الخميس، 16 أبريل 2009

كوابيس المدينة العارية

كوابيس المدينة العارية
بقلم عزام أبو الحمــام
الإهداء: إلى عصفورة صغيرة حَطتْ ذاتَ مرٍة على سورِ القدس.
بعد عودتنا من المستشفى، قلت لنضال: لا بدَ أنكَ تكذب عليّ، أو أننا نعيش في كابوس لا مثيل له، ساقا أمي كرجْلَيَ حصان، ولسانها كلسان الحسون. فلماذا يقرر الأطباء بتر ساقيها،،، أم تراك تمنح ثقة لهؤلاء الأطباء ذوي العيون الزرقاء والشعور الكستنائية والنظارات السميكة... أعود وأقول في نفسي: لعلهُ كابوس ما يجتاحني في نومي وصحوتي لعله يتوقف فتنجلي الحقيقة. لكن رائحة المستشفى ما زالت تزكم أنفي، رائحة المخدر، اليود... رائحة الغسيل، رائحة الموت المستتر في أغطية الأسرة، رائحة الممرضات والأطباء ذوي النظارات السميكة، ذوي الشعر الكستنائي، ذوي القلوب المتحجرة... إن الأمر ليس كابوساً أو أضغاث أحلام، فها آنذاك أسير مثل الآخرين، وأحس بالدماء تنفجر في رأسي، أحس بأوصالي المتهالكة، أحس بالماء المالح في حلقي،، وها هي ساحة المصرارة، ها هو باب العامود، ها هو الباب الضخم يبتلع مئات الناس، كعادته، ثم يقذف بهم دون تأخير، كعادة أبواب المدينة العشر، ها هو صدري يعلو ويهبط، ها هو الدرج الحجري الجديد، وتلك هي حجارة السور الصامتة، المجللة بالحزن الغامض، تلك هي قباب كنيسة القيامة، وكنيسة صهيون، ودير الأرمن، وقبة الصخرة الذهبية ومآذن المسجد الأقصى... وذاك هو رأس جندي يتحرك في أعلى السور، بندقيته تعكس وهج الشمس الغاضبة، وتلك حمامة تجاهد متشعبطة أحجار السور، تلك أم سليمان تقتعد المدخل وسط حزم البقدونس والفجل وسلال العنب، سألقي عليها السلام، قد أكون حالماً أو واهماً...، لكنني اسمع دعاءها المتواصل لي، كعادتها، تنفجر بالحب وتنهمر بالدعاء الغزير، الدافئ.
ها أنذا ألـجُ باب العامود، أهرب من مسرح المستشفى بأطبائه الجبابرة وبسكاكينهم ومباضعهم الحادة التي تقطر دماً، وصورة أمي الممددة في السرير المكبلة اليدين، مكتومة الأنفاس، اسمع نشيجها المكتوم الذي يقدّني إلى نصفين... فلا أعرف بأي نصف أسير، وسط هذا السيل الدافق من البشر الملونين، السود، الحمر، البيض، الزرق، الخضر.. يا لهذه المدينة العجيبة!! أعجب من ثوب أم سليمان أنت أيتها المدينة، من يستطيع قراءة التاريخ في ثوب أم سليمان؟ من يستطيع استلهام دعاءاتها ليحيلها إلى ــ مزامير للصلاة ــ !! من يستطيع فك التشابك في حرير ثوبها المطرز ...!
رأسي يختفي في زحمة الأسواق، تحت السقوف المقوسة، أسبح في روائح المدينة العجيبة، لا مثيل لهذه الروائح في الكون، سوى رائحة أم سليمان، أحس بصدري يهبط قليلاً، الدماء تركد في أوردتي... كلما مررت من هذه الأزقة أحس بهذا الشعور اللذيذ الذي يبعد عني كل الآلام والهواجس، لا أعرف لماذا لكن كأنني أذوب في المدينة فأنسى ذاتي الصغيرة،،، وهل ثمة أجمل من أن تصبح ذوبا في رائحتها... روائح البن والزعتر والجوز والسمسم والمرمرية والنعناع والشيح والزعفران تستحضر البرية المسيحية أمامي، روائح الحجارة الظليلة، الأبخرة المتصاعدة من تحت الأقدام، الكتب الرطبة في زوايا الدكاكين المظلمة تستحضر التاريخ المدفون تحت أنقاض الذاكرة منذ ملكي صادق كاهن المدينة وملكها اليبوسي، روائح التفاح الناضج، والموز المخمر، والأجاص المتعفن والعنب الذي ضربته الشمس الايلولية... رائحة النعناع، والبقدونس، والكزبرة، السلق، اللوف، ورق لسان الثور، ورق عنب الدوالي،،، روائح اللحم المقدد، روائح السمك الطازج، رائحة السمك المملح، رائحة الخبز الساخن، الطحين، اللحم المشوي، رائحة فحم يحتضر، رائحة زيت يحترق، رائحة غسيل يتدلى من النوافذ، رائحة نفايات تحترق في الزوايا المهملة، رائحة بخور يتسلل من نافذة واطئة، رائحة ماء الغسيل المدلوق على بلاط الأزقة الداخلية، رائحة التمباك العجمي، رائحة شاي يغلي، قهوة تفور وتفيض على الجمر، رائحة الكعك المقدسي الساخن بالسمسم، رائحة الفلافل.. والحمص المدقوق بالمدق الخشبي، رائحة زهور الفل والقرنفل، الريحان، الكالونيا، الست المستحية، الخبيزة،،، رائحة الكنافة النابلسية، الكلاج العوامة، الهريسة الخليلية، كرابيج حلب، أصابع زينب...
ها أنذا أقترب من المنزل، وها هو صوت الشيخ عبد اللطيف مقرئ الأقصى يقترب أكثر فأكثر فأحس بنفسي حقيقة وليس وهما... وهاهي رائحة شيوخ يجرون عباءاتهم، أولاد يلعبون والعرق يتفصد على صدروهم... رائحة مألوفة لنساء أمام بيوتهن وفي النوافذ... الآن أتحسس رأسي، أنفي، أذني، قدميَّ، أستجمع أشتاتي... أتحسس حقيبتي المدرسية، ضفائري، ها أنذا أتنفس، أسير بثبات، وحينما تطأ قدمي عتبة الدار، تعاودني صورة أمي الممددة، المكبلة، لكنني أرى بريقاً يشع في عينيها.
أجد نفسي وحيدة في المنزل غارقة في بحر الصمت، متشبثة بحبل الانتظار، لم يأت أخي نضال بعد، ترى ماذا فعل لدرء الخطر المحدق بنا! هل وافق إخوتي على العودة؟ وهل بمقدورهم التصرف العاجل؟!
* * *
تغوص الشمس في معبدها السري خلف جبال القدس، ويبدأ الليل بالتسلل في الأزقة، أراقبه من النافذة، أفعى طويلة سوداء تتمدد وتلتف حول البيوت والقناطر والأعمدة، تسدل ستائر رمادية على جنبات المنازل والدكاكين العتيقة، فيمسي الناس أشباحا بأشكال آدمية، تسلبهم ملامحهم، وبسماتهم، غضبهم، واندهاشهم، تسلبهم وجوههم فتمسي كقاع القدور القديمة، السوداء الصدئة... ارتدُ عن النافذة، ألوبُ بين الأثاث العتيق، أشعل الأضواء أجدُ نفسي في هذا الصندوق الصغير المُضاء، عصفورة مهيضة الجناح، لا تعرف تماماً لماذا وضعوها في هذا الصندوق القفص، أين نضال؟ أين أمي؟ أين كريم؟ أين قاسم؟ لا أرى إلا صورهم الباسمة مصفوفة على جدار، لقد علقت بعناية فائقة، صورة والدي -رحمه الله- في المنتصف، على يمينه كريم وقاسم وعلى يساره نضال، أما نحن البنات فلا صور لنا، وكذلك أمي, هذه الأم التي ورد الجميع ثدييها، فجعلتهم رجالاً ونساءً.. أراهم الآن وقد علقوا بعناية فائقة من أعناقهم، أو شدت أكتافهم بحبال غير مرئية، ليس لهم من أمرهم حول ولا قوة، سوى هذه الحركة الخجلة على شفاههم، أسألهم:- هل تعلمون ما حلّ بأمكم؟ هل تدركون معنى أن تبتر رجلاها الاثنتان معاً؟! لماذا لا تنطقون! لماذا لا تتحركون؟! أجيبوني ولو بعيونكم؟ أنت يا والدي رحمك الله، اجبني؟! إنني أعلم أن جسدك هو ألفاني، أما روحك فإنها حيّة، ترفرف حولنا كالنسر، أجبني، أليس من رادع لهذا الداء الخطير الذي ألــَمَ بوالدتي؟ وانتم إخوتي الضاربون في الغربة وراء لقمة العيش ولقمة البذخ، أليس من نهاية لهذا اللهاث الدائم وراء أجسادكم ووراء نزواتكم وشهواتكم اللامتناهية... أنتم إخوتي أيها الباحثون عن سعادتكم بين أكداس الأوراق النقدية، الباحثون عن سر الخلود في السيارات الفارهة، أما آن لكم أن تعودوا وتستفيقوا وتدركوا حقيقة الحياة...!
حقيقة الكرامة...
يتبع الجزء الثاني (محاولة اغتصاب)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق