محاولة الإغتصاب..................
بقلم : عزام ابو الحمام..........
(الجزء الثاني من كوابيس المدينة العارية)
عندما توفى والدي -رحمه الله- زعمتم –يا أخوتي- أنكم اكتشفتم سر الحياة، وقلتم إن الحياة هي حياة الروح ونقاؤها... وقلتم أن الجسد ما هو إلا وعاء هشٌ وصغيرٌ للروح، أما المال والجاهُ فما هما إلا ضحكات إبليس ووسوساته الخبيثة، وها أنتم الآن َتنْشِـدونَِ بهذه الوسوسات وتطْربونَ لتلك الضحكات. أروني الآن ماذا ستنفع أموالكم، وماذا ستفيدُ وجاهاتكم؟! هل ستمنعُ بترَ ساقي أمي؟ هل ستعيدُ نضال من تشرده وهيامه في تلال الظلام وفي أدغاله الموحشة..؟ أجيبوني قبل أن يَغلبَني غولُ النوم، هذا الذي بدأ يطوقُ رأسي، يغرسُ أنيابه في عينيَ، في قلبي، في أوصالي المتهالكة.
* * * * * * *
ها أنذا أسْمَعُهُ يَطرُقُ الباب الخشبي طرقاً خفيضاً، لم أعد أدرك إن كنتُ نائمة تماماً أو نصف نائمة... أعرف جيداً طريقة نضال في طرق الباب، قطٌ كبير يخرمشُ الباب بمخلبه، كان يقول لي دائماً: "تذكري، إذا سمعتِ الخرمشة على الباب، فإنه نضال، وإذا سمعتِ مواء قططٍ متقطع فإنه نضال... فلا تجعلي أحداً يعلمُ هذا السر، وإلا فإنه سيصبح بلا معنى"...
قلت له ذات مرة، هل بقي لنا في هذه المدينة شيء من أسرارنا؟!
سمعت خرمشاته، ثم تهيأ لي أنني أسمع مُواءً ضاحكاً، قمتُ ففتحتُ الباب، واستدرتُ إلى الفراش، كأنني الميتُ يخرجُ من قبره، فيكتشف أن الحياة ما تزالُ مستمرة، فيعودُ لتوه متسربلاً بخيبة أمله الغامرة...
رميتُ جسدي المتهالك على السرير، لكن يداً تشدني من الخلف، وتحول بيني وبين السرير، ما إنفكَ نضال يحتفظُ بشقائه وأعماله الشيطانية، كدتُ أصرخ فيه، تعقدُ المفاجأة لساني، هذا ليس نضالاً الذي أنتظرهُ، رباهُ ماذا دهاني في هذا الهزيع الأخير من الليل، أي مصيبة هذه التي تهونُ معها كل المصائب الأخرى، أي زائر هذا الشاهر مخالبه الآدمية الدامية.. يطوقني بيديه حول خاصرتي، تجلجل ضحكاته عالياً، ويفترُ فمهِ عن أسنانَ صفراء، استجمعُ قواي الخائرة وأحاولُ الإفلاتَ... لكن عبثاً مع هذا الوحش الآدمي الذي أسقطته عليّ رياح الأساطير، يلثُمُ خدي، عنقي، فأحسٌ بالحمم البركانية تمورُ مكان كل قبلة يدنسني بها، أحس يده تُداهم صدري، يقبض ثديي ويفركهُ، يعتصرهُ، أبصقُ في وجهه، أصيحُ مِلء حلقي، ماء البحر الميتْ يسدُ حلقي، صوتي يخرج كفقاقيع، أين أنت يا نضال؟ لماذا تأخرت، أم تراك هائماً تبحث عن حل؟ الوحش يزداد شراسة ويتصرف بثقة مطلقة، يُمزقُ قميصي، يلثُم صدري، أرى جسدي بأكمله عارياً، صدري يصطبغُ بالأحمر والأزرق... أسنانه وأظافره تخطط صدري، أهربُ في زاوية الحجرة، أتمترسُ خلف المقعد، يمدُ يدهُ الطويلة فيسحبُ الكرسي ويجلسْ عليه مطلقاً ضحكته الكريهة، يُشعلُ سيجارتهُ وينفثُ دخانها في وجهي، دخانها يغمرني، يستحيلُ الدخانُ إلى أيدي تطوقني مرة أخرى، الأيدي تعبثُ في أنحاء جسدي، أثدائي تذبل، تترهل، تُطأطئ، أرمقهما بنظرة، فأرى خطوطاً من الدم تَـنزُ من وجهي، تمرُ فوق صدري، تتجمعُ في صرتي، ثم تخرجُ منها خطاً واحداً... تنتابني رعشة قوية، ألتقطُ الإبريقَ الفخاري من النافذة وأقذفه في وجهه، أراه يتحسس موضع الضربة... دمه يسيلُ أيضا.. أتبعهُ بالكرسي على قدميه، فأراه يتألم, أتنفس الصُعداء... أرى الاحمرار في عينيه، ووجهه الأصفر يصطبغ بالأحمر والأزرق، الآن أذكرُ، كأني رأيتُ هذا الوجه الأزرق ذات مرة فوق سور المدينة ببندقيته السوداء... كانت حمامة صغيرة حينذاك تتشعبط حجارة السور،،،.
اسمعُ طرقات الباب مرة أخرى، خرمشة أظافر، مواء متقطع.. أجَرْجُرُ جسدي المتهالك، أمد يدي نحو الباب، الأيدي الثقيلة تشدني من شعري، يتوقف عن الضحك، يقبض بكلتا يديه على رقبتي، المواء يتواصل، يستحيل إلى طرق متلاحق بالأيدي والقدم... الأصابع تنغرسُ في رقبتي، أشعر بالماء المالح يغرغرُ في حلقي.
- لا لن أموتَ قبل أن أشرب ماءً عذباً, لا أريدُ أن أموت عارية، أركله بركبتي في بطنه، قبضة يديه تتراخى قليلاً... أنتهزُ الفرصة، فأمرُّ بناظري على الصور المسمرة على الحائط...
عينا والدي تدمعان، أسمع نشيجهُ المختنق، العيون الأخرى ساهمة لا ترى المشهد، نفس البسمة المصطنعة على الشفاه، صورة نضال وحدها تتحرك على الجدار، لكنها مشدودة إلى المسمار، أراه يستل منشاراً صغيراً، يحز الخيط بإصرار، يتهالك الخيط، يكاد ينقطع، تتأرجح الصورة تنتابني الرعشة مرة أخرى، أفلت من طوق يديه، أقذف بجسدي العاري نحو النافذة، أريد أن اصرخ، أستنجدُ بالجيران، لكن الماء المالح يسد حلقي ...
* * *
ينفتح الباب دون أن أشعر، أحس باليد الطرية تمسح جبهتي، تمسح دموعي، ثم أحس بالذراع تَسـندُني على السرير، فيما اليد ُالأخرى تحمل ُ الإبريق الفخاري، يُسـقني ماءً بارداً عذباً، انظر إلى وجهه، إنه نضال... يَرمقُني بحزن وباستغراب، يهدهد على ظهري، يهمس في أذني...
- لماذا لم تفتحي الباب؟ لماذا كل هذا العرق المتفصد من جبهتك وجسمك؟ أي كابوس هذا الذي تصارعينه في نومك...
أبسمل، أتحسس رقبتي، صدري، أنحاء جسدي، لا شيء سوى العرق الساخن اللزج، أتحسس الإبريق الفخاري، أنظر إلى عيني نضال، إنه هو كما في الصورة المسمرة على الجدار، أمر على الصور الأخرى، ثابتة مسمرة، ساهمة، وباسمة... عيون، أنف، فم، كيف يضمحل المرء ويُختزلُ إلى ثقوب صغيرة مظلمة في جدار، ثقوب تسكنها الديدان والدبابير، فلا ترى فيها سوى نقاط صغيرة من الظلام والخواء الممتد إلى الخلف امتداد المجرات السماوية البعيدة.
أمد يدي إلى الإبريق الفخاري الذي لم يفارق هذه النافذة منذ وعيت هذه الحياة، أرفعهُ إلى فمي، فأحسُ بمائهِ البارد العذب يفرقعُ في حلقي، فيطرد منه الماء البحري المالح، ويزيل الغشاوة التي جللتْ عيناي، فعدتُ أرى النافذة الفضية، ومن خلفها الليل الملبدُ بالصمت... المكبل بسلاسل حديدية صدئة، لكنني مع ذلك، تنتابني ومضة جديدة من الحياة، فنحنُ في الهزيع الآخير من الليل بدون شك، وهذا الليل لا بد وأنه يتحرك، ها هي غيومه السوداء تزحف بتثاقل، المهم أنه يتحرك، ولا بد أن صباحاً من خلفه يتمدد...
- وها هو صوت الشيخ عبد اللطيف مؤذن المسجد الأقصى يتنحنحُ ويستعدُ لاطلاق آذان الفجر... إن الفجر لقريب.
5/4/1997عمان
ملاحظة : ورد في القصة بعض الكلمات المستخدمة في العامية الفلسطينية، ومعناها واضح في السياق..ومنها: يتشعبط: تقال بمعنى التسلق الصعب للجدران أو الأشجار، وأكثر ما تقال للزواحف ذوات المخالب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق