
قمر النقب بات حزينا (1- 4)
كان بسام الصمودي (1) يسترق السمع إلى كلمات أبي خالد بينما آثر أن يظل ممدوداً على برشه (2) في طرف الخيمة التي اكتظت هذا الشهر، ليصل فيها عدد المعتقلين إلى ثمانية عشرة معتقلاً، في حين أن سعتها الحقيقة ثمانية معتقلين فقط ، لا بل إن بعض الخيام تحوي ستة وعشرون معتقلاً أو يزيد، ولهذا قال بعضهم إنهم محظوظون نسبياً عندما يقل العدد عن عشرين معتقلاً في الخيمة، لكن حملات الاعتقالات الجماعية الواسعة ما تزال مستمرة في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ ثمانية أشهر حينما اشتعلت الانتفاضة المتصاعدة في الأراضي المحتلة.
ظل الموجه الثقافي للخيمة "أبو خالد" - وهو شاعر وصحفي يمضي اعتقالاً إداريا لمدة ستة شهور- ظل يواصل محاضرته التي يتوجب على الجميع سماعها، وكان أبو خالد، من ذلك النوع الذي يحب الإسهاب والاستطراد في أحاديثه، وهو يبرر ذلك بأن الوقت طويل وليس ثمة شيء آخر مفيد يقتل الوقت ، وقد يكون لذلك علاقة بكونه صحفياً وشاعراً في ذات الوقت، وهو على كل حال، يمضي "نزهة قصيرة" في معتقل النقب كما يتندر أحيانا بعض زملائه من المعتقلين، وحين ذاك، كان أبو خالد يقذف بجملته المعروفة في وجه أولئك المتندرين، كان يقول الجملة وكأنه يصب رصاصاً سائلاً في قالب: "إن اليوم عندي بألفٍ مما تَعدون"، ثم ما يلبث أن ينفجر بضحكته المغرغرة كغرغرة الماء في قارورة النرجيلة...
وحينذاك فقط، تتبدى ملامح طفل صغير كأنهُ لا يعرف من الدنيا سوى الفرح والضحك...
وبالرغم من أن مشرف الخيمة "الشاويش" (3)، سمح لبسام الصمودي بالتحرر من الجلسة والمحاضرة، باعتباره مريضاً منذ أسبوع، إلا أنه آثر متابعة محاضرة أبي خالد، لتلتهم أذناه المفرودتان كل كلمة يقولها أبو خالد.
قال أبو خالد: إن هذه الدولة هي دولة جيش وليست دولة شعب واستطرد أبو خالد في حديثه، في حين كان المعتقلون الملتفون حوله بشكل نصف دائري غير معترضين على شيء مما يقولهُ...، وبدأ السأم على وجوههم اصفرارا وتثاؤباً، وقد بدا أيضاً أن اتفاقاً أبرم فيما بينهم على وقف الاعتراضات أو توجيه الأسئلة، ليتسنى لهم التحرر من هذا الجو الخانق الذي وجدوا فيه أنفسهم.
عندما كان بسام يُـقلب الجملة الأخيرة لأبي خالد في مخيلته لم يستطع إدراك مختلف أبعادها كما يدركها الآخرون، هكذا تهيأ لهُ، ولذلك فقد استجمع شجاعته ورفع يدهُ متسائلاً، يدفعهُ الفضول أولاً، ثم لتأكيد حضوره وانتباهه بالرغم من مرضه...
- هل دولنا العربية هي دول شعوب أم جيوش، أنا أرى أنها دول للحكام فقط.
- طيب خلاص، ناوي تفتح جبهة جديدة يا أخ بسام. فهمنا يا ناس وعظامنا فهمت. تمتم أحدهم القريب من باب الخيمة.
استمر أبو خالد في إسهابه المعهود بكل جدية، فيما كانت خيوط من العرق تتفصد من جبينه الواسع، وجالت عيون بسام في وجوه الجالسين، كانت الوجوه قد اكتست بطبقة بنية من الغبار الناعم الرطب، الذي امتزج بالعرق المتفصد من الوجوه، بدت بعض الوجوه مضحكة وخصوصاً تلك المكتسية بالشوارب أو اللُحى، كانت الشفاه جافة والعيون غائرة، وبدت الوجوه بنحافتها كوجوه الأنباط أبناء الصحراء، أو بوجوه كنعانية تعاقبت عليها الأزمنة، الغبار الصحراوي يضفي على الشعر لمسات أسطورية ، بدا وجه أبو خالد كوجه علي بابا الخارج من كتاب ألف ليله وليلة ...
تسلل بسام من بين الحضور على مهل وخيل له أن البعض إنما يحسدهُ على هذا الامتياز الذي يمنح للمريض من زملائه، تردد قليلاً عند باب الخيمة، وفي محاولة منه لتذكيرهم بأنه مريض فقد اخرج قرص "الأكمول" (4) الصغير الذي استلمه هذا الصباح من العيادة ، ورماه في فمه قبل أن يلفظهُ باب الخيمة إلى الساحة الرملية الملتهبة تحت قدميه...
لفحتهُ موجة هواء ساخنة، فأحس بالرمل يلتصقُ بمسامات جلده، لكنه مع ذلك يتنفس الصعداء بعد أن تحرر من جحيم الخيمة التي استحالت إلى فرن يشوي الأجساد الآدمية الحية... أجال بناظريه في كل الاتجاهات، لاحظَ الجنودَ حول الأسلاك الشائكة كالمعتاد، كان بعضٌ منهم يتبادلُ الحديثَ مع زملائهم في أبراج المراقبة التي تحيط بالمعتقل، وبعضهم يجري تدريبات مختلفة في الطرق الفاصلة بين الأقسام، بعض المعتقلين يجلسون أمام خيامهم... يتنقل البعض من خيمة إلى أخرى، مجموعة أخرى تتحركُ حول خزان معدني للمياه، كل شيء بدا له عادياً وطبيعياً، فيما بدت الخيام ذات اللون الأخضر الباهت، كمخلفات حضارة بدائية غير مكتشفة للعالم، أو قد تكون مشهداً لحياة خيالية على كوكب المريخ ...
كانت الخيام قد بُنيت صفوفاً متناسقة، وقسمتْ الصفوف إلى مناطق أو أقسام، حيث يضمُ القسمَ عدة صفوفٍ من الخيام، وبين كل قسم وآخر ثمة مسافة تقاربُ المائة متر، وقد فُصِلتْ بأسلاك شائكة يزيدُ ارتفاعها عن المترين. وكان عدد المعتقلين قد قارب الألفين من الشباب والرجال.
بدأ يبحث بناظريه في الأفق، لعلهُ يجد شيئاً ما يخرجه من هذا الجحيم، أو لعله يشاهد نسراً أو حماماً برياً يتسلى في مراقبة حركات أجنحتها... الرياح الغربية تذرو الرمال الناعمة بين الحين والآخر، لكنه أحس بقليل من الانتعاش والرطوبة، لاحت له في الأفق الغربي من السماء كتل منفصلة من الغيوم الرمادية، كانت الغيوم تبدو بعيدة ولكنها تتقدم ببطء في وسط السماء، كأن القمر بيضة فضية كبيرة، وجه حسناء ناصع البياض...
أنفتل بسام الصمودي عائداً إلى الخيمة، وقرر في ذات نفسه أن يزف بشرى لزملائه في الخيمة، عله يخرجهم من ذلك الجحيم الملتهب، سار عدة خطوات فأحس بالرمال تشوي قدميه، دفع بنصف جسمه النحيل عبر باب الخيمة وقال بصوت ممطوط :
- غيوم سوداء قادمة من الغرب، وقمر الليلة وجه حسناء مبتسم.. أقسمُ بذلك...
تبادل الجميع النظرات بصمت وحولوها إلى أبي خالد الذي نال منه الإرهاق والتعب ما نال من الآخرين، ودون أي كلمة، وقف أبو خالد ووقف الجميع يمسحون العرق عن وجوههم، وراحوا يخرجون واحداً تلو الآخر بصمت مطبق، وما أن نظروا إلى الأفق ثم إلى السماء، حتى انفجروا بضحكة طفولية عالية...
* * * * * * *
في مكاتب قيادة المعتقل، التي بنيت على عجل من الخرسانة الجاهزة، وقريباً من المدخل، بدأت حركة غير اعتيادية بين المكاتب ونقاط المراقبة، لقد قرر قائد المعتقل عقد اجتماع موسع لكافة الضباط المسؤولين في المعتقل.
قال الكولونيل "تسيمح " (5) الذي تصدر الطاولة الطويلة :
- (نخنُ) لن (نسمخ) بتغيير أي من النظم والتقاليد المتبعة في هذا المعتقل... لدينا معلومات مؤكدة عن وجود تخطيط للإضراب عن الطعام (والاختجاج)، وهنالك (تخريض) من الخارج على أعمال شغب...
في ساعات المساء، قامت إدارة المعتقل بإبلاغ المعتقلين استعدادها لمقابلة اللجنة التي تمثلهم من أجل التعرف على مطالب المعتقلين...
قال الكولونيل تسيمح مهدداً :
- إن مطالبكم في تخفيف الازدحام (وتخسين) الطعام، وعدم التعرض للضرب، هي مطالب غير منطقية، وهي غير مقبولة لنا، أما مسألة برد الليل القارص فنحن مثلكم أيضا، نعاني من البرد، وهذه هي الصخراء كما تعلمون... (ونخنُ) هنا في معتقل "كتسعيوت" وكذلك في قيادة الجيش لن (نسمخ) بأعمال (اختجاج) وإخلال بالنظام مهما كان السبب.....
خرج أعضاء اللجنة الاعتقالية متجهمي الوجوه بعد هذا اللقاء المسموم بالكثير من التهديدات والتحذيرات والغضب من قبل قائد المعتقل . وفي الليلة نفسها، عقدتْ لجان الأقسام الاعتقالية اجتماعات مع بعض المشرفين على الخيام وتم تبادل رسائل خاصة بين الأقسام وبدت الأعصاب مشدودة والوجوه غاضبة ومستنفرة ، وبدا أن انفجاراً كبيراً على وشك الوقوع،،،
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة، حيث سنعرف ماذا قررت لجان الأسرى القيادية، وماذا جرى من وقائع مريرة.
الهوامش:
1 - بسام ابراهيم علي الصمودي : مواليد قرية اليامون-جنين 1958، . استشهد في المعتقل بتاريخ 16/8/1988.
2 - البرش : هي فراش المعتقل الذي ينام عليه ، وهو مكون من فرشة أسفنجية خفيفة وبطانية متهرئة .
3 - الشاويش: احد الأسرى الذي ينتخبه زملاؤه الأسرى ممثلاً لهم على مستوى القسم أو الخيمة أو الغرفة، ويشكل حلقة وصل ما بين إدارة المعتقل وبين الأسرى حيث ينقل للإدارة مطالبهم وشكاويهم، وقد اختار الأسرى ذلك لتجنب مزاجية الإدارة في اختيار ممثلين عن الأسرى.
4 - الأكمول : أقراص صغيرة تستخدم كمسكنات خفيفة للآلام، ولكن العيادة الصحية في المعتقل تقوم بصرف هذه الأقراص لمختلف أنواع الأمراض، وكذلك الحال في مختلف المعتقلات الإسرائيلية .
5 - تسيمح : دافيد تسيمح : مدير المعتقل وهو برتبة عقيد-كولونيل / قدم إلى إسرائيل من بولندا مع والديه في أوائل الخمسينات، والتحق بالخدمة العسكرية بناءً على رغبة والديه اللذين اعتقدا أن الخدمة العسكرية ستهذب النزعات العدوانية التي طبعت سلوكه منذ كان طفلاً، يعتقد أنه مصمم معتقل أنصار(2) الإسرائيلي في جنوب لبنان، وهو أيضاً مصمم هذا المعتقل الذي يشبه المعتقلات النازية.
منذ ساعات الصباح الباكر شرعت صحراء النقب تمور بزوابع رملية تحوم في الأرجاء وتطلق مردة الغبار والنار أعمدة لولبية تذكر المخلوقات بسخط الصحراء وجبروتها، أما داخل معتقل أنصار-3 (كتسيعوت) المطل على صحراء سيناء غرباً، فقد بدت الأجواء هادئة كرمضاء تغفو على جمر أحمر، بدت حركة تنقل المعتقلين ما بين الخيام قليلة وهادئة هذا الصباح، وغالبيتهم يجلسون في حلقات داخل خيامهم التي بدت كقبور أقوام بائدة منذ الآلاف السنين ، وبانتظار نوبة العدّ الصباحية يمكن تدارس التطورات الجديدة في مواجهة إدارة المعتقل، منسوب القهر والإذلال يرتفع ولا يتوقف عن الصعود،كانت مجموعة قياديين منتخبين قد دبجوا رسائل في ساعات الليل لتهريبها خارج المعتقل। وكلفت حلقة أخرى بنسخ الرسائل الأساسية بخط صغير لطيها وإرسالها لأكثر من جهة خارج المعتقل، وهي ستطوى في كبسولات صغيرة بحجم فلتر السجائر(1) لتهرب مع المرشحين للإفراج أو مع بعض المحامين لإيصالها خارج المعتقل لتهيئة الأجواء في الخارج ولتنشيط حركات التضامن الإعلامي مع المعتقلين، ثم للتشاور مع القيادة التنظيمية في الأرض المحتلة ومنها إلى بعض الجهات الأخرى ذات العلاقة.
أما أهم المجموعات، فهي تلك التي كلفت بإجراء اتصالات سريعة بين الأقسام عن طريق "بريد الطابة" ، وقد كلف المعتقل الشاب أسـعد الشوا بتحضيرها بعد أن سلمت لهُ الرسالة في الخيمة، ولذلك انتحى أسـعد زاوية الخيمة وقام بسرعة بلف رسالة ورقية ووضعها في فردة جرابات صوفية(2) وقام بحشوها بحجر صغير وبقليل من الرمل ليتسنى قذفها إلى أبعد مسافة ممكنة نحو الأقسام المجاورة ...
حضر أفراد وضباط المعسكر كعادتهم كل صباح يسبقهم حقدهم ورائحتهم الكريهة، وطلبوا من الجميع إخلاء الخيام والخروج إلى ساحات المعتقل الرملية ثم الجلوس إلى الأرض الرمضاء ووضع أيديهم خلف ظهورهم وطأطأة رؤوسهم ، وهكذا تبدأ عملية العد فيما يحرص الجنود على ركل هذا أو ذاك من المعتقلين بين الحين والآخر في عملية إذلال مخططة، وجرى سحب ثلاثة من المعتقلين بكل غلظة بحجة عدم وضع أيديهم خلف ظهورهم وتم توقيفهم في الممر الفاصل بين الأقسام تحت حراسة الجنود، وقد أمروا بوضع أيديهم على الجدار دون النظر إلى الخلف.
انتهت عملية العد المهينة وزفرات الأسرى تكاد تفجر أعماقهم على هذه الإهانات التي يجب أن تتوقف بأي ثمن. ومع انتهاء عملية العدً أصبح عدد الموقوفين إلى الجدار أكثر من خمسة عشر معتقلاً سيستمر توقيفهم تحت أشعة الشمس لساعات طويلة تحت سطوة الإهانات والضرب.
التأم اللقاء التشاوري الأخير بعد عملية العد في الخيمة رقم 65، واتخذت القرارات النهائية، لا عمل للمعتقلين في مرافق الجيش، لا لوضع الأيدي خلف الظهر أثناء عملية العد، لا لضرب أي معتقل أو إهانته، لا ذل بعد اليوم ولو بأي ثمن، سنواجه السجانين بصدورنا العارية ومعنا الله وحجارة أرض النقب. وبناء عليه تم تكليف بسام الصمودي نظراً لخبرته الجيدة في تقدير الأمور حق قدرها، بمهمة مراقبة أجواء المعتقل والحراسات ومدى تأهبها من اجل تحديد الوقت المناسب لإرسال "البريد " إلى قسم 3+5.
خرج بسام الصمودي بجسمه النحيل الذي فقد منه ما يقرب من عشرة كيلوات منذ اعتقاله قبل أربعة شهور، وسار ستَ خطوات أمام الخيمة وجلس بجانب شجيرة صحراوية نبتتَ قريباً من الخيمة وراح بعضهم يرعاها ببعض ماء الوضوء والغسيل ، ثم راح يداعبها بيده كأنما يداعب شعر طفلته "أمل" الصغيرة التي طالما داعبت صورتها مخيلته.
راحت عينا بسام تتحركان كعيني صقر صوب الأبراج المنتشرة على أطراف المعسكر وبين أقسامه، أعاد تركيز ناظريه على الأفق الشرقي وتراءى له جميع أبنائه الخمسة وزوجته وهي تصب الشاي لهم بينما عيونهم ذابلة بالأسى والحنين لوالدهم، نفض رأسه فجأة وكأنه يقطع بذلك شريط الصور التي بدت تتراءى له وأشاح بوجهه غربا وسلط عينيه نحو القسم"3" فشاهد "ناصر الدمج" ذلك الشاب الأسمر ذو الملامح الإفريقية – وهو شاويش القسم - يهم بتغسيل يديه أمام الخيمة المقابلة... أشار إليه بيده، توقف الآخر مُدركاً أن الموقف جَديٌ، أسرع بسام ودخل الخيمة، أعلمهم أن الوقت أصبح مناسباً لقذف البريد وأن ثمة من ينتظر "الطابة"، هبَ أسـعد الشوا واقفاً وأخرج الكرة الصغيرة التي صنعها من ثنايا ملابسه، أعترضه إبراهيم طالباً قيامه دون غيره بالمهمة لكن أسـعد بدا هو الآخر مُصراً على القيام بالمهمة ، تدخل شاويش القسم وحسم الأمر لصالح إبراهيم لأنه يعرف عنه أنه راعي أغنام سابق وطالما كان ماهراً في قذف الحجارة، وكم كان مجيداً في المواجهات مع قوات الاحتلال في شوارع بيت لحم، نظر الجميع إلى إبراهيم الذي ما يزال يحتفظ بعضلاته المفتولة ففهم الأخير مغزى هذه النظرات، فقام مشمراً عن ذراعه اليمنى وكأنه الساحر الذي سيخرج الحمامة من كُمهِ.
قال بسام :
- هل أنت متأكد يا إبراهيم انك قادر على قذف الطابة لأكثر من مائة متر...
- أطمئن فهذا الذراع لم يخني أبدا. قال إبراهيم.
لم يعلق أحدٌ حينما قبض إبراهيم الكرة من يد أسـعد الشوا(3)، وعلى الفور استل أسعد سيجارة من علبته وأشعلها وهو يتمنى لو كان اختير لهذا الشرف الصغير ورغب للحظة لو يستطيع تقبيل يد أمه في رمشة عين ويعود لأنه لم يشاهدها حينما تم اعتقاله أثناء المواجهات الحامية في شارع عمر المختار وسط غزة ، ويبدو أن الجميع تنفس الصُعداء أمام ثقة إبراهيم في نفسه بما فيهم أسعد وهم يلحظون عضلاته السمراء المفتولة ،إذ يدرك الجميع حساسية هذه المهمة وخطورتها، فمن ناحية، فإن المسألة لا تحتمل التجريب إذ أن عدم إيصال الطابة إلى المسافة المطلوبة، يعني وقوعها في المنطقة "الحرام" الفاصلة ما بين القسمين، وبذلك ستقع أسرار المعتقلين وخططهم فريسة سهلة بأيدي الجنود الذين سيتنافسون على التقاطها وكشف أسرارها من اجل الحصول على المكافأة المغرية جداً، ترفيع رتبة بين ليلة وضحاها وبجهد بسيط ناتج عن إخفاق الطرف الآخر، وهذا بالنسبة للجنود المنفيين في هذه الصحراء والمعتقلين خارج أسلاك المعتقل كنز يطمح كل واحد منهم للحصول عليه والعودة به إلى زوجاتهم أو صديقاتهم في تل أبيب في إجازات نهاية الأسبوع.
أما من الناحية الأخرى، فان التقصير في الرمية، وعدم إيصالها إلى حرم القسم المجاور، سيخلق أزمة نفسية حادة للأسير الذي قَصَرَ في إيصالها، وفي بعض الأحوال، فإنه سيصبح هدفاً للنقد والتوبيخ ، وقد ينتهي الأمر إلى نهايات سيئة جراء ما سيؤدي إليه من حساسيات وشد عصبي ثم الوقوع في أخطاء مسلكية قد تتفاقم إلى مشاكل بين بعض المعتقلين.
دارت هذه الهواجس في ذهن إبراهيم وهو يجلس القرفصاء في باب الخيمة بانتظار "الضوء الأخضر" لعملية الرمي، رغب للحظة عابرة بالتخلي عن هذه المهمة، الخواطر في ذهنه تتزاحم وتحدث قرقعة كهدير جنازير الدبابات... عجلات مسننة تدور وتصطك لكن بدون انتظام،،، وفي الجانب الآخر من صدره ثمة قهر وشوق لكسر هذا الذل وهذا الطوق الذي يحاول خنق الأنفاس. لا بد له من القيام بالمهمة مهما كانت النتائج، انه بحاجة ماسة اكثر من غيره للقيام بمثل هذه المهمة للتعويض عن تواضع ثقافته وكذلك تواضع رصيده من سنوات الاعتقال قياساً إلى ما يقرب من ألفي معتقل في معتقل أنصار-3 ، وبالنسبة له فهذه هي المرة الثانية التي يعتقل فيها ورصيده السابق يناهز اثني عشر شهراً فقط ، إنه من الفئة "المتنزهة" أو التحضيرية كما يتندر بذلك بعض المعتقلين الذين يقضون أحكاما لسنوات طويلة من الاعتقال أو يقضون اعتقالا إداريا لا يعرف مداه.
عندما أعطي الضوء الأخضر من قبل بسام الصمودي كانت الطابة قد انطلقت من يد إبراهيم، وبلمح البصر تجاوزت الممر الفاصل وصارت في أيدي المعتقلين في القسم"3"، إذ تجمعوا حولها وتفرقوا فلم يعد يتسنى للمراقبين تحديد مصيرها النهائي.
دبَ الهرج والمرج في أوساط الجنود الذين راقبوا العملية دون أن يتمكنوا من التدخل فيها، وبذا فقد تأكد للإدارة أن شيئاً ما يحاك داخل المعتقل.
* * *
كان العقيد تسيمح يؤكد للجنود الذين اعلموه بالحادثة بأن إضراباً عن الطعام سوف يعلن اليوم أو غداً، وهو سيقف لذلك بالمرصاد، وسيلقن الأسرى درساً لن ينسوه أبداً، وعليه فإنه سيعلن عن مجموعة إجراءات وسيتخذ تدابير مناسبة لهذا الاحتمال.
في ساعات الظهر جاء الضابطٌ "روني" من إدارة المعتقل بصحبة عدد من العساكر ووقف على الباب الرئيسي وأبلغ شاويش القسم أن الإدارة على استعداد لاستقبال وفد يمثل المعتقلين من كل الأقسام، وعليهم الاستعداد لذلك إن وافقوا على ذلك.
في ساعات الظهر عقد الأسرى حلقات تشاورية علنية وسط الساحات ضاربين عرض الحائط التعليمات العسكرية في عملية تحدٍ جلية لإدارة المعتقل، وأثناء ذلك ظل الجندُ حول الأسلاك الشائكة يرقبون الاجتماعات بشيء من الدهشة والاعجاب والحنق.
في ساعات المساء من اليوم نفسه، اتخذ القرار بالإجماع بالموافقة على اللقاء وحمل كل مطالب المعتقلين وموقفهم الرافض لأي عمليات إهانة أو إذلال للمعتقلين وبضرورة التزام الجيش والسجانين بالنظم والقوانين الدولية، وفي الأساس منها عدم شرعية هذا المعتقل وكل إجراءاته النازية.
في ساعة متأخرة من الليل التئم الاجتماع في مكتب أحد ضباط المعتقل بحضور قائد المعتقل "ديفيد تسيمح" الذي ما يزال يتمترس خلف غطرسته ومواقفه العدائية، ضم اللقاء خمسة من ممثلي المعتقل وقد تمكنوا من نقل رسائلهم المغلفة بالتهديد إلى ديفيد تسيمح وحذروه أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي إلى مالا نهاية مهما كلفهم ذلك من ثمن.
في صباح الخامس عشر من آب 1988، يتم توزيع وجبة الإفطار كالمعتاد على الأسرى، لكن ظاهرة غير اعتيادية تصاحب فطور هذا الصباح، لقد عُززت وجبة الفطور بحبة بيض مسلوقة إضافة إلى الشاي البارد وكمية من "الفول الصخري" كما كان يسميه الأسرى...
لم يكن من الصعب على عدد كبير من الأسرى الذين سبق وأن أمضوا سنوات طويلة في المعتقلات تفسير هذه الظاهرة الجديدة ، ظاهرة البيضة المسلوقة، إن الإدارة تتوقع قيام الأسرى بالإضراب عن الطعام تمهيداً لتصعيد لاحق، فإذا ما أعلنوا ذلك، وأعادوا الفطور من حيث أتى، وإذا ما بدأت المعركة الإعلامية والمعنوية، فإن الإدارة ستجعل من حبة البيض المسلوقة درعاً تحتمي به، وستبرهن للزوار من الصليب الأحمر أو من المحامين وبعض نشطاء الحقوق المدنية ، أن أفضل الطعام يقدم للأسرى، وليس صحيحاً أن طعامهم يقتصر على الفول اليابس والشاي البارد، أما غياب اللحوم عن الطعام فذلك حرصاً من الإدارة على عدم تسمم الأسرى جراء حرارة الصحراء نهاراً وبردها القارص ليلاً....
في ضحى اليوم نفسه الخامس عشر من آب، يعمم قرار المعتقلين النهائي بين جميع الأقسام ويجري التأكد أن الجميع على علم بالخطوات التالية، ويطمئن الجميع إلى أن سير الأمور يأخذ تجاهه الصحيح،،،،تجاه الصدام وحرب الإرادات التي ما تزال أوارها تتصاعد في الشوارع، ويجب أن تنتقل هنا أيضاً.
يتبع في حلقة قادمة.
الحواشي :
1- الرسائل: كانت تهرب من المعتقل بعدة وسائل أهمها طريقة الكبسولة، حيث تكتب الرسالة بخط غير جداً، وعلى ورق رقيق ما أمكن، ثم تطوى وتغلف بالبلاستيك الأسود، وتحرق بشعلة القداحة فتتحول إلى كبسولة ضد الماء وضد إفرازات المعدة، وأحيانا يجري ابتلاعها من أجل نقلها لأهدافها خارج المعتقل.
2- كانت هذه الوسيلة تعرف ببريد الطابة، وهي خاصة للمراسلات الضرورية الطارئة بين الأقسام.
3- أسعد الشوا: من مواليد وسكان غزة/ حي الشجاعية 1969. استشهد في 16آب/أغسطس 1988.
قمرُ النقب باتَ حزيناً (3-4)
السادس عشر من آب ، الشمس لاهبة منذ الصباح الباكر بشكل لم يسبق له مثيل، دفعة جديدة من عشرات المعتقلين انبلج عنهم الليل السابق فبانت بعض ملامحهم مجللة بالغبار الصحراوي ومكللة بالإرهاق بعد ليالٍ متتابعة في التحقيق وإجراءات الاعتقال، أخبار جديدة تبثُ في المعتقل ودماء جديدة تتحرك في شرايينه، الانتفاضة في الضفة الغربية وقطاع غزة تلتهب جذوتها على أخبار معتقل أنصار-3. يلاحظ هذا اليوم تحسن آخر ملحوظ في وجبة الغداء، كمية قليلة من الأرز، وعدة قطع من البطاطا، وحبة ذابلة بحجم إصبع اليد من الموز،ارتفعت أصوات بعض المعتقلين من الخيام المجاورة معلقةً على الموز، غنى بعضهم بشكل جماعي:
- أهلا بالموز أهلاً .... أهلاً بالموز.
قال صوت أجش متهكماً بطريقة مسرحية:
- موزُ في بيتنا... يا مرحباً يا مرحباً...
ارتفعت أصوات الجنود محذرةً ومهددةً.
بعد تناول وجبة الغداء، راحت الأجساد المرهقة المتعرقة تتناثر تحت شمس شهر آب الصحراوي متمددة على الألواح الخشبية "المشاتيح"(1) في خيام لا يشبهها إلا الأفران، سواءً أفران الحطب، أو أفران الغاز النازية... كأنما التاريخ يعيد نفسه، قال الموجه الثقافي في جلسة اليوم ، وأستطرد، أفران الغاز النازية تقام الآن في صحراء النقب، لكن الفارق الوحيد هو أن ضحية الأمس هي ذاتها جلاد اليوم...
مالت شمس النقب غرباً، وبقي لها مسافة تناهز طول بندقيتين M16 وهراوة كالتي يحملها حراس المعتقل قبل أن تستقر وتغفو خلف الأفق، سعير الصحراء يفحُ غباراً ممزوجاً باللهب كما التنين الأسطوري، يستمر الهدوء سيد الموقف بالرغم من بعض الحركات والأصوات الاعتيادية التي كانت تأتي من خلف الأسلاك الشائكة، زخات متتالية من الرصاص في ميادين التدريب القريبة، أصوات سيارات عسكرية تنطلق وأخرى تتوقف، خبطات بساطير الجنود الذين يمارسون تماريناً عسكرية استعراضية، ثرثرات ونداءات الحراس المنتشرون حول الأسلاك الشائكة أو في أبراج المراقبة المتوضعة عند زوايا حدود المعتقل...
وينقطع ذلك الهدوء المخدوش بصوت أجش من خلف الباب الحديدي الكبير للمعتقل والمعزز بصليب حديدي كبير، كان ذلك هو صوت العريف "راتس" من أفراد الشرطة العسكرية التي كلفت بحراسة المعتقل، طلب العريف "راتس" من شاويش القسم تزويده بعشرين معتقلاً لإنجاز بعض الأعمال الشاقة في معسكرات الجيش القريبة، لكن شاويش القسم أبلغهُ برفض مثل هذه الطلبات وللأبد، كان الأمر مفاجئاً للعسكر الذين اعتقدوا أن المعتقلين فقدوا إرادتهم للأبد، لذلك فقد فتح "راتس" الباب وبدأ وبعض العسكر بجر بعض المعتقلين عنوة خارج البوابة، تمترس المعتقلون ورفضوا الأوامر فأستفرد راتس وزملاؤه بأحد المعتقلين وراحوا يسحبونه ونجحوا في جره خارج القسم، وخلال الممر الترابي الفاصل بين الأقسام، كانت زمرة من الجنود تدفع بالأسير وتوجه له ركلات قوية على مؤخرته، بينما كانت عيون الأسرى ترقب الموقف بألم وحسرة وغضب...
الكل لاحظ نداء الاستغاثة الصامت الذي أطلقته عينا الأسير المعتدى عليه، وبسرعة انتقل التيار في الشرايين،،، ترتفع مئات الصرخات الغاضبة، وتحول المعتقل بجميع أقسامه إلى بركان يقذف حمماً من الغضب والتمرد.
في البداية انفجرت الصرخات أصواتاً بدائية لا يفهم لها معنى سوى الفوضى والخوف والغضب، كان الموقف أشبه بموقف إحدى القبائل البدائية التي تتعرض فجأة للخطر الخارجي... ثم رويداً رويداً تصبح الأصوات هتافاً مشحوناً بألحان شجية وعواطف ملتهبة مدوية في خواء الصحراء الساكنة...
- فلسطين عربية... الله اكبر الله اكبر.
وأمام ذهول الجنود وصدمتهم، صار المعتقل عاصفة صحراوية تقذف حمماً من البراكين ، وخلال دقائق كانت العربات العسكرية وأرتال من مئات الجنود المدججين بالأسلحة والهراوات والدروع تحيط بالمعتقل وتقتحم أبوابه باندفاعات حذرة ومتذبذبة.
خرج كل المعتقلين من خيامهم في ساحات المعتقل لمواجهة هذه الوحوش المدججة بالأسلحة لتبدأ المعركة بين الجانبين، المعتقلون بأيديهم العزلاء وبحجارة النقب الملساء الصلبة وبعض أواني الطعام والأحذية ، مقابل الهراوات والأسلحة التي ترشق زخات من الرصاص المطاطي القاتل وقنابل الغاز المسيلة للدموع، وخلال لحظات تنتشر سحب الدخان الأزرق والأبيض لتغطي المعتقل فبدا من بعيد كأن بركاناً يتفجر في وسط هذه الصحراء المعزولة عن العالم...
أحس الجنود بالضيق وهم يفقدون القدرة على المناورة في ساحة محدودة ، بدأوا بالتراجع وبتكثيف ضرب الغاز الخانق، كان الغاز الكيماوي سلاحاً لعيناً طالما خبِرهُ أسرى المعتقل في شوارع بلداتهم ومدنهم ومخيماتهم، أو في فصول مدارسهم وجامعاتهم وساحاتها... لكن البصل(2) الذي يعتبر مضاداً لبعض قنابل الغاز كان متوفراً حينذاك في كل مكان، أما الآن فمن أين البصل من هذه الصحراء القاسية؟!
تتواصل هتافات الحناجر المتوترة... ويتواصل الانهمار الجبري للدموع ويتواصل سيلان السوائل الساخنة من الأنوف، وتشتدُ حُمرةً الوجوه المحترقة بكيمياء الغاز السام والحرارة الصحراوية وغبار الرمال.. .منصور شاب في مقتبل العمر، يثب في الساحة كغزال يلاحق قنابل الغاز المنهمرة ويحملها بيديه الخشنتين، متجاهلاً لسع حرارتها، يعيد قذفها إلى الجنود واحدة تلو أخرى... تدب الفوضى في أوساط الجنود .. يتزاحم بعضهم عند أبواب الدبابات للهروب من جحيم الغاز الذي يكتم الأنفاس ...يستمر الجنود بالتراجع ، يسقط عددٌ منهم جرحى بفعل لكمات المعتقلين وحجارتهم والغاز الراجع إليهم... ترتفع أصوات الأسرى مهللة مكبرة...
يظهر قائد المعسكر تسيمح وحمرة الغضب تشعُ في عينه حقداً وجنوناً ، بدأ يدير المعركة بنفسه وفي الميدان، يصدر أوامره للتراجع والخروج من الأقسام المحاطة بالأسلاك الشائكة ، ينسحب الجنود بارتباك خارج حدود أسلاك المعتقل، يشرف تسيمح على إعادة تنظيم صفوفهم ،،
تنهمر قنابل الغاز مرة أخرى بكثافة عالية وعن بعد فوق ساحة المعتقل الذي يغص بالمعتقلين ، حجارة الأسرى لم تعد تصل إلى الجنود ... لم تعد قادرة على إصابة أهدافها.
سُحب الدخان والغاز تغمر المكان وتغطيه بغلالة كثيفة، بدأت قامات الأسرى بالتساقط على رمال النقب، واحدة بعد الأخرى، تتناثر القامات الجريحة والمكلومة كالأشلاء ... تتمرغ في الرمال اللاهبة، تختلط حبات الرمل بالعرق والدم والدموع المنهمرة بفعل الغازات السامة.
عندما أمست شمس النقب قريبة من الأفق الغربي بمقدار بندقية وهراوة ... كانت ساحات المعتقل قد امتلأت بالأجسام المجندلة... ولم يتبقَّ سوى عدد محدود تسعفهُ قواه على مواصلة المقاومة والثبات.
بدا العقيد تسيمح أكثر نشاطاً وشراسة بعد أن بدأت بشائر نصر تلوح له في آهات الجرحى والمصابين والمقهورين الذين يتلوون في خيامهم أو في الساحات،... تقدم عدة خطوات وعزم في سريرته على حسم الموقف، سيطرت عليه حالة هستيرية وكادت عيناه تخرجان من محجريهما، راح يصيح وزبدٌ يخرج من أطراف فمهِ الكريه:
- أيها الكلاب الجبناء.هادراً بلغته العبرية الثقيلة محمساً جنوده ومتوعداً المعتقلين...
- من منكم رجلاً فليكن في مواجهتي ،،، أيها العرب الفئران،، ايها الكلاب ؟ ! ...
كان اسعد الشوا ذلك الفتى الممشوق القوام، ابن التاسعة عشر من عمره، مستنداً إلى عامود خيمته خائر القوى يقاوم السقوط وقد امتلأت رئتاه بالغاز السام ، لكنه كان يقاوم هذا الثقل الهائل على صدره وعلى أرجله ، وما بقي له من أنفاس لم تكن لتسمح له بالتنحي من وجه العقيد تسيمح، وكوثبة ظبي محاصر بالبنادق يقفز اسعد أمام الخيمة، لم يكن في ذهنه قولاً محدداً أو فكرة واضحة عما سيفعله في هذه اللحظة الحرجة، لكنه يجب أن يفعل شيئاً ما، يجب أن يثبت للوحوش أنه يملك إرادته وأنه ليس جبانا ما دام في جسده جذوة من نَفسٍ، لو أن هذا الكلب تسيمح قريب منهُ لطوق عنقهُ بيديه وقضى عليه، وبذلك سيثبت له انه موجود، وانه يملك نفسه ، ويملك إرادته.
- أنا رجل... وكلنا رجال ايها النازي القذر..نحن شعب لا ينكسر. ايها المجرم نحن لا نخاف الموت الذي.....
- صاح اسـعد بطريقة مسرحية عصبية.
لم يكمل اسعد كلماته، فقد قطعتها رصاصات تسيمح ، كان اسعد قد فتح قميصه الكتاني الأزرق بكلتا يديه ليكشف عن صدرٍ غضٍ لم يكتسب شعره اسوداد شعر البلوغ بعد، اخترقتْ الرصاصات صدره واخترقتْ إحداها الظهر، نفرَ الدمُ من صدره ساخناً ورشقَ رمل الصحراء فامتصته كأرض أيستْ من مزن الغيوم، مال جسد اسعد إلى الوراء بينما راحت يده تتراخى عن العمود وهو يقاوم السقوط ويلوح بيده الأخرى بشارة النصر وبريق يشعُ في عينيه، لكن جسده يترنح ويسقط واقفاً مثلما شجرة كينيا تُقصُ في أسفل ساقها فتميل وتهوي وترتطم بالأرض بصوت أشبه ما يكون بصوت قذيفة مدفعية سقطت دون أن تنفجر.
صار الذهول سيد الموقف في كلا الجانبين، الأسرى والجنود... ما عدا تسيمح الذي بدا وقد سيطرت عليه نوبة هستيرية منذ بدأ الاضطراب، كأن بريق الحياة المنهمر مع دم أسعد واللامع في عينيه زاداهُ ألماً وجنوناً فوق جنونهِ، كأنه فطن متأخراً أن أسـعد لم يَمتْ بطلقة في ظهره كما تمنت نفس تسيمح المريضة، ويده لم تهرع إلى جرحه في صدره، بل فقد واجه الرصاص بصدره الأعزل ولم ينثني جسدهُ ، بل فقد هوى كشجرة كينيا مالت إلى الأرض لتقبلها فترمي بذورها فيها وتنهض من جديد عشرات الأشجار الباسقة.
القامات المجندلة المتهالكة تثب معاً من جديد كشجرات الكينيا مرة أخرى وتبدأ البحث عن أي مخرج للوصول إلى القتلة، ترميهم بحجارة النقب وبما تبقى من أحذية، الهستيريا تسيطر على تسيمح وجنده في ارتباك بين خوفٍ وحقدٍ وتوحش،،،
الهوامش:
1- المشاتيح: جمع مشتاح وهي عبرية وتعني طبلية أو تخت: وهي على شكل أسرة من الخشب بارتفاع 20سم، تتكون من ألواح خشبية بينها فراغات، تستخدم في الأصل لشحن البضائع. وهي متعبة جداً للظهر.
2- البصل والغاز: اكتشف الفلسطينيون خلال المواجهات في الشوارع، أن شم البصل يعمل كمضاد يخفف من فعالية الغاز السام المسيل للدموع والخانق، فيما بعد تعهدت أمريكا بتطوير قنابل الغاز وجعلتهُ أكثر خطراً فصار يسبب قروحاً خطيرة في الجلد وفي الرئتين.
قمرُ النقب بات حزيناً (4-4 الأخيرة)
الهستيريا تسيطر على الكولونيل "تسيمح" بينما جنده في ارتباك بين خوفٍ وحقدٍ وتوحش،،،الكولونيل يطلب من أقرب عسكري له شربة ماء، يمد يده في جيبه فتخرج بحبتين من الدواء الأبيض الصغير، يُلقمهما فمه ويدلق الماء في فيه غير آبهٍ بالماء السائل فوق بزته وصدره.
الأيدي المتهالكة للأسرى تهب إلى اسعد وتحاول جره إلى عيادة المعتقل، لكن اسعد، ذلك النبع المتدفق بالحيوية، صار جثة هامدة تسحبها الأيدي المتهالكة على رمال النقب، فتخلف على سطحها الرملي أخدوداً متعرجاً ونقاط صغيرة أو كبيرة من الدم، صارت العيون التي اختلطت فيها دموع الغاز ودموع الحزن ترى تلك النقاط نجوماً بعيدة في درب أو مجرة لا يعرف لها بداية أو نهاية.
في الطريق إلى العيادة، وقبل الخروج من السياج السلكي الذي يحيط بالمعتقل، تبادل الرجال الذين سحبوا جثة اسعد نظرات تفيض بالانكسار والحزن حينما تأكد لهم أنهم يحملون جثة بلا روح، كانت الروح قد صعدت في سماء النقب وراحت ترفرف فوق حي الشجاعية مسقط رأسها، حينذاك مددوا الجثة وافترشوا الأرض حولها، وراح احدهم يتلو آيات من القرآن دون أن يرفع ناظريه عن ذلك الوجه الذي كان لهيباً خبا وللأبد.
خلال تلك اللحظات كان "تسيمح" قائد المعسكر يستعيد بعض هدوئه وهو يؤكد لضباطه وجنوده انه بأسلوبه الحاسم والصلب سيردع المعتقلين عن أي خطة قد يفكرون بها، وهو بذلك أيضاً سيساهم في جعل معتقل "كتسيعوت" مقبرة أخرى للانتفاضة وصناعها.
- نعم ... نعم هذا صحيح، قال الضابط "راتس" الذي يعتبر اقرب صديق لقائده تسيمح.
- لكن الم تلاحظ دقة الإصابة؟ لقد وصلت الرصاصة إلى حيث أريدها... الجانب الأيسر للصدر ... الم تلاحظ ذلك؟.!
- نعم، نعم ... ولكن ربما عامل الصدفة ساعد في ذلك ..
قال "راتس" ذلك بخبث، بينما رمقهُ الضباط الآخرون بنظرات الإعجاب والحسد على هذه الشجاعة التي يتحدث بها مع قائد المعسكر الكولونيل، ولما كان "تسيمح" ما يزال مزهواًً بمشاعر النصر الهستيري الذي بدا بمظاهر الهدوء المؤقت في أقسام الأسرى، والذي انعكس في تثاقل حركة الأسرى الماضين إلى خيامهم ، فقد انتفخت أوداجه الحمراء... ولمعت عيناه ببريق من الغضب والاستهتار لحديث العريف "راتس" المستفز، ومرة أخرى يمد "تسيمح" يده إلى بندقية "راتس" ال M16 القصيرة، يتراجع خطوات قليلة إلى الوراء، يسند كتفيه إلى خزان المياه المحمول على قاعدة حديدية .. يضع عقب البندقية على صدره من الناحية اليمنى، يصوب بندقيته بكل مهارة بين عينيه، بدأت عيناه بالانكماش فيما كان يحرك البندقية يساراً ويميناً نحو خيام الأسرى، ثمة عدد من الأجساد تتمدد في الخيمة المواجهة للبندقية، ما عدا جسد واحد يترنح ملتصقاً بعامود الوسط... الجسد يتمايل مع استمرار نوبة السعال المتواصل من اثر الغاز، ينطق "تسيمح" بكلمة واحدة:
- فوق القلب.
- ثم تنطلق البندقية بطلقتين فقط، ومثلما تنهار قنطرة من الحجارة، انهار جسد بسام الصمودي المترنح في رمشه عين لتتواصل حالة الذهول، ولتتضاعف حالة احتقان المشاعر لدى كافة الأسرى...
أعاد "تسيمح" البندقية القصيرة إلى "راتس" شاكراً، لم يجب "راتس" بأي كلمة، فقد خسر التحدي، أما "تسيمح" فقد أدار ظهره لراتس وبقية الضباط المذهولين أو المعجبين وراح يشعل سيجارته وهو يقول :
- اتبعوني إلى المكتب، ولكن بعد أن تذهبوا إلى العيادة لمعاينة الجثث وتحديد مكان الإصابة، أظنك يا راتس خسرت الرهان.
وفي اليوم التالي، كان الجنود يتحدثون عن مهارة "تسيمح" في التصويب ادعى بعضهم أن "تسيمح" فاز بجائزة أفضل قناص في الدولة عام 1974 ، وادعى جندي من جنود الاحتياط أن "تسيمح" كان يصيد حمامتين بطلقة واحدة خلال خدمته العسكرية في هضبة الجولان المحتلة عام 1980 ، وقال جندي احتياط ثالث، يحب العزلة ويخطط للهجرة في أقرب فرصة، إن "تسيمح" لو لم يجد هدفاً عربياً لهوايته في القنص ، لمارس هذه الهواية على جنوده...
صار دم بسام ودم أسـعد زيتاً مقدسـاً يضيء مشاعل الشوارع والمنازل والقلوب الدامية النازفة في الضفة الغربية وقطاع غزة التي تشتعل بمواجهات عارمة من المظاهرات والمصادمات مع جنود الاحتلال، لتلحق بهما أعداد أخرى من الشهداء والجرحى والمعتقلين.
وعلى مدى أسبوع كامل كان أهالي قطاع غزة القريبين من البحر يتحدثون عن مشاهداتهم لعين الشمس الدامعة حينما تسقط وتختفي خلف بحر غزة، وكان أهالي بلدة "اليامون" في جنين أيضاً يتحدثون عن مشاهداتهم لرف حمام بريشه الأخضر يأتي من جهة صحراء النقب ويحوم حول القرية مساءً قبل أن يأوي إلى بيت أبناء الشهيد بسام الصمودي الخمسة.
أما الأسرى في معتقل أنصار"3" ، فقد أقسموا معاً في ذلك المساء أن دم الشهيدين لن يذهب هدراً، وأنهم لن يتنازلوا قيد أنملةٍ عن مطالبهم وحقوقهم ، وهم ما زلوا يملكون إراداتهم في الحياة والمقاومة، وعلى مدى أسبوع ظلوا يتحدثون عن مشاهداتهم الغريبة لقمر الصحراء، ولكنهم أجمعوا على أن وجه القمرِ باتَ حزيناً دامعاً.
(انتهى النص ولم تنته الملحمة)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق