الخميس، 9 أبريل 2009

البغل

لم أكن لأعرف أن البغال يمكن أن تموت بهذه الطريقة الوحشية.... من منا يعرف كيف تموت البغال بعد أن تصل إلى نهايتها المحتومة مثل باقي المخلوقات؟ هل سمع أحدكم ببغل ينقل إلى مستشفى ثم لا يعود منها أو أن بغلا أصيب بجلطة قلبية وأصبح أو أمسى جثة هامدة..؟ ربما سمعنا عن بعض الحيوانات ومنها البغال قد نفقت أو أصيبت بفعل حادث سير أو بسبب حروب بني البشر.
إكتشفت أن البغال تعاني الأمرين حينما يقترب أجلها، يا لبشاعة بني آدم في تعامله مع هذه الحيوانات، البغال غالبا ما تعاني من الهرم والضعف بعد خمسة عشر عاما من الخدمة في الأشغال الشاقة من حراثة الأرض أو جر العربات أو حمل الأثقال الكبيرة للمسافرين والبضائع وما شابه ذلك.
بالأمس إكتشفت المنطقة المخصصة لموت البغال والخيول في أطراف المدينة، في منطقة نائية عن المدينة، ذهبنا هناك مع الشركة منذ أسبوعين وصار عملي هناك كمهندس مقيم، هذا أتاح لي أن أتجول في التلال المحيطة بسيارتي أحيانا أو مشيا على الأقدام لأستطلع المنطقة الموحشة المحيطة بنا. كان الإكتشاف صدمة لي أذهلتني وهزت مشاعري وأرقت منطقة قصية في دماغي..وجدت بغلا في المنطقة التي تشبه الحوض الكبير بين التلال الصحراوية حيث لا شئ ينبئ بالحياة لا ماء ولا أي نوع من الإخضرار، البغل بات قاب قوسين أو أدنى من الموت، إنه لا يقوى حتى على الوقوف على أرجله، إنه أقرب لأن يمون هيكلا عظميا وجلد تزاحم بالجروح والكدمات والطعنات، كأن بعض الكلاب حاولت النيل منه قبل أيام حيث بدأ الدم بالتجلط، ربما أستطاع .هل يعقل أن يكافئ الحصان أو البغل أو حتى الحمار بأهماله وتركه لينفق بالجوع والبرد أو بنهشات الكلاب والضباع والذئاب بعد حياة حافلة بالعطاء والشقاء !؟ سيقول قائل أنت تتباكى على بغل أو حمار إنتهت صلاحيته وفقد قدرته على العطاء والشقاء، فما هي فائدته وهل نفتح لها إسطبلا بالعجزة من الحيوانات مثلهم مثل بني البشر؟ وسيقول أخر ربما أكثر تطرفا أنت تتباكى وتحزن على الحيوانات مثل مارلين مونرو حيث تتجاهلون ما يقع على بني البشر من إعتداءات مثل إعتدءات إسرائيل على غزة وأمريكا على الكثير من دول العالم....فلتذهب الحيوانات إلى الجحيم والأولى أن نتحدث عن ضحايا البشر من قبل إخوانهم البشر.
المهم، تجاهلت بعض الغمز واللمز الذي دار حول الموضوع في الشركة حيث أعمل ، فقد قررت من شدة تأثري توفير الطعام للبغل الوحيد في المنطقة الذي يبدو أنه سيق لها منذ بضعة أيام فقط ، الهياكل العظمية في الموقع تتناثر بالعشرات، لكن معظمها قديم سوى إثنين فقط ، على كل حال فقد إبتعت للبغل بالتين من القش ( البيكا) وأحضرتهما في سيارتي ورميت بهما أمامه حيث لا يكاد يقوى على الوقوف او الإنتقال، في اليوم السابق كنت قد أحضرت له سطلا من الماء ليشرب، شرب البغل ونظر لي بعينين مغرورقتان بالدموع ، نعم الدموع الكبيرة رأيتها وهي تسيل ساخنة من مآقيها...تأكدت أن هذه الحيوانات لها مشاعر ولديها أحاسيس،،، ربما ليس بنفس المستوى أو القدر الذي لنا نحن البشر، ربما بشكل آخر...قررت أن أعود للمكتبات للبحث في هذا الموضوع ،،،ولكنني تراجعت بعد أن خطر لي خاطر آخر:
ألم يفعل بني البشر ببعضهم أكثر من ذلك، ألم يقتتلوا بالأسلحة الفتاكة، ألم يتركوا شعوبا بأكملها تتعرض للإبادة تحت القذائف أو تحت وطأة الجوع والمرض.الشر يفعلون كل ذلك وأكثر، لكن هذه البغال لم تكن لتفعل. فلماذا البحث في الكتب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق