مدونة تشتمل على الآداب (قصص وخواطر وأشعار) والمقالات والدراسات في الإعلام وغير ذلك من زهور الكلام والأبحاث.
الخميس، 16 أبريل 2009
كوابيس المدينة العارية
محاولة اغتصاب
محاولة الإغتصاب..................
بقلم : عزام ابو الحمام..........
(الجزء الثاني من كوابيس المدينة العارية)
عندما توفى والدي -رحمه الله- زعمتم –يا أخوتي- أنكم اكتشفتم سر الحياة، وقلتم إن الحياة هي حياة الروح ونقاؤها... وقلتم أن الجسد ما هو إلا وعاء هشٌ وصغيرٌ للروح، أما المال والجاهُ فما هما إلا ضحكات إبليس ووسوساته الخبيثة، وها أنتم الآن َتنْشِـدونَِ بهذه الوسوسات وتطْربونَ لتلك الضحكات. أروني الآن ماذا ستنفع أموالكم، وماذا ستفيدُ وجاهاتكم؟! هل ستمنعُ بترَ ساقي أمي؟ هل ستعيدُ نضال من تشرده وهيامه في تلال الظلام وفي أدغاله الموحشة..؟ أجيبوني قبل أن يَغلبَني غولُ النوم، هذا الذي بدأ يطوقُ رأسي، يغرسُ أنيابه في عينيَ، في قلبي، في أوصالي المتهالكة.
* * * * * * *
ها أنذا أسْمَعُهُ يَطرُقُ الباب الخشبي طرقاً خفيضاً، لم أعد أدرك إن كنتُ نائمة تماماً أو نصف نائمة... أعرف جيداً طريقة نضال في طرق الباب، قطٌ كبير يخرمشُ الباب بمخلبه، كان يقول لي دائماً: "تذكري، إذا سمعتِ الخرمشة على الباب، فإنه نضال، وإذا سمعتِ مواء قططٍ متقطع فإنه نضال... فلا تجعلي أحداً يعلمُ هذا السر، وإلا فإنه سيصبح بلا معنى"...
قلت له ذات مرة، هل بقي لنا في هذه المدينة شيء من أسرارنا؟!
سمعت خرمشاته، ثم تهيأ لي أنني أسمع مُواءً ضاحكاً، قمتُ ففتحتُ الباب، واستدرتُ إلى الفراش، كأنني الميتُ يخرجُ من قبره، فيكتشف أن الحياة ما تزالُ مستمرة، فيعودُ لتوه متسربلاً بخيبة أمله الغامرة...
رميتُ جسدي المتهالك على السرير، لكن يداً تشدني من الخلف، وتحول بيني وبين السرير، ما إنفكَ نضال يحتفظُ بشقائه وأعماله الشيطانية، كدتُ أصرخ فيه، تعقدُ المفاجأة لساني، هذا ليس نضالاً الذي أنتظرهُ، رباهُ ماذا دهاني في هذا الهزيع الأخير من الليل، أي مصيبة هذه التي تهونُ معها كل المصائب الأخرى، أي زائر هذا الشاهر مخالبه الآدمية الدامية.. يطوقني بيديه حول خاصرتي، تجلجل ضحكاته عالياً، ويفترُ فمهِ عن أسنانَ صفراء، استجمعُ قواي الخائرة وأحاولُ الإفلاتَ... لكن عبثاً مع هذا الوحش الآدمي الذي أسقطته عليّ رياح الأساطير، يلثُمُ خدي، عنقي، فأحسٌ بالحمم البركانية تمورُ مكان كل قبلة يدنسني بها، أحس يده تُداهم صدري، يقبض ثديي ويفركهُ، يعتصرهُ، أبصقُ في وجهه، أصيحُ مِلء حلقي، ماء البحر الميتْ يسدُ حلقي، صوتي يخرج كفقاقيع، أين أنت يا نضال؟ لماذا تأخرت، أم تراك هائماً تبحث عن حل؟ الوحش يزداد شراسة ويتصرف بثقة مطلقة، يُمزقُ قميصي، يلثُم صدري، أرى جسدي بأكمله عارياً، صدري يصطبغُ بالأحمر والأزرق... أسنانه وأظافره تخطط صدري، أهربُ في زاوية الحجرة، أتمترسُ خلف المقعد، يمدُ يدهُ الطويلة فيسحبُ الكرسي ويجلسْ عليه مطلقاً ضحكته الكريهة، يُشعلُ سيجارتهُ وينفثُ دخانها في وجهي، دخانها يغمرني، يستحيلُ الدخانُ إلى أيدي تطوقني مرة أخرى، الأيدي تعبثُ في أنحاء جسدي، أثدائي تذبل، تترهل، تُطأطئ، أرمقهما بنظرة، فأرى خطوطاً من الدم تَـنزُ من وجهي، تمرُ فوق صدري، تتجمعُ في صرتي، ثم تخرجُ منها خطاً واحداً... تنتابني رعشة قوية، ألتقطُ الإبريقَ الفخاري من النافذة وأقذفه في وجهه، أراه يتحسس موضع الضربة... دمه يسيلُ أيضا.. أتبعهُ بالكرسي على قدميه، فأراه يتألم, أتنفس الصُعداء... أرى الاحمرار في عينيه، ووجهه الأصفر يصطبغ بالأحمر والأزرق، الآن أذكرُ، كأني رأيتُ هذا الوجه الأزرق ذات مرة فوق سور المدينة ببندقيته السوداء... كانت حمامة صغيرة حينذاك تتشعبط حجارة السور،،،.
اسمعُ طرقات الباب مرة أخرى، خرمشة أظافر، مواء متقطع.. أجَرْجُرُ جسدي المتهالك، أمد يدي نحو الباب، الأيدي الثقيلة تشدني من شعري، يتوقف عن الضحك، يقبض بكلتا يديه على رقبتي، المواء يتواصل، يستحيل إلى طرق متلاحق بالأيدي والقدم... الأصابع تنغرسُ في رقبتي، أشعر بالماء المالح يغرغرُ في حلقي.
- لا لن أموتَ قبل أن أشرب ماءً عذباً, لا أريدُ أن أموت عارية، أركله بركبتي في بطنه، قبضة يديه تتراخى قليلاً... أنتهزُ الفرصة، فأمرُّ بناظري على الصور المسمرة على الحائط...
عينا والدي تدمعان، أسمع نشيجهُ المختنق، العيون الأخرى ساهمة لا ترى المشهد، نفس البسمة المصطنعة على الشفاه، صورة نضال وحدها تتحرك على الجدار، لكنها مشدودة إلى المسمار، أراه يستل منشاراً صغيراً، يحز الخيط بإصرار، يتهالك الخيط، يكاد ينقطع، تتأرجح الصورة تنتابني الرعشة مرة أخرى، أفلت من طوق يديه، أقذف بجسدي العاري نحو النافذة، أريد أن اصرخ، أستنجدُ بالجيران، لكن الماء المالح يسد حلقي ...
* * *
ينفتح الباب دون أن أشعر، أحس باليد الطرية تمسح جبهتي، تمسح دموعي، ثم أحس بالذراع تَسـندُني على السرير، فيما اليد ُالأخرى تحمل ُ الإبريق الفخاري، يُسـقني ماءً بارداً عذباً، انظر إلى وجهه، إنه نضال... يَرمقُني بحزن وباستغراب، يهدهد على ظهري، يهمس في أذني...
- لماذا لم تفتحي الباب؟ لماذا كل هذا العرق المتفصد من جبهتك وجسمك؟ أي كابوس هذا الذي تصارعينه في نومك...
أبسمل، أتحسس رقبتي، صدري، أنحاء جسدي، لا شيء سوى العرق الساخن اللزج، أتحسس الإبريق الفخاري، أنظر إلى عيني نضال، إنه هو كما في الصورة المسمرة على الجدار، أمر على الصور الأخرى، ثابتة مسمرة، ساهمة، وباسمة... عيون، أنف، فم، كيف يضمحل المرء ويُختزلُ إلى ثقوب صغيرة مظلمة في جدار، ثقوب تسكنها الديدان والدبابير، فلا ترى فيها سوى نقاط صغيرة من الظلام والخواء الممتد إلى الخلف امتداد المجرات السماوية البعيدة.
أمد يدي إلى الإبريق الفخاري الذي لم يفارق هذه النافذة منذ وعيت هذه الحياة، أرفعهُ إلى فمي، فأحسُ بمائهِ البارد العذب يفرقعُ في حلقي، فيطرد منه الماء البحري المالح، ويزيل الغشاوة التي جللتْ عيناي، فعدتُ أرى النافذة الفضية، ومن خلفها الليل الملبدُ بالصمت... المكبل بسلاسل حديدية صدئة، لكنني مع ذلك، تنتابني ومضة جديدة من الحياة، فنحنُ في الهزيع الآخير من الليل بدون شك، وهذا الليل لا بد وأنه يتحرك، ها هي غيومه السوداء تزحف بتثاقل، المهم أنه يتحرك، ولا بد أن صباحاً من خلفه يتمدد...
- وها هو صوت الشيخ عبد اللطيف مؤذن المسجد الأقصى يتنحنحُ ويستعدُ لاطلاق آذان الفجر... إن الفجر لقريب.
5/4/1997عمان
ملاحظة : ورد في القصة بعض الكلمات المستخدمة في العامية الفلسطينية، ومعناها واضح في السياق..ومنها: يتشعبط: تقال بمعنى التسلق الصعب للجدران أو الأشجار، وأكثر ما تقال للزواحف ذوات المخالب.
الخميس، 9 أبريل 2009
درب للموت، درب للحياة
بالنسبة لعبد المجيد، فقد بدأ بتكوين وبناء موقفة المغاير منذ مؤتمر ومفاوضات مدريد عام 1992. وكنت أخمن ما سيقرره بعد هذا الجدل الطويل والخلاف المرير الذي بدأ يسيطر على علاقاتنا منذ أسابيع عديدة عقب اتفاق أوسلو أيلول/ سبتمبر. لكنه وعلى طريقته الخاصة ، كان يحب أن يضفي على قراراته طقوساً خاصة ومسحات دينية وروحية، لذلك فقد صلى صلاة العشاء، ولم يكتف بذلك، بل انتحى جانباً قصّياً من الجبل وراح يصلي صلاة الاستخارة. ولم تكن أمامنا أنا وخالد إلا أن نرقبه حماية لأمنه ثم فضولا وترقبا لقراره النهائي بخصوص الاستمرار في حياة الجبل أم النزول إلى الشارع.
وبالفعل فقد جاء قراره مثلما توقعت- وهو المتوقد ذكاءً – بأن يرفض اتفاقية أوسلو، وكل ما سيفرز عنها، وسيكون من أغرب الغرائب أن يقوم عبد المجيد بالاقتناع بموقفي أنا الذي يؤيد أوسلو تأييداً حذراً، بمعنى أننا نؤيد أوسلو بشرط أن لا تنقلب إلى مشروع إسرائيلي خالص. ثم بشرط أن يتم تحقيق الوعود التي نسمعها هنا وهناك، ولو أن عبد المجيد أيد أوسلو بالفعل لأصبح جامعاً لثالثة الأثافي. فالأولى هي وعيهُ ونظرياته الماركسية المتطرفة، والثانية هي عاطفته الدينية المتوقدة التي اكتسبها من والده. وستكون الثالثة هي انضمامه إلى " الخط البراغماتي" مثلما كان يطلق على التيار الذي أيد أوسلو.
بالنسبة لي، سأظل احترم رفيق دربي عبد المجيد، وسيظل يكبر في عيني وبالرغم من هذه الهوة التي تفصلنا منذ أوسلو وحتى الآن، ولازلت أرى هذه الهوة تتسع يوما بعد يوم كأنها البحر يباعد بأمواجه بين سفننا في اتجاهين متعاكسين.
حتى بعد اعتقاله والزوبعة التي ثارت أثر ذلك في القرية وفي التنظيم وفي كل الفصائل، لم يتغير شعوري اتجاه عبد المجيد، وللحقيقة، فقد كانت أياماً عصيبة بالنسبة لي يوم اعتقال عبد المجيد وسط الخربة المهجورة التي كنا نأوي إليها خلال ساعات النهار، لقد كان ذلك عقب انفصالنا ونزولي من الخربة بأسبوعين. وقد انتشرت شتى أشكال الإشاعات من احتمال تواطؤ مني أو احتمال من ثرثرتي .. و.. و.. بقي الأمر يقضُ مضجعي إلى أن تلقيت الرسالة الأولى من عبد المجيد من معتقله في عسقلان من خلال المحامي الذي أرسلته خصيصاً لذلك الأمر، وتكررت الرسائل من خلال أسرته، وتبين أن الاعتقال قد تم بمحض الصدفة وليس غير ذلك، إذ إن بعض لصوص السيارات الإسرائيلية اختاروا ان يجلبوا سياراتهم المسروقة إلى منطقة الخربة في ذلك اليوم، ومن ثم الشروع في تفكيكها، اكتشفت ذلك طائرة عاموديه كانت تطاردهم، وخلال حملة مفاجئة للشرطة والجيش، تم إلقاء القبض على عبد المجيد وهو نائم نهاراً في إحدى المخابئ والتي كانت في دائرة التفتيش والبحث .
* * * * *
بالنسبة للشهيد خالد، فإن الأمر مختلف تماماً، ونصف اللغز لدى عبد المجيد والنصف الآخر اعرفه بتفصيلاته، إذ إن الشهيد خالد اعتقد أن إعلان أوسلو هو النهاية الحقيقة للصراع وللبنادق والنضال والحرب, واعتقد انه أصبح من الآن فصاعداً في حِل من كل أعباء المرحلة السابقة، وانه سيبدأ مرحلة جديدة في بناء السلام والرخاء والأمن بعد أن تم الاعتراف بحقوقنا كاملة على ان يتم تنفيذها بالتدريج وخلال شهور عديدة أو سنوات قليلة في أسوأ الأحوال, وبالنسبة له فإن تاريخ 13 أيلول/ سبتمبر هو تاريخ حاسم يفصل الزمن بحد السيف، ولذلك فقد كان متسرعا عندما عاد بسلاحه إلى الشارع ليشارك المحتفلين والهاتفين والمغنين والمتجادلين هتافاتهم وأغانيهم ومجادلاتهم. ولم يكن ليعلم أن فوهات البنادق ستكون بانتظاره ومطاردته. والدتهُ كانت وصفت هذه المرحلة من حياته عندما كانت تقول للمعزين "رحمه الله، كان يعلم بأنهُ لن يعيش طويلا، فقد أراد أن يخطب ويتزوج ويلتحق بالجامعة ويتدرب على قيادة السيارات خلال الأسبوع الأول من عودته من الجبل... وكنا نحن متشوقون مثله لذلك، لكنني كنتُ أحس بقلبي أن خالد يسابق الزمن وكأنه يستعجل حتفه، لكنه الآن في الجنة ليشفع لنا لنلتقي به بإذن الله".
ومثلما قلت فإن النصف الآخر من القصة لدى عبد المجيد، إذ أن خالداً رحمه الله كان قد زار عبد المجيد في الجبل والتقى به قبل أيام ثلاثة من استشهاده، أما أنا فقد التقيت عبد المجيد في مساء اليوم نفسه الذي استشهد فيه خالداً، وعلمت منه أن خالداً سلمه المسدس وكل الذخيرة التي بحوزته, ويعتقد عبد المجيد إن خالداً كان في إصراره على مثل ذلك إنما يعكس إحساساً خفياً بالاستسلام للقدر المحتوم.
كنا قد شيعنا الشهيد خالد إلى مثواه الأخير في مقبرة البلدة ، ووجدت نفسي أنسـل بصمت نحو الطريق الترابي المؤدي إلى الخربة بينما كانت الشمس قد ختمت يوم آخر ثقل بالآلام، وطوال الطريق الطويل كنت أحس بفوهات البنادق المصوبة إلى رأسي، لقد كانت أطول طريق مشيتها في حياتي، ماذا سأقول لعبد المجيد الآن عن استشهاد خالد، وماذا سينتظرني أنا من مصير، اليوم خالد وغداً أنا وبعد غد عبد المجيد، إذن فإن تحليلات مجيد هي الصائبة، واتفاق أوسلو ما هو إلا ذرٌ للرماد في العيون وكما يقول القرآن الكريم "أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ", وماذا لو ان مجيد قد اختلف مع خالد إلى الدرجة التي تدفعه لقتل زميله ورفيق دربه، وهذه الخاطرة الأخيرة هي الأكثر رعبا وإيلاما من شتى الخواطر, والآن استذكر تحذيرات عبد المجيد لكلينا وخصوصاً للأخ خالد عندما كان يقول: ستكون نهايتكما قريبة جداً، أقرب مما تتصوران، أنت يا أسامة ستأتيك الطلقة بين عينيك، تماما مثل "الشنار الحذر"، وأنت يا خالد ستأتيك الطعنة من الخلف، وبالفعل فقد قتل خالد من الخلف بصلية طلقات من سلاح أوتوماتيكي، وعندما استجمعت قواي وتفحصتُ جثته الباردة، كانت ثلاث أو أربع رصاصات قد مزقت ظهره وكأنها ضربة سيف مُثلم... الأنذال قتلوه من الظهر..تبا لهم الجبناء..
لم أكن في حالة نفسية أسوأ مما أنا عليه في تلك الساعات خلال مسيري إلى المخابئ في الجبل، إما أن يكون مجيد خائناً كبيراً ومتعاوناً مع الاحتلال أو أن يكون ذو كرامات دينية عند الله. لقد صلى صلاة الاستخارة: ولقد أطلق تحذيراته الصريحة بعد هذه الصلاة وكأنه ذلك الولي الصالح الذي يرى ما لا يمكن أن يراه الآخرين، وهو الذي قال : يجب أن يعود يوماً ما أحدكما نادماً بعد أن يُقتل الآخر…وها أنذا بالفعل أعود إليه قبل أن يجف دم خالد المسفوح على عتبات أوسلو . .
عندما رحت أنادي بصوت خافت: مجيد.. مجيد.. عبد… مجيد..تهيأ لي أنني سمعت قرقعة سلاح، صوت الأقسام الأوتوماتيكية يتحرك ببطئ، كاد قلبي يقفز من مكانه، كأنني لم أعايش السلاح على مدى سنوات عديدة، كأنني لم أحتضنه على صدري ليال طويلة، كأنني لا أعرف رائحته الزيتية ومذاقه المعدني المعبق بالصدأ والزيوت والأتربة، كأن برودته لم تلسع خدي، كأن أصابعي لم تلسعْ بحرارته عقب كل اشتباك ومعركة. والآن فها أنذا أشعر بالعزلة والعجز المطبقين حول عنقي، ها أنذا أعزل من كل شيء، من قطعة سلاح صغيرة, اعزل من عصا أتكئ عليها، أعزل من بصيص أمل كنت أراه قبل استشهاد خالد منذ ساعات قليلة، اعزل من إجابة متماسكة وكاملة للقصة، أي قصة غير قصة السنوات الطويلة في المعتقل أو في الجبل. قصة استشهاد خالد، قصة الخطوة التالية.
فجأة جاء صوته منهمراً مع حركة الأقسام الأوتوماتيكية: -
- ارفع يديك ولا تتحرك … من أنت ؟
وتجمدت في مكاني، هل ستأتيني الطلقة بين عيني بالفعل،أم في الصدر، أم في الظهر مثل خالد؟ كاد رأسي ينفجر قبل إن تمسه الطلقة… ما هي القصة؟ ما الذي يجري..؟!
- ما هي القصة يا مجيد صرخت بعد إن استجمعت أنفاسي؟
- من؟ أسامه! لا حول ولا قوه إلا بالله …… أهذا أنت ؟!
ثم كان عناق وبكاء لن أنساه ما حييت، لم أرَ في حياتي مثل هذه الدموع الكبيرة التي انهمرت من عينيّ مجيد وأنا اروي له قصة استشهاد خالد برصاص قناص من سيارة كانت تتابعه داخل القرية، ثم ما تلبث أن تنفلت مسرعة وكأن حل الصراع لا يتأتى إلا بهذا السيل من دموع أم خالد، إلا بطعنها في قلبها الوحيد الذي لا تملك غيره من هذه الدنيا … ثمة خطأ كبير في هذه المعادلة:-
- الخطأ في الاتفاقية، بل في الحياة بأكملها، لماذا خالد؟ وهو وحيد والديه؟ لماذا بعد أن أعلن خالد عن سروره وتأييده للاتفاقيات اللعينة بحماس منقطع النظير!! ثم لماذا يتم توقيت ذلك في اليوم الذي ستعقد فيه خطوبته على الفتاة التي أحب، خالد عاش عاشقاً لوطنه ومات عاشقاً للحياة، كأنها نهاية كل عاشق، الموت طعناً أو قهراً أو شنقاً أو كبداً.
* * * * *
حينما رأيت شبح رفيقي القديم أسامه، يدور حول الخربة ويتخلل الشجيرات المتناثرة هنا وهناك أحسست بما لم أحس به في حياتي، لابد أن شيئا من مخاوفي قد وقع... شبح يتمايل متهالكاً كأنه الخرقة المتماوجة فوق نسيم هذا الخريف، كأنه هذه الأوراق الصفراء الآيلة للسقوط ، كأنه تلك الشجرة العارية تحت برودة ليل الشتاء، لم يكن في أيدي الشبح أي قطعة سلاح ولا حتى عصاً يتكئ عليها، كيف اضمحلت هذه القامة الرشيقة والمتحفزة المتنطنطة فوق الصخور وبين الشعاب والأشجار قبل أسبوعين!! كيف اضمحلت إلى هذه الخرقة البالية التي تتلاعب بها الرياح الخفيفة حتى تكاد تلقي بها إلى المجهول.
وهاهو الآن يبكي أماميً ممزقاً وقد أضناه الصراع الذي يحتدم في عقله الصغير، كيف قتل خالد؟! ولماذا؟! وماذا سيكون مصيرنا ونحن لا نملك أية ضمانات أو أية تعليمات رسمية واضحة بانتهاء الصراع أو حتى باستمراره،على الفرد أن يتحمل مسؤولية قراره وعليه وحده عبء اتخاذ القرار وحماية اختياره, وما أسوأ ان تتحول بين يوم وليلة من حارس إلى محروس، من مخيف إلى خائف، من مطارد إلى مطرود.
وكان اللقاء فرصة لكلينا، فرصة لإعادة التأكيد على مفاهيمنا المشتركة الكثيرة مثلما كنا نرددها دائماً…. فنحن طلاب الحرية والسلام أكثر من غيرنا…. ونحن طلاب لحقوقنا الوطنية المشروعة، قاتلنا ونقاتل من اجل تلك الحقوق، وان إحقاق حقوقنا لا يمكن ان يتم بدون القوة، بدون الصراع وإثبات الذات أو بدون إيلام العدو والضغط المتواصل على أعصابه بكل السبل..، والآن أيضا نفترق على مفاهيم جوهرية أيضا، مع ان أسامة ومعه خالد كانا يعتقدان ان مثل هذه الأمور هي أمور فرعية أو ثانوية أو تكتيكية مثلما كان يقول أسامة.. فهما يعتقدان أننا بحاجة إلى تغيير الأساليب والوسائل، ولذلك يجب التركيز على المفاوضات واكتساب المزيد من التأييد السياسي في الساحة العالمية..، كان خالد رحمه الله يقول إننا الأضعف في المواجهة العسكرية، لكننا الأقوى في الصراع السياسي لأننا أصحاب حق، لذلك علينا استدراج العدو إلى الساحة السياسية ما أمكن ؟!
* * * * *
لم يكن خالد ليقتنع بأن هذا الصراع الكبير يختلف كثيراً عن لعبة الشطرنج التي يتقيد فيها الخصم بكل قوانين اللعبة، أنت تواجه خصماً لا يعترف بالمربعات ولا يلتزم بقوانين اللعبة، لكننا اتفقنا في نهاية اللقاء ان نمنح أسامة الفرصة الكافية للقيام باتصالات تنظيمية مع المراجع القيادية في الخارج، في عمان وتونس، ليستوضح الأمر مباشرة مقابل أن ألتزم الهدوء في هذه المرحلة، في حين يتوجب عليه التصرف بكامل الحذر، والعودة إلي في حالة حصوله على الإجابات المطلوبة، بالنسبة لي فقد وافقت على ذلك نزولاً عند إلحاح أسامة، واحتراماً لتجربتنا المشتركة، ولن أنسى كيف أنقذ حياتي أكثر من مرة، ولكنني لا أحتاج إلى إثباتات وتفسيرات على الورق وأنا اسمع وأشاهد إخبار القتل بدم بارد، إخبار نسف البيوت، قلع الأشجار، مصادرة الأراضي وكأن شيئاً لم يحدث في الاتفاقيات المزعومة، ثم بعد ذلك يتحدثون عن السلام والالتزام، سلام للمعتدي، واستسلام كامل للضحية… هذا ما يقصدونه بالضبط، ولذلك فلست واثقاً تماماً من استمرار الانضباط الذي اتفقت عليه مع أسامة .
* * * * *
الآن، وبعد هذا اللقاء مع عبد المجيد، لا يمكن لأحد إن يوجه ليّ اللوم في المستقبل، لقد نبهت مجيد إلى خطورة وضعه الجديد، وأعلمته بموقف المسؤولين في تونس وعمان، وشرحت له المعادلات التي أصبحت تتحكم بسير الإحداث عالمياً، وإقليميا ومحلياً ووطنياً…. الخ.
ان مجيد لم يكن ليقتنع بكل ما سُقت له من حجج وبراهين وشواهد، أنه يتمرتس خلف اعتقادات يستقيها من الكتب القديمة ومن مخيلته ومن احلامه، ولكن أين الواقع وإمكانياته من تلك الاعتقادات والخيالات والأحلام.
ألم أعتقد قبله !! ألم أتخيل عودتنا على ظهور الدبابات؟! ولكن أين هي الدبابات! ألم أحلم قبله بصلاح الدين؟! لكن إلى متى سننتظر صلاح الدين الموعود! وهل تسمح أمريكا أصلا بخروج صلاح الدين من قريته!! ألم نشاهد ما حل في العراق جراء محاولته التمرد على قانون القوة العظمى؟! فإلى متى سننتظر؟! إلى متى؟ وماذا سيتبقى لنا إلى ذلك الوقت الضارب في المجهول ؟؟! .
وأخيراً، أقولها بصراحة، فمثلما إن عبد المجيد ينتظر المجهول، فانا كذلك أدرك أنني إنما أغامر بحياتي ومصيري، ويتوجب علي الصراع حتى آخر نفس، وحتى هذه اللحظة ليس بوسع أحد الادعاء باحتكار الحقيقة، لا أحد يستطيع حسم الخلاف في وجهات النظر. ولا أزعم ذلك لنفسي.
إنما هو التاريخ الذي سيقول كلمته الحاسمة ، ، ،
لوحة أخرى بألوان جديدة
أخبرت الطبيب ما أعانيه من أرق أخشـى أن يتواصل فأفقد صوابي ، ثم أفقد عملي وربما أفقد أصدقائي وأقرب أقربائي .
قال الطبيب : أنت مشــجع ، أنت تعي مشــكلتك ذا ، وربما هذا سـيساعدك على العلاج السـريع .
قلت نعم ، وأخشــى أن يكون لدي عقدة أوديب ، أو عقدة أبا الخيزران . هز الطبيب رأســه ، وفهمت أنه يقدر لي هذا التحليل وهذا التوقع الذي ينم عن ثقافة وجرأة ، ثم قال ، وماذا بعد ، ماذا تعتقد في أسـباب هذا الأرق ؟
قلت : لا أعرف السـبب تماما ، ولكنني أخشــى أن تكون بعض الدول المعادية ، قد دبرت لي مكيدة ما ، أمريكا مثلا ، أو أيران ، أو كوبا الشـمالية ..
قال الطبيب : ( هازا رأسـه ) هه ، وهل سـبق وأن زرت هذه الدول وخصوصا كوبا الشــمالية هذه ؟
قلت : لا لم أزرها ، ولا أنوي بعد . لكن أنا أشــك في واحدة من هذه الدول ، وربما أنها أتفقت جميعا على الأيقاع بي . هل هذا مســتبعد يا دكتور ؟
قال الطبيب : لا... لا غير مســتبعد ؟ ولكنك حتى الأن لم تقل لي ما هي مصلحة هذه الدول في جعلك لا تســتطيع النوم ؟ لا بد أن يكون ثمة مصلحة أو فائدة ما لهذه الدول ّ! ! .
ثم اخبرت الطبيب بما أعانيه من أرق وجفاف الحلق ، وتشــتت في الفكير ، وأعترفت له بما أعانيه من أهمال وأضطراب وفوضى في حياتي ، ولا بد أنه لاحظ شـعري الأشـعث الأشـيب ، وملابسـي الرثة القاتمة بلون وجهي ، وربما أســتطاع أن يلحظ أسـناني ونواجذي المتناثرة في فمي كما بقايا الكنائس الرومانية القديمة .
قال الطبيب دون سـابق إنذار : هل تعلق في غرفتك صورة لفارس يمتطي جوادا أبيض ، ويمتشـق على صدره بندقية طويلة أو سـيفا أو ما شـأبه ذلك ..! ؟
أســتغربت وذهلت لعبقرية الطبيب الذي ولج إلى أبوابي الخفية من الجلسـة الأولى ، فما كاني مني إلا أن أعترف له بكل القصة :
نعم ، لقد علقت لوحة الفارس على جدار غرفتي ، لا بل فقد كنت قد رســمتها بنفسـي ، فارس قوي البنية ، وســيف مشــهر بيده ، وفرس بيضاء جامحة وقد بدت ترنو نحو أفق واسـع تتوسـطه الشـمس الذهبية ....
قال الطبييب : ها ، وبعدين ، ما الي حدث ؟
قلت : نعم ، رأيت الفارس يترجل عن فرسـه ويختفي خلف شـجرة ، ثم ما لبث أن خرج لابسـا بدلة إفرنجية وربطة عنق يا دكتور ، ربطة عنق ، تخيل الفارس يلبس ربطة العنق ! ثم ما يلبث أن يخرج من جيبه جهازا صغيرا ، فيدنيه إلى فمه ، ويبدأ بالثرثرة فيه بصوت خفيض ، ثم يعيده إلى حزامه ، وما هي إلا لحظات حتى تتوقف أمامه سـيارة سـوداء اللون ، فيقذف بنفسـه فيها ثم لتنطلق السـيارة كالعفريت في طريق متعرج ، ليختفي عن ناظري بعد لحظات قليلة .
- ها وبعدين ، قال الطبيب .
- قلت : نظرت حوالي فلم أجد غبر صحراء مترامية الأطراف ، حاولت اللحاق بالفارس ، وناديته بأعلى صوتي ، ورحت أعدو ثم أعدو ، لكنني كنت أكتـشـف أنني لا اقطع شـيئا من هذه الصحراء الفســيحة . فأقف لاهثا عاجزا عن السـير والخيبة تجللني حتى أخمص قدماي ...
ثم توقفت عن الحديث ، فرأيت الطبيب يحرك نظارات عينيه بيده لأسـفل وأعلى قبل أن يقول : ها وبعدين ، شـو صار . ! ؟
قلت : وماذا ، هل يحق للفارس ، فارســي يا دكتور أن يترجل بهذه الطريقة ، وأنا الذي رســمته بريشــتي ، وأنا الذي علقته على الجدار ، لا ليتركني ويركب السـيارة السـوداء ، حتى دون أن يكلف نفسـه مجاملتي أو أســئذاني ، أيحق له ذلك يا دكتور ّ! ؟
قال الطبيب وكأنه يســخر مني : لا.. لا ، معك حق ، كان يجب عليه الأســتئذان بالطبع ، معك حق .
ثم ســكت الطبيب ، وأطرق مفكرا ، ظللت أرقب أطراقه منتظرا منه حلا او دواءا لمعضلتي .. ولكنه عاد مرة أخرى ليسـألني :
- ها .. وأين اللوحة الأن التي رسـمتها أولا ؟
- لا أعرف ، لا أعرف يا دكتور .
- أعتدل الطبيب في مقعده ، وأصلح من وضع نظاراته ، وراح يكتب بقلمه الفضي على ورقة أمامه ، بخط مقروء ،على غير عادة الأطباء في الكتابة بالخط الردىء :
أرســم لوحة أخرى ، بألوان جديدة
أخذت الورقة ، وطويتها ، قبل أن ينهض الطبيب ليودعني إلى الباب ، كنت قد مزقت الورقة ، ورميتها في سـلة المهملات .
عمان – حزيران - 2000
البغل
إكتشفت أن البغال تعاني الأمرين حينما يقترب أجلها، يا لبشاعة بني آدم في تعامله مع هذه الحيوانات، البغال غالبا ما تعاني من الهرم والضعف بعد خمسة عشر عاما من الخدمة في الأشغال الشاقة من حراثة الأرض أو جر العربات أو حمل الأثقال الكبيرة للمسافرين والبضائع وما شابه ذلك.
بالأمس إكتشفت المنطقة المخصصة لموت البغال والخيول في أطراف المدينة، في منطقة نائية عن المدينة، ذهبنا هناك مع الشركة منذ أسبوعين وصار عملي هناك كمهندس مقيم، هذا أتاح لي أن أتجول في التلال المحيطة بسيارتي أحيانا أو مشيا على الأقدام لأستطلع المنطقة الموحشة المحيطة بنا. كان الإكتشاف صدمة لي أذهلتني وهزت مشاعري وأرقت منطقة قصية في دماغي..وجدت بغلا في المنطقة التي تشبه الحوض الكبير بين التلال الصحراوية حيث لا شئ ينبئ بالحياة لا ماء ولا أي نوع من الإخضرار، البغل بات قاب قوسين أو أدنى من الموت، إنه لا يقوى حتى على الوقوف على أرجله، إنه أقرب لأن يمون هيكلا عظميا وجلد تزاحم بالجروح والكدمات والطعنات، كأن بعض الكلاب حاولت النيل منه قبل أيام حيث بدأ الدم بالتجلط، ربما أستطاع .هل يعقل أن يكافئ الحصان أو البغل أو حتى الحمار بأهماله وتركه لينفق بالجوع والبرد أو بنهشات الكلاب والضباع والذئاب بعد حياة حافلة بالعطاء والشقاء !؟ سيقول قائل أنت تتباكى على بغل أو حمار إنتهت صلاحيته وفقد قدرته على العطاء والشقاء، فما هي فائدته وهل نفتح لها إسطبلا بالعجزة من الحيوانات مثلهم مثل بني البشر؟ وسيقول أخر ربما أكثر تطرفا أنت تتباكى وتحزن على الحيوانات مثل مارلين مونرو حيث تتجاهلون ما يقع على بني البشر من إعتداءات مثل إعتدءات إسرائيل على غزة وأمريكا على الكثير من دول العالم....فلتذهب الحيوانات إلى الجحيم والأولى أن نتحدث عن ضحايا البشر من قبل إخوانهم البشر.
المهم، تجاهلت بعض الغمز واللمز الذي دار حول الموضوع في الشركة حيث أعمل ، فقد قررت من شدة تأثري توفير الطعام للبغل الوحيد في المنطقة الذي يبدو أنه سيق لها منذ بضعة أيام فقط ، الهياكل العظمية في الموقع تتناثر بالعشرات، لكن معظمها قديم سوى إثنين فقط ، على كل حال فقد إبتعت للبغل بالتين من القش ( البيكا) وأحضرتهما في سيارتي ورميت بهما أمامه حيث لا يكاد يقوى على الوقوف او الإنتقال، في اليوم السابق كنت قد أحضرت له سطلا من الماء ليشرب، شرب البغل ونظر لي بعينين مغرورقتان بالدموع ، نعم الدموع الكبيرة رأيتها وهي تسيل ساخنة من مآقيها...تأكدت أن هذه الحيوانات لها مشاعر ولديها أحاسيس،،، ربما ليس بنفس المستوى أو القدر الذي لنا نحن البشر، ربما بشكل آخر...قررت أن أعود للمكتبات للبحث في هذا الموضوع ،،،ولكنني تراجعت بعد أن خطر لي خاطر آخر:
ألم يفعل بني البشر ببعضهم أكثر من ذلك، ألم يقتتلوا بالأسلحة الفتاكة، ألم يتركوا شعوبا بأكملها تتعرض للإبادة تحت القذائف أو تحت وطأة الجوع والمرض.الشر يفعلون كل ذلك وأكثر، لكن هذه البغال لم تكن لتفعل. فلماذا البحث في الكتب.
الاثنين، 30 مارس 2009
ثلاث بنادق (ثلاث قصص قصيرة جدا)
بقلم عزام ابو الحمـــام
1- البندقية اللامعة
أعجبتني البندقية كثيرا، أكثرُ ما أعجبني أخمصها الخشبيِ الكستنائيِ اللون، وسبطانتها اللامعة (زنادها أسود غير لامع)، ليس لها رائحة البارود كما أكدَ البائع، لم تعرف رائحة التراب أيضا، كانت لشيخ العشيرة ، لم يتمكن منها الصدأ ، فقد كانت معلقةً طوال الوقت في الهواء الطلق قبالة أعين الناس...
قلتُ الأفضل أن تبقى لما صنعتْ له، أن تبقى شاهدَ زورِ على الزمنْ...
2 – البندقية العمياء
كان كعبها لصقَ كتفهِ الأيمن، الدخانُ لا يزالُ يتسربُ عبر بيتِ النار، الأقسامُ كانت ساخنة، فوهة السبطانة كانت تقدحُ شرراً، ظلتْ السبطانة تدورُ إلى أن صوبتْ إلى صدري...
صارَ صدري ينزفُ دما قانياً قانياً كشقائقِِ النعمانْ...
بعد أن متُ أكدَ ليَ البائعُ - الذي لحقني في القبر نفسه- أنَ البندقة فقدتْ بوصلتها في خضم حرب التكفير والتخوين.....
وأكد أيضا أن الناس الأموات في الحياة ما إنفكوا يختصمون فيما إذا كنتُ شهيداً أو غريقاً....
3- البندقية الثالثة ( بندقية ثائر حماد )(1)
كانت تخلعُ عباءة الخيشِ الرطب وتطربُ وهي تتدهنُ بالزيتِ وتتطيبُ بالزعتر والطيون وشقائق النعمانْ والحَنْونِ...
كانت تحبُ التعري تحتَ ضوء القمر وتتجنبُ ضوء الشمس، وبعيدا عن أعين الناس، وسط أشجار السنديان والبلوط وشجيرات الميرمية والزعتر، كانت تفرح أكثر لما تزدان بقلادتها الذهبية، كانت قلادتها ستٌ وعشرون طلقة من الرصاص الأصفر. (2)
كان يغمرها الفرح حينما كانت تتصدق بقلادتها حبةً حبةً إلى أفواه الوحوش السائبة في البرية، أو الوحوش الهائمة حول الأحياء السكنية، كانت تغني حبةً وراء حبة إلى أن تبتهج ، وتنتشي ، وتغمرها اللذة، فتعود إلى مخبئها، دافئة سكرى ، اما بوصلتها فلا يطالها الصدأ.
الهوامش :
(1) ثائر :
ثائر كايد قدورة حماد" (29 عاماً) ومن مواليد 25-7-1980، أعزب ويسكن بلدة سلواد قضاء رام ، وأحد مقاتلي كتائب شهداء الأقصى ، الذي استطاع بمفرده وببندقية من ماركة "m1" عام 2002 من مهاجمة موقع عسكري إسرائيلي . في تلك العملية أصاب ثائر تسعة عشر بين قتيل وجريح . للمزيد إبحث في غوغول على : قناص واد الحرمية/ ثائر السلوادي.
.
(2) كانت بندقية ثائر حماد m1 أمريكية الصنع من زمن الحرب العالمية الثانية الأربعينيات، وكان مخزنها لا يتسع لأكثر من ثماني حبات، في ذلك المساء أطلقت ست وعشرون طلقة ، إحدى عشرة طلقة قاتلة، وثمانية اصابات بالغة أصابت جنود النقطة العسكرية في واد " عيون الحرامية " قرب سلواد. إنفجرت البندقية بين يدي صاحبها دون أن تأذيه ، كأنها إنفجرت من فرط الفرح ،فقفل عائدا إلى منزله في سلواد ووعد بندقيته إصلاحها قبل أن يلفها بالخيش وقبل أن تشرق الشمس. لم تطلق مرة في الهواء، ولا مرة واحدة ، إنها بندقية ثائر حماد.