بقلم عزام أبو الحمام
سبق وأن نقلنا شيئا من بداية مسيرة ابن عمي سعيفان بعد حرب حزيران ، وللتذكير فقط وعلى هامش النص اذكر بأن سعيفان ابن عمومتي كان شابا أصيلا صاحب نخوة عالي الطموح قليل الحظ قليل التعليم، بل إنه تعلم ابجديات القراءة والكتابة على نفسه متأخرا بعد أن تعثر في المدرسة في أول يوم سجل فيها في أوائل الستينيات، ثم تعثر في أول يوم ذهب فيه للجيش إذ قامت حرب حزيران يومها قبل أن يستلم بندقيته وذخيرتها، فتشتت سعيفان مع المتشتتين في اللجوء وقطع المسافة من بيت لحم في الضفة الغربية إلى عمان مشيا على الأقدام.
****
ولأنه شابٌ طَموح فقد آبى أن يظل في المدينة متعثر الحظ فانتقل إلى العمل الزراعي في غور الأردن وبدأ مشواره هناك لكن حرب الكرامة آنذاك لم تمهله طويلا فنشبت قبل أن يغرس أقدامه فيها وتلقى فيها ضربة قوية بعد أن فقد خطيبته واسرتها هناك جراء حرب الكرامة، ولأنه غير محظوظ فقد فاته شرف المشاركة في المعركة الوحيدة التي يفتحر بها العرب لأنهم حققوا فيها بعض الانجازات على إسرائيل، فقد كان سعيفان في زيارة للمدينة لشراء حاجيات الخطوبة، وفقدت المنطقة مئات الضحايا بين قتيل وجريح وحمد سعيفان ربه على السلامة مع أنه كان يعلن أنه تمنى لو رزقه الله الشهادة بين الضحايا.
****
دارت السنون وتزوج سعيفان بنصيبه من فتاة قصيرة بيضاء تصغره كثيرا لكنها درويشة وأهلها رجال كرام وبدا وكأن الحظ بدأ يبتسم له ويعده بعتبة جديدة عندما حملت زوجته بلا إبطاء مما عزز ثقة سعيفان في نفسه وبدأ طموحه يرتقي وصار بعض الناس ينادونه ب "ابو الشوش" بعد أن رزقه الله بولد اختار له اسم " شامخ" فصار أصدقاؤه يدلعونه بأبي الشوش.
وكان من بشائر السعد أيضا أن زوجته سكنت معه في مزارع الغور وراحت تساعده في العمل بل وزادت بأن نجحت في اقتناء خمس دجاجات وديك وصارت تبيع منه ما يزيد عن حاجة الأسرة من البيض وتعطي سعيفان منه، وكان سعيفان قد نجح أيضا في اطالة شاربيه وصارا كالمخارز المدببة فوق جانبي فمه وهما يثيران إعجاب بعض الصبايا اللاتي كن يتابعن الموضات في تلك الأيام. كيف لا وهو أيضا بارع في ارتداء ملابسه وقد منً الله عليه بوسامة ورشاقة قل مثيلها بين المزارعين هناك.
بل إنه كان يلبس الثوب العربي "القمباز" و "الدشداشة" ويتأنق بالعباءة الشقراء اللون ويلبس كوفيات بيضاء اللون في أيام الأفراح والمناسبات فتبدو عليه ملامح الشيخة والأمارة حتى أن الكثيرين صاروا يستنجدون به لحل بعض مشاكلهم العشائرية وبعضهم اختاره ليكون الناطق الرسمي في العطوات وفي طلبات المصاهرة والخطوبة وحتى لإصلاح ذات البين بين الرجال ونسائهم وما إلى ذلك مما كان سعيفان لا يرده بل كان يسعى إليه في قرارة نفسه ويشعر بالزهو وهو يمارسه ويعود إلى أم شامخ بعد المساء مزهوا فيطلب منها المبيت باكرا لغرض في نفس الشاعر.
بعد ذلك، كان سعيفان يراوح بين عمان والغور إلا أن كلفه احد تنظيمات العمل الفدائي باستئجار مزرعة قريبة من النهر ليسهل تهريب الفدائيين المتسللين غربا وكانوا يسمونها "الدوريات"، ولم يكن على سعيفان غير الانتباه لمزرعته وزراعته وعليه أن لا يخشى الخسارة لأن مصاريف المزرعة مغطاة كليا من التنظيم وما سيزيد عن ذلك يعتبر حلالا زلالا له ولأسرته.
زرع سعيفان مزرعته وبدأ يتحين الفرصة حسب المخططات التي تأتيه مع الرسل من دمشق، وكان مع أول موعد لدورية وكان عليه أن يسهل لها المرور حسب المخطط المدروس، وصلت الدورية التي تتكون من خمسة رجال بأسلحتهم ليلا واستضافهم سعيفان في المزرعة وأولم لهم ثلاث من دجاجات أم شامخ وقادهم إلى منطقة مناسبة من النهر الذي منه سيمرون غربا وعاد إلى مزرعته، لكن بعض الأخطاء وقعت وتم إلقاء القبض على بعض أفراد الدورية قبل مرورهم جميعا واعترف البعض على دور سعيفان فألقي به في السجن وحكم لاحقا بحكم عال جدا لأن النشاط الفدائي كان قد صار محظورا بعد الأحداث الدامية في عام 1971. لكن الله لطف بسعيفان بعد عامين إثر عفو ملكي عام استفاد منه سعيفان وخرج ليجد أبناه شامخ ورائد صبيان يافعان.
وبعد ذلك بشهور قرر سعيفان الرحيل فسافر إلى سوريا والتحق بتنظيمه هناك وانضم إلى قوة شبه نظامية اسمها قوات اليرموك تابعة للممظمة التحرير الفلسطينية وراح يتدرب في معسكراتها في منطقة الهامة، وهناك اشترك في بعض العلميات في الخطوط الخلفية وكان دوره يقتصر على جمع أعقاب القذائف كي لا تبق أثرا في المنطقة لأسباب أمنية، وكثيرا ما كان ينسى لبس القفازات في يديه فيقبض اعقاب القذائف فتصلي كفيه بحروق رغم الوصايا المتكررة له بلبس القفازات، وذات مرة تهور أبو شامخ وقرر بصحبة زملاء له مغامرين أن يحاول التسلل من الجولان إلى فلسطين المحتلة فألقي القبض عليه ورمي في السجن عدة شهور إلى أن ابعد مرة أخرى إلى لبنان تسوية لوضعه بعد جهود كبيرة بذلها مسؤوليه وأهل الخير، ومن لبنان كان صوت أم شامخ وأطفالها يناديه ويستعطفه للم الشمل فقرر العودة إلى عمان بعد أن انفرجت الأمور السياسية قليلا وفي نفسه أن يعود مواطنا صالحا محافظا على القانون والأمن والنظام وأن لا يتدخل في أمور سياسية لأنه ليس بمحظوظ في هذا المجال مثلما كان بعض زملاءه يناكفونه.
****
عاد سعيفان إلى عمان واشترى سيارة فورد قديمة من موديلات الستينات بمبلغ زهيد لكنها كانت تحتاج إلى بعض الصيانة قبل ان تمارس أعمالها.
بمساعدة من بعض أقاربه قام سعيفان بسحب السيارة إلى كراج تصليح قريب في أطراف المدينة، واتفق مع صاحب المحل على تسلم السيارة بعد اسبوع، لكنه لما عاد في الأيام التالية إلى الكراج كان يستغرب أن يجده مغلقا، وظل على حاله ذاك عدة أيام إلى أن تأكد أن صاحب المحل يقيم في أحد المستشفيات منذ ذلك المساء الذي وضع سيارته فيه، وعلم أن مرضه ليس سهلا وأنه قد يستمر شهورا لأن صاحب الكراج كان قد وقع عليه باب المحل الحديدي الكبير حينما كان يهم بفتح محله في صباح اليوم التالي لوصول السيارة الحمراء.
ولما خشي سعيفان (أبو شامخ) على سياراته التي لم يستمتع بها ، فقد قرر سحبها مرة أخرى ووضعها في ساحة منزل ابن عم له ليس ببعيد حيث كان الرجل متعهد بناء ولديه ساحة كبيرة بجانب منزله.
ذهب سعيفان وأبقى السيارة إلى حين العثورعلى قطع السيارة المطلوبة من بلد مجاور، لكنها لم تأت، وأثناء ذلك كان سعيفان يأتي لزيارة السيارة يوميا تقريبا ويقضي مع ابن عمه متعهد البناء وقتا طويلا في لعب ورق الشدة ولعبة الزهر وغير ذلك، وكان ابن عمه يقول له، والله لا أعرف كيف بعثك الله لي كي أقضي على وقت فراغي، وقد أوضح له أنه لم يرزق بأي عمل منذ صباح اليوم التالي لوصول السيارة لساحة المنزل، وقد اعتاد المتعهد الخروج طلبا للعمل كل يوم دون جدوى ليعود خائبا يوما بعد يوم على مدى شهرين متصلين، وكان سعيفان يقول بدوره: وأنا لا أعرف ماذا كنت سأفعل وأنا بانتظار قطع غيار السيارة التي تأخرت على غير ما توقع الجميع.
ويبدو أن الله استجاب لدعاء المرأة العجوز والدة ابن عمه ولتوسلاتها بأن يبعد الله السيارة من ساحة المنزل، فقد وصلت قطع الغيار بعد شهرين واتفق سعيفان مع كراج آخر لأن الكراج الأول كان ما يزال مغلقا ولا يعرف مصير صاحبه.
نقل سعيفان السيارة من ساحة المنزل فإذا بسيارة أخرى تتوقف مكانها تماما وخرج منها مهندسون يطلبون المتعهد لعمل مهم وعاجل رزقه الله به دون غيره.
يَسر الله الأمر وأصلِحتْ السيارة وتدبر سعيفان المبلغ المطلوب ودفعه لصاحب الكراج قبل أن يشتعل حينها شجار عنيف بين صاحب الكراج وخصوم له جاءوا إلى الكراج كالغربان الجائعة يحملون عصيا طويلة، ونتج عن الشجار شج رأس صاحب الكراج ونقله للمستشفى في حالة خطر، ولم يكن لسعيفان في الأمر أي دور بالطبع، وقبل ذلك كان سعيفان قد علم شيئا مفيدا عن تاريخ السيارة.
لقد تعرف بعض العمال إلى السيارة وعرفوا أنها سيارة كانت تخص بعض قوات الأمن التي كانت تطارد المهربين في الصحراء وانه سبق وأن قتل قائدها أثناء بعض عمليات المطاردة ، فأضحت سيارة منحوسة في أعين رجال الأمن لأن زميلا لهم قتل فيها، لذلك فقد بيعت إلى أن وصلت سعيفان المحظوظ.
لم يهتم سعيفان كثيرا لقصة الشرطي الذي قتل في السيارة من فرط ما مر عليه من أموات في حياته بدءاً من حرب حزيران إلى معركة الكرامة إلى الحرب الأهلية في أيلول عام 1970 إلى المعارك التي شهدها في حرب تشرين 1973 في مرتفعات الجولان بصحبة كتيبة لجيش التحرير في الشام وهي المسماة "قوات اليرموك" ، لكن سعيفان لم يأبه وانطلق فجر اليوم التالي وعبأ السيارة بنبات الخس الطازج من مزارع الغور، واصطحب معه ابنه شامخ الذي صار في الخامسة من عمره، ومن هناك ذهب إلى شواطئ البحر الميت بعد أن درس الموضوع مليا – كعادته في التبصر والدراسة - وشاهد بأم عينه كيف يتهافت مئات الناس لشراء الخس اليانع بأثمان مجزية للبائع،،
عبأ سعيفان سيارته بالخس النضر واختار لها مكانا مناسبا بجانب الشاطئ وجعل شامخ يصيح مناديا الناس لشراء الخس الطازج، وكان الوقت ظهرا والصيف في أوجه والمصطافون كانوا ما زالوا يتقاطرون على المنطقة ويتهافتون لشراء حاجياتهم وأهمها الخضراوات والخس على وجه الخصوص.
انتصف النهار وراحت الشمس تميل غربا وشامخ لم يبع غير خسة واحدة بشلن فضي فذهب واشترى به ساندويتش فلافل ليسد به الرمق. وراح سعيفان يتعجب كيف أن بعض السيارات الأخرى أنفقت كل ما لديها من الخس فيما هو وشامخ بصوته الرخيم المرتفع لم يبع أكثر من خسة واحدة.
وفي لحظة نزق تقدم سعيفان بنفسه وراح يصيح بأعلى صوته: خس ببلاش يا ناس، بلا ثمن يا ناس، لكن الناس راحت تتطلع إليه بأسى ودهشة وهي تبتعد عنه مستغربة حالته التي بدت حالة هستيرية وهو يرمي بالخس من السيارة إلى جانب الطريق قبل أن يعود أدراجه إلى أحضان أم شامخ وإلى نقيق دجاجاتها ليبدأ التفكير في مشروع جديد وطريق جديدة.
*****
تقلب أبو شامخ مع تقلب السنون وانتهى به الأمر أن سافر إلى الكويت بعد أن مل الزراعة وطلقها ومل التجارة التي أورثته الديون الكثيرة، وراحت انظاره تتطلع نحو دول الخليج فتيسر له السفر إلى الكويت في أواخر العام 1990 بعد أن ساعده احد أنسبائه هناك، وفعلا بدأ يعمل في الكويت في احدى الشركات كأمين لمستودع نظرا لأنه لا يعرف أفضل من ذلك، لكن هيهات هيهات، فذات ليلة وقع ما لم يكن في حسبان المنجمين، إذا هاجمت القوات العراقية البلد واحتلته في ساعات واختل ميزان النظام ولم يعرف سعيفان ما الذي يتوجب علمه بعد ان جرى نهب المستودعات دون أن يتمكن من مقاومة ذلك ولو بكلمة واحدة، وصار هم سعيفان هو النجاة بجلده وتحصيل قوت يومه لأنه لم يسبق وأن استلم أي مرتب من الشركة التي بدأ العمل فيها منذ أسابيع فقط.
من هناك نزح سعيفان مع النازحين إلى بغداد هربا من جحيم الحرب، ووجد بعض الفلسطينيين القدماء هناك فشجعه بعضهم على العمل الزراعي بعد أن استعرض لهم خبراته الفريدة في ذلك الصعيد، وكان بعضهم أثرياء كبار فأقطعوه مئات الدونمات الزراعية في محافظة المسيب جنوب بغداد ووفروا له مستلزماته كلها وهم يأملون أن يحققوا انجازات كبيرة ومحاصيل وفيرة.
راح الضغط يشتد على العراق والحصار يزداد يوما بعد يوم وصارت الطائرات الأمريكية تقذف حممها كل يوم على البشر والحجر والشجر فعم البلاء وتعكر الصفاء وانتشر الفقر والجوع بسبب الحصار المضروب حول منافذ العراق وحدودها، لكن أم شامخ كانت تطمئن نفسها بأن سعيفان لن يناله الجوع لأنه مزارع وسيأكل مما يزرع، ويلبس مما يصنع،،،،
لكنها لم تكن لتعلم أن وزن سعيفان قل واضمحل إلى نحو خمسين كيلو بعد أن ذهب وهو ابن الثمانين كيلو وزنا، وهي لم تعرف ان الجوع في المنطقة بلغ مبلغا خياليا عندما راحت الكلاب نفسها تضطر إلى أكل المحاصيل الزراعية لتسد بها رمقها وهي تصارع جوعا سيحيلها وسعيفان إلى مخلوقات آكلة للأعشاب دون اللحوم على الإطلاق.
ومن غرائب الزمن أن تضطر الكلاب أكل الخيار والبندورة وهما المحصولين الرئيسيين اللذان زرعهما سعيفان إلى جانب مساحات كبيرة من القمح، وحصل نتيجة ذلك على دهم حكومي كبير بعد أن هيئ لهم أنه بصدد إطلاق ثورة زراعية تغني البلاد المحاصرة عن استيراد حبة قمح واحدة.
أما القمح، فقد كانت طائرات أمريكية تختار الوقت قبل أن يتم نضوج القمح واصفرار سنابله بقليل كي ترمي بقذائفها وحممها لتحرق سهول القمح وتأتي عليه على بكرة أبيه فيما سعيفان وغيره من المواطنين العراقيين واقفين مذهولين يدعون على أمريكا بأشد الويلات، وكان سعيفان يزيد على ذلك بأن يوجه أقذع الشتائم للأمريكان والإسرائيليين ويتوعدهم بالثأر المزلزل ريثما تبدأ الحرب البرية.
وإلى لقاء في جزء جديد من مغامرات سعيفان
سبق وأن نقلنا شيئا من بداية مسيرة ابن عمي سعيفان بعد حرب حزيران ، وللتذكير فقط وعلى هامش النص اذكر بأن سعيفان ابن عمومتي كان شابا أصيلا صاحب نخوة عالي الطموح قليل الحظ قليل التعليم، بل إنه تعلم ابجديات القراءة والكتابة على نفسه متأخرا بعد أن تعثر في المدرسة في أول يوم سجل فيها في أوائل الستينيات، ثم تعثر في أول يوم ذهب فيه للجيش إذ قامت حرب حزيران يومها قبل أن يستلم بندقيته وذخيرتها، فتشتت سعيفان مع المتشتتين في اللجوء وقطع المسافة من بيت لحم في الضفة الغربية إلى عمان مشيا على الأقدام.
****
ولأنه شابٌ طَموح فقد آبى أن يظل في المدينة متعثر الحظ فانتقل إلى العمل الزراعي في غور الأردن وبدأ مشواره هناك لكن حرب الكرامة آنذاك لم تمهله طويلا فنشبت قبل أن يغرس أقدامه فيها وتلقى فيها ضربة قوية بعد أن فقد خطيبته واسرتها هناك جراء حرب الكرامة، ولأنه غير محظوظ فقد فاته شرف المشاركة في المعركة الوحيدة التي يفتحر بها العرب لأنهم حققوا فيها بعض الانجازات على إسرائيل، فقد كان سعيفان في زيارة للمدينة لشراء حاجيات الخطوبة، وفقدت المنطقة مئات الضحايا بين قتيل وجريح وحمد سعيفان ربه على السلامة مع أنه كان يعلن أنه تمنى لو رزقه الله الشهادة بين الضحايا.
****
دارت السنون وتزوج سعيفان بنصيبه من فتاة قصيرة بيضاء تصغره كثيرا لكنها درويشة وأهلها رجال كرام وبدا وكأن الحظ بدأ يبتسم له ويعده بعتبة جديدة عندما حملت زوجته بلا إبطاء مما عزز ثقة سعيفان في نفسه وبدأ طموحه يرتقي وصار بعض الناس ينادونه ب "ابو الشوش" بعد أن رزقه الله بولد اختار له اسم " شامخ" فصار أصدقاؤه يدلعونه بأبي الشوش.
وكان من بشائر السعد أيضا أن زوجته سكنت معه في مزارع الغور وراحت تساعده في العمل بل وزادت بأن نجحت في اقتناء خمس دجاجات وديك وصارت تبيع منه ما يزيد عن حاجة الأسرة من البيض وتعطي سعيفان منه، وكان سعيفان قد نجح أيضا في اطالة شاربيه وصارا كالمخارز المدببة فوق جانبي فمه وهما يثيران إعجاب بعض الصبايا اللاتي كن يتابعن الموضات في تلك الأيام. كيف لا وهو أيضا بارع في ارتداء ملابسه وقد منً الله عليه بوسامة ورشاقة قل مثيلها بين المزارعين هناك.
بل إنه كان يلبس الثوب العربي "القمباز" و "الدشداشة" ويتأنق بالعباءة الشقراء اللون ويلبس كوفيات بيضاء اللون في أيام الأفراح والمناسبات فتبدو عليه ملامح الشيخة والأمارة حتى أن الكثيرين صاروا يستنجدون به لحل بعض مشاكلهم العشائرية وبعضهم اختاره ليكون الناطق الرسمي في العطوات وفي طلبات المصاهرة والخطوبة وحتى لإصلاح ذات البين بين الرجال ونسائهم وما إلى ذلك مما كان سعيفان لا يرده بل كان يسعى إليه في قرارة نفسه ويشعر بالزهو وهو يمارسه ويعود إلى أم شامخ بعد المساء مزهوا فيطلب منها المبيت باكرا لغرض في نفس الشاعر.
بعد ذلك، كان سعيفان يراوح بين عمان والغور إلا أن كلفه احد تنظيمات العمل الفدائي باستئجار مزرعة قريبة من النهر ليسهل تهريب الفدائيين المتسللين غربا وكانوا يسمونها "الدوريات"، ولم يكن على سعيفان غير الانتباه لمزرعته وزراعته وعليه أن لا يخشى الخسارة لأن مصاريف المزرعة مغطاة كليا من التنظيم وما سيزيد عن ذلك يعتبر حلالا زلالا له ولأسرته.
زرع سعيفان مزرعته وبدأ يتحين الفرصة حسب المخططات التي تأتيه مع الرسل من دمشق، وكان مع أول موعد لدورية وكان عليه أن يسهل لها المرور حسب المخطط المدروس، وصلت الدورية التي تتكون من خمسة رجال بأسلحتهم ليلا واستضافهم سعيفان في المزرعة وأولم لهم ثلاث من دجاجات أم شامخ وقادهم إلى منطقة مناسبة من النهر الذي منه سيمرون غربا وعاد إلى مزرعته، لكن بعض الأخطاء وقعت وتم إلقاء القبض على بعض أفراد الدورية قبل مرورهم جميعا واعترف البعض على دور سعيفان فألقي به في السجن وحكم لاحقا بحكم عال جدا لأن النشاط الفدائي كان قد صار محظورا بعد الأحداث الدامية في عام 1971. لكن الله لطف بسعيفان بعد عامين إثر عفو ملكي عام استفاد منه سعيفان وخرج ليجد أبناه شامخ ورائد صبيان يافعان.
وبعد ذلك بشهور قرر سعيفان الرحيل فسافر إلى سوريا والتحق بتنظيمه هناك وانضم إلى قوة شبه نظامية اسمها قوات اليرموك تابعة للممظمة التحرير الفلسطينية وراح يتدرب في معسكراتها في منطقة الهامة، وهناك اشترك في بعض العلميات في الخطوط الخلفية وكان دوره يقتصر على جمع أعقاب القذائف كي لا تبق أثرا في المنطقة لأسباب أمنية، وكثيرا ما كان ينسى لبس القفازات في يديه فيقبض اعقاب القذائف فتصلي كفيه بحروق رغم الوصايا المتكررة له بلبس القفازات، وذات مرة تهور أبو شامخ وقرر بصحبة زملاء له مغامرين أن يحاول التسلل من الجولان إلى فلسطين المحتلة فألقي القبض عليه ورمي في السجن عدة شهور إلى أن ابعد مرة أخرى إلى لبنان تسوية لوضعه بعد جهود كبيرة بذلها مسؤوليه وأهل الخير، ومن لبنان كان صوت أم شامخ وأطفالها يناديه ويستعطفه للم الشمل فقرر العودة إلى عمان بعد أن انفرجت الأمور السياسية قليلا وفي نفسه أن يعود مواطنا صالحا محافظا على القانون والأمن والنظام وأن لا يتدخل في أمور سياسية لأنه ليس بمحظوظ في هذا المجال مثلما كان بعض زملاءه يناكفونه.
****
عاد سعيفان إلى عمان واشترى سيارة فورد قديمة من موديلات الستينات بمبلغ زهيد لكنها كانت تحتاج إلى بعض الصيانة قبل ان تمارس أعمالها.
بمساعدة من بعض أقاربه قام سعيفان بسحب السيارة إلى كراج تصليح قريب في أطراف المدينة، واتفق مع صاحب المحل على تسلم السيارة بعد اسبوع، لكنه لما عاد في الأيام التالية إلى الكراج كان يستغرب أن يجده مغلقا، وظل على حاله ذاك عدة أيام إلى أن تأكد أن صاحب المحل يقيم في أحد المستشفيات منذ ذلك المساء الذي وضع سيارته فيه، وعلم أن مرضه ليس سهلا وأنه قد يستمر شهورا لأن صاحب الكراج كان قد وقع عليه باب المحل الحديدي الكبير حينما كان يهم بفتح محله في صباح اليوم التالي لوصول السيارة الحمراء.
ولما خشي سعيفان (أبو شامخ) على سياراته التي لم يستمتع بها ، فقد قرر سحبها مرة أخرى ووضعها في ساحة منزل ابن عم له ليس ببعيد حيث كان الرجل متعهد بناء ولديه ساحة كبيرة بجانب منزله.
ذهب سعيفان وأبقى السيارة إلى حين العثورعلى قطع السيارة المطلوبة من بلد مجاور، لكنها لم تأت، وأثناء ذلك كان سعيفان يأتي لزيارة السيارة يوميا تقريبا ويقضي مع ابن عمه متعهد البناء وقتا طويلا في لعب ورق الشدة ولعبة الزهر وغير ذلك، وكان ابن عمه يقول له، والله لا أعرف كيف بعثك الله لي كي أقضي على وقت فراغي، وقد أوضح له أنه لم يرزق بأي عمل منذ صباح اليوم التالي لوصول السيارة لساحة المنزل، وقد اعتاد المتعهد الخروج طلبا للعمل كل يوم دون جدوى ليعود خائبا يوما بعد يوم على مدى شهرين متصلين، وكان سعيفان يقول بدوره: وأنا لا أعرف ماذا كنت سأفعل وأنا بانتظار قطع غيار السيارة التي تأخرت على غير ما توقع الجميع.
ويبدو أن الله استجاب لدعاء المرأة العجوز والدة ابن عمه ولتوسلاتها بأن يبعد الله السيارة من ساحة المنزل، فقد وصلت قطع الغيار بعد شهرين واتفق سعيفان مع كراج آخر لأن الكراج الأول كان ما يزال مغلقا ولا يعرف مصير صاحبه.
نقل سعيفان السيارة من ساحة المنزل فإذا بسيارة أخرى تتوقف مكانها تماما وخرج منها مهندسون يطلبون المتعهد لعمل مهم وعاجل رزقه الله به دون غيره.
يَسر الله الأمر وأصلِحتْ السيارة وتدبر سعيفان المبلغ المطلوب ودفعه لصاحب الكراج قبل أن يشتعل حينها شجار عنيف بين صاحب الكراج وخصوم له جاءوا إلى الكراج كالغربان الجائعة يحملون عصيا طويلة، ونتج عن الشجار شج رأس صاحب الكراج ونقله للمستشفى في حالة خطر، ولم يكن لسعيفان في الأمر أي دور بالطبع، وقبل ذلك كان سعيفان قد علم شيئا مفيدا عن تاريخ السيارة.
لقد تعرف بعض العمال إلى السيارة وعرفوا أنها سيارة كانت تخص بعض قوات الأمن التي كانت تطارد المهربين في الصحراء وانه سبق وأن قتل قائدها أثناء بعض عمليات المطاردة ، فأضحت سيارة منحوسة في أعين رجال الأمن لأن زميلا لهم قتل فيها، لذلك فقد بيعت إلى أن وصلت سعيفان المحظوظ.
لم يهتم سعيفان كثيرا لقصة الشرطي الذي قتل في السيارة من فرط ما مر عليه من أموات في حياته بدءاً من حرب حزيران إلى معركة الكرامة إلى الحرب الأهلية في أيلول عام 1970 إلى المعارك التي شهدها في حرب تشرين 1973 في مرتفعات الجولان بصحبة كتيبة لجيش التحرير في الشام وهي المسماة "قوات اليرموك" ، لكن سعيفان لم يأبه وانطلق فجر اليوم التالي وعبأ السيارة بنبات الخس الطازج من مزارع الغور، واصطحب معه ابنه شامخ الذي صار في الخامسة من عمره، ومن هناك ذهب إلى شواطئ البحر الميت بعد أن درس الموضوع مليا – كعادته في التبصر والدراسة - وشاهد بأم عينه كيف يتهافت مئات الناس لشراء الخس اليانع بأثمان مجزية للبائع،،
عبأ سعيفان سيارته بالخس النضر واختار لها مكانا مناسبا بجانب الشاطئ وجعل شامخ يصيح مناديا الناس لشراء الخس الطازج، وكان الوقت ظهرا والصيف في أوجه والمصطافون كانوا ما زالوا يتقاطرون على المنطقة ويتهافتون لشراء حاجياتهم وأهمها الخضراوات والخس على وجه الخصوص.
انتصف النهار وراحت الشمس تميل غربا وشامخ لم يبع غير خسة واحدة بشلن فضي فذهب واشترى به ساندويتش فلافل ليسد به الرمق. وراح سعيفان يتعجب كيف أن بعض السيارات الأخرى أنفقت كل ما لديها من الخس فيما هو وشامخ بصوته الرخيم المرتفع لم يبع أكثر من خسة واحدة.
وفي لحظة نزق تقدم سعيفان بنفسه وراح يصيح بأعلى صوته: خس ببلاش يا ناس، بلا ثمن يا ناس، لكن الناس راحت تتطلع إليه بأسى ودهشة وهي تبتعد عنه مستغربة حالته التي بدت حالة هستيرية وهو يرمي بالخس من السيارة إلى جانب الطريق قبل أن يعود أدراجه إلى أحضان أم شامخ وإلى نقيق دجاجاتها ليبدأ التفكير في مشروع جديد وطريق جديدة.
*****
تقلب أبو شامخ مع تقلب السنون وانتهى به الأمر أن سافر إلى الكويت بعد أن مل الزراعة وطلقها ومل التجارة التي أورثته الديون الكثيرة، وراحت انظاره تتطلع نحو دول الخليج فتيسر له السفر إلى الكويت في أواخر العام 1990 بعد أن ساعده احد أنسبائه هناك، وفعلا بدأ يعمل في الكويت في احدى الشركات كأمين لمستودع نظرا لأنه لا يعرف أفضل من ذلك، لكن هيهات هيهات، فذات ليلة وقع ما لم يكن في حسبان المنجمين، إذا هاجمت القوات العراقية البلد واحتلته في ساعات واختل ميزان النظام ولم يعرف سعيفان ما الذي يتوجب علمه بعد ان جرى نهب المستودعات دون أن يتمكن من مقاومة ذلك ولو بكلمة واحدة، وصار هم سعيفان هو النجاة بجلده وتحصيل قوت يومه لأنه لم يسبق وأن استلم أي مرتب من الشركة التي بدأ العمل فيها منذ أسابيع فقط.
من هناك نزح سعيفان مع النازحين إلى بغداد هربا من جحيم الحرب، ووجد بعض الفلسطينيين القدماء هناك فشجعه بعضهم على العمل الزراعي بعد أن استعرض لهم خبراته الفريدة في ذلك الصعيد، وكان بعضهم أثرياء كبار فأقطعوه مئات الدونمات الزراعية في محافظة المسيب جنوب بغداد ووفروا له مستلزماته كلها وهم يأملون أن يحققوا انجازات كبيرة ومحاصيل وفيرة.
راح الضغط يشتد على العراق والحصار يزداد يوما بعد يوم وصارت الطائرات الأمريكية تقذف حممها كل يوم على البشر والحجر والشجر فعم البلاء وتعكر الصفاء وانتشر الفقر والجوع بسبب الحصار المضروب حول منافذ العراق وحدودها، لكن أم شامخ كانت تطمئن نفسها بأن سعيفان لن يناله الجوع لأنه مزارع وسيأكل مما يزرع، ويلبس مما يصنع،،،،
لكنها لم تكن لتعلم أن وزن سعيفان قل واضمحل إلى نحو خمسين كيلو بعد أن ذهب وهو ابن الثمانين كيلو وزنا، وهي لم تعرف ان الجوع في المنطقة بلغ مبلغا خياليا عندما راحت الكلاب نفسها تضطر إلى أكل المحاصيل الزراعية لتسد بها رمقها وهي تصارع جوعا سيحيلها وسعيفان إلى مخلوقات آكلة للأعشاب دون اللحوم على الإطلاق.
ومن غرائب الزمن أن تضطر الكلاب أكل الخيار والبندورة وهما المحصولين الرئيسيين اللذان زرعهما سعيفان إلى جانب مساحات كبيرة من القمح، وحصل نتيجة ذلك على دهم حكومي كبير بعد أن هيئ لهم أنه بصدد إطلاق ثورة زراعية تغني البلاد المحاصرة عن استيراد حبة قمح واحدة.
أما القمح، فقد كانت طائرات أمريكية تختار الوقت قبل أن يتم نضوج القمح واصفرار سنابله بقليل كي ترمي بقذائفها وحممها لتحرق سهول القمح وتأتي عليه على بكرة أبيه فيما سعيفان وغيره من المواطنين العراقيين واقفين مذهولين يدعون على أمريكا بأشد الويلات، وكان سعيفان يزيد على ذلك بأن يوجه أقذع الشتائم للأمريكان والإسرائيليين ويتوعدهم بالثأر المزلزل ريثما تبدأ الحرب البرية.
وإلى لقاء في جزء جديد من مغامرات سعيفان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق