بقلم عزام أبو الحمام
أوشكت القطة "سيرينا"، على الولادة، بدأت مظاهر ذلك في حركتها وهي تبحث عن مكان مناسب تحت الدرج الحجري في باحة المنزل الذي يؤدي إلى بابه الرئيس، يبدو ذلك في ترهل بطنها وهي تكمل السنة الثانية من عمرها، لقد كبرت سيرينا على مدى عامين كاملين منذ أن جاء بها عبد السلام وهي مغمضة العينين من أحد الأسواق حتى قبل أن يكون لها اسما تنادى به، ذلك اليوم كان عبد السلام قد أنهى استجماع حاجياته وتوجه إلى حيث أوقف مركبته المتواضعة في شارع خلفي من السوق عندما وجد القطة في ذلك الزقاق المظلل حيث يمر مئات الناس كل ساعة، راعهُ منظر القطة الصغيرة الهزيلة المغمضة العينين وهي تلوب وتتحسس موضعها بواسطة حاسة الشم ولا تبتعد عن الطبق الصدئ الذي اختلط به فتات الخبز الناشف مع بعض النفايات الجافة وغير الجافة، تفطر قلبه عليها فحملها مع حاجياته في صندوق كرتوني صغير ثم وضعها في صندوق السيارة الخلفي وأغلقه بحرص رغم نظرة الاستغراب أو الاستهتار من أحد أصحاب المحلات التجارية الذي كان ينفث دخان سيجارته سئما أو سخرية وهو يقوم بتبني القطة القذرة الهزيلة!.
كانت عينا القطة مغلقتان تماما عندما راح يعالجهما بمساعدة اثنان من جيرانه، أحضر محلول الملح بالماء وجعل يغسل وجه القطة بالاسفنج إلا أن تشققت جفون عينيها الملتصقة وبانت حدقتاها ناعستين كَدِرِتين حتى لم يستبن لونهما الحقيقي، ثم تفتق ذهنه عن فكرة جلب بعض الكبسولات العلاجية وقام بتذويبها في الحليب الذي وضع أمامها في طبق نظيف فراحت القطة تلعقه بما فيه من مضادات حيوية ضرورية لصحتها، جاره الذي يعمل حدادا قام ببخ مغلي الشاي غير المحلى في عيني القطة وهو موقن من ضرورة ذلك وفاعليته، يبدو أن ذلك كان السبب الرئيس لشفاء الالتهابات في عينيها حسب ما أكد جاره الذي يعمل حدادا ويحرص على متابعة مجتمع الققط وهو يشفق عليها إشفاقا كبيرا ربما لأنه ولد يتيم الأب قبل خمس وأربعين عاما ، وعاش في أكناف أرملة تربي وحيدها منذ كان طفلا يانعا قبل أن يهاجر والديه من فلسطين للمرة الثانية لينتقلوا إلى بلد عربي ،. وهذا ربما ما يجمعه مع صديقه الآخر الذي يعمل موظفا في احد البنوك ، فهو الآخر عاش في كنف أرملة وكان هو الأصغر بين ثلاثة بنات. موظف البنك ما هو إلا طفل يَحْلق دقْنه ويجالس الرجال ويعمل في وظيفة حساسة لكن الطفل في نفسه لا يختفي في أي محطة أو موقف أو حتى عبارة يقولها جادا أو مازحا. وأهله أيضا هاجروا وتشردوا مرتين إلى أن أقاموا في المخيم، وهاهم الآن بعد كثير معاناة وتكافل كبير من الأهل وغفلة من القسوة استطاعا الانتقال إلى ضواحي المدينة المتوسطة الحال ويصبحان صديقين حميمين.أما عبد السلام فلا يعرف كيف توثقت بهما علاقته، ليس ثمة قواسم مشتركة أساسية وخصوصا مستوى التفكير، لكنه يقنع نفسه بالقول أنها الجيرة التي تجعل من الجار القريب أقرب من الأخ البعيد، وربما لأنه أيضا يشاركهما في تجربة النزوح وان كان لم يعرف تجربة المخيمات لأنه هُجر لاحقا، أي بعد النزوح عام 1967 ولم يعه حتى لأنه أصغر منهما سنا بخمس سنوات على الأقل. تعافت القطة بسرعة مذهلة، بعد يومين فقط كانت عيناها صافيتان كدُرتينِ تشعان بريقا طفوليا جميلا ، بدأ فروها لامعا متفتحا وبدت سعيدة وهي تأتي بحركات طفولية قفزا وتمرغا في التراب أو على الأحذية، أتفق أبناؤه على مناداتها باسم "سيرينا" ولا يعرف من أين أتوا بهذا الاسم لكنه لم يعترض عليه ، اختاروا لها طوقا أحمر اللون من الكتان يشبه حزام ساعة المعصم، ومنذ ذلك الوقت بدأ جسمها ينمو بسرعة وراحت تعيش في دلال ونعيم وهي تتبختر في حديقة المنزل الفسيحة وتتسلق أشجارها وتتمرغ في فناء المنزل وتتمسح بأبوابه أو بأحذية عبد السلام فتحصل على مبتغاها من الطعام ، وفي ساعات العصر حينما كانت شجيرة العنب تغمر بظلها فناء الدار كانت سيرينا قد اعتادت على مداعبة أغصان دالية العنب الدانية فتثير الحبور والبهجة في نفوس أفراد المنزل أو في نفوس ضيوفهم.
كأن سيرينا أضحت فرداً مهما من أفراد العائلة، إذا لا بد من التأكد من وجودها في فناء المنزل ولا بد من توفير وجباتها ولا بد من خصها بين حين وآخر ببعض قطع الدجاج أو السمك المطبوخ. وقد زادت قيمة القطة حينما بدأت تقوم بوظيفة حيوية في فناء المنزل بحمايته من بعض الزواحف والقوارض التي قد تتسلل من الحديقة أو من الشارع، وقد أثبتت جدارتها منذ أن أكملت شهرها الأول وصارت تتنبه لمطاردة الصراصير والحشرات الضارة التي لا بد وأن تظهر على مسرح الأحداث في فناء المنزل المبلط بالحجارة الملساء.عند اكتمال نموها في السنة الثانية لم يعد بالإمكان منعها من الخروج إلى الشارع أو مواعدة ذكور القطط في الحديقة أو فوق السور الذي يحيط بالمنزل، كان ذلك قي أواخر فصل الشتاء، في شهر شباط حيث يزدهر موسم التزاوج،،،لقد تأكد من أنها كانت حاملا عندما تبين أنها وضعت ثلاثة مواليد تحت الدرج الحجري، وبتوجيه وإرشاد من جارهم الحداد فقد هيئ لها صندوقا كرتونيا مفروشا بقطعة من الصوف، وهيئ لها أيضا طبقين بجانبها، واحد للطعام وآخر للماء.
منذ اللحظات الأولى لولادة سيرينا استشعر عبد السلام المسؤولية الكبيرة في احتضان القطة وصغارها، وحمد الله أن القطة لم تلد أكثر من ثلاثة مواليد لم تتبين ملامحها بعد ، إن وجود ثلاثة قطط أخرى ستكون مسؤولية على عبد السلام والأسرة لأنه لا يطيق أن يمتلئ فناء البيت بالقطط ومواؤها، وهو لا يعرف ماذا يترتب عليه أن يفعل لكنه لا يطيق أيضا أن يتخلص من القطة وأبناءها ويرمي بهم إلى المجهول، كيف سيفعل ذلك وهو من جاء بها قبل أن تتفتح عيناها وقبل أن تستطيع تناول الطعام العادي، كانت لم تزل قطا رضيعا فتربى في فناء المنزل.في اليوم الثاني بدا أن القطة قلقة جدا تجاه مواليدها، وبدا أنها مرتبكة، هل سمعت الهواجس في نفس عبد السلام!! وهل سمعت حواره مع زوجته في غرفة النوم ليلة الولادة!؟؟ كانت زوجته تحرضه على التخلص من القطة ولا تطيق أن تراها ومواليدها في فناء المنزل وهي تعتبرها مصدرا للأمراض والإزعاج والأوساخ.في اليوم التالي، اتضح أن القطط الصغيرة تناقصت إلى اثنين، لقد اختفى القط الثالث وكان لا بد من الشك في أن القطة أكلت ابنها، في اليوم الثالث جاء الأولاد لوالدهم يخبرونه أنهم شاهدوها تأكل ابنها الثاني وتبتلعهُ، عندما وصل عبد السلام ، لاحظ آثار الدماء على فمها فتقزز منها وسرى في جسمه تيار من الغضب والحنق والإحباط، وكانت القطة تقبض بفمها الابن الثالث وخيل له أنها تحاول نقله مثلما كانت تفعل في الأيام السابقة، لكنها سرعان ما ازدردته وهي تبحلق بعيناها بصلف في عبد السلام وأبنائه وكأنها تخشى أن يقوم أحدهم بتخليصه منها أو ازدراده قبلها.
كأنها ليست القطة التي عرفتها منذ عامين في فناء منزلي، قال عبد السلام في سره آسفا حزينا.قرً قرار عبد السلام على التخلص منها مع ما يرافق ذلك من حزن وخيبة وإحباط، ونجح في إغلاق الصندوق الكرتوني عليها وأتم نقلها إلى صندوق سيارته المتوقفة في فناء المنزل، ومن هناك، سار بضعة كيلو مترات وهو يعرف أين سيلقي بها، ليس أفضل من الضاحية التي يقطن بها صديقا له حيث تكثر هناك محلات الجزارة. هناك تستطيع القطة تدبر أمر طعامها ، وقد تبقى هناك فيلمحها وهو يزور منزل صديقه ، ولعل صديقه يقوم بتبنيها وإيوائها في فناء منزله، ولن يخبره عن أمر ازدرادها لمواليدها، ولن يخبره بأنه رأى هالة من الدم حول فمها، لقد كانت مقززة ساعتئذٍ ولا بد من التخلص منها، لا يعرف تماما لماذا تفعل القطة مثل هذا العمل، كثيرا ما كان يسمع أن القطة تأكل أبناءها، لكنها المرة الأولى التي يشهد ذلك بنفسه، يوجد ما يكفي من المبررات لأتخلص من القطة ويكفيني المشهد المقزز وهي تزدرد ابنها الأخير وإشعاعات من الغضب والأنانية والنذالة تنطلق من عينيها. قال عبد السلام في نفسه وهو يلوك أمر إبعاد القطة في عقله ويحاول تبديد مشاعر الذنب التي تعتريه وهو يقدم على هذه الخطوة التي يبدو فيها رجلا نذلاً لا وفاء فيه.
بعد يومين، وجد عبد السلام مبررا لزيارة صديقه، وقبل أن يصل إلى منزله دار بسيارته حول المنزل وحول محلات الجزارة، لكنه لم ير القطة ولم يلمح لها أثرا، كان بإمكانه التعرف عليها لو كانت بين تلك القطط التي تتبختر في شوارع المنطقة، من السهل التعرف عليها من خلال لونها المميز حيث تنتشر البقع الملونة على ظهرها أو من خلال الطوق الكتاني الأحمر في عنقها. في مرات أخرى ثانية وثالثة، أقنع نفسه أن القطة لم تُقم في المنطقة يوما واحدا لأنها لو أقامت ليلة واحدة لكانت استقرت فيها، وتعزز هذا الاعتقاد عندما شرح له جاره الحداد بأن القطط وأغلب الحيوانات الأخرى تشبه البشر في عدم تقبل الغرباء في مناطقها بسهولة، وقال ان لكل منطقة سلطتها وتنظيمها وزعيمها، ولا بد أن قطتك فشلت في الاندماج وولت هاربة إلى مكان آخر.في الأيام اللاحقة، كان في السوق الذي وجد فيه القطة قبل عامين عندما كانت مغمضة العينين، تذكر اللحظات التي وجد فيها القطة، رغب بإلقاء نظرة متفحصة، اقترب من الزقاق المستظل نفسه، كان التاجر الكسول نفسه يقف على رأس الزقاق أمام المحل ينفث دخان سيجارته متثائباً.في الزقاق الظليل نفسه، كانت سيرينا ممددة على الأرض وكانت أضلاعها بادية وقد أضناها الهزال، كان الطوق الكتاني ما يزال في عنقها، كانت تنازع أنفاسها الأخيرة لكنها بدت راضية وكَسْلى وكأنها تنام.
انتهت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق