بقلم عزام أبو الحمــام
يُضحي العالم قرية صغيرة، ونضحي مواطنين في حاراتها، ولكل حارة مخاتير وعقداء وفتوات وقبضايات، والقبضايات لهم مراميط أو أذناب وخدام وأبواق وأذان، لا بل هم أجساد تشبه الأجساد الآدمية، غير أنها بلا وجوه ولا رؤوس ، إنها كرات تتدحرج ليس فيها غير الآذان والعيون، التي تعينهم كي يعدون علينا أنفاسنا، يسجلون في ملفاتهم مواعيد نومنا وخلجات صدورنا ورعشات قلوبنا، يحرسون نومنا من الأحلام الطائشة، يرقبون كل عضلة من عضلات وجوهنا كي لا يتسلل بين طياتها بقايا من حروف الشجاعة المنهكة في معاركنا الكثيرة، وكي لا يتسلل عبر مساماتها بقايا من أنفاسٍ ساخنة . يستنفرون حرسَ الحدود وحرس الأحلام كلما أقبل عصفور إلى نوافذنا، وكلما أقبل طفل من أطفالنا على أعتاب الصف المدرسي الأول، فما أن يدخل فيه حتى يخرج محملاً بالخيبة وحطام القرية الكونية وسناج حاراتها العربية.كنا نرقب الأطفال يكبرون، وكنا لا نجرعهم أكثر من نصف الحقيقة حفاظا على أرواحهم البيضاء، وكنا نرتضي لأجسادنا بقية الجرعة لأنها الأنسجة توقفت عن الامتصاص منذ أن حمل أول مهاجر حقيبته ومفتاح بيته. ومنذ أن تعلمَ الحارس الأول إغلاق الزنزانة على أول مسموم بالحلم وبالحقيقة.كم نظرنا بأمل إلى كل أغنية نسمعها عبر المذياع!، نبني فوقها قصورا من أحلام ليس قِصراً في النَظر، لا عبثاً ولا بطر، بل كي لا يتجرع القادمون هذا السناج الذي يحاصر أحلامنا وحقوقنا في شربة ماء نظيف، واعتراف بالوجود، ودفتر وقلم رصاص، ولا بأس ببطاقة سفر من ثلاث أوراق نعرف أنها لا تطبع إلا خلف المحيطات، ولا بأس برخصة قيادة السيارات، من صفحة واحدة، إن كانت لا تشكل خطراً على مستقبل التنمية المزعومة، وإن كانت لا تزيد من ديون الخزينة.كم سنة نحتاج كي نغفو ليلة واحدة بلا أرق؟!، كي نصحوا لنغسل وجوهنا بماء التفاؤل بيوم عادي، يوم عادي وليس يوما للفرح، بل يوم عادي بلا معاناة، بلا وجع، بلا شوك قد يغرس في الحلق، أو بلا قيد قد يسقط من فوق شجرة أثناء المشي على الرصيف، كم سنة نحتاج كي نصحوا ونقف على شرفة منزل بلا وجل، كي نقترف التثاؤب بكسل، ونقول اليوم يوم للراحة، اليوم يوم بلا حدود ولا قيود، بلا قمع ولا عيون ولا حراس ولا جلادين!اليوم يوم عادي!!.في ظني أننا لن نحتاج غير لحظة صغيرة كي نعرف أن ذلك لن يأت في حاراتنا الظلامية التي لا تقوى على صناعة مصباح أو قلم رصاص أو حتى رصاصة للقتل ، بل تنتظر من يصنع لها كل شيء من عصي الشرطة الخشبية حتى الأوسمة التي تثقل الصدور.نعم، أضحى العالم قرية صغيرة، وأضحينا أرقاماً في حاراتها، أرقاما في ملفات الأجساد المتكورة فحسب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق