الخميس، 9 أبريل 2009

درب للموت، درب للحياة

بات واضحاً لثلاثتنا أن استمرار هذه الرفقة أو هذه الشراكة النضالية التي جمعتنا أصبحت مستحيلة، إذ بات الجميع على قناعة واحدة، على كل واحد منا اختيار طريقه بنفسه وربما السير فيها منفرداً حتى النهاية، أية نهاية ؟! لا أحد يعلم. لكن الخيارات الآن أصبحت محدودة في خيارين، ولذلك كان على كل واحد منا حسم قراره : إما الإستمرار في حياة الجبل والركض خلف الأشباح مرة أو أمامها مرة أخرى، وإما النزول عن الجبل ونفض غباره بانتظار المصير المجهول أيضاً.
بالنسبة لعبد المجيد، فقد بدأ بتكوين وبناء موقفة المغاير منذ مؤتمر ومفاوضات مدريد عام 1992. وكنت أخمن ما سيقرره بعد هذا الجدل الطويل والخلاف المرير الذي بدأ يسيطر على علاقاتنا منذ أسابيع عديدة عقب اتفاق أوسلو أيلول/ سبتمبر. لكنه وعلى طريقته الخاصة ، كان يحب أن يضفي على قراراته طقوساً خاصة ومسحات دينية وروحية، لذلك فقد صلى صلاة العشاء، ولم يكتف بذلك، بل انتحى جانباً قصّياً من الجبل وراح يصلي صلاة الاستخارة. ولم تكن أمامنا أنا وخالد إلا أن نرقبه حماية لأمنه ثم فضولا وترقبا لقراره النهائي بخصوص الاستمرار في حياة الجبل أم النزول إلى الشارع.
وبالفعل فقد جاء قراره مثلما توقعت- وهو المتوقد ذكاءً – بأن يرفض اتفاقية أوسلو، وكل ما سيفرز عنها، وسيكون من أغرب الغرائب أن يقوم عبد المجيد بالاقتناع بموقفي أنا الذي يؤيد أوسلو تأييداً حذراً، بمعنى أننا نؤيد أوسلو بشرط أن لا تنقلب إلى مشروع إسرائيلي خالص. ثم بشرط أن يتم تحقيق الوعود التي نسمعها هنا وهناك، ولو أن عبد المجيد أيد أوسلو بالفعل لأصبح جامعاً لثالثة الأثافي. فالأولى هي وعيهُ ونظرياته الماركسية المتطرفة، والثانية هي عاطفته الدينية المتوقدة التي اكتسبها من والده. وستكون الثالثة هي انضمامه إلى " الخط البراغماتي" مثلما كان يطلق على التيار الذي أيد أوسلو.
بالنسبة لي، سأظل احترم رفيق دربي عبد المجيد، وسيظل يكبر في عيني وبالرغم من هذه الهوة التي تفصلنا منذ أوسلو وحتى الآن، ولازلت أرى هذه الهوة تتسع يوما بعد يوم كأنها البحر يباعد بأمواجه بين سفننا في اتجاهين متعاكسين.
حتى بعد اعتقاله والزوبعة التي ثارت أثر ذلك في القرية وفي التنظيم وفي كل الفصائل، لم يتغير شعوري اتجاه عبد المجيد، وللحقيقة، فقد كانت أياماً عصيبة بالنسبة لي يوم اعتقال عبد المجيد وسط الخربة المهجورة التي كنا نأوي إليها خلال ساعات النهار، لقد كان ذلك عقب انفصالنا ونزولي من الخربة بأسبوعين. وقد انتشرت شتى أشكال الإشاعات من احتمال تواطؤ مني أو احتمال من ثرثرتي .. و.. و.. بقي الأمر يقضُ مضجعي إلى أن تلقيت الرسالة الأولى من عبد المجيد من معتقله في عسقلان من خلال المحامي الذي أرسلته خصيصاً لذلك الأمر، وتكررت الرسائل من خلال أسرته، وتبين أن الاعتقال قد تم بمحض الصدفة وليس غير ذلك، إذ إن بعض لصوص السيارات الإسرائيلية اختاروا ان يجلبوا سياراتهم المسروقة إلى منطقة الخربة في ذلك اليوم، ومن ثم الشروع في تفكيكها، اكتشفت ذلك طائرة عاموديه كانت تطاردهم، وخلال حملة مفاجئة للشرطة والجيش، تم إلقاء القبض على عبد المجيد وهو نائم نهاراً في إحدى المخابئ والتي كانت في دائرة التفتيش والبحث .
* * * * *
بالنسبة للشهيد خالد، فإن الأمر مختلف تماماً، ونصف اللغز لدى عبد المجيد والنصف الآخر اعرفه بتفصيلاته، إذ إن الشهيد خالد اعتقد أن إعلان أوسلو هو النهاية الحقيقة للصراع وللبنادق والنضال والحرب, واعتقد انه أصبح من الآن فصاعداً في حِل من كل أعباء المرحلة السابقة، وانه سيبدأ مرحلة جديدة في بناء السلام والرخاء والأمن بعد أن تم الاعتراف بحقوقنا كاملة على ان يتم تنفيذها بالتدريج وخلال شهور عديدة أو سنوات قليلة في أسوأ الأحوال, وبالنسبة له فإن تاريخ 13 أيلول/ سبتمبر هو تاريخ حاسم يفصل الزمن بحد السيف، ولذلك فقد كان متسرعا عندما عاد بسلاحه إلى الشارع ليشارك المحتفلين والهاتفين والمغنين والمتجادلين هتافاتهم وأغانيهم ومجادلاتهم. ولم يكن ليعلم أن فوهات البنادق ستكون بانتظاره ومطاردته. والدتهُ كانت وصفت هذه المرحلة من حياته عندما كانت تقول للمعزين "رحمه الله، كان يعلم بأنهُ لن يعيش طويلا، فقد أراد أن يخطب ويتزوج ويلتحق بالجامعة ويتدرب على قيادة السيارات خلال الأسبوع الأول من عودته من الجبل... وكنا نحن متشوقون مثله لذلك، لكنني كنتُ أحس بقلبي أن خالد يسابق الزمن وكأنه يستعجل حتفه، لكنه الآن في الجنة ليشفع لنا لنلتقي به بإذن الله".
ومثلما قلت فإن النصف الآخر من القصة لدى عبد المجيد، إذ أن خالداً رحمه الله كان قد زار عبد المجيد في الجبل والتقى به قبل أيام ثلاثة من استشهاده، أما أنا فقد التقيت عبد المجيد في مساء اليوم نفسه الذي استشهد فيه خالداً، وعلمت منه أن خالداً سلمه المسدس وكل الذخيرة التي بحوزته, ويعتقد عبد المجيد إن خالداً كان في إصراره على مثل ذلك إنما يعكس إحساساً خفياً بالاستسلام للقدر المحتوم.
كنا قد شيعنا الشهيد خالد إلى مثواه الأخير في مقبرة البلدة ، ووجدت نفسي أنسـل بصمت نحو الطريق الترابي المؤدي إلى الخربة بينما كانت الشمس قد ختمت يوم آخر ثقل بالآلام، وطوال الطريق الطويل كنت أحس بفوهات البنادق المصوبة إلى رأسي، لقد كانت أطول طريق مشيتها في حياتي، ماذا سأقول لعبد المجيد الآن عن استشهاد خالد، وماذا سينتظرني أنا من مصير، اليوم خالد وغداً أنا وبعد غد عبد المجيد، إذن فإن تحليلات مجيد هي الصائبة، واتفاق أوسلو ما هو إلا ذرٌ للرماد في العيون وكما يقول القرآن الكريم "أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ", وماذا لو ان مجيد قد اختلف مع خالد إلى الدرجة التي تدفعه لقتل زميله ورفيق دربه، وهذه الخاطرة الأخيرة هي الأكثر رعبا وإيلاما من شتى الخواطر, والآن استذكر تحذيرات عبد المجيد لكلينا وخصوصاً للأخ خالد عندما كان يقول: ستكون نهايتكما قريبة جداً، أقرب مما تتصوران، أنت يا أسامة ستأتيك الطلقة بين عينيك، تماما مثل "الشنار الحذر"، وأنت يا خالد ستأتيك الطعنة من الخلف، وبالفعل فقد قتل خالد من الخلف بصلية طلقات من سلاح أوتوماتيكي، وعندما استجمعت قواي وتفحصتُ جثته الباردة، كانت ثلاث أو أربع رصاصات قد مزقت ظهره وكأنها ضربة سيف مُثلم... الأنذال قتلوه من الظهر..تبا لهم الجبناء..
لم أكن في حالة نفسية أسوأ مما أنا عليه في تلك الساعات خلال مسيري إلى المخابئ في الجبل، إما أن يكون مجيد خائناً كبيراً ومتعاوناً مع الاحتلال أو أن يكون ذو كرامات دينية عند الله. لقد صلى صلاة الاستخارة: ولقد أطلق تحذيراته الصريحة بعد هذه الصلاة وكأنه ذلك الولي الصالح الذي يرى ما لا يمكن أن يراه الآخرين، وهو الذي قال : يجب أن يعود يوماً ما أحدكما نادماً بعد أن يُقتل الآخر…وها أنذا بالفعل أعود إليه قبل أن يجف دم خالد المسفوح على عتبات أوسلو . .
عندما رحت أنادي بصوت خافت: مجيد.. مجيد.. عبد… مجيد..تهيأ لي أنني سمعت قرقعة سلاح، صوت الأقسام الأوتوماتيكية يتحرك ببطئ، كاد قلبي يقفز من مكانه، كأنني لم أعايش السلاح على مدى سنوات عديدة، كأنني لم أحتضنه على صدري ليال طويلة، كأنني لا أعرف رائحته الزيتية ومذاقه المعدني المعبق بالصدأ والزيوت والأتربة، كأن برودته لم تلسع خدي، كأن أصابعي لم تلسعْ بحرارته عقب كل اشتباك ومعركة. والآن فها أنذا أشعر بالعزلة والعجز المطبقين حول عنقي، ها أنذا أعزل من كل شيء، من قطعة سلاح صغيرة, اعزل من عصا أتكئ عليها، أعزل من بصيص أمل كنت أراه قبل استشهاد خالد منذ ساعات قليلة، اعزل من إجابة متماسكة وكاملة للقصة، أي قصة غير قصة السنوات الطويلة في المعتقل أو في الجبل. قصة استشهاد خالد، قصة الخطوة التالية.
فجأة جاء صوته منهمراً مع حركة الأقسام الأوتوماتيكية: -
- ارفع يديك ولا تتحرك … من أنت ؟
وتجمدت في مكاني، هل ستأتيني الطلقة بين عيني بالفعل،أم في الصدر، أم في الظهر مثل خالد؟ كاد رأسي ينفجر قبل إن تمسه الطلقة… ما هي القصة؟ ما الذي يجري..؟!
- ما هي القصة يا مجيد صرخت بعد إن استجمعت أنفاسي؟
- من؟ أسامه! لا حول ولا قوه إلا بالله …… أهذا أنت ؟!
ثم كان عناق وبكاء لن أنساه ما حييت، لم أرَ في حياتي مثل هذه الدموع الكبيرة التي انهمرت من عينيّ مجيد وأنا اروي له قصة استشهاد خالد برصاص قناص من سيارة كانت تتابعه داخل القرية، ثم ما تلبث أن تنفلت مسرعة وكأن حل الصراع لا يتأتى إلا بهذا السيل من دموع أم خالد، إلا بطعنها في قلبها الوحيد الذي لا تملك غيره من هذه الدنيا … ثمة خطأ كبير في هذه المعادلة:-
- الخطأ في الاتفاقية، بل في الحياة بأكملها، لماذا خالد؟ وهو وحيد والديه؟ لماذا بعد أن أعلن خالد عن سروره وتأييده للاتفاقيات اللعينة بحماس منقطع النظير!! ثم لماذا يتم توقيت ذلك في اليوم الذي ستعقد فيه خطوبته على الفتاة التي أحب، خالد عاش عاشقاً لوطنه ومات عاشقاً للحياة، كأنها نهاية كل عاشق، الموت طعناً أو قهراً أو شنقاً أو كبداً.


* * * * *
حينما رأيت شبح رفيقي القديم أسامه، يدور حول الخربة ويتخلل الشجيرات المتناثرة هنا وهناك أحسست بما لم أحس به في حياتي، لابد أن شيئا من مخاوفي قد وقع... شبح يتمايل متهالكاً كأنه الخرقة المتماوجة فوق نسيم هذا الخريف، كأنه هذه الأوراق الصفراء الآيلة للسقوط ، كأنه تلك الشجرة العارية تحت برودة ليل الشتاء، لم يكن في أيدي الشبح أي قطعة سلاح ولا حتى عصاً يتكئ عليها، كيف اضمحلت هذه القامة الرشيقة والمتحفزة المتنطنطة فوق الصخور وبين الشعاب والأشجار قبل أسبوعين!! كيف اضمحلت إلى هذه الخرقة البالية التي تتلاعب بها الرياح الخفيفة حتى تكاد تلقي بها إلى المجهول.
وهاهو الآن يبكي أماميً ممزقاً وقد أضناه الصراع الذي يحتدم في عقله الصغير، كيف قتل خالد؟! ولماذا؟! وماذا سيكون مصيرنا ونحن لا نملك أية ضمانات أو أية تعليمات رسمية واضحة بانتهاء الصراع أو حتى باستمراره،على الفرد أن يتحمل مسؤولية قراره وعليه وحده عبء اتخاذ القرار وحماية اختياره, وما أسوأ ان تتحول بين يوم وليلة من حارس إلى محروس، من مخيف إلى خائف، من مطارد إلى مطرود.
وكان اللقاء فرصة لكلينا، فرصة لإعادة التأكيد على مفاهيمنا المشتركة الكثيرة مثلما كنا نرددها دائماً…. فنحن طلاب الحرية والسلام أكثر من غيرنا…. ونحن طلاب لحقوقنا الوطنية المشروعة، قاتلنا ونقاتل من اجل تلك الحقوق، وان إحقاق حقوقنا لا يمكن ان يتم بدون القوة، بدون الصراع وإثبات الذات أو بدون إيلام العدو والضغط المتواصل على أعصابه بكل السبل..، والآن أيضا نفترق على مفاهيم جوهرية أيضا، مع ان أسامة ومعه خالد كانا يعتقدان ان مثل هذه الأمور هي أمور فرعية أو ثانوية أو تكتيكية مثلما كان يقول أسامة.. فهما يعتقدان أننا بحاجة إلى تغيير الأساليب والوسائل، ولذلك يجب التركيز على المفاوضات واكتساب المزيد من التأييد السياسي في الساحة العالمية..، كان خالد رحمه الله يقول إننا الأضعف في المواجهة العسكرية، لكننا الأقوى في الصراع السياسي لأننا أصحاب حق، لذلك علينا استدراج العدو إلى الساحة السياسية ما أمكن ؟!
* * * * *
لم يكن خالد ليقتنع بأن هذا الصراع الكبير يختلف كثيراً عن لعبة الشطرنج التي يتقيد فيها الخصم بكل قوانين اللعبة، أنت تواجه خصماً لا يعترف بالمربعات ولا يلتزم بقوانين اللعبة، لكننا اتفقنا في نهاية اللقاء ان نمنح أسامة الفرصة الكافية للقيام باتصالات تنظيمية مع المراجع القيادية في الخارج، في عمان وتونس، ليستوضح الأمر مباشرة مقابل أن ألتزم الهدوء في هذه المرحلة، في حين يتوجب عليه التصرف بكامل الحذر، والعودة إلي في حالة حصوله على الإجابات المطلوبة، بالنسبة لي فقد وافقت على ذلك نزولاً عند إلحاح أسامة، واحتراماً لتجربتنا المشتركة، ولن أنسى كيف أنقذ حياتي أكثر من مرة، ولكنني لا أحتاج إلى إثباتات وتفسيرات على الورق وأنا اسمع وأشاهد إخبار القتل بدم بارد، إخبار نسف البيوت، قلع الأشجار، مصادرة الأراضي وكأن شيئاً لم يحدث في الاتفاقيات المزعومة، ثم بعد ذلك يتحدثون عن السلام والالتزام، سلام للمعتدي، واستسلام كامل للضحية… هذا ما يقصدونه بالضبط، ولذلك فلست واثقاً تماماً من استمرار الانضباط الذي اتفقت عليه مع أسامة .
* * * * *
الآن، وبعد هذا اللقاء مع عبد المجيد، لا يمكن لأحد إن يوجه ليّ اللوم في المستقبل، لقد نبهت مجيد إلى خطورة وضعه الجديد، وأعلمته بموقف المسؤولين في تونس وعمان، وشرحت له المعادلات التي أصبحت تتحكم بسير الإحداث عالمياً، وإقليميا ومحلياً ووطنياً…. الخ.
ان مجيد لم يكن ليقتنع بكل ما سُقت له من حجج وبراهين وشواهد، أنه يتمرتس خلف اعتقادات يستقيها من الكتب القديمة ومن مخيلته ومن احلامه، ولكن أين الواقع وإمكانياته من تلك الاعتقادات والخيالات والأحلام.
ألم أعتقد قبله !! ألم أتخيل عودتنا على ظهور الدبابات؟! ولكن أين هي الدبابات! ألم أحلم قبله بصلاح الدين؟! لكن إلى متى سننتظر صلاح الدين الموعود! وهل تسمح أمريكا أصلا بخروج صلاح الدين من قريته!! ألم نشاهد ما حل في العراق جراء محاولته التمرد على قانون القوة العظمى؟! فإلى متى سننتظر؟! إلى متى؟ وماذا سيتبقى لنا إلى ذلك الوقت الضارب في المجهول ؟؟! .
وأخيراً، أقولها بصراحة، فمثلما إن عبد المجيد ينتظر المجهول، فانا كذلك أدرك أنني إنما أغامر بحياتي ومصيري، ويتوجب علي الصراع حتى آخر نفس، وحتى هذه اللحظة ليس بوسع أحد الادعاء باحتكار الحقيقة، لا أحد يستطيع حسم الخلاف في وجهات النظر. ولا أزعم ذلك لنفسي.
إنما هو التاريخ الذي سيقول كلمته الحاسمة ، ، ،
عمان 1998

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق