعض الجوع، فأمر ابنه الشاب أن يحضر بعض العنب من الحاكورة القريبة، فامتثل الشاب وأحضرها في الحال، وجلس يرقب والده، فقام الأخير وغسل العنب بيده، وراح واختار بنفسه رغيف خبز محمر وما زال الشاب يراقبه، وعلى الفور انقض الحج نعيم على عنقود العنب الأول فقضى عليه، وانثنى يجهز على الآخر فكان له ذلك في غضون دقائق معدودة، وما زال ابنه يرقبه مبتسماً، ولما فرغ من هوايته تلك، حمد الله وشكره ومر بيده على معدته مطمئنا نفسه، ثم قام ليصلي العصر، وحينئذ قال الشاب، يا أبتي أكلت العنب والخبز ونسيت أننا في الأول من رمضان، حينذاك، غضب الرجل وأنفلت يشتم ويسب ابنه قائلا: يا ابن الكلب، أما كنت تقول لي منذ البداية!؟، فرد عليه ابنه قائلا: إذا كان الله أراد أن يطعمك ويسقيك، فكيف لي أن أعترض رحمة ربي لك. دعها في عنقي يا والدي وما عليك.


الصائمون يقتلون
وتروى هذه القصة عن شيخ بدوي من قبائل الأردن، ولا داعي لتسميته بالاسم خصوصا أنه صار في ذمة الله منذ سنين طويلة.
قيل: جاءت ثلة من رجال الدعوة الإسلامية يوما ناحية الشيخ في أطراف الصحراء القريبة من مدينة مأدبا، وكانت عادتهم أن يجالسوا أهل المنزل ويطيلوا لهم في القول والوعظ والدرس، قيل: فكان نصيبهم أن وقعوا في منزل ذلك الشيخ صاحب السطوة والجبروت، فقدم لهم القهوة كعادة البدو فرفضوا شربها لأنهم صيام في ذلك اليوم من باب السنة. فألح عليهم الشيخ لشرب القهوة لكنهم رفضوا مما أحرج الشيخ وأصابه في مقتل لأن عدم شرب القهوة لها مغزى مهين جدا بالنسبة للبدوي. ولذلك فقد عزم الشيخ على معالجة الموقف، فقد ذبح ذبيحة من غنمه، وأمر أهل بيته بتحضير الطعام، وبقي رجال الدعوة في مجلسهم لا يعلمون من تدبير الشيخ شيئا، إلى أن أحضرت المناسف المحملة بالأرز واللحوم، فوضعت أمام الرجال، فهتفوا معا: لا يا شيخ إننا صائمون، ارفع الطعام يا شيخ يرحمك الله.
فما كان من الشيخ إلا أن يقوم واقفا ممسكاً ببندقيته، فيسحب الأقسام استعدادا للإطلاق، وإذ ذاك أقسم أن الذي لا يمد يده إلى الزاد سينال رصاصة في صدره، لأن قهوتنا وطعامنا لا يترك ولا يهان.
فأسقط في أيدي الرجال، وأكلوا وأجادوا في الأكل والشيخ يهش ويبش حولهم ويشتمهم قائلا: لعن الله أبو لحاكم (جمع لحية)، زادي ما يرتد ، ولما انتهوا غادروا المنطقة وهم يحمدون الله على السلامة ويشكرونه على المناسف.


يا رب سأخصم ذلك من رمضان

حكي لي رجل ثقة من أقاربي فقال: كان لصهري العجوز حمار يعتمد عليه في أعماله الزراعية وفي تنقله من مكان لآخر، وذات صباح أكتشف أن حماره يعاني مرض صعبا وأنه لا يقوى على الوقوف على قوائمه، وظل على هذا الحال بضعة أيام ، فوقف العجوز ودعا ربه شفاء الحمار ونذرَ صيام ثلاثة أيام إن منَ الله عليه بالشفاء، وهكذا كان ، إذ شفي الحمار، وقام وعاد لخدمة سيده العجوز الورع، ووفاء لنذره فقد صام الرجل الأيام الثلاثة. لكن سرعان ما انتكست صحة الحمار، وظل طريح الحظيرة لبضعة أيام إلى أن وجد نافقا ذات صباح، فحزن الشيخ كثيرا وتملكته سورة غضب وراح يشخص ببصره إلى السماء وهو يقول بحرقة :
يا رب، نذرت لك صيام ثلاثة أيام ووفيت بنذري، لكن الحمار نفق كما ترى، وسأخصم أيام الصيام الثلاثة من رمضان القادم. فسامحني يا رب سامحني.





يا رب احتسب لي النصفين بيوم واحد:

وحكى لي بعض أقاربي عن والدته العجوز وقال: شهدنا شهر رمضان في أواخر السبعينيات وكان الطقس حارا حينها، وألم بوالدتي العجوز عارض صحي فكانت تصوم حتى الظهيرة فتضطر لتقيؤ بعض الطعام من جوفها، فتضطر للإفطار على مضض لأن تقيؤ الطعام يعتبر من مبطلات الصيام.
قال: وفي اليوم الثاني كبر على العجوز أن يضيع من شهرها يومان، لذلك فقد جلست وشخصت ببصرها للأعلى وهي تقول : يا رب، أرجوك احتسب لي اليومان السابقان بيوم صيام واحد، يا رب أنت ترى كم أنا ضعيفة ومسكينة ولا أريد أن أطيل عليك ، فأنت أدرى بحالي.
وكم تذكرنا القصتان الأخيرتان بقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما كان يدعو فيقول: يا رب ارزقني إيماناً كإيمان العجائز.
وإلى لقاء في الأسبوع القادم 10/9/2009


الجبنة الصفراء

كنت حتى وقت قريب مولعا بتناول الجبنة الصفراء التي لها أسماء متعددة هنا وهناك، وظللت حريصا على توفرها في المنزل وكنت أطرب لرائحتها خصوصا حينما لا يكون ثمة رائحة طعام طاغية في البيت.
ظللت أفكر في أمر حبي للجبنة إلى أن تذكرت السبب: كنت في أواسط السبعينات في المرحلة الابتدائية في مدرسة القرية، كان ثمة مجموعة منتقاة من التلاميذ يتوجهون عقب نهاية الدروس إلى دار قريبة من المدرسة، فيدخلون فيها فيسلمونهم جبنة صفراء ويطعموهم حساء ساخنا دون أن نعرف لماذا هؤلاء الأولاد بالذات، وكان بعضهم يحتفظ بقطعة الجبنة فيأخذها إلى منزله، وأثناء عودتنا من المدرسة كنا نراها ونشتم رائحتها ولا نأكل منها ، فهي محرمة علينا ، فعرفنا في سنوات لاحقة أن أولئك الطلبة المحظوظين هم أبناء لاجئين لجئوا إلى قريتنا فجعلت لهم وكالة الغوث مكتبا ومطعما في قريتنا وكانت أم عيسى هي القيمة على المطعم. وكم تمنينا في سرنا آنذاك لو أن الله أنعم علينا بأن نصبح لاجئين كي نأكل من الجبنة الصفراء التي تعبق رائحتها الأجواء.
المهم، أن تعطشي وجوعي تجاه الجبنة الصفراء تعمق في نفسي دون أن أعلم، فرحت بعد بلوغي أتناولها في كل فرصة سانحة، وحرصت على بقاءها في ثلاجة المنزل عدة سنوات إلى أن أصبح الأمر معتادا وطبيعيا الآن، لكن إن خيرتني بين شطيرتين: واحدة باللحمة والأخرى بالجبنة، فسأختار الجبنة الصفراء بالطبع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق