خمسة أصدقاء من بلاد عربية مختلفة ، جمعتهم الدراسة في إحدى الجامعات الأمريكية و السكن المشترك قريبا منها د।عبد الله من المغرب تخصص ألكترونيات و برمجة و هندسة الحاسوبد। هشام من سورية تخصص معادن و سبائك معدنية د। مجدي من مصر تخصص جيولوجيا و طبقات الأرض و علم الزلازل و البراكيند। حمود من الإمارات العربية المتحدة /أمارة دبي تخصص كيمياء ، فرع النفط و الصناعات النفطية د। رياض فلسطيني يعيش في الأردن تخصص ميكانيك و محركات ثقيلة ।لم تلههم المغريات الكثيرة من حولهم ، اللهم سوى حضور أفلام الخيال العلمي التي يشتركون جميعا بعشقها ، إضافة إلى زيارة المتاحف و مطالعة المجلات العلمية ؛ و قد أبدوا جميعا لفرط ذكائهم تفوقا في مجالات دراساتهم ، حتى أن الكثير من مؤسسات البحوث العلمية أو الشركات الأمريكية التخصصية عرضت عليهم وظائف مغرية ؛ إلا أنهم رفضوها جميعا لأنهم تعاهدوا أن يعودوا إلى وطنهم العربي للمساهمة في تطويره و تقدمه ।في سنة التحضير للدكتوراه ، و قبل أشهر من مناقشة أطروحاتهم ، عرض هشام على أصدقائه مشروعا مدهشا ، بدا لهم أول الأمر خياليا و مستحيل التنفيذ ، إلا أنه رويدا رويدا تمكن من إقناعهم به ، مقدما لهم البراهين على إمكانية تنفيذه إذا تضافرت جهودهم معا ، فتعهد حمود بتمويل المشروع ، ليس هذا و حسب ، بل تعهد لهم أيضا بتدبير وظائف لهم في دبي في شركة البناء التي يملكها والده كغطاء يمكنهم من الحصول على التأشيرات اللازمة لدخول الإمارات ।و طوال تلك الأشهر التي سبقت مناقشة أطروحاتهم ، لم يكن من حديث لخمستهم سوى المشروع الذي سيحدث ضجة عالمية من شأنها أن ترفع من مكانة العرب تجاه الشعوب الأخرى التي سبقتهم علميا و تقنيا بمراحل ، بعد أن كانوا رواد العلوم ذات يوم ।في مكان ناء من مدينة دبي بنوا مختبرهم الذي بدا ظاهريا كأنه مستودع بضائع .كان هدف الدكتور هشام السعي لتكوين سبيكة معدنية تحتمل الضغوط الهائلة و درجات الحرارة العالية .أما الدكتور رياض فكانت أمامه أصعب المهمات ، الأولى منها ابتكار محرك قوي قادر على دفع مركبة خلال طبقات الأرض ، أما الثانية فكانت العمل على تطوير حفارة حلزونية تثبت في مقدمة المركبة ، أما الثالثة فكانت ابتكار ذراع آلية لالتقاط العينات و فحصها ، و قد وظف حمود تحت إمرته عددا من الميكانيكيين المهرة لتحقيق مهمته الصعبة .أما الدكتور عبد الله فقد انشغل بابتكار برامج حاسوبية تساعده في عدة أغراض ، أولها تصميم المركبة المنشودة ، و ثانيها ربط المجسات و الرادارات و الكاميرات بجهاز حاسوبي واحد يمكن التحكم بها من خلاله ، و ثالثها مساعدة الدكتور حمود في ابحاثة ، فالدكتور حمود يأمل بإثبات فرضية حديثة عن تكوين البترول ، الفرضية تؤكد أن النفط غير قابل للنضوب لأن المواد الهيدروكربونية - و هي أساس تكوينه - في حالة تشكل مستمر نتيجة اتحاد الكربون مع الهيدروجين ( و هما مادتان موجودتان في الأعماق مثل وجودهما في الجو ) هذا الإتحاد يتم تحت درجة حرارة و ضغط هائلين في الطبقات العميقة لجوف الأرض ، لينساب – من ثم - نحو الأعلى ، مجدداً تعبئة الخزانات الطبيعية الموجودة أو تكوين خزانات غير معروفة و لم يتم اكتشافها بعد . و يقول الدكتور حمود إذا تمكن من إثبات هذه الفرضية يصبح بإمكان البشر تكوين حاجاتهم النفطية بمصانعهم ، و ستكون تلك خطوته التالية ، مما سيحدث ثورة في مجال الطاقة تفوق الثورتين الصناعية و الألكترونية معا .أما الدكتور مجدي فكان يبحث في صفائح القشرة الأرضية التي تقوم فوقها القارات و التي تعوم فوق طبقة من الصخور شبه المائعة فتسبب حركتها الدائبة التي تؤدي إلى حدوث الزلازل ؛ و ذلك سعيا وراء إيجاد الفالق الباطني المناسب الذي يمكِّن من النفاذ إلى الأعماق .و يؤكد الدكتور مجدي أن هناك فوالقا زلزالية و أنفاقا و كهوفا طبيعية في الأعماق كما في السطح و من الممكن عبورها بيسر إذا نجح زملاؤه بتصميم المركبة المنشودة ، و التي سوف يكون عليها اختراق عدة طبقات مختلفة التكوين قبل الوصول إلى طبقة المعادن المصهورة و هي بسامكة 2800 كيلومتر و بحرارة تقارب المائة درجة مئوية قرب السطح و 3500 درجة مئوية في أعمق نقطة .و بما أن جاذبية قلب الكرة الأرضية الصلب المكون من معدن الحديد – و هي جاذبية أقوى من جاذبيتها على السطح - فإن قوة الدفع المكتسبة من تلك الجاذبية سوف تمكن المركبة من الإتجاه بنفس السرعة نحو السطح ثانية و لكن نحو قارة أخرى من خلال فالق زلزالي آخر ، و قد لا تستغرق الرحلة – نظريا - إذا كانت مباشرة ، أكثر من ساعات معدودة ، و الحاسوب يشير إلى أن الإنتقال من غرب آسيا – مثلا -إلى شرق أمريكا قد لا يستغرق أكثر من أربع إلى خمس ساعات.بعد ثمانية عشر شهرا من العمل الشاق و إنفاق مبالغ كبيرة قدمها الدكتور حمود و والده بسخاء و بلا أدنى تردد ، اكتمل بناء المركبة التي صنعت من سبيكة معدنية ولَّفها الدكتور هشام ، يمكنها احتمال حرارة تقترب من 4000 آلاف درجة و ضغط عدة أطنان فوق السنتيمتر المربع الواحد ، و بطنت من الداخل بطبقتين من نوعين مختلفين من السيراميك و زودت بمحرك ديزل دافع بقوة تعادل قوة قاطرتي ديزل ، و بمحرك قوي آخر لحفارة حلزونية ثبتت في مقدمة المركبة مستخدمة شفرات شُحذت من نفس سبيكة الدكتور هشام المعدنية ، قادرة على اختراق أصلب الصخور و قذفها إلى ما وراء المركبة ، و بمحرك آخر لتشغيل الذراع الآلية ، و بمحرك رابع لتوليد الطاقة و تشغيل أجهزة التبريد و الأجهزة الكهربائية و الألكترونية الأخرى ، كما زودت بكاميرات ألكترونية خاصة تحتمل درجات الحرارة العالية ، تُمكِّن الباحثين في الداخل من رؤية ما يجري حولهم في الخارج بدل النوافذ ، و برادار قوي و مجسات حساسة لقياس المسافات و الأعماق و درجات الحرارة فوق هيكل المركبة من الخارج ، و أخرى للتعرف على الإتجاهات ؛ و بجهاز إتصال يصلح للإتصال في جميع الظروف .و اقتضت الخطة أن تكون أول رحلة تجريبية و مباشرة ، على أن تكون رحلة العودة رحلة إستكشافية تخصصية ، تليها رحلات .و ستغوص المركبة في الخليج العربي ثم تتجه جنوبا إلى بحر العرب ثم غربا نحو شرق أفريقيا و من هناك سيتم إختراق فالق البحر الأحمر . أما لماذا اختاروا أن تبدأ رحلتهم من أعماق البحر فالدكتور عبد الله يجيب على هذا السؤال قائلا : " أن القشرة الأرضية تقل سماكتها في أعماق البحر فهي بين – 60إلى70 كيلومتر- مما يوفر الجهد و الوقت ." و من ثم سوف تغوص المركبة في الأعماق مندفعة نحو قلب الكرة الأرضية الصلب ، ثم تنزلق قبيل بلوغه في اتجاه الصعود لتبلغ فالق المحيط الأطلسي - تماما كما تفعل سفن الفضاء التي تستفيد من جاذبية أحد الكواكب لتنزلق قريبا منه باتجاه كوكب آخر مستفيدة من قوة الدفع التي اكتسبتها من جاذبيته - و لعلها تتجه من هناك إلى إحدى دول أمريكا اللاتينية ، و الأرجح أنها ستكون الجزيرة الكوبية أو أيا من جزر الكاريبي ، و لذا فقد حصلوا على التأشيرات اللازمة من سفارات تلك الدول معلنين لها أن زيارتهم ستكون عبر سفينة أبحاث أسموها : << دبي 1 >>.و في اليوم الموعود ، اتجهت المركبة فوق شاحنة مغطاة إلى منطقة معزولة بين أمارتي عجمان و رأس الخيمة ، و ما أن أُنزلت المركبة على شاطئ الخليج حتى دنت منها سيارة فارهة يعقبها سيارة حماية ، ثم ترجل منها مسؤول رفيع المستوى و برفقته والد الدكتور حمود ، جاءا خصيصا لوداع و تشجيع زمرة العلماء العرب الذين سيخوضون أكبر مغامرة إستكشافية في التاريخ ؛ و قد حرص الجميع أن تكون المغامرة بعيدا عن أية ضجة إعلامية ، خشية الصدمة الكبرى و الإحباط الشديد إذا باءت الرحلة بالفشل .عندما غاصت المركبة في الخليج كانت قلوب خمستهم واجفة خشية أن يكونوا قد ارتكبوا غلطة فنية ما ، و لكن لسعادتهم البالغة سار كل شيء على ما يرام ، المحرك الدافع قادهم نحو شرق أفريقية خلال 15 دقيقة فقط ( أي اسرع من اية غواصة ) ، و هناك بدأ الدكتور عبد الله و الدكتور مجدي يبحثان من خلال شاشتي الحاسوب عن فالق البحر الأحمر ، و ما لبث الدكتور مجدي أن صاح صيحة ( أرخميدس ) : وجدته !... وجدته !... ؛ ثم ما لبث الإثنان أن بدءا بالبحث عن الثغرة المناسبة للعبور منها إلى أعماق الأرض ، فوجداها بعد دقائق قرب خليج السويس ، و بدأ من ثم الإختراق ॥كانت الحفارة الحلزونية تعمل بشكل رائع لشق الصخور و الكتل الطينية بينما يدفعها إلى الأمام المحرك الخلفي بسرعة أكبر من سرعة طائرة نفاثة أو صاروخية ، فكانت سعادة خمستهم لا توصف لمدى النجاح الذي حققوه حتى الآن .كان اتجاههم نحو الشمال الغربي بشكل مائل تحت القارة الأفريقية وعند بلوغهم عمق خمسين كيلومتر ، أحسوا أن الحفارة الحلزونية تدور في فراغ ، رصدوا ما حولهم بقلق بالغ ، فتبين لهم أنهم داخل كهف عملاق يتجه بهم نزولا بخط مائل ، فسارت بهم المركبة خلاله بيسر دونما حاجة إليها॥و قد امتد الكهف – من ثم - أكثر من مائتي كيلومتر فكان تارة يضيق إلى بضعة أمتار و تارة يتسع إلى مئات الأمتار ، أما الإرتفاع فيتراوح بين أمتار قليلة و عشرات الأمتار . ثم بلغوا نهاية الكهف فبدأ الإختراق من جديد ॥بدأت الحفارة الآن تعمل بشكل أيسر فقد بلغوا طبقة أقل كثافة مكونة من الصخور الحارة شبه المائعة و التي – كما سبق أن أفادهم الدكتور مجدي – تطفو فوقها صفائح القشرة الأرضية و التي تسبب حركتها الدائمة .أما الدكتور عبد الله فقد أخبرهم أن الحرارة خارج المركبة بلغت الآن مئتي درجة مائوية .و المركبة لا زالت مندفعة نحو الأعماق ...قال الدكتور مجدي : "نحن الآن في عمق ألف خمسمائة كيلومتر ॥"قال الدكتور عبد الله : " الحرارة خارج المركبة تبلغ الآن خمسمائة درجة مئوية ..."و المركبة لا زالت مندفعة نحو الأعماق ..." نحن الآن على عمق ثلاثة آلاف كيلومتر" ، قال الدكتور عبد الله ؛" و بدأنا نخترق المائع الناري " ، قال الدكتور مجدي ؛" و بدأت الجاذبية تتزايد وتيرتها بشكل متسارع ، اربطوا الأحزمة جيدا و اتخذوا وضع الإستلقاءعلى ظهوركم " ، قال الدكتور رياض الذي يتولى قيادة المركبة .و المركبة لا زالت مندفعة نحو الأعماق بوتيرة متسارعة..." بدأنا الآن بالإتجاه المعاكس " ، قال الدكتور رياض ، و قد خرجت الكلمات من فمه بطيئة و بصوت خافت بسبب الضغط الكبير الواقع على صدره و بطنه ؛إنه ضغط السرعة الخيالية التي اكتسبوها من جاذبية قلب الكرة الأرضية المعدني .و المركبة بدأت تندفع من الأعماق نحو السطح ..." نحن الآن تحت المحيط الأطلسي ، في وسطه تقريبا ، و الرحلة تسير من نجاح إلى نجاح " ، قال الدكتور عبد الله ، عندما بدأ الضغط الكبير يزول تدريجيا عن جسده ، و بدأ يتابع جهاز الحاسوب بدون صعوبة॥و المركبة لا زالت تندفع من الأعماق نحو السطح ॥" سنخترق فالق الأطلسي وشيكا " ، قال الدكتورمجدي ، رد عليه الدكتور حمود قائلا : " لقد عثرت بين العينات التي التقتطها من الكهف العملاق الذي مررنا به ، على كميات كافية من عنصر يندمج فيه الكربون بالهايدروجين فيما يمكن أن نسميه خميرة البترول و ليس فيه أي اثر لكائنات عضوية ميتة أو بقايا كائنات عضوية ، و هو ما يؤكد فرضية أن البترول في حالة تكوين مستمر ، و ليس فقط نتيجة المواد العضوية المترسبة كما كان يُظن ، و عندما سنمر في طريق العودة من ذلك الكهف سألتقط عينات أخرى لمزيد من البحث॥ إنه لفتح علمي كبير أيها الأعزاء ! "و المركبة لا زالت تندفع من الأعماق نحو السطح ...و ما أن اجتازت فالق الأطلسي ، و بدأت الحفارة في تكسير الصخور الصلبة تمهيدا لبلوغ قاع المحيط ، حتى بدت من جديد و كأنها تدور في فراغ .-----------------------------------* نزار بهاء الدين الزين ، سوري مغترب ،عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب الموقع http://www.freearabi.com/
مدونة تشتمل على الآداب (قصص وخواطر وأشعار) والمقالات والدراسات في الإعلام وغير ذلك من زهور الكلام والأبحاث.
الثلاثاء، 29 يونيو 2010
رحلة إلى الأعماق -رواية من الخيال العلمي في حلقات بقلم:نزار ب. الزين
خمسة أصدقاء من بلاد عربية مختلفة ، جمعتهم الدراسة في إحدى الجامعات الأمريكية و السكن المشترك قريبا منها د।عبد الله من المغرب تخصص ألكترونيات و برمجة و هندسة الحاسوبد। هشام من سورية تخصص معادن و سبائك معدنية د। مجدي من مصر تخصص جيولوجيا و طبقات الأرض و علم الزلازل و البراكيند। حمود من الإمارات العربية المتحدة /أمارة دبي تخصص كيمياء ، فرع النفط و الصناعات النفطية د। رياض فلسطيني يعيش في الأردن تخصص ميكانيك و محركات ثقيلة ।لم تلههم المغريات الكثيرة من حولهم ، اللهم سوى حضور أفلام الخيال العلمي التي يشتركون جميعا بعشقها ، إضافة إلى زيارة المتاحف و مطالعة المجلات العلمية ؛ و قد أبدوا جميعا لفرط ذكائهم تفوقا في مجالات دراساتهم ، حتى أن الكثير من مؤسسات البحوث العلمية أو الشركات الأمريكية التخصصية عرضت عليهم وظائف مغرية ؛ إلا أنهم رفضوها جميعا لأنهم تعاهدوا أن يعودوا إلى وطنهم العربي للمساهمة في تطويره و تقدمه ।في سنة التحضير للدكتوراه ، و قبل أشهر من مناقشة أطروحاتهم ، عرض هشام على أصدقائه مشروعا مدهشا ، بدا لهم أول الأمر خياليا و مستحيل التنفيذ ، إلا أنه رويدا رويدا تمكن من إقناعهم به ، مقدما لهم البراهين على إمكانية تنفيذه إذا تضافرت جهودهم معا ، فتعهد حمود بتمويل المشروع ، ليس هذا و حسب ، بل تعهد لهم أيضا بتدبير وظائف لهم في دبي في شركة البناء التي يملكها والده كغطاء يمكنهم من الحصول على التأشيرات اللازمة لدخول الإمارات ।و طوال تلك الأشهر التي سبقت مناقشة أطروحاتهم ، لم يكن من حديث لخمستهم سوى المشروع الذي سيحدث ضجة عالمية من شأنها أن ترفع من مكانة العرب تجاه الشعوب الأخرى التي سبقتهم علميا و تقنيا بمراحل ، بعد أن كانوا رواد العلوم ذات يوم ।في مكان ناء من مدينة دبي بنوا مختبرهم الذي بدا ظاهريا كأنه مستودع بضائع .كان هدف الدكتور هشام السعي لتكوين سبيكة معدنية تحتمل الضغوط الهائلة و درجات الحرارة العالية .أما الدكتور رياض فكانت أمامه أصعب المهمات ، الأولى منها ابتكار محرك قوي قادر على دفع مركبة خلال طبقات الأرض ، أما الثانية فكانت العمل على تطوير حفارة حلزونية تثبت في مقدمة المركبة ، أما الثالثة فكانت ابتكار ذراع آلية لالتقاط العينات و فحصها ، و قد وظف حمود تحت إمرته عددا من الميكانيكيين المهرة لتحقيق مهمته الصعبة .أما الدكتور عبد الله فقد انشغل بابتكار برامج حاسوبية تساعده في عدة أغراض ، أولها تصميم المركبة المنشودة ، و ثانيها ربط المجسات و الرادارات و الكاميرات بجهاز حاسوبي واحد يمكن التحكم بها من خلاله ، و ثالثها مساعدة الدكتور حمود في ابحاثة ، فالدكتور حمود يأمل بإثبات فرضية حديثة عن تكوين البترول ، الفرضية تؤكد أن النفط غير قابل للنضوب لأن المواد الهيدروكربونية - و هي أساس تكوينه - في حالة تشكل مستمر نتيجة اتحاد الكربون مع الهيدروجين ( و هما مادتان موجودتان في الأعماق مثل وجودهما في الجو ) هذا الإتحاد يتم تحت درجة حرارة و ضغط هائلين في الطبقات العميقة لجوف الأرض ، لينساب – من ثم - نحو الأعلى ، مجدداً تعبئة الخزانات الطبيعية الموجودة أو تكوين خزانات غير معروفة و لم يتم اكتشافها بعد . و يقول الدكتور حمود إذا تمكن من إثبات هذه الفرضية يصبح بإمكان البشر تكوين حاجاتهم النفطية بمصانعهم ، و ستكون تلك خطوته التالية ، مما سيحدث ثورة في مجال الطاقة تفوق الثورتين الصناعية و الألكترونية معا .أما الدكتور مجدي فكان يبحث في صفائح القشرة الأرضية التي تقوم فوقها القارات و التي تعوم فوق طبقة من الصخور شبه المائعة فتسبب حركتها الدائبة التي تؤدي إلى حدوث الزلازل ؛ و ذلك سعيا وراء إيجاد الفالق الباطني المناسب الذي يمكِّن من النفاذ إلى الأعماق .و يؤكد الدكتور مجدي أن هناك فوالقا زلزالية و أنفاقا و كهوفا طبيعية في الأعماق كما في السطح و من الممكن عبورها بيسر إذا نجح زملاؤه بتصميم المركبة المنشودة ، و التي سوف يكون عليها اختراق عدة طبقات مختلفة التكوين قبل الوصول إلى طبقة المعادن المصهورة و هي بسامكة 2800 كيلومتر و بحرارة تقارب المائة درجة مئوية قرب السطح و 3500 درجة مئوية في أعمق نقطة .و بما أن جاذبية قلب الكرة الأرضية الصلب المكون من معدن الحديد – و هي جاذبية أقوى من جاذبيتها على السطح - فإن قوة الدفع المكتسبة من تلك الجاذبية سوف تمكن المركبة من الإتجاه بنفس السرعة نحو السطح ثانية و لكن نحو قارة أخرى من خلال فالق زلزالي آخر ، و قد لا تستغرق الرحلة – نظريا - إذا كانت مباشرة ، أكثر من ساعات معدودة ، و الحاسوب يشير إلى أن الإنتقال من غرب آسيا – مثلا -إلى شرق أمريكا قد لا يستغرق أكثر من أربع إلى خمس ساعات.بعد ثمانية عشر شهرا من العمل الشاق و إنفاق مبالغ كبيرة قدمها الدكتور حمود و والده بسخاء و بلا أدنى تردد ، اكتمل بناء المركبة التي صنعت من سبيكة معدنية ولَّفها الدكتور هشام ، يمكنها احتمال حرارة تقترب من 4000 آلاف درجة و ضغط عدة أطنان فوق السنتيمتر المربع الواحد ، و بطنت من الداخل بطبقتين من نوعين مختلفين من السيراميك و زودت بمحرك ديزل دافع بقوة تعادل قوة قاطرتي ديزل ، و بمحرك قوي آخر لحفارة حلزونية ثبتت في مقدمة المركبة مستخدمة شفرات شُحذت من نفس سبيكة الدكتور هشام المعدنية ، قادرة على اختراق أصلب الصخور و قذفها إلى ما وراء المركبة ، و بمحرك آخر لتشغيل الذراع الآلية ، و بمحرك رابع لتوليد الطاقة و تشغيل أجهزة التبريد و الأجهزة الكهربائية و الألكترونية الأخرى ، كما زودت بكاميرات ألكترونية خاصة تحتمل درجات الحرارة العالية ، تُمكِّن الباحثين في الداخل من رؤية ما يجري حولهم في الخارج بدل النوافذ ، و برادار قوي و مجسات حساسة لقياس المسافات و الأعماق و درجات الحرارة فوق هيكل المركبة من الخارج ، و أخرى للتعرف على الإتجاهات ؛ و بجهاز إتصال يصلح للإتصال في جميع الظروف .و اقتضت الخطة أن تكون أول رحلة تجريبية و مباشرة ، على أن تكون رحلة العودة رحلة إستكشافية تخصصية ، تليها رحلات .و ستغوص المركبة في الخليج العربي ثم تتجه جنوبا إلى بحر العرب ثم غربا نحو شرق أفريقيا و من هناك سيتم إختراق فالق البحر الأحمر . أما لماذا اختاروا أن تبدأ رحلتهم من أعماق البحر فالدكتور عبد الله يجيب على هذا السؤال قائلا : " أن القشرة الأرضية تقل سماكتها في أعماق البحر فهي بين – 60إلى70 كيلومتر- مما يوفر الجهد و الوقت ." و من ثم سوف تغوص المركبة في الأعماق مندفعة نحو قلب الكرة الأرضية الصلب ، ثم تنزلق قبيل بلوغه في اتجاه الصعود لتبلغ فالق المحيط الأطلسي - تماما كما تفعل سفن الفضاء التي تستفيد من جاذبية أحد الكواكب لتنزلق قريبا منه باتجاه كوكب آخر مستفيدة من قوة الدفع التي اكتسبتها من جاذبيته - و لعلها تتجه من هناك إلى إحدى دول أمريكا اللاتينية ، و الأرجح أنها ستكون الجزيرة الكوبية أو أيا من جزر الكاريبي ، و لذا فقد حصلوا على التأشيرات اللازمة من سفارات تلك الدول معلنين لها أن زيارتهم ستكون عبر سفينة أبحاث أسموها : << دبي 1 >>.و في اليوم الموعود ، اتجهت المركبة فوق شاحنة مغطاة إلى منطقة معزولة بين أمارتي عجمان و رأس الخيمة ، و ما أن أُنزلت المركبة على شاطئ الخليج حتى دنت منها سيارة فارهة يعقبها سيارة حماية ، ثم ترجل منها مسؤول رفيع المستوى و برفقته والد الدكتور حمود ، جاءا خصيصا لوداع و تشجيع زمرة العلماء العرب الذين سيخوضون أكبر مغامرة إستكشافية في التاريخ ؛ و قد حرص الجميع أن تكون المغامرة بعيدا عن أية ضجة إعلامية ، خشية الصدمة الكبرى و الإحباط الشديد إذا باءت الرحلة بالفشل .عندما غاصت المركبة في الخليج كانت قلوب خمستهم واجفة خشية أن يكونوا قد ارتكبوا غلطة فنية ما ، و لكن لسعادتهم البالغة سار كل شيء على ما يرام ، المحرك الدافع قادهم نحو شرق أفريقية خلال 15 دقيقة فقط ( أي اسرع من اية غواصة ) ، و هناك بدأ الدكتور عبد الله و الدكتور مجدي يبحثان من خلال شاشتي الحاسوب عن فالق البحر الأحمر ، و ما لبث الدكتور مجدي أن صاح صيحة ( أرخميدس ) : وجدته !... وجدته !... ؛ ثم ما لبث الإثنان أن بدءا بالبحث عن الثغرة المناسبة للعبور منها إلى أعماق الأرض ، فوجداها بعد دقائق قرب خليج السويس ، و بدأ من ثم الإختراق ॥كانت الحفارة الحلزونية تعمل بشكل رائع لشق الصخور و الكتل الطينية بينما يدفعها إلى الأمام المحرك الخلفي بسرعة أكبر من سرعة طائرة نفاثة أو صاروخية ، فكانت سعادة خمستهم لا توصف لمدى النجاح الذي حققوه حتى الآن .كان اتجاههم نحو الشمال الغربي بشكل مائل تحت القارة الأفريقية وعند بلوغهم عمق خمسين كيلومتر ، أحسوا أن الحفارة الحلزونية تدور في فراغ ، رصدوا ما حولهم بقلق بالغ ، فتبين لهم أنهم داخل كهف عملاق يتجه بهم نزولا بخط مائل ، فسارت بهم المركبة خلاله بيسر دونما حاجة إليها॥و قد امتد الكهف – من ثم - أكثر من مائتي كيلومتر فكان تارة يضيق إلى بضعة أمتار و تارة يتسع إلى مئات الأمتار ، أما الإرتفاع فيتراوح بين أمتار قليلة و عشرات الأمتار . ثم بلغوا نهاية الكهف فبدأ الإختراق من جديد ॥بدأت الحفارة الآن تعمل بشكل أيسر فقد بلغوا طبقة أقل كثافة مكونة من الصخور الحارة شبه المائعة و التي – كما سبق أن أفادهم الدكتور مجدي – تطفو فوقها صفائح القشرة الأرضية و التي تسبب حركتها الدائمة .أما الدكتور عبد الله فقد أخبرهم أن الحرارة خارج المركبة بلغت الآن مئتي درجة مائوية .و المركبة لا زالت مندفعة نحو الأعماق ...قال الدكتور مجدي : "نحن الآن في عمق ألف خمسمائة كيلومتر ॥"قال الدكتور عبد الله : " الحرارة خارج المركبة تبلغ الآن خمسمائة درجة مئوية ..."و المركبة لا زالت مندفعة نحو الأعماق ..." نحن الآن على عمق ثلاثة آلاف كيلومتر" ، قال الدكتور عبد الله ؛" و بدأنا نخترق المائع الناري " ، قال الدكتور مجدي ؛" و بدأت الجاذبية تتزايد وتيرتها بشكل متسارع ، اربطوا الأحزمة جيدا و اتخذوا وضع الإستلقاءعلى ظهوركم " ، قال الدكتور رياض الذي يتولى قيادة المركبة .و المركبة لا زالت مندفعة نحو الأعماق بوتيرة متسارعة..." بدأنا الآن بالإتجاه المعاكس " ، قال الدكتور رياض ، و قد خرجت الكلمات من فمه بطيئة و بصوت خافت بسبب الضغط الكبير الواقع على صدره و بطنه ؛إنه ضغط السرعة الخيالية التي اكتسبوها من جاذبية قلب الكرة الأرضية المعدني .و المركبة بدأت تندفع من الأعماق نحو السطح ..." نحن الآن تحت المحيط الأطلسي ، في وسطه تقريبا ، و الرحلة تسير من نجاح إلى نجاح " ، قال الدكتور عبد الله ، عندما بدأ الضغط الكبير يزول تدريجيا عن جسده ، و بدأ يتابع جهاز الحاسوب بدون صعوبة॥و المركبة لا زالت تندفع من الأعماق نحو السطح ॥" سنخترق فالق الأطلسي وشيكا " ، قال الدكتورمجدي ، رد عليه الدكتور حمود قائلا : " لقد عثرت بين العينات التي التقتطها من الكهف العملاق الذي مررنا به ، على كميات كافية من عنصر يندمج فيه الكربون بالهايدروجين فيما يمكن أن نسميه خميرة البترول و ليس فيه أي اثر لكائنات عضوية ميتة أو بقايا كائنات عضوية ، و هو ما يؤكد فرضية أن البترول في حالة تكوين مستمر ، و ليس فقط نتيجة المواد العضوية المترسبة كما كان يُظن ، و عندما سنمر في طريق العودة من ذلك الكهف سألتقط عينات أخرى لمزيد من البحث॥ إنه لفتح علمي كبير أيها الأعزاء ! "و المركبة لا زالت تندفع من الأعماق نحو السطح ...و ما أن اجتازت فالق الأطلسي ، و بدأت الحفارة في تكسير الصخور الصلبة تمهيدا لبلوغ قاع المحيط ، حتى بدت من جديد و كأنها تدور في فراغ .-----------------------------------* نزار بهاء الدين الزين ، سوري مغترب ،عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب الموقع http://www.freearabi.com/
رحلة إلى الأعماق / الجزئين الثاني والثالث ،،بقلم الأديب الصديق نزار ب.الزين

رحلة إلى الأعماقرواية من الخيال العلمينزار ب. الزين*الفصل الثانيلم يطل قلقهم طويلا " أنه مدخل كهف عملاق آخر !" صاح الدكتور مجدي فرحا!" شيء لا يصدق يا إخوان ، المجسات تؤكد أن حرارة الكهف لا تزيد عن 40 درجة مئوية ، و الهواء فيه مليء بالأكسيجين " أضاف الدكتور عبد الله ...فرد الدكتور مجدي : " أمر غريب نحن على عمق خمسين كيلومترا تحت سطح المحيط الأطلسي ، و الأكسيجين متوفر ؟؟!! ذلك سيقلب جميع معارفنا الإنسانية رأسا على عقب ، هذا يعني أن الكهف صالح للحياة ، دعونا نتجول قليلا فيه و نريح أقدامنا المتعبة ، و ما يدرينا فقد نعثر على مخلوقات من نوع ما ! "فأجابه الدكتور حمود : " قد تكون تلك المخلوقات من فئة الداينصورات ، فعلينا أن نكون متيقظين و ألا نبتعد عن المركبة !"و ما أن هبطوا من المركبة حتى لجمت ألسنتهم مفاجأة لم تخطر على بالهم ، كان الكهف مضاءاً بإنارة لم يتمكنوا من معرفة مصدرها و مزدانا بعشرات اللوحات الفسيفسائية تفصل بينها أعمدة رخامية تتصل في أعلاها بأقواس تشبه أقواس قصر الحمراء في غرناطة الأندلس ، أما أرض الكهف فقد رصفت بالحجارة المنحوتة ..تساءل الدكتور هشام مشدوها : " هل من المعقول أن نكون أمام مدينة ما أو جزيرة ، غاصت نتيجة زلزال ، و بقيت مبانيها على حالها على هذا النحو ؟ ما رايك يا دكتور مجدي ، هل يمكن علميا أن يقع مثل هذا الأمر البعيد عن كل معارفنا ؟ أفدني يا دكتور مجدي ، هل سمعت أو قرأت عن مثل هذه المعجزة التي نراها ؟ "أجابه الدكتور مجدي و هو لا يقل شعورا بالذهول عن زملائه : " قد يحدث أن تغوص مدن أو جزر و لكنها تبقى في قاع البحر و لكن ليس تحت خمسين كيلومترا من قاعه ؛ لقد تم اكتشاف بقايا الإسكندرية القديمة قرب سواحلها و لكنها كانت خرائب ، و ادعى روبرت سارماست و هو عالم أمريكي مؤخرا أنه اكتشف خرائب جزيرة أطلنتس التي تحدث عنها أفلاطون ، و لكنه قال أنها مجرد آثار مدينة و ليست مدينة سليمة ..."ما أن أكمل الدكتور مجدي جملته ، حتى سمعوا جميعا صوتا أرعبهم : " أنتم الآن في أتلنتيا " ثم اضاف : " أتلننتيا و ليس أتلنتس ، و شعبها يرحب بكم ، تقدموا بمركبتكم خمسمائة متر و ستروننا في استقبالكم ! " .نظروا إلى بعضهم بعضا و قد عقدت الدهشة ألسنتهم ، ثم قال الدكتور حمود لزملائه : " هيا مِمَّ نخاف ؟ الصوت بدا آدميا و ودودا ، و بالتأكيد نحن لا نحلم ! "أجابه الدكتور هشام و قد ارتعش صوته لرهبة الموقف : " يا إخوان نحن نعيش الآن معجزة حقيقية ! "هبطوا من المركبة ثانية ، عندما وجدوا أنفسهم أمام بوابة ضخمة ، ما لبثوا أن سمعوا صوتها و هي تفتح ببطء ، ثم بدؤوا يلمحون بشرا حقيقيين ، نساء و رجالا ، في غاية الجمال ؛ طول فارع يعادل 150% من الطول المتوسط للبشر ، شعر يميل إلى الحمرة ، عيون واسعة عسلية اللون ، ، الرجال منهم يرتدون ثيابا بيضاء مكونة من قطعتين ، سروال قصير و قميص ( نصف كم ) مزين بزخارف هندسية يتوسط ، بينهما حزام جلدي مزخرف ، و في أقدامهم نعالا خفيفة ترتفع إلى ما فوق الكاحل ، مزينة بزخارف شبيهة بزخارف الحزام ، أما النساء فقد ارتدين ملابس زاهية الألوان بلا أكمام ، و طويلة تكاد تلامس الأرض ، و قد زينوا صدورهن بعقود اللؤلؤ و المرجان.تقدم منهم ما بدا أنه كبير القوم ثم ما لبث أن قال لهم من خلال جهاز بدا و كأنه جهاز للترجمة الفورية : " مرحبا بكم ، هذه هي المرة الأولى التي يشرفنا فيها بالزيارة سكان من سطح الأرض ، و لا بد أنكم تملكون تقنية عالية الكفاءة مكنتكم من الوصول إلى أطلنتيا ." تقدم الدكتور حمود - و قد استطاع التغلب على دهشته الشديدة – تقدم منه ، ثم مد يده راغبا في مصافحته ، و بعد تردد منه مد الآخر يده ثم تشابك مع حمود بمصافحة حارة و هو يضحك ، ثم ما لبث أن شده نحوه معانقا ، و تنكرر ذلك مع بقية رفاقه ؛ ثم بدأ الدكتور حمود يعرفه بأصدقائه العلماء و بتخصصاتهم ؛ في حين كانت الحشود من حولهم تردد ما يشبه الأهازيج الترحيبية ، و قد تزينت وجوههم جميعا بابتسامات عريضة ملوحين بايديهم مرحبين.سار بهم كبير القوم مسافة بسيطة ثم تقدمهم صاعدا درجات مايشبه أهرامات ( المايا ) و لكنها مبنية من الرخام ، ثم ولجوا جميعا إلى قاعة كبرى التف حولها مدرج جلس عليه عشرات من النساء و الرجال ممن بدوا أنهم وجهاء القوم ، عرَّف بهم مضيفهم على أنهم نواب شعب أتلنتيا ، فقوبل الدكتور حمود و صحبه بتلويح الأيادي و صيحات الترحيب .بعد أن رحب بهم رئيس المجلس ، توجه بهم مضيفهم إلى قاعة مجاورة التف حول مائدة بيضاوية الشكل مصنوعة من من الرخام النفيس ، عشر نساء و أربعة رجال ، عرفهم مضيفهم على أنهم وزراء أتلنتيا و أنه شخصيا رئيسهم . ما أن جلس الضيوف حتى انهالت عليهم الأسئلة ؛ كيف وصلوا و كيف تمكنوا من اختراق المحيط ، و من أي منطقة في العالم جاؤوا و ماهو هدفهم ، كان كل منهم يجيب على أحد الجوانب ، فقد أوضح لهم الدكتور مجدي أن مجموعتهم علمية بحتة ، و أنها لم تكن تفكر إطلاقا بالبحث عن حضارة أتلنتنيا أو آثارها ، و أنهم إنما بلغوها بمحض المصادفة ؛ ثم شرح لهم هدف المجموعة و هو إثبات إمكانية اختراق باطن الكرة الأرضية بسرعة قياسية إذا توفرت المركبة المناسبة ، و أنهم قدموا من البلاد العربية و تحديدا من الإمارات العربية المتحدة و من أمارة دبي تحديدا ، و يهدفون إلى بلوغ أمريكا الوسطى ، و على الأرجح بلوغ إحدى جزر الكاريبي ، و بسرعة قياسية تتجاوز سرعة أية وسيلة ابتكرها البشر حتى الآن ، فنحن قضينا حتى الآن ثلاث ساعات و عشرين دقيقة و هدفنا أن نبلغ إحدى جزر الكاريبي ، في زمن يتراوح بين أربع إلى خمس ساعات .ثم تناول الدكتور عبد الله الحديث مبينا لهم أنهم لهذا السبب لن يتمكنوا من المكوث أكثر من بضعة دقائق أخرى و إلا فشلوا في تحقيق هدفهم .ابتسم أحد الوزراء قبل أن يجيبه من خلال جهاز ترجمته ، الذي يستعمل كل منهم مثيله : " أنتم ضيوفنا و لن نتخلى عنكم بالسهولة التي تظنون .!.."ثم أضافت وزيرة أخرى : " في الحقيقة ، بلدنا ينقصه الذكور ، و عدد سكاننا في تناقص ، فنحن نرحب بكل ذكر يحضر لزيارتنا ، لقد بلغت نسبة الإناث 76% من مجموع السكان ، و هذا يهدد شعبنا العظيم بالانقراض ."ثم تصدت وزيرة أخرى للحديث ، فقالت : " علامَ عودتكم إلى السطح ؟ و شعوبه لم يتمكنوا حتى الآن من التغلب على حيوانيتهم ، شعوب لا زالت متناحرة متنافسة متحاربة ، شعوب تملك من وسائل التدمير أكثر مما تملكه من وسائل التعمير ! "أجابهم الدكتور هشام : " لهذا السبب اتحدنا نحن الخمسة ، و هدفنا الإسهام في تطوير العلوم و المعارف البشرية ، لكي يصبح للناس جميعا مصادر رخيصة للطاقة ، مصادر جديدة للمياه العذبة ، مصادر جديدة للمعادن ، لنحقق في النهاية ما يكفي كل البشر من الغذاء و الكساء و البيوت المريحة و المواصلات السهلة ، و نعتقد أنه إذا تحقق كل ذلك فإن الصراعات سوف تنتهي و أن العدالة سوف تسود ؛ أما إن بقينا في ضيافتكم - كما تطلبون – فإن كل جهودنا ستذهب أدراج الرياح "ثم أضاف الدكتور حمود قائلا : " لا تنسوا يا أيها المحترمون أن لدينا أهلا و أصدقاء في انتظارنا على أحر من الجمر ، فإذا بقينا في ضيافتكم – كما تقترحون - فسيظنون أننا قُتلنا ، و أن رحلتنا فشلت ؛ و سنسبب لهم خيبة أمل رهيبة و حزنا كبيرا ! "صمت الجميع و كأن على رؤوسهم الطير ، ثم ما لبث رئيس الوزراء أن قال لهم : " لقد اقتنعت بما تقولون و بأنكم بشر طيبون و أن أهدافكم نبيلة ، و لكنني أطلب منكم أمرين ، أولهما أن تدخلوا غرفة التاريخ لتتعرفوا على حضارتنا و علومنا و مقومات وجودنا لكي تتخلصوا من كل ما لُفِّق عنا من أقاويل ملأت كتب تاريخكم ، و ثانيهما أن تتعهدوا بعدم ذكر أي شيء عن وجودنا و مكاننا لأي إنسان على سطح البسيطة ، و إلا عرضتمونا لخطر فادح ، فهناك دول قوية و عدوانية فوق السطح ، قد تتمكن من الوصول إلينا و إيذائنا و تدمير حضارتنا المعمرة ، و التي بلغت خمسة آلاف سنة ، نعم خمسة آلاف سنة بدون حروب أو أي نوع من الصراعات ، نحن لا نحتاج للشرطة أو الجيش ، و لم يسبق أن تشاجر منا اثنان ، و حكومتنا التي ترون هي حكومة علماء و حكماء ، فإذا بحتم بسرنا فربما تكونون السبب في القضاء علينا ."أجابه الدكتور حمود : " أعاهدك باسمي و بإسم إخواني بأن نَكْتم سركم ، و بأنكم بالتأكيد لن تسمعوا عن لساننا كلمة واحدة ، و لكن ليس لدينا وقت أكثر للاطلاع على ما تحويه غرفة التاريخ ؛ رجائي – و قد اقتربنا من النجاح – أن يحدثنا أحدكم بموجز عن تاريخ أتلنتيا و نحن في طريقنا إلى مركبتنا ."في الطريق إلى المركبة و في وسط حشود شدها الفضول لمشاهدتهم ، كانت إحدى الوزيرات التي كلفت بمرافقة الضيوف العلماء ، كانت تحدثهم عن تاريخ أتلنتيا ، فقالت : " كنا نعيش في وسط المحيط الأطلسي و أقرب إلى الأمريكتين ، و كانت لنا علاقات تجارية مع مصر الفراعنة و بلاد الإغريق في الشرق ، و مع سكان المايا بعد ذلك في الغرب ، و كنا نحن وسطاء تجاريين بين هؤلاء و اؤلئك ، و قد حاولنا إقامة علاقات ودية مع الجميع و لكنهم أخذوا يقابلوننا بالعدوان ، ففي أواخر علاقاتنا بهم ، كانوا قراصنتهم يعتدون على سفننا التجارية و ينهبون ما فيها من بضائع ، ثم قَدِم إلينا الإغريقيون فوق سفنهم الحربية هادفين غزونا ، فأحرقناها عن آخرها باستخدام الليزر الذي لم يكونوا يعرفونه ، و الذي عرفتموه أنتم حديثا.أما سكان المايا فكانوا أكثر توحشا ، رغم كل مظاهر التقدم التي كانوا عليها ، كانت لهم أبجديتهم الهيروغليفية و كانت لهم أهراماتهم التي اقتبسوها من أهرامات المصريين مع بعض التغيير ، كان سكان المايا بعرفون الأرقام و الحساب ، و كان لديهم إلمام بعلم الفلك ، و لكنهم كانوا دمويين ، فبينما كانت أهرامات المصريين القدماء مقابرا لملوكهم ، فإن أهرامات المايا كانت تستخدم لنحر الضحايا الأدميين ، أما أهرامتنا التي اقتبسها الطرفان منا فكانت مخصصة للبحوث العلمية ، أعود إلى المايا فقد كان كهنتهم يقيمون كل فترة احتفالات ينتقون خلالها أجمل الشبان أو الفتيات ، فيذبحونهم ذبح النعاج ، ثم ينتزعون قلوبهم و يقدمونها قرابين لإرضاء آلهتهم كما كانوا يزعمون ، و كانوا يخوضون على الدوام حروبا شرسة فيما بينهم أو مع جيرانهم ، و الحقيقة كنا نتوقع انهيار حضارتهم السريع كما حدث بالفعل .و عندما اكتشف علماؤنا ، أن هناك بوادر حدوث زلزال كبير قد يغير خارطة الكرة الأرضية ، صنعوا فوق جزيرتنا قبة هائلة الحجم من لدينة قوية ، و قد شارك جميع السكان متعاونين في تدعيم البيوت و تقوية أساسات المباني العامة و أهرامات البحث العلمي ؛ ثم جهز علماؤنا الجزيرة أيضا ، بمولدات الطاقة التي ستستفيد من حرارة الأعماق ، لغرض الإنارة و استخلاص الأكسيجين و الماء العذب و الغذاء من مياه المحيط ، إضافة إلى تعديل حرارة الجو ؛ و انتظروا - من ثم - اللحظة الحاسمة ."ثم أضافت بعد أن التقطت أنفاسها : " و حدث الزلزال الكبير و ابتدأت جزيرتنا تغوص في ماء المحيط بهدوء و كأنها فوق مصعد أحد الأبنية ، حتى بلغت القاع ، و بدون إلحاق الأذى إلا بالقليل القليل من الأبنية التي لا زالت في قاع المحيط حتى اليوم ، أما بالنسبة للأفراد فكان هناك عدد من الجرحى فقط ؛ و حدثت هذه الضرار البسيطة عندما استقرت جزيرتنا في قاع المحيط . ثم ما أن استقر الوضع حتى ابتدأ الحفر نحو هذا الكهف الذي كان علماؤنا قد اكتشفوه قبلا ، و الذي أصبح مدينتنا المزدهرة كما ترون ، أما القبة فقد تآكلت بالتدريج بتاثير ماء المحيط المالح ، ثم أخذت الرمال تغطي ما تركناه من مبان . "كانوا قد وصلوا إلى مركبتهم عندما قالت لهم مرشدتهم : " لا حاجة لكم للرجوع إلى أول الكهف ، فلدينا منفذ يؤدي بكم إلى قاع المحيط مباشرة ، تستخدمه مركباتنا الفضائية التي تطلقون عليها اسم الأطباق الطائرة أو ظاهرة الأجسام المجهولة ، نعم أيها السادة إن حضارتنا كانت متقدمة منذ خمسة آلاف سنة على الأقل و لم تقف عجلة تقدمنا لحظة واحدة ، فقد تمكنا مثلا و منذ البداية ، من اكتشاف وسيلة تلغي حاذبية الكرة الأرضية أو أي الكواكب الأخرى ، مما يَسَّر تنقلنا بين النجوم و الكواكب! "تساءل الدكتور هشام متعجبا : " إذاً أنتم الذين دوختم العالم بأطباقكم مجهولة الهوية ؟! قال بعض البحارة أنهم شاهدوها تخرج من المحيط و لكن أحدا لم يصدقهم .. ! "ضحكت المرشدة و هي تجيبه : " نحن من كنا نجوب بلادكم مستكشفين مدى تقدمها ، و مدى اقترابها من السلام الشامل الذي سبقناكم إليه منذ قرون، و أحيانا نختطف منكم بعض ذكوركم فيقيمون بيننا ضيوفا معززين مكرمين ، فكما أفادكم رئيس وزرائنا ، نحن نعاني من نقص حاد بالذكور ، و لهذا السبب قمنا باختطاف بعض طياريكم ، أو ركاب سفنكم ، أو مزارعيكم ، دون أن نسبب لهم أي أذى ، و قد عاشوا بيننا سعداء في غاية الرضا ، و منهم من لا يزال بيننا حتى اليوم ، لأننا تمكنا أيضا من إطالة أعمار البشر !" .سألهها الدكتور حمود : " لديكم كل هذه التقنية و لا زلتم عاجزين عن حل مشكلة النقص الحاد في عدد ذكوركم ؟ " ابتسمت مرافقتهم و هي تجيبه :" بعد بحوث علمية و تجارب كثيرة تبين استحالة التلقيح الصناعي بسبب لا زلنا نجهله ، و إن كنا نعتقد أن للجاذبية الكبيرة التي نعايشها في هذا العمق دورا في هذه المشكلة ، و هو السبب نفسه الذي جعلنا أطول من البشر فوق السطح ، أي بالإختصار فإن بعض التغييرات البيوفسيولوجية طرأت على كينونتنا منذ هبطنا هذا الكهف الذي جددنا فيه حضارتنا ."سألها الدكتور عبد الله : " كما فهمت منك ، فإنكم جُلْتم في الفضاء الخارجي أيضا ، فهل اكتشفتم حياة في أي كوكب غير كوكبنا الأرض؟! "أجابته واثقة مما تقول : " لقد جبنا كل مجرتنا ( درب اللبانة أو التبانة ) من أقصاها إلى أقصاها ، و هي التي تضم ما يزيد عن 200 مليار نجم , و التي يزيد قطرها على 100 ألف سنة ضوئية ؛ ذلك أن علماءنا اكتشفوا خطوطا للجاذبية تمر بين النجوم ، و تسمح بالإنطلاق بسرعات تفوق أضعاف سرعة الضوء ، و النتيجة أننا لم نعثر فيها على كوكب واحد صالح للحياة كما كنا نأمل .سالها الدكتور رياض مستغربا : " طالما أنكم تعيشون هذه الحضارة المتقدمة و تنعمون بالسلام الشامل ، و بالاستقرار الإقتصادي و السياسي و الإجتماعي ، فما هو دافعكم لاكتشاف الفضاء؟"أجابته بعد فترة صمت : " سؤالك في محله ، السبب أنتم ، أنتم من دفعنا لبذل هذه الجهود الجبارة و التكاليف الباهظة ؛ فبعد إلقاء قنبلتي هيروشيما و ناغازاكي النوويتين ، و ما تبعهما من تجارب نووية ، شعرنا أن الكرة الأرضية باتت تحت خطر الفناء ، فقد تنحرف عن مسارها بسبب ردات الفعل العكسية ، و قد يتلوث جوها كله بالإشعاعات النووية ؛ و لهذا السبب كثفنا بحوثنا في الفضاء على أمل العثور على كوكب ملائم نهاجر إليه ، هناك كواكب كثيرة صالحة للحياة ، و فيها مخلوقات بعضها أرقى من البشر و بعضها أقرب إلى الحيوانات ، و لكن لم نجد شبيها لكوكب الرض .إن البشر منذ تواجدوا فوق هذا الكوكب ، و هم يتخيلون الفردوس ؛ الفردوس يا سادة بين أيديكم ، الفردوس هنا في كوكب الأرض لو أحسنتم رعايته و تعلمتم أخلاق التعايش فيه ، كوكبنا لا مثيل له في كل مجرتنا المحتوية على ملايين النجوم و الكواكب ، لا مثيل لمناخه ، لتنوع مخلوقاته من حيوان أو نبات ، لألوان أزهاره و أطياره و فراشاته و أسماكه ، لمناظر جباله و بحاره و أنهاره و بحيراته الخلابة ، لخيراته الوفيرة ؛ و لكن ناسَكم للأسف لا يدركون ذلك و لا يقدرونه ، بل يسعون لتدميره بالتلوث البيئي و الأخلاقي معا ، من تعصب عنصري إلى استعباد قويِّكم لضعيفكم ، إلى حروبكم المدمرة التي تشعلونها لأتفه الأسباب ، و التي لا تخلف إلا الخراب و اليباب و القتلى و المشوهين و المقعدين ! " سألها الدكتور حمود : " و ماذا عن المجرات الأخرى ؟"فأجابته:" المجرات الأخرى تبعد ألاف و بعضها ملايين السنين الضوئية و أقرب مجرة إلينا هي مجرة المرأة المتسلسلة التي تبعد عن مجرتنا مليونين و نصف المليون من السنين الضوئية ، و ليس في وسع تقنيتنا بلوغ أيا منها حتى الآن . " ثم أضافت : " سأصعد معكم لأدلكم على المنفذ ."عندما بلغوا النهاية لاحظوا وجود عدد كبير من الأطباق الطائرة بأحجام مختلفة بعضها بقياس سيارة صغيرة و بعضها الآخر أكبر من باخرة ، عدد منها على شكل أقراص و مجموعة أخرى في أشكال كروية و مجموعة ثالثة في أشكال أسطوانية .قالت لهم مرافقتهم : "عندما نفتح البوابة التي تقابلكم ادخلوا فيها بمركبتكم ، ثم سنغلقها من خلفكم ؛ ستمتلئ الغرفة بالماء قبل أن نفتح البوابة العلوية ، عندئذ سوف يكون بوسعكم الإندفاع إلى أعلى لمسافة تزيد قليلا عن خمسين كيلومترا و بعدها ستبلغون قاع المحيط في منطقة مثلث برمودا . "ثم ودعتهم بحرارة و هي تذكرهم بوعدهم – بلهجة مفعمة بالرجاء - ألا يتحدثوا عن وجود أتلنتيا مع أي كان حتى مع أقرب المقربين .شَغَّل الدكتور عبد الله جهاز الاتصال و لفرحته تجاوّبَ في الحال ، نادي الدكتور حمود قائلا : " هيا اتصل بالوالد و طمئنه أننا اقتربنا من الهدف و أننا سنكون في سواحل جزيرة كوبا خلال عشر دقائق "- ألو .. آلو ... مرحبا ( يوبا ) أنا حمود ... أنا حمود هل تسمعني ؟يجيبه صوت مختلط ببعض التشويش := هَلا ( بِولْدي الحبيب ) لقد تأخرتم أكثر من ساعتين عن موعدكم المقدر ، و بدأنا نقلق عليكم ! ..و لكن أين أنتم الآن ؟- نحن قريبون جدا من جزيرة كوبا ( يوبا ) ، بلغ سفير الأمارات هناك ، بقرب وصولنا ( طال عمرك ) .يصيح والد حمود := إحذروا من الإقتراب من (غوانتنامو) يا حمود يا ( وِلْدي )...أكرر ، إحذروا ..إحذروا...لا تقتربوا من ( غوانتنامو ) !- عبد الله .. عبد الله .. إصحَ من نومك يا ( خوي ) ، كف عن الصراخ ، فأنت تحلم !يلتفت نحو مجدي الجالس بجواره ، قائلا :- يبدو أن عبد الله تعرض لكابوس اسمه ( غوانتنامو ) !!!يفتح عبد الله عينيه بصعوبة ، يتلفت حوله ، ثم يغرق بالضحك و هو يجيبهما بكلمات قطعتها قهقهته := بل كنت أحلم بأتلنتيا و بمدينة أفلاطون الفاضلة !
رحلة إلى الأعماقرواية من الخيال العلمينزار ب। الزين*الفصل الثالثيجيبهم رياض مستغربا :- علام تضحكون ؟؟؟ ربما كان عبد الله يحلم بمدينة أفلاطون الفاضلة و بجمهورية أتلنتس الأسطورية ، و لكنه لا يحلم بغوانتانامو فنحن نمر قربها الآن ، و على بعد بضع دقائق من هافانا عاصمة كوبا ، إننا فوق سطح المحيط الأطلسي يا إخوان !يتحرك عبد الله نحو أجهزته الألكترونية ، ينظر إلى الخارطة المنقولة عبرالأقمار الصناعية ، يصيح :- نحن بالفعل قريبون من ( هافانا ) ، لقد نجحنا يا إخواني ... نجحنا ॥ نجحنا ..!و أخذوا يهنئون بعضهم بعضا و يتبادلون العناق و القبل .*****يخاطب حمود والده فرحا :- ( يوبا ) نحن قريبون جدا من هافانا ، عدة دقائق و نكون في مينائها ، هل أبلغت سفيرنا بقرب وصولنا ؟يجيبه والده فرحا :- إنه في عرض البحر في انتظاركم مع مسؤول كوبي كبير ..يصيح عبد الله فجأة :- الله و أكبر ... أعداد كبيرة من المراكب و السفن مزدانة بالأعلام الكوبية و العربية ، تتجه نحونا ، سيكون استقبالنا حافلا ، يا إخوان ، جهزوا أنفسكم لهذا الحدث العظيم ، رتبوا ملابسكم ، اعتنوا بمظهركم ، ربما هناك – أيضاً - صحفيون و تلفزة ..يفتح رياض الفوهة العلوية للمركبة ، ثم يباشر رفاقه بالخروج منها الواحد إثر الآخر .بدؤوا – من ثم – يلوحون للمراكب الآتية نحوهم ، و إن هي إلا بضع دقائق ٍ، حتى اقترب منهم ( يخت ) ناصع البياض، كاد يلامس مركبتهم ، و مالبث أن ظهر في مقدمته رجلان بالملابس العربية الخليجية و إلى جانبهما ضابط بحرية بدا أنه أدميرال البحرية الكوبية ، لكثرة الأوسمة التي يزين بها صدره ، و خلفهما اصطفت ثلة من الجنود البحارة .يلكز عبد الله صديقه الدكتور هشام ، و يهمس في أذنه :- إنظر إلى الأعلى ياأخي ، هناك قليلا إلى الشمال ؛ ينظر هشام إلى حيث أشار صديقه ، ثم يجيبه مندهشا :- حتما إنه صحن طائر !!!!*****في صباح اليوم التالي ، كان موعدهم مع الصحافة في بهو الفندق الكبير ؛ كانت المفاجأة الأولى وجود والد حمود إلى جانب السفير الأماراتي ، و لفيف من أركان السفارات العربية الأخرى .كان اللقاء حميما و التهاني تزفهم فردا فردا و التصفيق يصم الآذان.ثم جلسوا على المنصة ... *****افتتح وزير العلوم الكوبي المؤتمر الصحافي ، مشيدا بهذا الإنجاز غير المسبوق ، ثم تلاه السفير الأماراتي ، منوها بالإسهامات الكبيرة للعلماء العرب عبر التاريخ في مجالات الرياضيات و الفيزياء و الكيمياء ، و حتى الطيران ، فقد ثبت أن عباس بن فرناس و هو من الأندلس ، أول من حاول الطيران في التاريخ ؛ مؤكدا أن زمرة العلماء العرب الشبان- الذين ترونهم الآن - بدؤوا باسئناف المسيرة العلمية العربية .و انهالت من ثم اسئلة الصحافيين : السؤال الأول : = كيف تمكنتم من اختراق باطن الأرض مع أننا نعلم أن الحرارة قد تصل إلى درجة 2000 درجة مئوية أو أكثر ، و أن الضغط قد يصل إلى طن فوق البوصة الواحدة أو أكثر .أجابه الدكتور عبد الله :- لقد دخلنا فعلا في حرارات تتراوح 500 و 2000 درجة مئوية ، و تحملت مركبتنا ضغوطا أعلى من طن على ميلمتر مربع ؛ و يعود الفضل بهذا الإنجاز الكبير إلى الدكتور هشام ، تفضل يا دكتور .يتناول الدكتور هشام مجسم الصوت ( المايكروفون ) و يجيب الصحافي السائل :- لقد تمكنتُ مع فريق من التقنيين ، من توليف سبيكة مقاومة للحرارات العالية ، كما أننا اختبرنا عدة هياكل مقاومة للضغط الهائل الذي من المحتمل أن تتعرض له المركبة ، إلى أن توصلنا إلى الهيكل المناسب ، و قد نجحت مركبتنا باختراق درجات حرارة باطن الكرة الأرضية العالية كما تحملت أثقل الضغوط ؛ بنجاح تام و بدون أية صعوبة تذكر .عقب صحافي آخر := هذا يعني أن هذه السبيكة يمكن أن تدخل في صناعة مركبات الفضاء ، أليس كذلك ؟ - بالتأكيد ! و يعني أيضا ، أننا يمكن بمركبة كهذه زيارة كوكب الزهرة ( فينوس ) توأم الأرض ، على سبيل المثال ، و التجول فوق سطحه بيسر، حيث تصل درجات الحرارة هناك إلى 450 درجة مئوية أو أكثر ، بينما بلغنا بمركبتنا مناطق في الأعماق بلغت قرابة الألفي درجة مئوية .السؤال الثاني := علمنا أن المدة الزمنية بين الإمارات و هافانا استغرقت ست ساعات و ربع تقريبا ، أي اسرع من أية طائرة معروفة حتى الآن ، فهل هذا هو الزمن الذي قدرتموه بالضبط ؟أجابه الدكتور حمود :- جميع تقديراتنا وفق الدراسة التي أجراها الدكتور عبد الله ، تؤكد أننا كنا سنصل إلى إحدى جزر الكاريبي خلال أربع ساعات ، و قد كنا بالفعل تحت قاع المحيط الأطلسي نبحث عن فالق يمكننا اختراقه لبلوغ قاع المحيط بسهولة ، بعد ثلاث ساعات و عشرين دقيقة من انطلاقنا ، و اصارحكم القول أننا لا نعلم ما الذي أخرنا ساعتين إضافيتين ، و التفت إلى الدكتور عبد الله طالبا منه أن يشرح هذه النقطة ؛ فاضاف الدكتور عبد الله قائلا :- بعيد بلوغنا قاع الأطلسي ، فوجئت تماما بأن جميع تسجيلاتي الصوتية و المرئية عن الرحلة كانت ممحية بالكامل خلال آخر ساعتين ، و قد حاولنا ، جميعا ، شحذ ذاكراتنا لنعرف ما الذ ي جرى خلال ذلك الزمن الضائع المعادل لثلث الرحلة ، و لكن دون جدوى ؛ شيء ما عطل أجهزتنا و ذاكراتنا لمدة ساعتين !و هنا جرى لغط كبير بين جميع الحضور ، فقد أصابتهم الدهشة لهذا الزمن المفقود ، لولا أن نهض أحد صحافيي فضائية عالمية، فطرح السؤال الثالث := هل لذلك علاقة بأحجية مثلث برمودا ، فالمعروف لدى الكثير من قادة السفن و الطيارين أن لديهم ملاحظات شبيهة بما ذكرت ، كتوقف البوصلات و أجهزة الإتصال و ما إلى ذلك ؟أجابه الدكتور عبد الله :- ربما ؟ و بالمناسبة فقد لفت نظرنا وجود صحن طائر خلال استقبالنا في عرض البحر .صمت قليلا ريثما هدأت الضجة التي أثارتها ملاحظته ثم أضاف :- ربما نتمكن من حل هذا اللغز أثناء رحلة العودة !السؤال الرابع := هل يمكن أن تصفوا لنا ما شاهدتموه في أعماق الأرض ، أقصد على أعماق تزيد عن الخمسين كيلومتر تحت قاع البحر ؟فيتصدى الدكتور مجدي للإجابة على هذا السؤال :- باطن الكرة الأرضية ليس طبقات ذات كتلات متجانسة لكل منها -كما شبهها البعض - بطبقات ثمرة البصل مثلا ، فهناك مناطق صلبة رغم وجودها على أعماق تزيد على المائة كيلومتر ، و هناك مناطق ملتهبة ، و أخرى نصف مائعة قريبة جدا من سطح الأرض أو قاع البحار ، تتحرك فيها المعادن المنصهرة كأنها في مرجل من مراجل مصانع الحديد و الصلب ؛ و في الأعماق – أيضا - كهوف ضخمة ، أحدها تجاوز المائتي كيلومتر طولا تحت القارة الإفريقية ، و هناك تسرب كبير من مياه المحيط إلى الأعماق ، فما أن أن تلامس المياه المتسربة الخليط المنصهر حتى تتبخر و تبدأ في الصعود ثانية إلى أعلى متخللة المادة الأصلب لتتبرد من جديد متفاعلة مع المعادن و أشباه المعادن لتظهر على شكل مياه معدنية ، أو لتشكل فجوات من الماء العذب ، لم يكن لدينا وقت كافٍ لرصد حجمها ، و لكن بعضها كبير جدا ، و سنقوم بدراستها بتأنِ خلال رحلة العودة .و مما يلفت النظر أنه في قاع البحر الأحمر قرب خليج السويس أي قرب الفالق الذي تمكنا من اختراقه إلى الأعماق ، توجد مساحات دائمة الإشتعال رغم وجودها في وسط مائي ، و لاحظنا مثلها في قاع الأطلسي ، أي قرب الفالق الذي خرجنا منه باتجاه القاع .السؤال الخامس := ماهي قوة المحركات التي سمحت لكم باختراق باطن الأرض ، بما تحويه من صخور و معادن صلبة ؟ و نحن نعلم أن اختراق الصخور في بعض المناجم يحتاج إلى أشهرا أو سنينا .تصدى الدكتور رياض للإجابة فقال :- زودنا مركبتنا ( دبي1 ) ، بثلاث محركات ، أولها محرك الدفع و تعادل قوة دفعه حوالي 3000 حصان ، و باستخدام وقود مضغوط شبيه إلى حد ما بالوقود الجاف المستخدم لدفع الصواريخ الفضائية ، و المحرك الثاني محرك الحفر لتشغيل الحفارة الحلزونية المثبتة في مقدمة المركبة ، و الثالث محرك لتشغيل الذراع الهايدروليكية ، لالتقاط العينات ، و نستفيد منه أيضا في عملية التبريد الداخلي للمركبة .ثم اختتم الدكتور حمود المؤتمر الصحافي ، مؤكدا على روح التعاون التام التي سادت بين مصممي المشروع و فريق المهنسين المساعدين الذين حولوا العمل من النظرية إلى التطبيق ، مشيدا بدور والده الذي أنفق على المشروع من ماله الخاص و بسخاء منقطع النظير ، و بدور الحكومة الأماراتية عامة و أمير دبي على وجه الخصوص ، لما قدموه من دعم معنوي و تشجيع منقطع النظير .*****============*نزار بهاء الدين الزين سوري مغترب عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العربالموقع : www.FreeArabi.com
الاثنين، 28 يونيو 2010
الجندي العاشق،،بقلم : عزام أبو الحمـام

كان قد أصيب في أنحاء مختلفة مرات عديدة أثناء وجوده في الجبهة، أصيب المرة الأولى في فخذه واخترقه الرصاص لكنه مع ذلك تمكن من الوقوف بعد ثلاثة أيام فقط، وانفجرت القذيفة بجانبه وأصيب بشظاياها ولم يكلفه ذلك غير شعر رأسه وتشويها في عنقه ، لكنه لم يأبه لذلك كثيرا مادام له ساعدان قويان وقلب صلب، ظل يرفض الانتقال إلى المستشفيات خلف خطوط الجبهة، وكان يقول: المحارب في داخلي لم يصب ولم ينزف نقطة واحدة. فلماذا أتحول إلى الأسِرة كالعجزة!؟
ظل عنيدا على نفسه في رفضه التحول إلى العلاج بعيدا عن الجبهة، إلا أن حمل أخيرا على النقالات إلى المستشفى خلف خطوط القتال رغما عن إرادته ورغما عن وعيه ، هاجمته الشظايا وأدمت كل أنحاء جسده الذي كان صلبا، أصيب في ساعده ولم تعد يده قادرة على حمل بندقية ولا حتى الحركة، لم يكن أمام الأطباء غير بتر ذراعه ، لقد أصبح بذراع واحد فقط.
كان المستشفى بالنسبة له قبر كبير، وكان يعرف أن الحرب لم تضع أوزارها ولم تخمد حرائقها بعد، ما يزال يشتم رائحة البارود والدماء في ثيابه رغم ابتعاده عن الجبهة الساخنة، كان ما يزال بوسعه مشاهدة أعمدة الدخان المتصاعدة من خلف التلال البعيدة جدا، وكان يعض على جراحه وهو يجرجر قامته نحو نوافذ حجرات المستشفى ليرقب التلال البعيدة ،،،كانت رائحة الخسارة تحيط به من كل حدب وصوب وتأتيه في نكهة اليود والدماء المتخثرة.
كان شعورا قاسيا وهو يعرف أنهم تخلوا عنه لأنه لم يعد جنديا بساعدين اثنين.
كان شعورا قاسيا حينما أدرك أنه لم يصبح جنديا محاربا، وكان يدرك ان الجبهة لفظته ولم تعد تطلبه وأنه لم يعد بوسعه العودة ، فجندي بيد واحدة لا يصلح للجبهة.
بدأ يحس بنفسه عبئا كبيرا ، لقد أضنته الحرب وقطعت به السبل، لقد مات قلبه تماما وذوى كزهرة جافة ذرتها الرياح، لم يعد يحب الجبهة ولا يكرهها أيضا، كيف لمن مات قلبه أن يحب أو يكره، فلا هو من جيش المنتصرين بالمعركة ولا هو من جيش المهزومين أيضا، لقد فعلت كل ما بوسعي، لقد رميت بنفسي في النار ولم تشأ النار أكلي، لقد أعفتني من ذلك كي أموت فوق السرير فلا يأبه لموتي أحد.
في ليلة ظلماء، تسلل من سريره ورمى بثياب المستشفى وبدأ يحمل نفسه ، أراد أن لا يموت في المستشفى، أراد أن يموت بعيدا عن الأعين المشفقة، أو بعيدا عن أعين الأعداء الزاحفين، رغب أن لا يقدم جسده مختبرا لتجارب الأطباء، كم سيكون خجلا حينما يفتح الأطباء جثته فلا يجدوا قلبه الذي كان ، الموت في الصحراء سيكون أشرف من الموت في المستشفى بلا قلب.
لم يكن الأول الذي سيختار هذا المصير، كانت الصحراء أمامه تفتح فاهها الضخم فتبتلع كل عابر فيه مثلما يبتلع فم الكهوف الكبيرة النمل الصغير في طرفة عين.
يغذُ السير على رجلين متهالكتين، تلفحه رياح الصحراء المحملة بالرمل الناعم، تخز حصى الصحراء قدماه بلا انقطاع، ينسى الجبهة وما فيها من خيبات، ومن معارك خاسرة، يراوده طيفها كسراب بعيد، كان جنديا لم تعد الجبهة بحاجته، لم يعد جنديا مقاتلا، الصحراء وضواريها المفترسة أولى به من الجبهة وأولى من المستشفيات التي تذكره بأنه ليس برجل مقاتل، وأنه لا حول له ولا قوة ولا قلب له، لن يكون محط شفقة الآخرين وعطفهم ، لم يكن ولن يكون.
بدأ يحس بنفسه نملة صغيرة تدب في ظلام الصحراء اللا متناهية، بدأت أصوات المدافع تتلاشى من أذنيه وصار وقع أقدامه نبض الحياة الوحيد في هذه الصحراء ، أحس بقدميه تسيران إلى المجهول، أحس بجسده يتهالك ويسقط، أدرك أنها النهاية، فاستسلم في عراء الصحراء وظلمتها وبردها القارص،،،
في الصباح، مع خيوط الفجر، كانت أيد تقوده إلى الخيمة الوحيدة في تلك الصحراء البعيدة، وكانت الأيدي تسقيه الماء واللبن وتغذيه بالتمر وتبلسمه بالأعشاب الصحراوية.
بدأ يستنشق رائحة الحياة، وبدأ يستعيد أنفاسه، لم يمت بعد، لم تأكله ضواري الصحراء مثلما رفضت نار الجبهة أكله من قبل.
بعد بضعة أيام، كان شيخ الخيمة الوقور يعرض عليه الصفقة، أزوجك من ابنتي الكبيرة هذه، تنجبا لنا أبناء وبنات، نعيش معا على ما يقسم الله لنا، الفتاة تحبك وترغبك ، يداها هي التي بلسمت جراحك،،،وهذه هي الأغنام وهذه هي الصحراء لنا ولك. دع الجبهة لأصحابها الجنود، وهذه الصحراء لنا ولك.
يقبل العرض كأن لا حول له ولا قوة على الرفض، كيف يرفض من ليس له قلب وليس له طريق، لتكن الصحراء محطته الأخيرة. لتكن الصحراء لكل من لا يعرف محطته الأخيرة.
تغمره الفتاة بالحب، تسقيه من مائها العذب، تمسح بيدها جراحه كل ليلة، تداعب شعر صدره فينبت من جديد، تنفخ أنفاسها الساخنة في فيه، تسدل عليه بشغاف قلبها فيهتز قلبه بعد موات، ويتفتح زهورا في وجهه، يبادلها الحب عشقا، يبنيان معا خيمة صغيرة ويقضيان فيها الوقت الطويل، يشربان معا رحيقا لم يألفاه كلاهما ، تروي له حكايات الصحراء ووحشتها وقساوة رياحها، لا أنيس هنا غير عواء الذئاب، ولا طريق هنا غير طريق النسيان. يروي لها حكايات كثيرة عن الجبهة، عن المعارك الكثيرة التي ربحها أو التي خسرها، يحدثها عن الوطن البعيد، عن الجراح والدخان والأشلاء والطائرات المغيرة، يحدثها عن الحلم الكبير، نسي تماما أنه فقد ساعده، لم يعد يأبه بذلك. أصبح لديه الآن طاقة أكبر من طاقة اليد والبندقية والمدافع، اكتشف أنه قلبه لم يهزم، لم ينكسر، لم يمت، قلبه حي بالإرادة والحب والإيمان بالنصر.
في ليلة عاصفة، كان قراراهما مشتركا، التوجه إلى الجبهة معا. وكان الشيخ يودعهما بالدعاء والدموع.
من حكايات القرى - قصص في حلقات (مغامرات البلعاوي) بقلم عزام ابو الحمـام
3 –
الملائكة تأكل الحلاوةروى لنا البلعاوي عن طفولته الصعبة فقال: كان والدي – مثله مثل الفلاحين الآخرين – ينتظر موسم قطف الزيتون بفارغ الصبر لأنه المصدر الأساسي والوحيد لرزقنا، وقال، كنا أسرة كبيرة وكان والدي فقير الحال، وكان من عادة مزارعي الزيتون أن يوفروا نصية من الحلاوة قبل أيام معدودات من موسم القطف، وكان ذلك ضروريا لمساعدة الفلاحين على أعمالهم في موسم القطف الذي يبدأ مع بداية موسم البرد أيضا. وقد اتفق بعض المزارعين على توفير الحلاوة قبل الموسم بأسابيع طويلة لاستغلال فرق السعر الذي يشهد ارتفاعا مع ارتفاع الطلب, وكان أبو محمد (البلعاوي الأب) من ضمن هؤلاء المزارعين الأذكياء. وقد انتدبوا لهذا الأمر الخطير أكثرهم ذكاء وأقدرهم على المساومة للذهاب إلى مدينة نابلس وشراء الحلاوة بأحسن الأسعار، وبالفعل سافر الرجل إلى المدينة وقام بإتمام الصفقة على أحسن وجه وعاد بنصاصي الحلاوة ووزعها على أصحابها حال وصوله القرية وكأنه يوزع سلاحا خطيرا يحاط بالسرية قدر الإمكان.قال: وقام والدي من وقته بتأمين نصية الحلاوة في مكان آمن لا يصله الجن حسب اعتقاده، إذ اختار أن يعلقها في خطاف مرتفع جدا في قبة الحجرة القديمة التي هجرتها الأسرة بعد أن بنت بجانبها منزلا متواضعا من عدة حجرات، وصارت الحجرة القديمة هذه (عقد الريش) مخزنا لأدوات الزراعة وللحصان ولأعلافه ولأي مهملات لا تحتاجها الأسرة. وكان الحج قد صعد سلما مزدوجا طويلا كي يعلق النصية في خطاف متدل من وسط السقف المُقبب كان ينشأ لمثل هذه الأغراض، أي لتعليق كل ما خف وزنه وغلا ثمنه. وبعد ذلك، سحب الحبل الذي علقه بها فارتفعت بحيث لا يصلها الشخص إلا بمساعدات كبيرة من فِرقْ من الدفاع المدني الشعبي، وحتى يأتي يوم حاجتها فلا بد من فرج حينها.مضى أسبوع على حادثة شنق نصية الحلاوة ومحمد ابن الأربعة عشر عاما يتفكر ويتدبر في كيفية الوصول إليها ، وكان يشتم رائحتها فيسيل لعابه فيزداد تصميما على المخاطرة وتجاوز كل الصعاب لأجل هذا الهدف العظيم، لكن قامته القصيرة لا تساعده في تحقيق طموحاته وآماله، إلى أن هداه تفكيره الخبيث إلى طريقة معقدة نوعا ما، إذ أحضر منضدة خشبية مهملة في الحجرة، ووضع فوقها السلم المزدوج، وصعد فوقه، لكنه مع ذلك لم يبلغها ، لذلك عاد وأحضر خطافاً من قضيب حديد، فرفعه وشبكه في حلقة السقف التي يتدلى منها الخطاف الأصيل الذي يحمل نصية الحلاوة، وراح يرتقي القضيب بضعة خطوات ريثما يصل وكأنه سنجاب أو قرد صغير، وهناك استل سكينا من نوع (موس قرن الغزال) فعالج النصية التي هي عبارة عن تنك رقيق، فجعل فيها فتحة تسمح بمرور يده لغرف الحلاوة، وهكذا صارت الحلاوة في متناول يده.وكان يغترف منها كفين أو ثلاثة كل يوم قبل أن ينزل وينطلق إلى الحارة كالقردة يلعب مع هذا ويلكز هذا ويتحدى ذاك ويقفز من فوق هذا السور أو يرتقي تلك الشجرة إلى أن يحل الليل فيعود إلى النوم وقد أشبع حاجاته من الحلاوة واللعب.بعد انقضاء اسبوعين على افتتاح نصية الحلاوة كان محمد خلالهما قد أجهز على نصية الحلاوة وجعلها طبلا أجوفاً، وإذ ذاك بدأ يعد الأيام بالساعات تحسبا من عواقب فعلته الشنيعة، إذ لم يتبق على افتتاح موسم قطف الزيتون سوى أيام معدودات حيث تبدأ المراسم من تنزيل تنكة الحلاوة من معقلها المرتفع، لذلك راح الفتى يضرب أخماس في أسداس دون أن يهديه عقله لأي حيلة، لكنه كان يحس بالاطمئنان حينما يتذكر أنه سيكون آخر المتهمين لقصر قامته خصوصا حينما كان يستذكر واقعة الموز ونجاته من الاتهام والعقاب، إذ لا يعقل أن هذه الفعلة ستربط به إذا ما بدأ التحقيق المعمق والموسع. لذلك كان يطمئن ويستكين بعد أن تأخذ به الظنون كل مآخذ.حل موسم قطف الزيتون وراح الأب يجهز العدة والعتاد المُخزن في الحجرة الكبيرة من سلالم خشبية ومفارش الخيش والبلاستيك وعصي جد الزيتون التي كان تستخدم لضرب الأغصان، وفوق كل ذلك وأكثرها أهمية، نصية الحلاوة الضرورية للعاملين من أفراد الأسرة، حيث لا معين - بعد الله - على ذلك العمل الشاق سوى نصية الحلاوة المعلقة في قبة الحجرة. جهز الحاج السلم الطويل وارتقاه وأحضر أفراد الأسرة جميعا ليشهدوا هذه المناسبة وليعاونوه هندسيا في إنزال النصية. وما أن قبضت يداه على النصية وقد تهيأ لحمل ثقيل، حتى مال به السلم شمالا ويمينا وكاد يسقط به لولا لطف الله لأنه تهيأ لقبض حمل ثقيل فشد عضلات جسده كاملة لهذه المهمة، لكن توازنه اختل حينما ألفاها تنكة فارغة.نزل الرجل عن السلم وقد أسقط في يده وخاب أمله وسيطر عليه الذهول لعدة دقائق واستحال لون وجهه إلى لون الكركم لهول الفاجعة، وطفق الرجل يضرب كفا فوق كف وهو يبسمل ويحوقل ويهلل ويستغفر. ولم يتناه إلى ذهنه إلا أن الملائكة هي التي أكلت الحلاوة انتقاما، ولا نعرف تماما كيف تفتق ذهنه عن مثل هذا الاعتقاد الذي يبدو أن له جذورا بعيدة في المعتقدات الشعبية، وإلا فكيف يتهم الملائكة ويعتبر أنها تأكل حلاوته انتقاما؟فحسب رأيه فإن الملائكة غير راضية عن الوضع الجديد للمجتمع أو للأسرة على الأقل، وربما اعتبر أن مجرد انتقاله من حجرة الأجداد العتيقة إلى بناء جديد كان فسادا وفسقا أغضب الملائكة وأثار حنقها، وربما ربط ذلك أيضا مع ما يشهده المجتمع من تغيرات بدأت تنتشر بسرعة في المجتمع الفلسطيني مع نهاية حقبة السبعينات، ويتجلى ذلك في انتشار التعليم وانتشار الخدمات كالكهرباء وسيادة نمط الملابس الغربية على المجتمع وسفور البنات وغير ذلك الكثير.وهكذا لم يجهد نفسه بالتحقيق في الأمر، على العكس من ذلك فقد قرر أن يقدم أضحية تكفيرا للذنوب والمعاصي، فتحامل على نفسه وعلى ميزانية الأسرة واشترى كبشا كبيرا وذبحه لوجه الله وقدم منه للفقراء ولصلات الأرحام، وكانت فرصة أخرى لمحمد أن يوغل في أكل اللحم بعد أن أشفى غليله في الحلاوة قبل ثلاثة أسابيع.مضت بضع سنوات وأبو محمد يسرد قصة الملائكة والحلاوة على مسامع القوم وكان ينطلق من ذلك أو ينتهي إلى نقد المجتمع ونقد الأخلاق ثم الدعوة إلى التمسك بالدين والقيم والأخلاق والتمسك بكل قديم قبل أن يأتي أمر الله بالسخط، فيما كان محمد يتمتع بسماع ذلك طوال تلك السنوات إلى أن أضحى محمد طالبا في السنة الأولى في الجامعة، إذ صار يمتلك الجرأة الكافية ليفصح عن السر الكبير.وذات يوم عاد محمد يوما من الجامعة بعد غياب استمر بضعة أسابيع هاجت خلالها أشواق أفراد الأسرة لعودة ابنهم المحبوب. ولما وصل المنزل عصر ذلك اليوم، وجد والدهُ يتوسط دائرة من الرجال ويقص عليهم حكاية الملائكة التي أكلت تنكة الحلاوة انتقاما مما يشهده المجتمع من انحراف عن جادة الصواب، وكان البعض منهم قد مل سماع هذه الحكاية اللامنطقية، في تلك الأثناء وصل محمد وسمع بما يجري، فما كان منه إلا أن انتفض على نفسه وعلى والده واعترف بجريمته التي مضى عليها أكثر من خمس سنوات،- أنا الذي أكل الحلاوة يا والدي وكفى بالله عليك اتهاما للملائكة. لقد مللنا سماع هذه الخزعبلات يا والدي غفر الله لك.وعلى خلاف ما توقعه، فقد لاقى تصرفه ذلك استحسانا كبيرا لدى الختيار الذي كان يشق عليه أن يتخيل أن بعض الملائكة غضبت عليه وانتقمت منه بأكل نصية الحلاوة، وما كان منه إلا أن يعلن أنه الآن أكثر سعادة لمعرفة السر الحقيقي، وأن ذلك يستحق الاحتفال بذبح خروف ثانٍ تقربا لوجه الله الذي أظهر براءته من الفسوق والفساد. إضافة إلى ذلك فقد دشنت الأسرة في ذلك اليوم فتىً شجاعا كان يحمل اسم قريته كاملة. ومنذ ابتداء الوليمة الكبيرة حتى نهايتها، كان البلعاوي الأب يتمتم لنفسـه:- ظهر الحق، ظهر الحق، ربي لك الحمد فالملائكة لم تأكل الحلاوة.
4 –
حكاية بذلة الجوخ
كان البلعاوي يقضي جل وقته في الجامعة وفي أطراف رام الله، وكان دينمو أساسي في النشاطات الوطنية الطلابية، كثيرا ما كان يقوم بمراقبة الشوارع في رام الله متصديا هو وجماعة من أصدقائه لسيارات المستوطنين ودوريات الاحتلال التي كانت تمر من المنطقة، وكانت جامعة بيرزيت آنذاك تعتبر مركزا أساسيا لتوجيه العمل الوطني والنضالي إضافة إلى كونها صرحا أكاديميا مرموقا. وكانت أعداد كبيرة من طلبتها القادمين من المحافظات البعيدة يسكنون في قرية بيرزيت أو مدينة رام الله (كانت رام الله قرية كبيرة)، مما سيوفر فرصا كبيرة للاحتكاك والتفاعل بين هؤلاء الطلبة القادمين من مختلف المحافظات بما فيها محافظات غزة.وكانت الأراضي المحتلة آنذاك تشهد حراكا كبيرا على كل المستويات، وراحت تشهد نهضة وطنية حينما شرعت م.ت.ف تشجع على تأسيس المؤسسات الوطنية والنقابية والشبابية والمرأة والتعليم...إلخ. مما أتاح الفرصة لانتعاش أبناء الطبقات الفقيرة في التعليم وفي قيادة العمل الوطني.ذات مرة مكث البلعاوي بضعة أسابيع دون أن يعود إلى منزل أسرته في طولكرم وقد انخرط في الكثير من الأنشطة الطلابية داخل الجامعة وخارجها أيضا في أطراف رام الله وقراها، في تلك الأثناء كان عم له يعمل في الكويت قد أرسل له بذلة (طقم) من الجوخ الفاخر ووصلت لأسرته فعلقوها على أحد الجدران لبضعة أيام بانتظار صاحبها، وبسبب دخول موسم البرد في أوائل الشتاء، قرر والد محمد المزارع المسن أن يستغل البنطال فلبسه تحت قمبازه فأعجبه ذلك كثيرا بعد أن صارت ساقاه تحس بالدفء لأول مرة في حياته ربما، وكان يذهب إلى أعماله الزراعية مطمئن البال دافئ القلب ودافئ الساقين، كيف لا وهو يلبس بنطالا من جوخ يغطي كامل ساقيه بعد أن كان لا يعرف غير ذلك النوع من السراويل القصيرة التي تصل إلى الركبة فقط ، وهي فضفاضة جدا ولا تقي الأطرف السفلى جائحة البرد القارص.ولما رأي الحاج أن محمد تأخر كثيرا، ولم يكن الهاتف الأرضي معروفا في قريتهم حينها، فقد رأى أن الجاكيت يصلح أيضا لتدفئة ظهر الفرس، والفرس عند الفلاحين هي فرس للحراثة والأعمال الشاقة وليست للرفاه، لكنها مع ذلك تستحق أن يدفأ ظهرها بقطعة قماش من الجوخ الذي لا يثير أحدا في المنزل، ولذلك فقد وضعها فوق ظهر الفرس وتحت البردعة (الحِلس)، وصار يروح ويجيء وهو أكثر اطمئنانا من ذي قبل لأن فرسه باتت أكثر نشاطا وحيوية.مضى على استغلال بذلة الجوخ الكويتية أكثر من أسبوعين حينما عاد محمد إلى منزل الأسرة لجلب التمويل المالي بعد طول غياب، وما أن فرغ من تقبيل يدي والدته ، وما أن فرغت شقيقاته من تقبيله حتى دخل والده فناء المنزل يركب فرسه وقد أضناه العمل منذ ساعات الصباح الباكر، هب محمد لملاقاة والده فقبل يده وأخذ منه رسن الفرس ليعقله في مكانه، في هذه الأثناء انطلقت ضحكات بعض شقيقاته بعد أن تفطن لبذلة الجوخ حينما شاهدن البنطال على والدهن وقد كساه الطين الأحمر، فيما أطراف الجاكتة كانت بادية على ظهر الفرس وقد كسيت بطبقة من شعر الفرس وعرقه.استغرب محمد غمزات شقيقاته وضحكاتهن وتمتمتهن وهن يعرفن ما في شقيقهن من بعض العصبية وبعض النزق ، وما أن علم بالأمر حتى جن جنونه وراح يصيح بنزق وهو يتفحص ساقي والده أولا وقد هاله ما شاهده من طين أحمر على أطراف البنطال الذي أصبح خلقا رثا، وجن جنونه أكثر حينما تأكد تماما أن ظهر الحصان تدفأ ببذلة له لم يفرح بلبسها، راح محمد يقلب الجاكيت بين يديه ويتفحصها بعينين فاغرتان بعد أن خلعها عن ظهر الحصان، ثم ما لبث أن هدأ من روعه لأنه يعرف أن الصياح والغضب باتا لا يفيدان وقد وقعت الفأس في الرأس وصار المطلوب الآن العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه . لذلك راح يتمتم ويقول: سامحك الله يا حج، سامحك الله يا والدي،،،ثم تجرأ وقال شبه آمر: - يا الله يا حج روح اخلع البنطال تنشوف هالمصيبة. وكان الختيار يقول بكل هدوء وبساطة فيما كان يُسحل البنطال عن ساقيه:- خمنت أنها لن تعجبك، وشُفتك طَولتْ بالجامعة فقلت نستغلها أنا والحصان، لأننا نحن من يعيل الأسرة وليس طقمك الهامل هذا.في النهاية، استدرك محمد الأمر، وذهب ببذلته إلى محلات الغسيل الجاف والخياطين وأصلح من أمرها قدر الإمكان ، ثم لبسها وعاد بها إلى الجامعة بعد يومين متبخترا كطاووس صغير، لكن رائحة الحصان كانت ما تزال تفوح من البذلة مما اضطر محمد أن يعترف لبعض أصدقائه بالقصة، ومنهم صديقه ماهر الذي وجد ذلك مناسبة لينتقم من مكيدة البحر الميت في الصيف السابق فيسرب القصة إلى الزملاء الآخرين، لكن محمد كان يستخدم اسلوب عدم الانكار بل يبالغ في ذلك ويقول إنه التزم لوالده بإعادة البنطال له والجاكيتة للحصان مع أول الشتاء بعد ثلاث سنوات.وعلى الأرجح أنه نفذ ما وعد به بعد ثلاث سنوات.
5 –
البلعاوي مديرا
واصل محمد البلعاوي دراسته في الجامعة وكان بين الحين والآخر يلبس بذلة الجوخ مما كان يثير تندر بعض أقرب أصدقائه، خصوصا أن ارتداء البذلة لم يكن مألوفا في الجامعات في تلك الفترة، حتى بين الأساتذة وأغلب الإداريين.ورغم أن الجامعة أغلقت أكثر من مرة من قبل قوات لاحتلال إلا أن الدراسة كانت تتواصل عن طريق برامج تعويضية، حيث تعقد المحاضرات في منازل بعض الطلبة أو بعض الأساتذة أو بعض المؤسسات والأندية في رام الله والقرى المحيطة. مما مكن البلعاوي من التخرج في مدة قياسية وهي خمسة سنوات، رغم أن معدل سنوات التخرج في تلك الفترة كان يصل إلى 6 سنوات وربما أكثر للكثير من الطلبة بسبب الإغلاق المتكرر للجامعة أو بسبب الاعتقالات التي تقع في أوساط الطلبة بين الحين والآخر.وتبسم القدر لمحمد فعمل مديرا لمؤسسة مالية في مدينة طولكرم القريبة، وهذا ما شجعه على استعجال الزواج من زميلة له كان يعرفها في الجامعة وتخرجت هي الأخرى وراحت تعمل مدرسة في إحدى المدارس القريبة، وبدا محمد أكثر نشاطا وحراكا من قبل رغم زواجه وعمله، ويبدو أن الزواج والعمل أمداه بطاقات جديدة فكان لا يهدأ ولا يستقر وغالبا ما يبادر إلى تشكيل مجالس السهر مع أعداد كبيرة من أصدقائه في البلدة أو في البلدات المجاورة كعنبتا وكفر رمان أو مدينة طولكرم وحتى نابلس أحيانا. كان محمد يطمح إلى بناء منزل متواضع له بدل المنزل القديم الذي يقيم به ، وهو ملك لبعض أقربائه وكان مهجورا وآيلا للسقوط من النمط البائد إلى أن استوطنه محمد، غير أن ما ينغص عليه أنه ما يزال مضطرا لتسديد بعض الديون التي تحملتها الأسرة جراء عرسه الذي أصر على أن يكون عرسا حافلاً كبيرا جلبت فيه الأحصنة وقد امتطى العريس حصاناً وجاء الزجالون والقوالون من أصدقائه وأصدقاء أصدقائه وأقاموا حلقات الزجل في الساحات وفي الشارع وكأنه موكب المندوب السامي للبلاد، وشارك في العرس أصدقاء محمد وزملاؤه الذين جاءوا من أماكن بعيدة من الخليل وغزة جنوبا حتى جنين شمالا.انتهى العرس وأسبوع العسل وعاد محمد إلى عمله في المؤسسة التي يديرها، وكان لم ينقض على عمله ذاك سوى اقل من عام بقليل عندما اندلعت أحداث الانتفاضة الأولى بشرارة من مخيم جباليا في قطاع غزة سرعان من اشتعلت في مخيم بلاطة قرب نابلس لتنتشر في اليوم التالي في أغلب قرى ومدن ومخيمات الأراضي الفلسطينية، فأنخرط فيها مثله مثل الشباب الآخرين.وبعد مرور شهرين على اندلاع الانتفاضة وبتاريخ 3/2/1988 استشهد الشاب البلعاوي إبراهيم منصور حمدان وهو احد أبناء عمومة محمد ومن أصدقائه المقربين، مما زاد الموقف صعوبة في القرية ومما استدعى مواجهات يومية بين القوات الإسرائيلية و"القوات الضاربة" التي أصبح البلعاوي من أنشط قادتها الميدانيين، ومما كثف من ضغط القوات الإسرائيلية على سكان القرية والمنطقة .كانت القوات الضاربة تعلن بعض قرى أو المناطق بين الحين والآخر كمناطق محررة ، وكانت تنظم نفسها تنظيما محكما بحيث يصعب على القوات الإسرائيلية دخولها في ساعات الليل، لذلك فقد كانت سلطة النهار للقوات الإسرائيلية وسلطة الليل للقوات الضاربة. وما هي إلا أيام بعد استشهاد إبراهيم حمدان، حتى صار البلعاوي المطلوب رقم واحد في منطقته. لذلك راحت القوات الإسرائيلية تكرر مداهمة منزله نهارا أو المؤسسة التي يعمل بها دون أن تفلح في إلقاء القبض عليه.انتشرت حواجز جيش الاحتلال وراحت الانتفاضة تضطرم يوما بعد يوم فتعطلت الكثير من الأعمال ومنها المؤسسة التي يديرها البلعاوي في طولكرم القريبة.وكانت فرصة له أن يتفرغ لنشاطات الانتفاضة قائدا ميدانيا وموجها ومحرضا.وتستمر الأيام والأسابيع دون أن تلوح في الأفق أية نهاية للانتفاضة أو أية مخارج أو نتائج ملموسة رغم ارتفاع الحالة المعنوية للناس ورغم حفاظهم على الإصرار وعلى نيل الحقوق مهما طال الزمن ومهما عظمت التضحيات.كانت زوجة محمد تواصل إدارة المنزل منفردة بكل صبر ورباطة جأش لأن زوجها نادرا ما يستطيع دخول البيت في ساعات النهار، بل كان يزورهم لماما مرة أو مرتين في الأسبوع في أواخر الليل وكان ذلك بعد تنظيم رقابة مناسبة يستطيع من خلالها محمد الانسحاب من المنزل في الوقت المناسب وقبل وصول القوات الإسرائيلية، ومما ساعده على ذلك أن معظم المحيطين بمنزله هم من أقربائه الأدنى، وكانت النساء تتولى الرقابة في محيط المنزل بينما يتولى الشبان الرقابة على مداخل القرية وفي محيطها، وفي حالة معاينة أية دوريات لجيش الاحتلال كان الشبان يطلقون صفيرا من أفواههم سرعان ما يتردد صداه في أرجاء القرية فتعلن حالة التأهب القصوى وتندلع المواجهات فور اقتراب تلك الدوريات، ولم يكن محمد هو المطلوب الوحيد بل ثمة الكثير منهم.وضعت زوجة محمد مولودها الأول أثناء الأشهر الأولى للانتفاضة فأسموه عاصف، ومن ذلك الحين ثبت الاسم شرعيا وصار أبو عاصف ماركة مسجلة للبلعاوي.غير ان الأمور الحياتية بدأت تسوء حيث توقف مصدر الدخل وشحت الأموال، لذلك قرر أبو عاصف أن يستجيب لعرض صديقه أبو خالد الذي يعمل "قصيرا" في المنطقة، وهي المهنة الأصعب من بين كل مهن البناء، وكانت مهمة أبا عاصف هي تحضير الطينة المجبولة ونقلها إلى المعلم أبا خالد، قبل أبو عاصف التحدي فاصطحب معه ملابس رثة للعمل وهو يمني نفسه بدخل يقيه وأسرته شر السؤال، كذلك أمل في نفسه أن يجد ملاذا في النهار يبتعد فيه عن أعين العسس وحملات الجيش الإسرائيلي التي ظلت تداهم منزله والمنازل الأخرى بين الحين والآخر خصوصا في ساعات النهار.مضى أسبوع على البلعاوي أبا عاصف وهو يعمل في خدمة القصير أبا خالد، ولحسن الحظ، فإن العمل كان عبارة عن قصارة بئر يقع في ظاهر القرية في أرض زراعية فسيحة تحيط بها مزارع الزيتون، وكان أبو عاصف قليل النوم طوال عمره وقد اعتاد أن ينهض من مراقده المتغيرة من ساعات الصباح الأولى وقبل بزوغ الشمس، ومن هناك كان يعبر أزقة القرية الملتوية وينفذ إلى ظاهر القرية فيبادر إلى عمله بحيوية ونشاط حتى ساعات المساء حيث سيبدأ عمله الآخر، ويبدأ بممارسة سلطاته الميدانية.وذات يوم، وصل محمد منطقة عمله ونزل في البئر وراح يحضر جبلة الطين التي سيعمل بها معلمه الذي سيأتي بعد قليل، وفعلا وصل المعلم لكنه قرر أن يشرع في تحضير الشاي قبل وصول البئر والنزول فيه، فراح يشعل بعض أعواد الحطب وهو لا يعلم أن البلعاوي في البئر، ولا يعلم أن مجموعة من عناصر الجيش الإسرائيلي كانت تكمن وراء أشجار الزيتون بانتظار قدوم البلعاوي في تلك اللحظات وفقا لتقارير رصد العملاء التي زود بها قائدهم "الكابتن نائل" ولم يكونوا على علم أن البلعاوي وصل قبلهم واختفى في البئر الضخم، وعلى حين غرة وبلا أية مقدمات، كانت أعداد كبيرة من أفراد الجيش الإسرائيلي تبزغ من بين الأشجار، وتركض صوب أبا خالد الذي ينهمك في صنع الشاي، لكن المسافة بينهم كانت كافية لإغرائه بالهرب، فأطلق ساقيه للريح، وتبين أن شبانا آخرين كانوا في المنطقة أو في منازلهم القريبة قد شاهدوا الموقف فركبوا الريح أيضا واتجهوا نحو الأودية الصعبة القريبة ملتفين بين الأشجار والصخور كالغزلان البرية التي تطاردها الذئاب الجائعة. ظل الجنود يتابعون الهاربين بين الأودية ولكنهم عادوا وتوقفوا عن المطاردة حينما تبين لهم أن المطاردين استطاعوا قطع الأودية الصعبة والدخول إلى قرية كفر رمان القريبة. وفي تلك الأثناء كان البلعاوي قد خرج من البئر على صوت الجلبة منذ بدايتها، فانتحى جانبا وراح يرقب الجنود الذين اضطروا للتوقف عن المطاردة والالتفاف حول المنطقة إلى حيث كانوا قد أخفوا مركباتهم العسكرية، ولم يطمئن تماما إلا حين اعتلى الجنود مركباتهم وقفلوا عائدين بعيدا عن القرية.وهنا قرر أبو عاصف أن يبادر لإنقاذ جبلة الطين قبل جفافها ، فأمسك بعدة العمل الخاصة بالمعلم أبو خالد وباشر العمل بكل عزم وإصرار محاولا إنتاج أفضل جودة ممكنة في عمله الصعب هذا، وما أن عاد المعلم أبو خالد حتى دهش لعمل البلعاوي الذي يضاهي عمل أي معلم مخضرم، فما كان منه إلا أن هنأه على مبادرته وحسن تصرفه وأعلن أنه يمنحه شهادة مهنة القصارة وهو يُدشنه منذ الآن معلما كامل المواصفات رغم أن خدمته بالكاد أكملت الأسبوع.كذلك سر كثيرا صاحب الورشة، وأعلن عن تكريم البلعاوي والعمال الآخرين بغداء دسم من طعام المسَخنْ ( الدجاج البلدي المشبع بزيت الزيتون والبصل المفروم على الخبز) لأنه أنقذ له مبلغا لا بأس به من المال الذي اشترى به الاسمنت والرمل وخلافه.ومنذ هذا اليوم سيصبح للبلعاوي مهنة أخرى، هي مهنة القصارة إضافة إلى وظيفته كمحاسب أو مدير حسابات سابق. لكن الأهم أنه صار المطلوب رقم واحد في منطقته حتى ذلك الحين. فإلى متى يستمر نجاحه في مراوغة القوات الإسرائيلية؟؟ خصوصا أن ( الكابتن وائل) مسئول المنطقة في جهاز الشين بيت الإسرائيلي يتوقع نقله من المنطقة ويرغب بتحقيق إنجاز ملموس قبل ذلك يسجل في ملفه الأسود.
6 –
ضحية أخرى
كان محمد البلعاوي قد أفلت من الاعتقال وخيب ظن الكابتن "نائل" قبل بضعة أسابيع حينما داهمه بقوات راجلة في منطقة قصية من القرية حينما كان يعمل في أعمال البناء، لكن الكابتن نائل لم ولن ييأس من إلقاء القبض على محمد وعلى مطلوبين آخرين، وذلك ليسجل في ملفه قبل انتقاله المزمع بعد أيام أو أسابيع قليلة.ظل محمد يزاول نشاطه المعتاد رغم أنه رزق بابنه البكر "عاصف" ومضت شهور ثلاثة على ذلك الحدث حينما قام بشراء كبش كبير قرر أن يذبحه "عقيقة" لابنه البكر. ولأجل هذا الغرض اتفق مع جزار القرية الذي وافق بلا تردد لقلة الأعمال في ذلك الوقت، لكنه طلب من محمد أن يسبقه إلى المنزل كي يتوضأ وليقضي بعض شؤونه بعد أن حمله عددا من عتاده من ساطور وسكاكين طويلة كان الدم ما يزال عالقا ببعضها.حمل محمد الأسلحة البيضاء المعفرة بالدم وراح يتبختر بين الأزقة القديمة وعبر السوق الصغير الذي يتكون من بضعة دكاكين مظلمة وصالون للحلاقة ومحل لبيع الدجاج، وهناك التقى بصديقه ورفيقه طارق، كان طارق هو الآخر من أهم المطلوبين لقوات الاحتلال في تلك الفترة، بادره محمد وطلب منه مرافقته إلى المنزل للمساعدة في ذبح الكبش وتقطيعه، لم يمانع طارق لكنه طلب مهلة ريثما يدخل إلى صالون الحلاقة ويقص شعره الذي مضى عليه وقت طويل دون قص وترتيب ووعد محمد اللحاق به حال الانتهاء من قص الشعر خلال دقائق. لم تمض سوى دقائق معدودة حينما غادر محمد المنطقة متوجها إلى منزله، حيث أفراد الأسرة بانتظار الحدث الكبير في حياة الأسرة. حينها كان المؤذن يرفع آذان المغرب في ذلك اليوم الثاني عشر من شهر أكتوبر/ تشرين أول من العام 1989 وفي الأثناء كانت سيارتان مرسيدس صغيرتان تتوقفان أمام المحل بشكل مفاجئ لينهمر منهما سيل من الرجال المسلحين بألبستهم المدنية مصوبين أسلحتهم النارية نحو كافة الشباب الواقفين هناك. وعلى الأرجح فقد جاءوا لاعتقال بعض المطلوبين بناء على معلومات عاجلة ودقيقة، ولا بد أن ذلك حدث في وقت مبكر، أو أنهم كانوا في حالة استنفار في المنطقة وتلقوا بلاغا مستعجلا فوصلوا الموقع بسرعة.طلب الجنود "المستعربين" من الجميع رفع أيديهم والاستسلام، كان طارق ما يزال على كرسي الحلاقة ولم ينجز الحلاق سوى نصف رأسه الأيمن، حاول التملص لكن أين! لقد ألقي القبض عليه في أضعف ما يكون وضع الإنسان تقريبا، كان الكابتن "نائل" هو قائد العملية وهو يخاطر بنفسه وبجنده لينجز اعتقال بعض أهم المطلوبين قبل انتقاله إلى منطقة أخرى.أما محمد فقد دهش لصوت الصفير المفاجئ وسط القرية التي غادرها قبل دقائق، وكانت الأسلحة البيضاء ما تزال في يده ولم يبلغ منزله بعد، عاود محمد طريقه فيما صفير الإنذار الذي يطلقه الشباب والفتيان يعلو ويزداد يتلوه صراخ ثم إطلاق صليات متتالية من الرصاص. حينها أدرك أن الحدث كبير وجلل فراح يركض إلى حيث مركز الحدث.وصل محمد أبا عاصف مركز القرية وبانت له الصورة ناصعة، لذلك انهمك في إدارة الحدث الآن ومشاركة الشباب والبنات والرجال والنساء ضرب الحجارة نحو الجند الأغراب المستعربين.الحجارة كانت تنهمر على الجنود الذين ما زالوا يحاولون الانسحاب بضحيتهم دون أن يفلحوا في ذلك، وصار الوقت يمر بصعوبة وبات الموقف في غاية الخطر بعد أن تجمع الناس من حول الأغراب المعتدين، وباتت الحجارة تنهمر فوق الرؤوس كانهمار البَرد. نجح الشباب في ضرب طوق محكم حول الأغراب المستعربين، إنها المرة الأولى التي يشاهد الشباب والناس فيها محمد أبا عاصف يحمل مثل هذه الأسلحة البيضاء الطويلة التي تقطر دما، لا بد أنه أوغل في دماء المستعربين بهذه الأسلحة، البعض همس في نفسه أو للآخرين قائلا: لا بد أنه فارس من فرسان زمان الذين سمعنا أن سيوفهم كانت تقطر دما في حومات الوغى، الدهشة تعلو وجوه بعض النساء والرجال، بعض النسوة أطلقن الزغاريد حينما شاهدن الأسلحة التي تقطر دما في يد أبا عاصف، فيما بعض النسوة الأكثر تعقلا رحن يرجونه أن يبعد هذه الأسلحة الخطيرة لأن مجرد مشاهدتها من قبل الجنود تجعلهم يطلقون النار بلا تردد، وكان البعض من الشباب يمسك بأذرعة محمد ويحاول ثنيه عن مواصلة الهجوم والقتل فيرجونه أن لا يرمي بنفسه إلى التهلكة بهذه الطريقة العنترية التي لا تفيد لأن الرصاص سيصلك قبل أن تتمكن من رفع سلاحك هذا، "وليس في كل مرة تسلم الجرة" * وستكون مذبحة في أبناء البلدة.أدرك محمد أنه وقع في كمين محرج، ثم همس لنفسه " إلي بدري بدري واللي ما بدري بقول كف عدس"* لذلك راح يصيح: يا جماعة هذه ليست لي، هذه للجزار،،هل تعتقدونني طرزان القرية!؟. ثم ما لبث أن ركنها جانبا خلف أحد الأبنية، وراح يشمر عن ذراعيه ويضرب بالحجارة مثله مثل الآخرين.كان الكابتن "نائل" قائد العملية قد بدأ يفقد قدرته على القيادة، لكنه ظل يتوسل التعزيزات عبر الهاتف الذي يحمله في يده. ولم يكن أمام المستعربين غير الدخول في دكان صغير ليحتموا به مع ضحيتهم طارق، ومن شق صغير في الباب راحوا يطلقون زخات متتالية مجنونة من الرصاص في اتجاهات عشوائية. وبدا الأمر وكأن مذبحة كبيرة ستقع تحت جنح الظلام. حيث استمرت الاشتباكات حتى منتصف الليل حينما وصلت التعزيزات الضخمة بواسطة الطائرات المروحية وطوقت البلدة بالجنود وأعلن منع التجوال، واستطاعت أعداد كبيرة من الجند اختراق الطوق والوصول إلى الجند المحاصرين والانسحاب بالمركبات المصفحة مع أسيرهم.كانت القرية حينها قد منيت بعدد كبير من الجرحى جراء صليات الرصاص المجنونة من قبل الجند المحاصرين، وكان الهم الأكبر لأبنائها هو إسعاف عشرات الجرحى إلى مستشفيات المدينة، لكن "سونيا الواوي" ابنة الثامنة عشرة كانت قد ارتقت شهيدة تلك الليلة بطلقة في الصدر.في صباح اليوم التالي وبمبادرة من "اللجان الضاربة" انطلق أبناء القرية شيبا وشبابا ونساء ورجالا ليكسروا الطوق الذي ضرب عليهم خلال ساعات الليل، وراحوا يهتفون باسم الشهيدة سونيا حيث تجمعوا معا وسط القرية وواروا جثمانها الطاهر التراب بينما روحها ترتقي إلى أعالي السماء.أما محمد فقد نجا مرة أخرى من الاعتقال، وكذلك نجا كبشه من الذبح، لكن إلى حين.هوامش :- مثل شعبي فلسطيني وربما معروف في بلدان بلاد الشام وغيرها، ويقصد به أن النجاح لا يضمن تحقيقه دائما.- مثل يقال في فلسطين وغيرها ويقصد به أن الحقيقة هي في غير الظاهر للعيان في هذه الساعة. وأصل المثل قصة طريفة.
7 –
ليلة اعتقال محمد
تسلم زمام المنطقة جنوب طولكرم في جهاز الشين بيت الإسرائيلي ضابط جديد اسمه الكابتن (النقيب) "ألون" ، ويبدو أنه من أصول أوروبية رغم أنه بات يتقن اللغة العربية التي درسها في الجامعة العبرية على مدى سنتين، وكان من ضمن مهماته اعتقال عدد من المطلوبين المصنفين مهمين أو خطرين ومنهم صديقنا محمد البلعاوي.إن مجرد تحقيق نجاح باعتقال مطلوبين سيسجل في ملف الضابط وسيفيده في تسريع الترقية، لذلك أعد الكابتن ألون خطة محكمة هذه المرة بعد أن فشلت خطط سلفه الكابتن "نائل". وكان قبل ذلك قد انكب على دراسة ملفات القرية ، وسكانها وأعمالهم وألقاب عائلاتهم ونشطائهم وتنظيماتهم وأيهم أكثر غنى وأيهم أكثر فقرا وأيهم طلبة جامعيين وفي أي الجامعات وأيهم يضمر أحقادا لجاره وأيهم كان له سوابق في السجون والمحاكم الإسرائيلية وغير ذلك مما لم يتمكن الضابط الجديد من استكماله منذ أن بدأ فيه منذ أسبوعين.كان محمد يسكن في طرف القرية القديمة، وكان البيت من الطراز القديم المبني قبل مئة عام وهو آيل للسقوط. وإذ ذاك كان محمد قد رزق بابن صار عمره الآن حولين وبنت أخرى رضيعة. وفي تلك الفترة كان محمد يشارك أصدقاءه الشباب بعض فعاليات الانتفاضة ويزاول أعمال البناء في النهار كلما تيسر له أي عمل، فقد أصبح قصيرا ماهرا منذ أكثر من شهرين.وصل الكابتن ألون على رأس قوة عسكرية إلى مشارف القرية عند انتصاف الليل وبعيدا عن أعين الرقابة التي كانت تمارسها لجان تطوعية تسمى "القوات الضاربة"، وقام أفراد القوة العسكرية بإبقاء مركباتهم في منعزل بعيد وراحوا يتسللون عبر بعض الحقول وتحت جنح الظلام.في تلك الليلة ظل محمد يجوس بين أصدقائه وبين شباب القوات الضاربة حتى فجر اليوم التالي، وبعد أن اطمئن إلى سلامة الحال، فقد تسلل عبر الأزقة وولج إلى منزله كعادته في بعض الليالي.لم يمض على دخوله سوى ثوانٍ معدودة عندما سمع صوت جلبة تنهمر من كل صوب وحدب، أحس بوقع خطوات حول البيت وفوق سطح المنزل، وما أن فتح الباب الرئيس للمنزل حتى واجهه بعض الجنود مشهرين أسلحتهم إلى رأسه.أسقط في يد محمد وهو يواجه مصيره وحيدا ودون علم من عناصر لجان الحراسة والقوات الضاربة، وشعر بنفسه ريشة في مهب الريح وهو يحاول امتصاص وقع المفاجأة، فعليه أن لا يستسلم وعليه أن يناور قدر الإمكان، فلعل وعسى. هكذا برقت الأفكار في مخيلته.كان أول ما تفوه به الكابتن ألون هو طلب الهوية وسؤاله عن أسمه وبصوت خافت جدا، في المقابل راح محمد يرفع صوته عاليا وهو يجيب:- أظنك قرأت اسمي بالعبرية الفصيحة في بطاقة الهوية، أنا محمد حمدان...هل ثمة اسم آخر في بطاقتي التي بين يديك؟ -لكن،،،أليس لك اسم آخر؟ رد الكابتن ألون بتردد.- اسم آخر، لا ليس لي إلا اسم واحد وهو بين يديك.- ألست محمد أبو طبق؟ رد الكابتن نائل بصوت خافت ايضا وهو يدقق البطاقة ويتفرس وجه محمد.- أبو طبق، من أبو طبق هذا؟ صاح محمد بصوت مرتفع. مما حدا بالكابتن نائل لتحذيره مرة ثانية من رفع صوته.في هذه الأثناء، كان بعض الجنود الذين تسلقوا سطح المنزل قد بدؤوا بالنزول إلى ساحة المنزل بعد أن تأكد لهم أن الأمر ليس بتلك الخطورة التي هيئوا لها، إن الشاب أعزل وهو فوق ذلك قصير القامة وبالكاد تبلغ قامته طول بندقية الميم 16 التي يحملونها. وفي هذه الأثناء، ندتْ عن محمد لفتة وامضة، إذ تنبه إلى أن بعض حجارة السطح على وشك السقوط في باحة المنزل ، وهي بانتظار لمسة صغيرة من قدم احد الجنود الذين بدأوا بمحاولة النزول في باحة المنزل، فبادر بسرعة إلى التقاط السلم الخشبي المركون في باحة المنزل الصغيرة وراح يسنده بحرص إلى الحائط مطالبا الجنود الحذر لأن الحجارة على وشك السقوط. وبالفعل، استند الجندي إلى السلم وهبط بحذر كبير، وما أن نزل الأخير حتى سقط حجر كبير في باحة المنزل كان يمكن أن يؤذي أحدهم لو أصابه.استغرب الجند هذه الفطنة في هذا الموقف وأعتبره بعضهم موقفا إنسانيا من الشاب الذي جاءوا لاعتقاله وقد هيئهم قائدهم أنهم بصدد اعتقال رجل خطير وشرير قد يبادر إلى إيذاء الجنود في أي لحظة. ومن هنا، فإن أغلب الجنود اسندوا بنادقهم وحولوها بعد أن كانت مصوبة جميعا إلى الشاب الذي تبين من خلال هذا الحوار أنه إنسان عادي جدا، وله زوجة جميلة، تتحدث الإنجليزية بطلاقة وتقارع الكابتن ألون بالحجة ، وتبين أن له طفلان صغيران كفراخ القطا. وتبين أن الشاب جامعي أيضا وليس كما اعتقدوا انه خارج من أعماق الغابات.استمر الحوار لبعض الوقت كان خلاله محمد يحاول أن يرفع صوته أملا في أن يسمع جيرانه ذلك فينتقل الخبر إلى لجان الحراسة فيشيع وتعلن حالة الاستنفار فيستعصي على الجنود الانسحاب بدون خسائر، لذلك ظل الكابتن نائل وجنده حريصون على عدم إحداث جلبة مسموعة رغم أن ثمة مسافة كبيرة بين منزله ومنازل جيرانه، مع ذلك فقد ظلوا يحذرونه بضرورة عدم رفع صوته، وبدا أنهم يرغبون بالانتهاء من المهمة بأسرع وقت ممكن، لكن المعضلة أنهم بدؤوا بالشعور أن تقارير الإخباريين قد غررت بهم، فهم بصدد أسم آخر، وليس محمد أبو طبق مثلما يفيد مخبرهم، تراخى الجنود وبدأ بعضهم بمداعبة الطفل ابن السنتين في انتظار أن ينهي الكابتن مهمته فيعتقل الشاب أو ينسحب بقوته، مما زاد من محاولة محمد الظهور بمظهر الشاب الوديع الذي وقع ضحية لبس أو تشابه أسماء ، فلعل ذلك ينجيه من اعتقال قاسٍ لا يعرف كم سيطول وكم سيستمر وأفراد الأسرة بحاجة كبيرة جدا لوجوده في هذه الظروف الصعبة.في اللحظة الأخيرة، خطر للكابتن خاطر ، عاد وطلب بطاقة الهوية مرة أخرى من محمد بعد أن أعادها إليه قبل قليل مع عبارات الاعتذار، وإذ ذاك خرج لبضع دقائق خارج فناء المنزل قبل أن يعود ويقرر أنه لم يخطئ مهمته، وأنه صار متأكدا الآن أنه جاء إلى العنوان الصحيح.جرى تكبيل يدي البلعاوي أمام زوجته وأطفاله الذين أفاقوا منذ بداية وصول زوار آخر الليل ، راح محمد يسير بين الجنود بينما كان بعضهم يدفعه في ظهره بطرف بنادقهم دون أن يفقد أمله بحدوث معجزة تنجيه من هذه الرحلة القاسية عليه وعلى أسرته. فطالما خبر معاناة الاعتقال وتعذيبه في ثلاث مرات سابقة. كان ما يزال يسمع صوت زوجته وهي تواصل كيل اللعنات على المعتدين باللغتين العربية والإنجليزية، ولكنه كان يقول في نفسه: لحجر صغير يضربون به أنفع لي من كل اللعنات، لكن يبدو أن الجميع في سبات عميق.كان السكون يخيم على القرية إلا من حركة أحد العملاء الملثمين بقناع أسود كان يرقب المركبات العسكرية التي أقلت محمد ومعتقلين آخرين وراحت تغيب بعيدا في بحر من الظلام الأسود بينما شرعت بعض الديكة تتبادل الصياح في أرجاء القرية الساكنة حيث بدأت خيوط الفجر تغزو جبالها المحيطة.
8 –
التحقيق في مسلخ طول كرم المركزي
كان اعتقال محمد قد تم فجر ليلة الأحد، وقد اقتيد معصوب العينين مكبل اليدين خلف الظهر مشيا على الأقدام من خلال الحقول إلى أن أودع في مركبة عسكرية على مشارف القرية وجد فيها معتقلين آخرين من أبناء قريته، وقد استطاع معرفة بعضهم من خلال بعض الكلمات التي نطقوا بها تذمرا واحتجاجا على القيود التي كبلوا بها أو احتجاجا على الكيس الكتاني القميء الذي لفتْ به رؤوسهم،،،تحركت المركبات العسكرية وراحت أصوات الديكة في القرية تغيب رويدا رويدا تحت وطأة أصوات المحركات فيما حنينا للقرية وأزقتها بدأ يشب في صدر محمد كجذوة نار تشتعل في تنور حسبه خامدا لوقت طويل، لقد بات يعرف أنه سيكون بعيدا عن قريته وعن أسرته وعن أصدقائه لوقت طويل وأنه سيكون نزيل السجن الإسرائيلي الأسوأ على الإطلاق، إنه سجن طولكرم للتحقيق المركزي الذي طالما عرف بكنيته بين الناس ب"المسلخ".في ذهن محمد صورة واضحة عن التعذيب الذي يجري في هذا المسلخ القذر من خلال زملائه وأصدقائه الذين سبقوه.ظلت السيارات تسير إلى أن وصلت السجن بعد أقل من ساعة من الزمان فتوقفت ليتأكد محمد أنه صار في فم المسلخ الكبير، وبدأ يشتم رائحة السجن الكريهة من تحت الكيس الكتاني الذي يغطي وجهه، ومن هناك جرى اقتياده مع طابور من المعتقلين الجدد فيما ما يزال الكيس القميء يكبت أنفاسه والقيود البلاستكية تحز معصمي يديه.تواصلت إجراءات تسليم المعتقلين وترتيب شؤونهم في المعتقل حتى ساعات الصباح، تفتيش ملابس المعتقلين وتغييرها بملابس السجن، إجراءات التسجيل والتحقق والتوثيق وإنشاء الملفات والتصوير أمام الكاميرا،،،ثم التوزيع كلٍ إلى ما قُررَ له، وغالبيتهم على قسم الشبح ، ومنهم محمد.في إحدى قاعات السجن جرى شبح يديه في مربط أعلى جسده، وكان السجانون قد جعلوا ظهره للحائط ، ومن هنا بدأت رحلة العذاب التي لم يكن محمد ليتفاجأ بها وقد سمع عنها الكثير، خصوصا أنه سبق وأن سجن في معتقلات الفارعة قرب نابلس وسجن رام الله أيضا لبضعة أشهر وسجن المسكوبية في القدس لبضعة أسابيع، لكن رحلة المسلخ لا بد أن تكون أكثر قسوة.إنه فجر يوم الأحد، اليوم الأول له في هذا السجن، لقد بدأ منذ هذه اللحظات التعرف من خلال حواسه على البيئة، بدأ يسمع همس المعتقلين الآخرين من حوله وأنين بعضهم وصيحات الجنود ولكماتهم الموجهة إلى المعتقلين المشبوحين إلى الحائط، وقد عرف بعضهم، وبين الحين والآخر صار يسمع أحد المعتقلين صائحا بسجانيه:- نازيين صهاينة مجرمين،،،،،،،ثم أصوات الركلات تتلاحق وتتداخل مع الشتائم والأنين والعويل.في نهاية هذا اليوم الأول استطاع تخيل المشهد من خلال ما استجمعه من بعض المعلومات والأصوات التي كان يسمعها من المعتقلين المشبوحين أو من خلال حركة الجنود والمحققين وبعض محادثاتهم باللغة العبرية التي يلم بما يكفي منها للتواصل مع البيئة. لقد عرف من خلال زملائه المعتقلين أن صاحب دخان الغليون الذي يعبق المكان هو المحقق الأكثر لؤما وقسوة، إنه الكابتن تصادق، وهو محقق صهيوني من أصول إنجليزية يجد متعته الفضلى في ضرب المعتقلين المشبوحين على أعضائهم التناسلية بركلها بقدمه أو يقوم أحيانا بفركها بقبضة يده بكل وحشية، مما يؤدي إلى حالات إغماء لبعض المعتقلين أحيانا.لقد ذكره غليون هذا المحقق بالدكتور ألبرت أغازيان الذي كان عميدا لشؤون الطلبة في جامعة بيرزيت قبل تخرج محمد من الجامعة منذ ما يقرب من عام، كان الدكتور أغازيان مواطنا فلسطينيا فذا ينحدر من اسرة أرمنية وكان يتحدث سبع لغات بطلاقة. وكان الدكتور ألبرت لا يسير في الجامعة إلا ودخان غليونه يتبعه ويشير إليه، لكنه أسف في نفسه لهذا الخاطر لأنه لا يمكن مقاربة صورة رجل متحضر وآخر وحشي جاء مع أفواج من مصاصي الدماء ليستولي على أرض شعب آخر.كان المحقق تصادق يشق طريقه بين صفي المعتقلين المشبوحين إلى الجدران فيما دخان غليونه يُعلن عن حضوره الوحشي ، وكان بوسع محمد تخيل المشهد المريع، عشرات من الشبان وقد شبحت أيديهم إلى حائط طويل، إنهم أشبه بالذبائح المعلقة في مسلخ، لا وجوه لهم لأن رؤوسهم غطيت بالأكياس القميئة، بعضهم كان يفك قيده ثم يساق إلى غرف التحقيق فيعود بعد ساعات أو لا يعود، الحركة في السجن قد تبدأ منذ ساعات الصباح وحتى منتصف الليل. بعض المعتقلين يتوسل شربة الماء فلا يستجاب له لعدة أيام قد تصل إلى أسبوع أو أكثر قليلا،،،مضى يومان وليلتان على محمد حتى الآن دون أن يرفع عن وجهه الكيس القميء أو دون أن يزود بشربة ماء، بدأ يحس بجسده قطعة يابسة من الخشب، لكنه بدأ يمني نفسه بأنه سيشرب الماء ويرفع الكيس عصر يوم الجمعة الذي لم يبق عليه سوى أربع ليال وثلاثة أيام. لا بأس أن نجعل من بعض الأمنيات الصغيرة معينا لآمالنا الكبيرة، حدث نفسه وزفر من فيه نفسا عميقا وهو يقول حسبي الله ونعم الوكيل.لقد انتهى حتى الآن من ترتيب أفكاره تماما لمواجهة المحققين، لقد أخذ وقتا كافيا لذلك فقد استعان بمضغ أفكاره ولوكها على قضاء الوقت الطويل ، سيستعين أيضا على هذه الورطة بأن لا يلح في طلب الماء، أما الطعام فهو يستطيع أن يتناسى أمره إلى أيام أخرى ، والأهم أنه سيظل يستحضر صور طفليه وزوجته في مخيلته كي تساعده على الصبر والتحمل، ولكي يصبر على عذاب الجلادين فلا ينجحوا بإدانته بأي تهمة تودي به في غياهب السجون لوقت طويل، الصُور التي أعجبه تكرارها في مخيلته هي صُور أزقة القرية، كان يتخيلها ثم يرى نفسه يمشي بها على مهل، فيسلم على هذا ويجلس مع ذلك ويتبادل الطرائف المضحكة مع تلك أو ذاك من الأصدقاء والجيران والأهل،،كانت مثل هذه السيناريوهات تأخذ منه وقتا كبيرا فتعينه على التحمل ونسيان الألم الذي يسرى في ساعديه وكتفيه.في ضحى يوم الخميس، بعد خمسة أيام من الاعتقال والشبح، جاء أحد المحققين ونادى صائحا: من محمد أبو طبق؟ ران الصمت فعاد الجندي المحقق يسأل : مين محمد أبو طبق؟كان محمد قد عزم في نفسه على بداية معركة الإرادة من هذه اللحظة.صاح الجندي مرة أخرى: من منكم هنا من قرية بلعا؟ثلاثة من المعتقلين أجابوا بنعم ومنهم محمد. وبدأ بسؤال كل واحد عن اسمه.توجه المحقق إلى محمد قائلا: ألست أنت محمد أبو طبق؟- أنا محمد حمدان وبوسعك العودة إلى بطاقتي. قال محمد بهدوء.وبينما راح الجندي يفك قيود محمد من الحائط، فقد راح يصيح بحنق وغضب:- هل أتي لك بأمك وأبوك ليقولا لك أنك من دار أبو طبق؟ هل آتي لك بجدك من القبور ليقول لك أنك من دار أبو طبق؟ هل أتي لك بالله من سمائه ليقول لك أنك أبو طبق؟- لا لست هو أنا ،،،قد يكون شخص آخر، رد محمد ببرود مرة أخرى وقد بدأت معنوياته في التحسن بعد أن نجح في إثارة الجندي من باب أولى فيما بدا أنه مقبل على مرحلة التحقيق التي كان يستعجلها في نفسه ليواجه مصيره وليتخلص من وضع الشبح القاتل هذا،،،دفع الجندي بمحمد من خلال باب وهناك قام برفع الكيس القميء عن وجهه لأول مرة منذ خمسة أيام فأحس بأنه يولد من جديد، لكنه ظل يعزم في نفسه على مواجهة التحدي. وحينما بدأ يفرك عينيه حيث انهمر فيهما سيل جارف من الضوء فجأة بعد ليل طويل دام خمسة أيام بلياليها كانت صورة المحقق تتضح له تماما، ،،،،،،- أنا الكابتن تصادق، لا بد أنك سمعت بي ، قال المحقق.- ومن أين سأسمع بك، لقد غطوا رؤوسنا بالأكياس ولم نكن في مقهى نتبادل الأحاديث.- هكذا إذن. رد الكابتن تصادق وهو يهز رأسه، ثم راح يتفحص جهاز الكمبيوتر أمامه بينما عيناه تحدجان محمد بنظرات الاستعلاء والكراهية.
9 –
مواصلة التحقيق
* * *كانت فرصة لمحمد أن يتفحص شكل المحقق "تصادق" الذي طالما سمع عن قسوته ووحشيته ثم ترائى له الفرق الشاسع بين صورة المحقق القصير القامة القميء الوجه وبين صورة الدكتور ألبرت أغازريان الذي كان يعطر أجواء الجامعة برائحة تبغه الطيبة وبسماته الواثقة الحانية ووميض عينيه الأبوي: -أنت اعتقلت قبل هذه المرة في معتقل الفارعة، ثم في سجن رام الله، وسجن المسكوبية في القدس، لكن أريد أن أنبهك أننا هنا غير تلك الأماكن والمعتقلات،،في تلك المعتقلات أن تخرج بدون اعتراف فذلك شيء مألوف،،،عادي جدا،،،هناك الأمر يعتبر نزهة،،،لكن هنا الأمر مختلف،،أظنك سمعت عن المسلخ؟!!. قال ذلك الكابتن تصادق وأشاح بنظره عن جهاز الكمبيوتر وراح يرمق محمد باستخفاف واستعلاء.كان محمد يصيخ السمع ويهز رأسه بإيماءات خفيفة لكنها تعطي دلالات متعددة، فلا هي بالقبول ولا هي بالرفض ، ولكنها لا تزيد عن معنى :أنني اسمع ما تقول.مرة أخرى، تترائى له صورة الدكتور ألبرت أغازريان حينما قابله بعد أن أفرج عنه في أول مرة يعتقل فيها: قال له الدكتور ألبرت، المعتقل أيضا امتحان يا محمد، البعض ينجح فيه والبعض يرسب، فانتبه وأحب لك أن تظل من الناجحين مثلما عرفتك دوما.- يبدو أنك سرحت بعيدا يا محمد. دق المحقق تصادق بقاع غليونه على طرف الطاولة حينما لاحظ السرحان في عيني محمد، ثم واصل قائلا:- هل سمعت بحكاية الحرامي والسلطان؟ سأرويها لك ولكن أرجو أن لا أضطر لتكرارها عليك .- هز محمد رأسه دون أن ينبس ببنت شفة. فشرع المحقق تصادق يسرد حكايته: لقد قبض حرس السلطان على الحرامي وهو يسرق السمك من بركته القريبة من القصر، فاقتيد إلى السلطان. فحكم عليه السلطان بالسجن ألف يوم عقابا له لتجرئه على سرقة أسماك السلطان،،،غير أن اللص راح يتوسله أن يعفيه من هذه العقوبة وينظر في غيرها.توقف الكابتن عن الحديث قليلا وراح يحشو غليونه ويشعله قبل أن يعاود استكمال قصته:قال له السلطان، أوافق أن أعفيك من هذه العقوبة بل سأخيرك بين ثلاثة : إما أن تدفع ألف دينار من الذهب. أو أن تسبح ألف يوم في البركة، أو أن تجلد ألف جلدة.اختار الحرامي أن يسبح في البركة ، فقد تهيأ له أنه الخيار الأسهل والأقل كلفة، لكنه بعد ساعات لم يتمكن من مواصلة السباحة وراح يرجو السلطان أن يغير العقوبة، وراح يطالب بعقوبة الجلد بديلا، فوافق السلطان، لكن الحرامي لم يستطع احتمال أكثر من عشرين جلدة ، فشرع يصيح ويتوسل السلطان مرة أخرى أن يعفيه وأن يختار عقابا أخر ، فوافق السلطان على عقوبة الألف دينار كخيار أخير، ولهذا الغرض أخرجه مع الحراس ليجمع المبلغ، لكنه فشل في جمع شيء منه فأعيد إلى السلطان وبدأ هناك يتوسل إليه العودة إلى العقاب الأصلي بأن يسجن الألف يوم. صمت المحقق تصادق قليلا، ثم واصل:وأنت يا مخمد، أخشى عليك أنك لم تفهم القصة ولم تعتبر منها فتعود إلى بداية المشوار. قال المحقق تصادق معلنا نهاية الحكاية.-اسمع يا خواجة تصادق، الحرامي قبض عليه متلبسا بسرقة سمك السلطان، أما أنا فقد جاء رجالك واعتقلوني من بين أبنائي ومن منزلي وليس من بركة السلطان. أنتم من جاء إلى بركة السلطان وليس أنا.- مخمد أنت فيلسوف زمانك، أنت متهم بأنك تحرض على دولة إسرائيل وأنك مشترك بأعمال تخريبية ، وأنت متهم على التحريض على مراقبة وتتبع الكابتن "نائل" قبل نقله من المنطقة، وعليك اعترافات، وهناك مسائل أخرى سنكشفها لاحقا. قال ذلك الكابتن تصادق وكأنه يقرأ من شاشة الكمبيوتر أمامه.- هذا كله غير صحيح، وأنا أتحدى أن تأتي لي بأي شخص يعترف بذلك،، حتى لو اعترف بعضهم تحت التعذيب فأنا لا أعترف بذلك،،أنا رجل منهمك في أعمالي وليس لي شأن بما تقول. قال محمد ذلك ببعض العصبية ولكنه عاود جزر لسانه فأوقفه ليسمع ما الذي في جعبة المحقق.- اسمع يا مخمد، أنت شاب جامعي وعقلك كبير، نريد لك ولنا أن نختصر الطريق لأنك تعرف أننا نملك الوسائل لنثبت عليك ذلك ولنحكمك بأحكام عالية، لكن يمكن أن نخفف عنك قليلا إذا أبديت تعاونا في التحقيق،،،. قال المحقق تصادق، ثم راح يصلح من وضع غليونه ويشعله على مهل. ثم واصل:أنت تتعدى على القانون لدولة إسرائيل، ودولة إسرائيل دولة ديموقراطية لا تقبل تجاوز القانون ولا تقبل الإرهاب، وأنت تعرف نحن لدينا القوة لتعترف ولنصل أهدافنا، هل نسيت أننا كسرنا كل الدول العربية في ستة أيام!؟؟ هل أنت زعيما أكثر من الزعماء العرب؟ جمال عبد الناصر نفسه كان ينصاع لأوامرنا ونحن من يسمح لأمريكا بمساعدة العرب، وإن رغبنا منعنا عنهم المساعدة، هل تعتقد أن ياسر عرفات يحلم بك، أنت لا تعلم أنه يعيش الآن في أحسن الفنادق وهو يعاقر الخمر وهو عميل للاتحاد السوفييتي، أما أنت فمسكين أنت، أنت مغرر بك ولكن يجب عليك أن تعترف...- ليس لدي ما أعترف به وأنت متأكد أنهم اعتقلوني من منزلي وليس من ميدان حرب وليس لي شأن لا بعبد الناصر ولا بعرفات ولا غيره.- إذن أنت اخترت الطريق الطويل ، وأنت تجني على نفسك،،،- وماذا ستفعلون أكثر مما تفعلون بنا،،،هل تهددوننا بالقتل، فليكن ذلك، ألم تقتلوا مئات الآلاف من الشعب الفلسطيني؟ هل حل ذلك مشكلتكم؟ إن حل مشكلتكم ليس على حسابنا وليس على أرضنا، عودوا إلى حيث جئتم من أوروبا وغيرها ومن،،- اخرس يا كلب ،،أنت تعمل فلسفة كثير،،لا تنسى أنت سجين وأنا هنا المحقق.- أنا لا أنسى ذلك،،لكن الحقائق مرة على أسماعكم،،أم تريدني أن أظل صامتا،،حسنا.قال محمد ذلك وكأنه يوجه تهديدا مبطنا بالصمت، ثم أشاح بوجهه إلى ركن الحجرة التي طليت جدرانها بالرمادي المقيت. أنت تجيب على أسئلتي فقط. قال الكابتن صادق بحزم مفتعل.- وهل أنت الذي يحدد الإجابات؟ إذا كان الأمر كذلك، فاكتب لديك ما تريد على لساني، وهذه ليست غريبة عليكم..- شتير ،، شتير(جندي – حارس) ، تعال خذ هذا الكلب إلى الشبح مرة أخرى. ولا تعطوه شيئا غير الماء.
10 – الأخيرة
و لن تنهي الحكايات
انتهت جلسة تحقيق أخرى فنادى الكابتن "تصادق" الواقف بالباب الجندي وطلب منه بلغته العبرية إعادة محمد إلى مكان ما في المعتقل:- شتير، تحزورتو لفريجدرير،، مهير. قال ذلك الكابتن صادق بنبرة غاضبة.قبض الجندي ياقة قميص محمد البني الداكن وراح يجره جرا فيما يداه مكبلتان إلى ظهره، وعبْرَ الممر الطويل للمعتقل كانت ثمة حركة نشطة لهذا اليوم، جنود يضربون معتقلا مكبلا بينما لم يكن أمامه غير توجيه الشتائم لهم، جنود آخرون يجرون معتقلا على البلاط بعد أن أغمي عليه حينما ركله الكابتن " نوح " على مناطق حساسة بين فخذيه، رغب محمد أن يتوقف ويتفحص المعتقل المصاب محاولا التعرف عليه، حينها سارع الجندي وركله بقدمه اليسرى على مؤخرته، لذلك استشاط محمد غضبا وصاح في الجندي بأعلى صوته.- أنتم نازيين بل أكثر من النازيين،،،،أودع محمد هذه المرة في الثلاجة عقابا له على ما اعتبر مقاومة وتمرداً وعدم انضباط وعدم تعاون في التحيق، نعم هي ثلاجة تبريد تتدنى فيها الحرارة إلى درجة الصفر مئوي تقريبا ، الآن فقط استطاع تفسير معنى الأمر الذي صاح به الكابتن "تصادق" للجندي، إنها زنزانة لا تزيد أبعادها عن متر واحد عرضا ومتر ونصف طولا، كان الهواء البارد ينفث من فتحة في سقف الزنزانة ، حينما غاب وجه السجان وهو يغلق الباب خلفه، شعر محمد في البداية ببعض الراحة بعد أن كان يتصبب عرقا ، ولكنه سرعان ما أفاق من ومضة الراحة تلك حينما بدأت أسنانه تصطك اصطكاكا فيسمعها كما لو كانت ماكنة صغيرة لطحن القهوة، بدأ يفرك كفيه بعضهما بعضا ، ثم راح يمارس الوقوف والجلوس تباعا كي ينشط دورته الدموية لكن دون فائدة كبيرة، استمر على هذا الحال منذ ساعات المساء إلى أن جاءه الجندي في الصباح وفتح باب الزنزانة الثلاجة وسحبه سحبا للخارج لأنه بالكاد استطاع تحريك رجليه المجمدتين ، بدأ محمد يستنشق هواء كوردور المعتقل الساخن وبدا له وجه السجان كمخلوق غريب لا ينتمي إلى جنس البشر حينما كان يقهقه بضحكة صفراء لا تشبه أصوات الناس ولا ضحكاتهم.انتهت الأيام الثمانية عشر للتوقيف القانوني الصوري الذي يتعاملون به في المعتقلات، واقتيد محمد إلى المحكمة بصحبة معتقلين آخرين، وكان القاضي الأشقر الذي هو عبارة عن ضابط بلباسه العسكري لا يوجه للمعتقل غير سؤال واحد:- هل أنت مذنب؟ - لا لست مذنب.- يمدد اعتقالك لعشرين يوما أخرى. انتهت الجلسة.- انتهت انتهت،،، محاكم مهزلة وقوانين مسخرة. قال محمد ذلك وهو يرسم ابتسامة ساخرة على فمه فيما السجان يحاول جره من كتف قميصه باتجاه العربة التي ستعيده إلى المعتقل.ومن هناك أعيد مرة أخرى إلى الحجرة الكبيرة حيث عشرات المعتقلين المشبوحين وقوفا أو جلوسا على كراسٍ قصيرة الأرجل أو على صناديق بلاستيكية تستخدم لنقل زجاجات المشروبات الغازية التي يستهلكها الجنود في المعتقل.كان نصيب محمد الجلوس فوق صندوق من تلك الصناديق بينما كان مكبل اليدين ثم زيد على ذلك بأن أعيد القمع الكتاني القذر إلى رأسه فغطى وجهه وكتم أنفاسه برائحة الرطوبة والقذارة، وصار ذقنهُ يلامس ركبتاه في تلك الجلسة التي تزرع الألم في الظَهر، لكنه أملً نفسه باختلاس غفوة صغيرة علً ذلك يخفف من آلامه ويعوضهُ عن ليالٍ طويلة من قلة النوم، خصوصاً في الثلاجة التي قضى فيها ست ساعات متواصلة.* * *كانت ثلاثة شهور قد مرت منذ اعتقاله حينما داهمته غفوة صغيرة كأنها برق وامض، رأى نفسه يزرع شجرة صبار صغيرة بحجم كف يده، ورأى نفسه يعلوها ويقطف من ثمارها زيتونا أخضرا يانعا وكان في غاية السعادة وهو يتنسم هواء عليلا يأتي من ناحية البحر الذي يشاهد من الأماكن العالية في قريتهم،،،وحينما استفاق من حلمه الوامض هذا، كان قد تخفف من كل آلامه، وشعر بطاقة جديدة تنفجر في نفسه، وأسرَ لنفسه أنه على استعداد الآن لمزيد من التحمل والصبر ،،،في صباح ذلك الحلم، جرى تحويل محمد إلى زنزانة صغيرة تبلغ أبعادها مترا واحد عرضا في مترين طولا ومترين ارتفاعا، ولحسن حظه فقد جيء له بشريك في الزنزانة التي لا يدخلها الهواء إلا من بضعة ثقوب صغيرة في السقف، مع ذلك تعتبر هذه الزنزانة فرجا كبيرا في معتقل طولكرم لولا المصباح المضاء على مدى الأربع والعشرين ساعة بحيث يمنع المعتقل من النوم ويحيل حرارة الزنزانة إلى فرن حار، أما الماء وقضاء الحاجة فثمة فتحة صغيرة في أرضية الزنزانة يقوم المعتقل من خلالها بقضاء حاجته، وفي الوقت نفسه فمن سنبور الماء المتدلي فيها ينهل حاجته للشرب بكف يده أو بكأس قذرة يوفرهُ السجانون في الزنزانة لهذا الغرض.كان مجيء الشاب مصطفى محمود بركات فرجا جديدا لمحمد، بدءا يتبادلان التعارف والحكايات في الزنزانة، مصطفى شاب وسيم الطلعة قوي البنية من قرية عنبتا المجاورة لقرية محمد، لقد اعتقل قبل بضعة أشهر على معبر الجسر أثناء عودته من إحدى البلاد العربية ووجهت له اتهامات بالانضمام لمنظمات فلسطينية والتدرب على السلاح والتخطيط لعمليات عسكرية، رفض مصطفى التهم الموجهة إليه ولم يبدِ أي تعاون مع المحققين وظل يتشبث بكلمة "لا" فقط. وعرف محمد منه أنه الشقيق الوحيد لخمس شقيقات ما زلن في ربيع العمر. في ساعات صباح أحد الأيام كان السجانون قد قرروا شيئا مهما. سحبوا مصطفى من الزنزانة واقتادوه لجهة غير معلومة ، في مساء اليوم التالي، كان محمد من خلال زنزانته يسمع أصوات جلبة لم يعهدها من قبل قرب زنزانته، قدر أن الأمر ما هو إلا مناورة لترويع المعتقلين وإرهابهم نفسيا وإغراقهم بالضجيج،،،بعد دقائق كانت أصوات المعتقلين من خلال الحجرات المغلقة والزنازين الموصدة تصيح غضبا وتدق الأبواب بقبضات الغضب والتمرد والثورة، لقد سرت إشاعات في المعتقل عن استشهاد احد المعتقلين تحت التعذيب اختناقا نتيجة الضرب ونتيجة إحكام الكيس القذر على وجهه.وفي ذلك المساء قرر السجانون إطلاق سراح العشرات من المعتقلين قبل وصول لجان الصليب الأحمر للمعتقل. وكان محمد واحدا من المفرج عنهم بعض قضاء شهور ثلاثة قاسية.في ظهيرة يوم 5/8/1992 الذي وصل فيه محمد منزله ، كانت زوجته تضع مولودها الثالث (فراسة) في المستشفى القريب. وكانت أبواب مسلخ طولكرم تستقبل جموعا جديدة من شباب فلسطين مكبلي الأيدي تحت أنظار الصليب الأحمر والهلال الأخضر.في تلك الظهيرة كان محمد يشارك أهل قرية عنبتا تشييع جنازة الشهيد مصطفى بركات الذي لم ينبس ببنت شفة إلا أنه نطق بالشهادة في الثواني الأخيرة لحياته قاهرا السجانين بصموده وصمته .
=============
تعقيب من ا الأستاذ الأديب نزارب. الزين / سوريا/ كندا
- وثيقة جديدة من فظائع الإحتلال و أساليبه النازية في احتلاله و اغتصابه الأرض و الماء و الهواء
- و ثيقة جديدة من أدب المقاومة
- و ثيقة إجتماعية عن أحوال القرى الفلسطينية
- تحليل نفسي معمق لشخصيات القصة
- أسلوب تصويري رائع في نقل الأحداث
***
اخي المبدع المقاوم ابو غسان
قضيت بضع ساعات أخّاذة مع ملحمتك الرائعة "من حكايات القرى"
أدام الله لك هذا النفس الروائي الجذاب
و أدام لك إبداعك و تألقك
نزار ب। الزين/ سوريا - كندا مراجعة الرابط التالي :
http://www.freearabi.com/حكايات-القرى=قصة-في-حلقات=عزام-أبو-الحمام.htm
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
الأستاذ الكبير الأديب نزار ب.الزين حفظه الله
اشكرك وأمتن لك وقد شرفتني بهذا الإطراء وشرفتني أكثر باستضافة حكاياتي هذه ونصوص أخرى لي مما يمنحني وساما
على صدري أرجو أن أكون في مستواه وفي مستوى حسن ظنك وما أنا إلا تلميذ مجتهد في مدرستكم الكبيرة.
مع خالص تقديري.
الجمعة، 25 يونيو 2010
قَمرُ النقب باتَ حزيناً بقلم عزام أبو الحمام

قمر النقب بات حزينا (1- 4)
كان بسام الصمودي (1) يسترق السمع إلى كلمات أبي خالد بينما آثر أن يظل ممدوداً على برشه (2) في طرف الخيمة التي اكتظت هذا الشهر، ليصل فيها عدد المعتقلين إلى ثمانية عشرة معتقلاً، في حين أن سعتها الحقيقة ثمانية معتقلين فقط ، لا بل إن بعض الخيام تحوي ستة وعشرون معتقلاً أو يزيد، ولهذا قال بعضهم إنهم محظوظون نسبياً عندما يقل العدد عن عشرين معتقلاً في الخيمة، لكن حملات الاعتقالات الجماعية الواسعة ما تزال مستمرة في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ ثمانية أشهر حينما اشتعلت الانتفاضة المتصاعدة في الأراضي المحتلة.
ظل الموجه الثقافي للخيمة "أبو خالد" - وهو شاعر وصحفي يمضي اعتقالاً إداريا لمدة ستة شهور- ظل يواصل محاضرته التي يتوجب على الجميع سماعها، وكان أبو خالد، من ذلك النوع الذي يحب الإسهاب والاستطراد في أحاديثه، وهو يبرر ذلك بأن الوقت طويل وليس ثمة شيء آخر مفيد يقتل الوقت ، وقد يكون لذلك علاقة بكونه صحفياً وشاعراً في ذات الوقت، وهو على كل حال، يمضي "نزهة قصيرة" في معتقل النقب كما يتندر أحيانا بعض زملائه من المعتقلين، وحين ذاك، كان أبو خالد يقذف بجملته المعروفة في وجه أولئك المتندرين، كان يقول الجملة وكأنه يصب رصاصاً سائلاً في قالب: "إن اليوم عندي بألفٍ مما تَعدون"، ثم ما يلبث أن ينفجر بضحكته المغرغرة كغرغرة الماء في قارورة النرجيلة...
وحينذاك فقط، تتبدى ملامح طفل صغير كأنهُ لا يعرف من الدنيا سوى الفرح والضحك...
وبالرغم من أن مشرف الخيمة "الشاويش" (3)، سمح لبسام الصمودي بالتحرر من الجلسة والمحاضرة، باعتباره مريضاً منذ أسبوع، إلا أنه آثر متابعة محاضرة أبي خالد، لتلتهم أذناه المفرودتان كل كلمة يقولها أبو خالد.
قال أبو خالد: إن هذه الدولة هي دولة جيش وليست دولة شعب واستطرد أبو خالد في حديثه، في حين كان المعتقلون الملتفون حوله بشكل نصف دائري غير معترضين على شيء مما يقولهُ...، وبدأ السأم على وجوههم اصفرارا وتثاؤباً، وقد بدا أيضاً أن اتفاقاً أبرم فيما بينهم على وقف الاعتراضات أو توجيه الأسئلة، ليتسنى لهم التحرر من هذا الجو الخانق الذي وجدوا فيه أنفسهم.
عندما كان بسام يُـقلب الجملة الأخيرة لأبي خالد في مخيلته لم يستطع إدراك مختلف أبعادها كما يدركها الآخرون، هكذا تهيأ لهُ، ولذلك فقد استجمع شجاعته ورفع يدهُ متسائلاً، يدفعهُ الفضول أولاً، ثم لتأكيد حضوره وانتباهه بالرغم من مرضه...
- هل دولنا العربية هي دول شعوب أم جيوش، أنا أرى أنها دول للحكام فقط.
- طيب خلاص، ناوي تفتح جبهة جديدة يا أخ بسام. فهمنا يا ناس وعظامنا فهمت. تمتم أحدهم القريب من باب الخيمة.
استمر أبو خالد في إسهابه المعهود بكل جدية، فيما كانت خيوط من العرق تتفصد من جبينه الواسع، وجالت عيون بسام في وجوه الجالسين، كانت الوجوه قد اكتست بطبقة بنية من الغبار الناعم الرطب، الذي امتزج بالعرق المتفصد من الوجوه، بدت بعض الوجوه مضحكة وخصوصاً تلك المكتسية بالشوارب أو اللُحى، كانت الشفاه جافة والعيون غائرة، وبدت الوجوه بنحافتها كوجوه الأنباط أبناء الصحراء، أو بوجوه كنعانية تعاقبت عليها الأزمنة، الغبار الصحراوي يضفي على الشعر لمسات أسطورية ، بدا وجه أبو خالد كوجه علي بابا الخارج من كتاب ألف ليله وليلة ...
تسلل بسام من بين الحضور على مهل وخيل له أن البعض إنما يحسدهُ على هذا الامتياز الذي يمنح للمريض من زملائه، تردد قليلاً عند باب الخيمة، وفي محاولة منه لتذكيرهم بأنه مريض فقد اخرج قرص "الأكمول" (4) الصغير الذي استلمه هذا الصباح من العيادة ، ورماه في فمه قبل أن يلفظهُ باب الخيمة إلى الساحة الرملية الملتهبة تحت قدميه...
لفحتهُ موجة هواء ساخنة، فأحس بالرمل يلتصقُ بمسامات جلده، لكنه مع ذلك يتنفس الصعداء بعد أن تحرر من جحيم الخيمة التي استحالت إلى فرن يشوي الأجساد الآدمية الحية... أجال بناظريه في كل الاتجاهات، لاحظَ الجنودَ حول الأسلاك الشائكة كالمعتاد، كان بعضٌ منهم يتبادلُ الحديثَ مع زملائهم في أبراج المراقبة التي تحيط بالمعتقل، وبعضهم يجري تدريبات مختلفة في الطرق الفاصلة بين الأقسام، بعض المعتقلين يجلسون أمام خيامهم... يتنقل البعض من خيمة إلى أخرى، مجموعة أخرى تتحركُ حول خزان معدني للمياه، كل شيء بدا له عادياً وطبيعياً، فيما بدت الخيام ذات اللون الأخضر الباهت، كمخلفات حضارة بدائية غير مكتشفة للعالم، أو قد تكون مشهداً لحياة خيالية على كوكب المريخ ...
كانت الخيام قد بُنيت صفوفاً متناسقة، وقسمتْ الصفوف إلى مناطق أو أقسام، حيث يضمُ القسمَ عدة صفوفٍ من الخيام، وبين كل قسم وآخر ثمة مسافة تقاربُ المائة متر، وقد فُصِلتْ بأسلاك شائكة يزيدُ ارتفاعها عن المترين. وكان عدد المعتقلين قد قارب الألفين من الشباب والرجال.
بدأ يبحث بناظريه في الأفق، لعلهُ يجد شيئاً ما يخرجه من هذا الجحيم، أو لعله يشاهد نسراً أو حماماً برياً يتسلى في مراقبة حركات أجنحتها... الرياح الغربية تذرو الرمال الناعمة بين الحين والآخر، لكنه أحس بقليل من الانتعاش والرطوبة، لاحت له في الأفق الغربي من السماء كتل منفصلة من الغيوم الرمادية، كانت الغيوم تبدو بعيدة ولكنها تتقدم ببطء في وسط السماء، كأن القمر بيضة فضية كبيرة، وجه حسناء ناصع البياض...
أنفتل بسام الصمودي عائداً إلى الخيمة، وقرر في ذات نفسه أن يزف بشرى لزملائه في الخيمة، عله يخرجهم من ذلك الجحيم الملتهب، سار عدة خطوات فأحس بالرمال تشوي قدميه، دفع بنصف جسمه النحيل عبر باب الخيمة وقال بصوت ممطوط :
- غيوم سوداء قادمة من الغرب، وقمر الليلة وجه حسناء مبتسم.. أقسمُ بذلك...
تبادل الجميع النظرات بصمت وحولوها إلى أبي خالد الذي نال منه الإرهاق والتعب ما نال من الآخرين، ودون أي كلمة، وقف أبو خالد ووقف الجميع يمسحون العرق عن وجوههم، وراحوا يخرجون واحداً تلو الآخر بصمت مطبق، وما أن نظروا إلى الأفق ثم إلى السماء، حتى انفجروا بضحكة طفولية عالية...
* * * * * * *
في مكاتب قيادة المعتقل، التي بنيت على عجل من الخرسانة الجاهزة، وقريباً من المدخل، بدأت حركة غير اعتيادية بين المكاتب ونقاط المراقبة، لقد قرر قائد المعتقل عقد اجتماع موسع لكافة الضباط المسؤولين في المعتقل.
قال الكولونيل "تسيمح " (5) الذي تصدر الطاولة الطويلة :
- (نخنُ) لن (نسمخ) بتغيير أي من النظم والتقاليد المتبعة في هذا المعتقل... لدينا معلومات مؤكدة عن وجود تخطيط للإضراب عن الطعام (والاختجاج)، وهنالك (تخريض) من الخارج على أعمال شغب...
في ساعات المساء، قامت إدارة المعتقل بإبلاغ المعتقلين استعدادها لمقابلة اللجنة التي تمثلهم من أجل التعرف على مطالب المعتقلين...
قال الكولونيل تسيمح مهدداً :
- إن مطالبكم في تخفيف الازدحام (وتخسين) الطعام، وعدم التعرض للضرب، هي مطالب غير منطقية، وهي غير مقبولة لنا، أما مسألة برد الليل القارص فنحن مثلكم أيضا، نعاني من البرد، وهذه هي الصخراء كما تعلمون... (ونخنُ) هنا في معتقل "كتسعيوت" وكذلك في قيادة الجيش لن (نسمخ) بأعمال (اختجاج) وإخلال بالنظام مهما كان السبب.....
خرج أعضاء اللجنة الاعتقالية متجهمي الوجوه بعد هذا اللقاء المسموم بالكثير من التهديدات والتحذيرات والغضب من قبل قائد المعتقل . وفي الليلة نفسها، عقدتْ لجان الأقسام الاعتقالية اجتماعات مع بعض المشرفين على الخيام وتم تبادل رسائل خاصة بين الأقسام وبدت الأعصاب مشدودة والوجوه غاضبة ومستنفرة ، وبدا أن انفجاراً كبيراً على وشك الوقوع،،،
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة، حيث سنعرف ماذا قررت لجان الأسرى القيادية، وماذا جرى من وقائع مريرة.
الهوامش:
1 - بسام ابراهيم علي الصمودي : مواليد قرية اليامون-جنين 1958، . استشهد في المعتقل بتاريخ 16/8/1988.
2 - البرش : هي فراش المعتقل الذي ينام عليه ، وهو مكون من فرشة أسفنجية خفيفة وبطانية متهرئة .
3 - الشاويش: احد الأسرى الذي ينتخبه زملاؤه الأسرى ممثلاً لهم على مستوى القسم أو الخيمة أو الغرفة، ويشكل حلقة وصل ما بين إدارة المعتقل وبين الأسرى حيث ينقل للإدارة مطالبهم وشكاويهم، وقد اختار الأسرى ذلك لتجنب مزاجية الإدارة في اختيار ممثلين عن الأسرى.
4 - الأكمول : أقراص صغيرة تستخدم كمسكنات خفيفة للآلام، ولكن العيادة الصحية في المعتقل تقوم بصرف هذه الأقراص لمختلف أنواع الأمراض، وكذلك الحال في مختلف المعتقلات الإسرائيلية .
5 - تسيمح : دافيد تسيمح : مدير المعتقل وهو برتبة عقيد-كولونيل / قدم إلى إسرائيل من بولندا مع والديه في أوائل الخمسينات، والتحق بالخدمة العسكرية بناءً على رغبة والديه اللذين اعتقدا أن الخدمة العسكرية ستهذب النزعات العدوانية التي طبعت سلوكه منذ كان طفلاً، يعتقد أنه مصمم معتقل أنصار(2) الإسرائيلي في جنوب لبنان، وهو أيضاً مصمم هذا المعتقل الذي يشبه المعتقلات النازية.
منذ ساعات الصباح الباكر شرعت صحراء النقب تمور بزوابع رملية تحوم في الأرجاء وتطلق مردة الغبار والنار أعمدة لولبية تذكر المخلوقات بسخط الصحراء وجبروتها، أما داخل معتقل أنصار-3 (كتسيعوت) المطل على صحراء سيناء غرباً، فقد بدت الأجواء هادئة كرمضاء تغفو على جمر أحمر، بدت حركة تنقل المعتقلين ما بين الخيام قليلة وهادئة هذا الصباح، وغالبيتهم يجلسون في حلقات داخل خيامهم التي بدت كقبور أقوام بائدة منذ الآلاف السنين ، وبانتظار نوبة العدّ الصباحية يمكن تدارس التطورات الجديدة في مواجهة إدارة المعتقل، منسوب القهر والإذلال يرتفع ولا يتوقف عن الصعود،كانت مجموعة قياديين منتخبين قد دبجوا رسائل في ساعات الليل لتهريبها خارج المعتقل। وكلفت حلقة أخرى بنسخ الرسائل الأساسية بخط صغير لطيها وإرسالها لأكثر من جهة خارج المعتقل، وهي ستطوى في كبسولات صغيرة بحجم فلتر السجائر(1) لتهرب مع المرشحين للإفراج أو مع بعض المحامين لإيصالها خارج المعتقل لتهيئة الأجواء في الخارج ولتنشيط حركات التضامن الإعلامي مع المعتقلين، ثم للتشاور مع القيادة التنظيمية في الأرض المحتلة ومنها إلى بعض الجهات الأخرى ذات العلاقة.
أما أهم المجموعات، فهي تلك التي كلفت بإجراء اتصالات سريعة بين الأقسام عن طريق "بريد الطابة" ، وقد كلف المعتقل الشاب أسـعد الشوا بتحضيرها بعد أن سلمت لهُ الرسالة في الخيمة، ولذلك انتحى أسـعد زاوية الخيمة وقام بسرعة بلف رسالة ورقية ووضعها في فردة جرابات صوفية(2) وقام بحشوها بحجر صغير وبقليل من الرمل ليتسنى قذفها إلى أبعد مسافة ممكنة نحو الأقسام المجاورة ...
حضر أفراد وضباط المعسكر كعادتهم كل صباح يسبقهم حقدهم ورائحتهم الكريهة، وطلبوا من الجميع إخلاء الخيام والخروج إلى ساحات المعتقل الرملية ثم الجلوس إلى الأرض الرمضاء ووضع أيديهم خلف ظهورهم وطأطأة رؤوسهم ، وهكذا تبدأ عملية العد فيما يحرص الجنود على ركل هذا أو ذاك من المعتقلين بين الحين والآخر في عملية إذلال مخططة، وجرى سحب ثلاثة من المعتقلين بكل غلظة بحجة عدم وضع أيديهم خلف ظهورهم وتم توقيفهم في الممر الفاصل بين الأقسام تحت حراسة الجنود، وقد أمروا بوضع أيديهم على الجدار دون النظر إلى الخلف.
انتهت عملية العد المهينة وزفرات الأسرى تكاد تفجر أعماقهم على هذه الإهانات التي يجب أن تتوقف بأي ثمن. ومع انتهاء عملية العدً أصبح عدد الموقوفين إلى الجدار أكثر من خمسة عشر معتقلاً سيستمر توقيفهم تحت أشعة الشمس لساعات طويلة تحت سطوة الإهانات والضرب.
التأم اللقاء التشاوري الأخير بعد عملية العد في الخيمة رقم 65، واتخذت القرارات النهائية، لا عمل للمعتقلين في مرافق الجيش، لا لوضع الأيدي خلف الظهر أثناء عملية العد، لا لضرب أي معتقل أو إهانته، لا ذل بعد اليوم ولو بأي ثمن، سنواجه السجانين بصدورنا العارية ومعنا الله وحجارة أرض النقب. وبناء عليه تم تكليف بسام الصمودي نظراً لخبرته الجيدة في تقدير الأمور حق قدرها، بمهمة مراقبة أجواء المعتقل والحراسات ومدى تأهبها من اجل تحديد الوقت المناسب لإرسال "البريد " إلى قسم 3+5.
خرج بسام الصمودي بجسمه النحيل الذي فقد منه ما يقرب من عشرة كيلوات منذ اعتقاله قبل أربعة شهور، وسار ستَ خطوات أمام الخيمة وجلس بجانب شجيرة صحراوية نبتتَ قريباً من الخيمة وراح بعضهم يرعاها ببعض ماء الوضوء والغسيل ، ثم راح يداعبها بيده كأنما يداعب شعر طفلته "أمل" الصغيرة التي طالما داعبت صورتها مخيلته.
راحت عينا بسام تتحركان كعيني صقر صوب الأبراج المنتشرة على أطراف المعسكر وبين أقسامه، أعاد تركيز ناظريه على الأفق الشرقي وتراءى له جميع أبنائه الخمسة وزوجته وهي تصب الشاي لهم بينما عيونهم ذابلة بالأسى والحنين لوالدهم، نفض رأسه فجأة وكأنه يقطع بذلك شريط الصور التي بدت تتراءى له وأشاح بوجهه غربا وسلط عينيه نحو القسم"3" فشاهد "ناصر الدمج" ذلك الشاب الأسمر ذو الملامح الإفريقية – وهو شاويش القسم - يهم بتغسيل يديه أمام الخيمة المقابلة... أشار إليه بيده، توقف الآخر مُدركاً أن الموقف جَديٌ، أسرع بسام ودخل الخيمة، أعلمهم أن الوقت أصبح مناسباً لقذف البريد وأن ثمة من ينتظر "الطابة"، هبَ أسـعد الشوا واقفاً وأخرج الكرة الصغيرة التي صنعها من ثنايا ملابسه، أعترضه إبراهيم طالباً قيامه دون غيره بالمهمة لكن أسـعد بدا هو الآخر مُصراً على القيام بالمهمة ، تدخل شاويش القسم وحسم الأمر لصالح إبراهيم لأنه يعرف عنه أنه راعي أغنام سابق وطالما كان ماهراً في قذف الحجارة، وكم كان مجيداً في المواجهات مع قوات الاحتلال في شوارع بيت لحم، نظر الجميع إلى إبراهيم الذي ما يزال يحتفظ بعضلاته المفتولة ففهم الأخير مغزى هذه النظرات، فقام مشمراً عن ذراعه اليمنى وكأنه الساحر الذي سيخرج الحمامة من كُمهِ.
قال بسام :
- هل أنت متأكد يا إبراهيم انك قادر على قذف الطابة لأكثر من مائة متر...
- أطمئن فهذا الذراع لم يخني أبدا. قال إبراهيم.
لم يعلق أحدٌ حينما قبض إبراهيم الكرة من يد أسـعد الشوا(3)، وعلى الفور استل أسعد سيجارة من علبته وأشعلها وهو يتمنى لو كان اختير لهذا الشرف الصغير ورغب للحظة لو يستطيع تقبيل يد أمه في رمشة عين ويعود لأنه لم يشاهدها حينما تم اعتقاله أثناء المواجهات الحامية في شارع عمر المختار وسط غزة ، ويبدو أن الجميع تنفس الصُعداء أمام ثقة إبراهيم في نفسه بما فيهم أسعد وهم يلحظون عضلاته السمراء المفتولة ،إذ يدرك الجميع حساسية هذه المهمة وخطورتها، فمن ناحية، فإن المسألة لا تحتمل التجريب إذ أن عدم إيصال الطابة إلى المسافة المطلوبة، يعني وقوعها في المنطقة "الحرام" الفاصلة ما بين القسمين، وبذلك ستقع أسرار المعتقلين وخططهم فريسة سهلة بأيدي الجنود الذين سيتنافسون على التقاطها وكشف أسرارها من اجل الحصول على المكافأة المغرية جداً، ترفيع رتبة بين ليلة وضحاها وبجهد بسيط ناتج عن إخفاق الطرف الآخر، وهذا بالنسبة للجنود المنفيين في هذه الصحراء والمعتقلين خارج أسلاك المعتقل كنز يطمح كل واحد منهم للحصول عليه والعودة به إلى زوجاتهم أو صديقاتهم في تل أبيب في إجازات نهاية الأسبوع.
أما من الناحية الأخرى، فان التقصير في الرمية، وعدم إيصالها إلى حرم القسم المجاور، سيخلق أزمة نفسية حادة للأسير الذي قَصَرَ في إيصالها، وفي بعض الأحوال، فإنه سيصبح هدفاً للنقد والتوبيخ ، وقد ينتهي الأمر إلى نهايات سيئة جراء ما سيؤدي إليه من حساسيات وشد عصبي ثم الوقوع في أخطاء مسلكية قد تتفاقم إلى مشاكل بين بعض المعتقلين.
دارت هذه الهواجس في ذهن إبراهيم وهو يجلس القرفصاء في باب الخيمة بانتظار "الضوء الأخضر" لعملية الرمي، رغب للحظة عابرة بالتخلي عن هذه المهمة، الخواطر في ذهنه تتزاحم وتحدث قرقعة كهدير جنازير الدبابات... عجلات مسننة تدور وتصطك لكن بدون انتظام،،، وفي الجانب الآخر من صدره ثمة قهر وشوق لكسر هذا الذل وهذا الطوق الذي يحاول خنق الأنفاس. لا بد له من القيام بالمهمة مهما كانت النتائج، انه بحاجة ماسة اكثر من غيره للقيام بمثل هذه المهمة للتعويض عن تواضع ثقافته وكذلك تواضع رصيده من سنوات الاعتقال قياساً إلى ما يقرب من ألفي معتقل في معتقل أنصار-3 ، وبالنسبة له فهذه هي المرة الثانية التي يعتقل فيها ورصيده السابق يناهز اثني عشر شهراً فقط ، إنه من الفئة "المتنزهة" أو التحضيرية كما يتندر بذلك بعض المعتقلين الذين يقضون أحكاما لسنوات طويلة من الاعتقال أو يقضون اعتقالا إداريا لا يعرف مداه.
عندما أعطي الضوء الأخضر من قبل بسام الصمودي كانت الطابة قد انطلقت من يد إبراهيم، وبلمح البصر تجاوزت الممر الفاصل وصارت في أيدي المعتقلين في القسم"3"، إذ تجمعوا حولها وتفرقوا فلم يعد يتسنى للمراقبين تحديد مصيرها النهائي.
دبَ الهرج والمرج في أوساط الجنود الذين راقبوا العملية دون أن يتمكنوا من التدخل فيها، وبذا فقد تأكد للإدارة أن شيئاً ما يحاك داخل المعتقل.
* * *
كان العقيد تسيمح يؤكد للجنود الذين اعلموه بالحادثة بأن إضراباً عن الطعام سوف يعلن اليوم أو غداً، وهو سيقف لذلك بالمرصاد، وسيلقن الأسرى درساً لن ينسوه أبداً، وعليه فإنه سيعلن عن مجموعة إجراءات وسيتخذ تدابير مناسبة لهذا الاحتمال.
في ساعات الظهر جاء الضابطٌ "روني" من إدارة المعتقل بصحبة عدد من العساكر ووقف على الباب الرئيسي وأبلغ شاويش القسم أن الإدارة على استعداد لاستقبال وفد يمثل المعتقلين من كل الأقسام، وعليهم الاستعداد لذلك إن وافقوا على ذلك.
في ساعات الظهر عقد الأسرى حلقات تشاورية علنية وسط الساحات ضاربين عرض الحائط التعليمات العسكرية في عملية تحدٍ جلية لإدارة المعتقل، وأثناء ذلك ظل الجندُ حول الأسلاك الشائكة يرقبون الاجتماعات بشيء من الدهشة والاعجاب والحنق.
في ساعات المساء من اليوم نفسه، اتخذ القرار بالإجماع بالموافقة على اللقاء وحمل كل مطالب المعتقلين وموقفهم الرافض لأي عمليات إهانة أو إذلال للمعتقلين وبضرورة التزام الجيش والسجانين بالنظم والقوانين الدولية، وفي الأساس منها عدم شرعية هذا المعتقل وكل إجراءاته النازية.
في ساعة متأخرة من الليل التئم الاجتماع في مكتب أحد ضباط المعتقل بحضور قائد المعتقل "ديفيد تسيمح" الذي ما يزال يتمترس خلف غطرسته ومواقفه العدائية، ضم اللقاء خمسة من ممثلي المعتقل وقد تمكنوا من نقل رسائلهم المغلفة بالتهديد إلى ديفيد تسيمح وحذروه أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي إلى مالا نهاية مهما كلفهم ذلك من ثمن.
في صباح الخامس عشر من آب 1988، يتم توزيع وجبة الإفطار كالمعتاد على الأسرى، لكن ظاهرة غير اعتيادية تصاحب فطور هذا الصباح، لقد عُززت وجبة الفطور بحبة بيض مسلوقة إضافة إلى الشاي البارد وكمية من "الفول الصخري" كما كان يسميه الأسرى...
لم يكن من الصعب على عدد كبير من الأسرى الذين سبق وأن أمضوا سنوات طويلة في المعتقلات تفسير هذه الظاهرة الجديدة ، ظاهرة البيضة المسلوقة، إن الإدارة تتوقع قيام الأسرى بالإضراب عن الطعام تمهيداً لتصعيد لاحق، فإذا ما أعلنوا ذلك، وأعادوا الفطور من حيث أتى، وإذا ما بدأت المعركة الإعلامية والمعنوية، فإن الإدارة ستجعل من حبة البيض المسلوقة درعاً تحتمي به، وستبرهن للزوار من الصليب الأحمر أو من المحامين وبعض نشطاء الحقوق المدنية ، أن أفضل الطعام يقدم للأسرى، وليس صحيحاً أن طعامهم يقتصر على الفول اليابس والشاي البارد، أما غياب اللحوم عن الطعام فذلك حرصاً من الإدارة على عدم تسمم الأسرى جراء حرارة الصحراء نهاراً وبردها القارص ليلاً....
في ضحى اليوم نفسه الخامس عشر من آب، يعمم قرار المعتقلين النهائي بين جميع الأقسام ويجري التأكد أن الجميع على علم بالخطوات التالية، ويطمئن الجميع إلى أن سير الأمور يأخذ تجاهه الصحيح،،،،تجاه الصدام وحرب الإرادات التي ما تزال أوارها تتصاعد في الشوارع، ويجب أن تنتقل هنا أيضاً.
يتبع في حلقة قادمة.
الحواشي :
1- الرسائل: كانت تهرب من المعتقل بعدة وسائل أهمها طريقة الكبسولة، حيث تكتب الرسالة بخط غير جداً، وعلى ورق رقيق ما أمكن، ثم تطوى وتغلف بالبلاستيك الأسود، وتحرق بشعلة القداحة فتتحول إلى كبسولة ضد الماء وضد إفرازات المعدة، وأحيانا يجري ابتلاعها من أجل نقلها لأهدافها خارج المعتقل.
2- كانت هذه الوسيلة تعرف ببريد الطابة، وهي خاصة للمراسلات الضرورية الطارئة بين الأقسام.
3- أسعد الشوا: من مواليد وسكان غزة/ حي الشجاعية 1969. استشهد في 16آب/أغسطس 1988.
قمرُ النقب باتَ حزيناً (3-4)
السادس عشر من آب ، الشمس لاهبة منذ الصباح الباكر بشكل لم يسبق له مثيل، دفعة جديدة من عشرات المعتقلين انبلج عنهم الليل السابق فبانت بعض ملامحهم مجللة بالغبار الصحراوي ومكللة بالإرهاق بعد ليالٍ متتابعة في التحقيق وإجراءات الاعتقال، أخبار جديدة تبثُ في المعتقل ودماء جديدة تتحرك في شرايينه، الانتفاضة في الضفة الغربية وقطاع غزة تلتهب جذوتها على أخبار معتقل أنصار-3. يلاحظ هذا اليوم تحسن آخر ملحوظ في وجبة الغداء، كمية قليلة من الأرز، وعدة قطع من البطاطا، وحبة ذابلة بحجم إصبع اليد من الموز،ارتفعت أصوات بعض المعتقلين من الخيام المجاورة معلقةً على الموز، غنى بعضهم بشكل جماعي:
- أهلا بالموز أهلاً .... أهلاً بالموز.
قال صوت أجش متهكماً بطريقة مسرحية:
- موزُ في بيتنا... يا مرحباً يا مرحباً...
ارتفعت أصوات الجنود محذرةً ومهددةً.
بعد تناول وجبة الغداء، راحت الأجساد المرهقة المتعرقة تتناثر تحت شمس شهر آب الصحراوي متمددة على الألواح الخشبية "المشاتيح"(1) في خيام لا يشبهها إلا الأفران، سواءً أفران الحطب، أو أفران الغاز النازية... كأنما التاريخ يعيد نفسه، قال الموجه الثقافي في جلسة اليوم ، وأستطرد، أفران الغاز النازية تقام الآن في صحراء النقب، لكن الفارق الوحيد هو أن ضحية الأمس هي ذاتها جلاد اليوم...
مالت شمس النقب غرباً، وبقي لها مسافة تناهز طول بندقيتين M16 وهراوة كالتي يحملها حراس المعتقل قبل أن تستقر وتغفو خلف الأفق، سعير الصحراء يفحُ غباراً ممزوجاً باللهب كما التنين الأسطوري، يستمر الهدوء سيد الموقف بالرغم من بعض الحركات والأصوات الاعتيادية التي كانت تأتي من خلف الأسلاك الشائكة، زخات متتالية من الرصاص في ميادين التدريب القريبة، أصوات سيارات عسكرية تنطلق وأخرى تتوقف، خبطات بساطير الجنود الذين يمارسون تماريناً عسكرية استعراضية، ثرثرات ونداءات الحراس المنتشرون حول الأسلاك الشائكة أو في أبراج المراقبة المتوضعة عند زوايا حدود المعتقل...
وينقطع ذلك الهدوء المخدوش بصوت أجش من خلف الباب الحديدي الكبير للمعتقل والمعزز بصليب حديدي كبير، كان ذلك هو صوت العريف "راتس" من أفراد الشرطة العسكرية التي كلفت بحراسة المعتقل، طلب العريف "راتس" من شاويش القسم تزويده بعشرين معتقلاً لإنجاز بعض الأعمال الشاقة في معسكرات الجيش القريبة، لكن شاويش القسم أبلغهُ برفض مثل هذه الطلبات وللأبد، كان الأمر مفاجئاً للعسكر الذين اعتقدوا أن المعتقلين فقدوا إرادتهم للأبد، لذلك فقد فتح "راتس" الباب وبدأ وبعض العسكر بجر بعض المعتقلين عنوة خارج البوابة، تمترس المعتقلون ورفضوا الأوامر فأستفرد راتس وزملاؤه بأحد المعتقلين وراحوا يسحبونه ونجحوا في جره خارج القسم، وخلال الممر الترابي الفاصل بين الأقسام، كانت زمرة من الجنود تدفع بالأسير وتوجه له ركلات قوية على مؤخرته، بينما كانت عيون الأسرى ترقب الموقف بألم وحسرة وغضب...
الكل لاحظ نداء الاستغاثة الصامت الذي أطلقته عينا الأسير المعتدى عليه، وبسرعة انتقل التيار في الشرايين،،، ترتفع مئات الصرخات الغاضبة، وتحول المعتقل بجميع أقسامه إلى بركان يقذف حمماً من الغضب والتمرد.
في البداية انفجرت الصرخات أصواتاً بدائية لا يفهم لها معنى سوى الفوضى والخوف والغضب، كان الموقف أشبه بموقف إحدى القبائل البدائية التي تتعرض فجأة للخطر الخارجي... ثم رويداً رويداً تصبح الأصوات هتافاً مشحوناً بألحان شجية وعواطف ملتهبة مدوية في خواء الصحراء الساكنة...
- فلسطين عربية... الله اكبر الله اكبر.
وأمام ذهول الجنود وصدمتهم، صار المعتقل عاصفة صحراوية تقذف حمماً من البراكين ، وخلال دقائق كانت العربات العسكرية وأرتال من مئات الجنود المدججين بالأسلحة والهراوات والدروع تحيط بالمعتقل وتقتحم أبوابه باندفاعات حذرة ومتذبذبة.
خرج كل المعتقلين من خيامهم في ساحات المعتقل لمواجهة هذه الوحوش المدججة بالأسلحة لتبدأ المعركة بين الجانبين، المعتقلون بأيديهم العزلاء وبحجارة النقب الملساء الصلبة وبعض أواني الطعام والأحذية ، مقابل الهراوات والأسلحة التي ترشق زخات من الرصاص المطاطي القاتل وقنابل الغاز المسيلة للدموع، وخلال لحظات تنتشر سحب الدخان الأزرق والأبيض لتغطي المعتقل فبدا من بعيد كأن بركاناً يتفجر في وسط هذه الصحراء المعزولة عن العالم...
أحس الجنود بالضيق وهم يفقدون القدرة على المناورة في ساحة محدودة ، بدأوا بالتراجع وبتكثيف ضرب الغاز الخانق، كان الغاز الكيماوي سلاحاً لعيناً طالما خبِرهُ أسرى المعتقل في شوارع بلداتهم ومدنهم ومخيماتهم، أو في فصول مدارسهم وجامعاتهم وساحاتها... لكن البصل(2) الذي يعتبر مضاداً لبعض قنابل الغاز كان متوفراً حينذاك في كل مكان، أما الآن فمن أين البصل من هذه الصحراء القاسية؟!
تتواصل هتافات الحناجر المتوترة... ويتواصل الانهمار الجبري للدموع ويتواصل سيلان السوائل الساخنة من الأنوف، وتشتدُ حُمرةً الوجوه المحترقة بكيمياء الغاز السام والحرارة الصحراوية وغبار الرمال.. .منصور شاب في مقتبل العمر، يثب في الساحة كغزال يلاحق قنابل الغاز المنهمرة ويحملها بيديه الخشنتين، متجاهلاً لسع حرارتها، يعيد قذفها إلى الجنود واحدة تلو أخرى... تدب الفوضى في أوساط الجنود .. يتزاحم بعضهم عند أبواب الدبابات للهروب من جحيم الغاز الذي يكتم الأنفاس ...يستمر الجنود بالتراجع ، يسقط عددٌ منهم جرحى بفعل لكمات المعتقلين وحجارتهم والغاز الراجع إليهم... ترتفع أصوات الأسرى مهللة مكبرة...
يظهر قائد المعسكر تسيمح وحمرة الغضب تشعُ في عينه حقداً وجنوناً ، بدأ يدير المعركة بنفسه وفي الميدان، يصدر أوامره للتراجع والخروج من الأقسام المحاطة بالأسلاك الشائكة ، ينسحب الجنود بارتباك خارج حدود أسلاك المعتقل، يشرف تسيمح على إعادة تنظيم صفوفهم ،،
تنهمر قنابل الغاز مرة أخرى بكثافة عالية وعن بعد فوق ساحة المعتقل الذي يغص بالمعتقلين ، حجارة الأسرى لم تعد تصل إلى الجنود ... لم تعد قادرة على إصابة أهدافها.
سُحب الدخان والغاز تغمر المكان وتغطيه بغلالة كثيفة، بدأت قامات الأسرى بالتساقط على رمال النقب، واحدة بعد الأخرى، تتناثر القامات الجريحة والمكلومة كالأشلاء ... تتمرغ في الرمال اللاهبة، تختلط حبات الرمل بالعرق والدم والدموع المنهمرة بفعل الغازات السامة.
عندما أمست شمس النقب قريبة من الأفق الغربي بمقدار بندقية وهراوة ... كانت ساحات المعتقل قد امتلأت بالأجسام المجندلة... ولم يتبقَّ سوى عدد محدود تسعفهُ قواه على مواصلة المقاومة والثبات.
بدا العقيد تسيمح أكثر نشاطاً وشراسة بعد أن بدأت بشائر نصر تلوح له في آهات الجرحى والمصابين والمقهورين الذين يتلوون في خيامهم أو في الساحات،... تقدم عدة خطوات وعزم في سريرته على حسم الموقف، سيطرت عليه حالة هستيرية وكادت عيناه تخرجان من محجريهما، راح يصيح وزبدٌ يخرج من أطراف فمهِ الكريه:
- أيها الكلاب الجبناء.هادراً بلغته العبرية الثقيلة محمساً جنوده ومتوعداً المعتقلين...
- من منكم رجلاً فليكن في مواجهتي ،،، أيها العرب الفئران،، ايها الكلاب ؟ ! ...
كان اسعد الشوا ذلك الفتى الممشوق القوام، ابن التاسعة عشر من عمره، مستنداً إلى عامود خيمته خائر القوى يقاوم السقوط وقد امتلأت رئتاه بالغاز السام ، لكنه كان يقاوم هذا الثقل الهائل على صدره وعلى أرجله ، وما بقي له من أنفاس لم تكن لتسمح له بالتنحي من وجه العقيد تسيمح، وكوثبة ظبي محاصر بالبنادق يقفز اسعد أمام الخيمة، لم يكن في ذهنه قولاً محدداً أو فكرة واضحة عما سيفعله في هذه اللحظة الحرجة، لكنه يجب أن يفعل شيئاً ما، يجب أن يثبت للوحوش أنه يملك إرادته وأنه ليس جبانا ما دام في جسده جذوة من نَفسٍ، لو أن هذا الكلب تسيمح قريب منهُ لطوق عنقهُ بيديه وقضى عليه، وبذلك سيثبت له انه موجود، وانه يملك نفسه ، ويملك إرادته.
- أنا رجل... وكلنا رجال ايها النازي القذر..نحن شعب لا ينكسر. ايها المجرم نحن لا نخاف الموت الذي.....
- صاح اسـعد بطريقة مسرحية عصبية.
لم يكمل اسعد كلماته، فقد قطعتها رصاصات تسيمح ، كان اسعد قد فتح قميصه الكتاني الأزرق بكلتا يديه ليكشف عن صدرٍ غضٍ لم يكتسب شعره اسوداد شعر البلوغ بعد، اخترقتْ الرصاصات صدره واخترقتْ إحداها الظهر، نفرَ الدمُ من صدره ساخناً ورشقَ رمل الصحراء فامتصته كأرض أيستْ من مزن الغيوم، مال جسد اسعد إلى الوراء بينما راحت يده تتراخى عن العمود وهو يقاوم السقوط ويلوح بيده الأخرى بشارة النصر وبريق يشعُ في عينيه، لكن جسده يترنح ويسقط واقفاً مثلما شجرة كينيا تُقصُ في أسفل ساقها فتميل وتهوي وترتطم بالأرض بصوت أشبه ما يكون بصوت قذيفة مدفعية سقطت دون أن تنفجر.
صار الذهول سيد الموقف في كلا الجانبين، الأسرى والجنود... ما عدا تسيمح الذي بدا وقد سيطرت عليه نوبة هستيرية منذ بدأ الاضطراب، كأن بريق الحياة المنهمر مع دم أسعد واللامع في عينيه زاداهُ ألماً وجنوناً فوق جنونهِ، كأنه فطن متأخراً أن أسـعد لم يَمتْ بطلقة في ظهره كما تمنت نفس تسيمح المريضة، ويده لم تهرع إلى جرحه في صدره، بل فقد واجه الرصاص بصدره الأعزل ولم ينثني جسدهُ ، بل فقد هوى كشجرة كينيا مالت إلى الأرض لتقبلها فترمي بذورها فيها وتنهض من جديد عشرات الأشجار الباسقة.
القامات المجندلة المتهالكة تثب معاً من جديد كشجرات الكينيا مرة أخرى وتبدأ البحث عن أي مخرج للوصول إلى القتلة، ترميهم بحجارة النقب وبما تبقى من أحذية، الهستيريا تسيطر على تسيمح وجنده في ارتباك بين خوفٍ وحقدٍ وتوحش،،،
الهوامش:
1- المشاتيح: جمع مشتاح وهي عبرية وتعني طبلية أو تخت: وهي على شكل أسرة من الخشب بارتفاع 20سم، تتكون من ألواح خشبية بينها فراغات، تستخدم في الأصل لشحن البضائع. وهي متعبة جداً للظهر.
2- البصل والغاز: اكتشف الفلسطينيون خلال المواجهات في الشوارع، أن شم البصل يعمل كمضاد يخفف من فعالية الغاز السام المسيل للدموع والخانق، فيما بعد تعهدت أمريكا بتطوير قنابل الغاز وجعلتهُ أكثر خطراً فصار يسبب قروحاً خطيرة في الجلد وفي الرئتين.
قمرُ النقب بات حزيناً (4-4 الأخيرة)
الهستيريا تسيطر على الكولونيل "تسيمح" بينما جنده في ارتباك بين خوفٍ وحقدٍ وتوحش،،،الكولونيل يطلب من أقرب عسكري له شربة ماء، يمد يده في جيبه فتخرج بحبتين من الدواء الأبيض الصغير، يُلقمهما فمه ويدلق الماء في فيه غير آبهٍ بالماء السائل فوق بزته وصدره.
الأيدي المتهالكة للأسرى تهب إلى اسعد وتحاول جره إلى عيادة المعتقل، لكن اسعد، ذلك النبع المتدفق بالحيوية، صار جثة هامدة تسحبها الأيدي المتهالكة على رمال النقب، فتخلف على سطحها الرملي أخدوداً متعرجاً ونقاط صغيرة أو كبيرة من الدم، صارت العيون التي اختلطت فيها دموع الغاز ودموع الحزن ترى تلك النقاط نجوماً بعيدة في درب أو مجرة لا يعرف لها بداية أو نهاية.
في الطريق إلى العيادة، وقبل الخروج من السياج السلكي الذي يحيط بالمعتقل، تبادل الرجال الذين سحبوا جثة اسعد نظرات تفيض بالانكسار والحزن حينما تأكد لهم أنهم يحملون جثة بلا روح، كانت الروح قد صعدت في سماء النقب وراحت ترفرف فوق حي الشجاعية مسقط رأسها، حينذاك مددوا الجثة وافترشوا الأرض حولها، وراح احدهم يتلو آيات من القرآن دون أن يرفع ناظريه عن ذلك الوجه الذي كان لهيباً خبا وللأبد.
خلال تلك اللحظات كان "تسيمح" قائد المعسكر يستعيد بعض هدوئه وهو يؤكد لضباطه وجنوده انه بأسلوبه الحاسم والصلب سيردع المعتقلين عن أي خطة قد يفكرون بها، وهو بذلك أيضاً سيساهم في جعل معتقل "كتسيعوت" مقبرة أخرى للانتفاضة وصناعها.
- نعم ... نعم هذا صحيح، قال الضابط "راتس" الذي يعتبر اقرب صديق لقائده تسيمح.
- لكن الم تلاحظ دقة الإصابة؟ لقد وصلت الرصاصة إلى حيث أريدها... الجانب الأيسر للصدر ... الم تلاحظ ذلك؟.!
- نعم، نعم ... ولكن ربما عامل الصدفة ساعد في ذلك ..
قال "راتس" ذلك بخبث، بينما رمقهُ الضباط الآخرون بنظرات الإعجاب والحسد على هذه الشجاعة التي يتحدث بها مع قائد المعسكر الكولونيل، ولما كان "تسيمح" ما يزال مزهواًً بمشاعر النصر الهستيري الذي بدا بمظاهر الهدوء المؤقت في أقسام الأسرى، والذي انعكس في تثاقل حركة الأسرى الماضين إلى خيامهم ، فقد انتفخت أوداجه الحمراء... ولمعت عيناه ببريق من الغضب والاستهتار لحديث العريف "راتس" المستفز، ومرة أخرى يمد "تسيمح" يده إلى بندقية "راتس" ال M16 القصيرة، يتراجع خطوات قليلة إلى الوراء، يسند كتفيه إلى خزان المياه المحمول على قاعدة حديدية .. يضع عقب البندقية على صدره من الناحية اليمنى، يصوب بندقيته بكل مهارة بين عينيه، بدأت عيناه بالانكماش فيما كان يحرك البندقية يساراً ويميناً نحو خيام الأسرى، ثمة عدد من الأجساد تتمدد في الخيمة المواجهة للبندقية، ما عدا جسد واحد يترنح ملتصقاً بعامود الوسط... الجسد يتمايل مع استمرار نوبة السعال المتواصل من اثر الغاز، ينطق "تسيمح" بكلمة واحدة:
- فوق القلب.
- ثم تنطلق البندقية بطلقتين فقط، ومثلما تنهار قنطرة من الحجارة، انهار جسد بسام الصمودي المترنح في رمشه عين لتتواصل حالة الذهول، ولتتضاعف حالة احتقان المشاعر لدى كافة الأسرى...
أعاد "تسيمح" البندقية القصيرة إلى "راتس" شاكراً، لم يجب "راتس" بأي كلمة، فقد خسر التحدي، أما "تسيمح" فقد أدار ظهره لراتس وبقية الضباط المذهولين أو المعجبين وراح يشعل سيجارته وهو يقول :
- اتبعوني إلى المكتب، ولكن بعد أن تذهبوا إلى العيادة لمعاينة الجثث وتحديد مكان الإصابة، أظنك يا راتس خسرت الرهان.
وفي اليوم التالي، كان الجنود يتحدثون عن مهارة "تسيمح" في التصويب ادعى بعضهم أن "تسيمح" فاز بجائزة أفضل قناص في الدولة عام 1974 ، وادعى جندي من جنود الاحتياط أن "تسيمح" كان يصيد حمامتين بطلقة واحدة خلال خدمته العسكرية في هضبة الجولان المحتلة عام 1980 ، وقال جندي احتياط ثالث، يحب العزلة ويخطط للهجرة في أقرب فرصة، إن "تسيمح" لو لم يجد هدفاً عربياً لهوايته في القنص ، لمارس هذه الهواية على جنوده...
صار دم بسام ودم أسـعد زيتاً مقدسـاً يضيء مشاعل الشوارع والمنازل والقلوب الدامية النازفة في الضفة الغربية وقطاع غزة التي تشتعل بمواجهات عارمة من المظاهرات والمصادمات مع جنود الاحتلال، لتلحق بهما أعداد أخرى من الشهداء والجرحى والمعتقلين.
وعلى مدى أسبوع كامل كان أهالي قطاع غزة القريبين من البحر يتحدثون عن مشاهداتهم لعين الشمس الدامعة حينما تسقط وتختفي خلف بحر غزة، وكان أهالي بلدة "اليامون" في جنين أيضاً يتحدثون عن مشاهداتهم لرف حمام بريشه الأخضر يأتي من جهة صحراء النقب ويحوم حول القرية مساءً قبل أن يأوي إلى بيت أبناء الشهيد بسام الصمودي الخمسة.
أما الأسرى في معتقل أنصار"3" ، فقد أقسموا معاً في ذلك المساء أن دم الشهيدين لن يذهب هدراً، وأنهم لن يتنازلوا قيد أنملةٍ عن مطالبهم وحقوقهم ، وهم ما زلوا يملكون إراداتهم في الحياة والمقاومة، وعلى مدى أسبوع ظلوا يتحدثون عن مشاهداتهم الغريبة لقمر الصحراء، ولكنهم أجمعوا على أن وجه القمرِ باتَ حزيناً دامعاً.
(انتهى النص ولم تنته الملحمة)