كـأنها الشـقيقة تشـرخ رأســي وتشــظيه إلى عشـرات القطع ، يجانبني النوم منذ ليال عديدة ، وكم أنا تواق لنوم ليلة كاملة نوما عميقا مشــبعا ومترعا ، فقد بت أخشــى على أعصابي وعلى عقلي خصوصا ، إلى أن قررت أن أزور صديقي الطبيب ، الذي بدوره أحالني إلى زميل له متخصص في الطب النفسـي ، بعد أن عاين حالتي ، وقرر بكل حزم ، انه يتوجب علي الأمتثال لأوامره ، والتعاون مع الطبيب النفســي بدزم تحفض ، وهكذا كان مما ليس منه بد .
أخبرت الطبيب ما أعانيه من أرق أخشـى أن يتواصل فأفقد صوابي ، ثم أفقد عملي وربما أفقد أصدقائي وأقرب أقربائي .
قال الطبيب : أنت مشــجع ، أنت تعي مشــكلتك ذا ، وربما هذا سـيساعدك على العلاج السـريع .
قلت نعم ، وأخشــى أن يكون لدي عقدة أوديب ، أو عقدة أبا الخيزران . هز الطبيب رأســه ، وفهمت أنه يقدر لي هذا التحليل وهذا التوقع الذي ينم عن ثقافة وجرأة ، ثم قال ، وماذا بعد ، ماذا تعتقد في أسـباب هذا الأرق ؟
قلت : لا أعرف السـبب تماما ، ولكنني أخشــى أن تكون بعض الدول المعادية ، قد دبرت لي مكيدة ما ، أمريكا مثلا ، أو أيران ، أو كوبا الشـمالية ..
قال الطبيب : ( هازا رأسـه ) هه ، وهل سـبق وأن زرت هذه الدول وخصوصا كوبا الشــمالية هذه ؟
قلت : لا لم أزرها ، ولا أنوي بعد . لكن أنا أشــك في واحدة من هذه الدول ، وربما أنها أتفقت جميعا على الأيقاع بي . هل هذا مســتبعد يا دكتور ؟
قال الطبيب : لا... لا غير مســتبعد ؟ ولكنك حتى الأن لم تقل لي ما هي مصلحة هذه الدول في جعلك لا تســتطيع النوم ؟ لا بد أن يكون ثمة مصلحة أو فائدة ما لهذه الدول ّ! ! .
ثم اخبرت الطبيب بما أعانيه من أرق وجفاف الحلق ، وتشــتت في الفكير ، وأعترفت له بما أعانيه من أهمال وأضطراب وفوضى في حياتي ، ولا بد أنه لاحظ شـعري الأشـعث الأشـيب ، وملابسـي الرثة القاتمة بلون وجهي ، وربما أســتطاع أن يلحظ أسـناني ونواجذي المتناثرة في فمي كما بقايا الكنائس الرومانية القديمة .
قال الطبيب دون سـابق إنذار : هل تعلق في غرفتك صورة لفارس يمتطي جوادا أبيض ، ويمتشـق على صدره بندقية طويلة أو سـيفا أو ما شـأبه ذلك ..! ؟
أســتغربت وذهلت لعبقرية الطبيب الذي ولج إلى أبوابي الخفية من الجلسـة الأولى ، فما كاني مني إلا أن أعترف له بكل القصة :
نعم ، لقد علقت لوحة الفارس على جدار غرفتي ، لا بل فقد كنت قد رســمتها بنفسـي ، فارس قوي البنية ، وســيف مشــهر بيده ، وفرس بيضاء جامحة وقد بدت ترنو نحو أفق واسـع تتوسـطه الشـمس الذهبية ....
قال الطبييب : ها ، وبعدين ، ما الي حدث ؟
قلت : نعم ، رأيت الفارس يترجل عن فرسـه ويختفي خلف شـجرة ، ثم ما لبث أن خرج لابسـا بدلة إفرنجية وربطة عنق يا دكتور ، ربطة عنق ، تخيل الفارس يلبس ربطة العنق ! ثم ما يلبث أن يخرج من جيبه جهازا صغيرا ، فيدنيه إلى فمه ، ويبدأ بالثرثرة فيه بصوت خفيض ، ثم يعيده إلى حزامه ، وما هي إلا لحظات حتى تتوقف أمامه سـيارة سـوداء اللون ، فيقذف بنفسـه فيها ثم لتنطلق السـيارة كالعفريت في طريق متعرج ، ليختفي عن ناظري بعد لحظات قليلة .
- ها وبعدين ، قال الطبيب .
- قلت : نظرت حوالي فلم أجد غبر صحراء مترامية الأطراف ، حاولت اللحاق بالفارس ، وناديته بأعلى صوتي ، ورحت أعدو ثم أعدو ، لكنني كنت أكتـشـف أنني لا اقطع شـيئا من هذه الصحراء الفســيحة . فأقف لاهثا عاجزا عن السـير والخيبة تجللني حتى أخمص قدماي ...
ثم توقفت عن الحديث ، فرأيت الطبيب يحرك نظارات عينيه بيده لأسـفل وأعلى قبل أن يقول : ها وبعدين ، شـو صار . ! ؟
قلت : وماذا ، هل يحق للفارس ، فارســي يا دكتور أن يترجل بهذه الطريقة ، وأنا الذي رســمته بريشــتي ، وأنا الذي علقته على الجدار ، لا ليتركني ويركب السـيارة السـوداء ، حتى دون أن يكلف نفسـه مجاملتي أو أســئذاني ، أيحق له ذلك يا دكتور ّ! ؟
قال الطبيب وكأنه يســخر مني : لا.. لا ، معك حق ، كان يجب عليه الأســتئذان بالطبع ، معك حق .
ثم ســكت الطبيب ، وأطرق مفكرا ، ظللت أرقب أطراقه منتظرا منه حلا او دواءا لمعضلتي .. ولكنه عاد مرة أخرى ليسـألني :
- ها .. وأين اللوحة الأن التي رسـمتها أولا ؟
- لا أعرف ، لا أعرف يا دكتور .
- أعتدل الطبيب في مقعده ، وأصلح من وضع نظاراته ، وراح يكتب بقلمه الفضي على ورقة أمامه ، بخط مقروء ،على غير عادة الأطباء في الكتابة بالخط الردىء :
أرســم لوحة أخرى ، بألوان جديدة
أخذت الورقة ، وطويتها ، قبل أن ينهض الطبيب ليودعني إلى الباب ، كنت قد مزقت الورقة ، ورميتها في سـلة المهملات .
عمان – حزيران - 2000
أخبرت الطبيب ما أعانيه من أرق أخشـى أن يتواصل فأفقد صوابي ، ثم أفقد عملي وربما أفقد أصدقائي وأقرب أقربائي .
قال الطبيب : أنت مشــجع ، أنت تعي مشــكلتك ذا ، وربما هذا سـيساعدك على العلاج السـريع .
قلت نعم ، وأخشــى أن يكون لدي عقدة أوديب ، أو عقدة أبا الخيزران . هز الطبيب رأســه ، وفهمت أنه يقدر لي هذا التحليل وهذا التوقع الذي ينم عن ثقافة وجرأة ، ثم قال ، وماذا بعد ، ماذا تعتقد في أسـباب هذا الأرق ؟
قلت : لا أعرف السـبب تماما ، ولكنني أخشــى أن تكون بعض الدول المعادية ، قد دبرت لي مكيدة ما ، أمريكا مثلا ، أو أيران ، أو كوبا الشـمالية ..
قال الطبيب : ( هازا رأسـه ) هه ، وهل سـبق وأن زرت هذه الدول وخصوصا كوبا الشــمالية هذه ؟
قلت : لا لم أزرها ، ولا أنوي بعد . لكن أنا أشــك في واحدة من هذه الدول ، وربما أنها أتفقت جميعا على الأيقاع بي . هل هذا مســتبعد يا دكتور ؟
قال الطبيب : لا... لا غير مســتبعد ؟ ولكنك حتى الأن لم تقل لي ما هي مصلحة هذه الدول في جعلك لا تســتطيع النوم ؟ لا بد أن يكون ثمة مصلحة أو فائدة ما لهذه الدول ّ! ! .
ثم اخبرت الطبيب بما أعانيه من أرق وجفاف الحلق ، وتشــتت في الفكير ، وأعترفت له بما أعانيه من أهمال وأضطراب وفوضى في حياتي ، ولا بد أنه لاحظ شـعري الأشـعث الأشـيب ، وملابسـي الرثة القاتمة بلون وجهي ، وربما أســتطاع أن يلحظ أسـناني ونواجذي المتناثرة في فمي كما بقايا الكنائس الرومانية القديمة .
قال الطبيب دون سـابق إنذار : هل تعلق في غرفتك صورة لفارس يمتطي جوادا أبيض ، ويمتشـق على صدره بندقية طويلة أو سـيفا أو ما شـأبه ذلك ..! ؟
أســتغربت وذهلت لعبقرية الطبيب الذي ولج إلى أبوابي الخفية من الجلسـة الأولى ، فما كاني مني إلا أن أعترف له بكل القصة :
نعم ، لقد علقت لوحة الفارس على جدار غرفتي ، لا بل فقد كنت قد رســمتها بنفسـي ، فارس قوي البنية ، وســيف مشــهر بيده ، وفرس بيضاء جامحة وقد بدت ترنو نحو أفق واسـع تتوسـطه الشـمس الذهبية ....
قال الطبييب : ها ، وبعدين ، ما الي حدث ؟
قلت : نعم ، رأيت الفارس يترجل عن فرسـه ويختفي خلف شـجرة ، ثم ما لبث أن خرج لابسـا بدلة إفرنجية وربطة عنق يا دكتور ، ربطة عنق ، تخيل الفارس يلبس ربطة العنق ! ثم ما يلبث أن يخرج من جيبه جهازا صغيرا ، فيدنيه إلى فمه ، ويبدأ بالثرثرة فيه بصوت خفيض ، ثم يعيده إلى حزامه ، وما هي إلا لحظات حتى تتوقف أمامه سـيارة سـوداء اللون ، فيقذف بنفسـه فيها ثم لتنطلق السـيارة كالعفريت في طريق متعرج ، ليختفي عن ناظري بعد لحظات قليلة .
- ها وبعدين ، قال الطبيب .
- قلت : نظرت حوالي فلم أجد غبر صحراء مترامية الأطراف ، حاولت اللحاق بالفارس ، وناديته بأعلى صوتي ، ورحت أعدو ثم أعدو ، لكنني كنت أكتـشـف أنني لا اقطع شـيئا من هذه الصحراء الفســيحة . فأقف لاهثا عاجزا عن السـير والخيبة تجللني حتى أخمص قدماي ...
ثم توقفت عن الحديث ، فرأيت الطبيب يحرك نظارات عينيه بيده لأسـفل وأعلى قبل أن يقول : ها وبعدين ، شـو صار . ! ؟
قلت : وماذا ، هل يحق للفارس ، فارســي يا دكتور أن يترجل بهذه الطريقة ، وأنا الذي رســمته بريشــتي ، وأنا الذي علقته على الجدار ، لا ليتركني ويركب السـيارة السـوداء ، حتى دون أن يكلف نفسـه مجاملتي أو أســئذاني ، أيحق له ذلك يا دكتور ّ! ؟
قال الطبيب وكأنه يســخر مني : لا.. لا ، معك حق ، كان يجب عليه الأســتئذان بالطبع ، معك حق .
ثم ســكت الطبيب ، وأطرق مفكرا ، ظللت أرقب أطراقه منتظرا منه حلا او دواءا لمعضلتي .. ولكنه عاد مرة أخرى ليسـألني :
- ها .. وأين اللوحة الأن التي رسـمتها أولا ؟
- لا أعرف ، لا أعرف يا دكتور .
- أعتدل الطبيب في مقعده ، وأصلح من وضع نظاراته ، وراح يكتب بقلمه الفضي على ورقة أمامه ، بخط مقروء ،على غير عادة الأطباء في الكتابة بالخط الردىء :
أرســم لوحة أخرى ، بألوان جديدة
أخذت الورقة ، وطويتها ، قبل أن ينهض الطبيب ليودعني إلى الباب ، كنت قد مزقت الورقة ، ورميتها في سـلة المهملات .
عمان – حزيران - 2000
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق