السبت، 6 فبراير 2010

الفريسة السهلة

بقلم عزام ابو الحمام

مَنَ الله عليها بجمال أخاذ يلفتُ الأبصار قسراً، قامتها ممشوقة وبشرتها الحنطية توشحها حمرة فتزيد وجهها جمالاً لولا تلك التجاعيد والخطوط المتعرجة في وجهها التي تنبئ طياتها عن ضنك الحياة وسوء المنقلب ومرارة العيش، صوتها الناعم ينساب كموسيقى مبعثرة ، عبثت فيها أصابع الدهر فترهلت فيها أوتار الأنوثة وتهتكت فيها أوتار الأمومة وغابت عنها حروف الزهو والثقة والأمل فأبقت لها نبرات الحزن والذل والمرارة، وبدت كبقايا إنسانة كانت ذات يوم امرأة جميلة وفتاة حسناء، خصوصاً أن لهجتها مميزة عما حولها، فهي من قطر عربي آخر، وهذا مبعث ضعف آخر أفقدها شعورا بأن لها ظهرا تستند إليه، غير أن جمالها هذا لا تبصره إلا عين خبيرة ومتذوقة للجمال، فهي تلبس ثوبا فضفاضاً من السهل معرفة أنه لم يُفَصلْ لجسدها بل كان من بعض أعطيات الصديقات وأهل الخير، ، يكاد هذا الجمال يختفي ويضمحل كقشرة برتقالة أنهكها تقلب الطقس وقساوة الشمس فقاربت على اليباس والتهشم، لقد أمضت عشرون عاما في المعاناة والعمل والصراع والشقاق مع زوجها الذي ظل يضن عليها بكل أنواع حاجاتها هي وأبنائها الثلاثة الذين هم أبناءه أيضاً،
جائتني المرأة بحكم عملي في جمعية الإرشاد الأسري، وبدأت حائرة وقد ترددت كثيرا قبل أن تكشف عن بعض مكنونات صدرها المليء بالأسرار والهموم، وفي الجلسات اللاحقة معها بدأت أعرف أشياء أكثر غرابة وأكثر حساسية وإثارة، لقد تعبت وجهدت حتى كسبتُ ود المرأة وبعض ثقتها بعد أن نجحت في جعلها تشعر بأنها لم تعد مجرد مشتكية وساعية لمساعدة اجتماعية وقانونية في مؤسستنا التي تختص بمثل هذه الحالات، لقد بدأت تتقبل صداقتي للدرجة التي بدأت بالبوح لي عن بعض خصوصياتها الجنسية وبرهنت على ذلك بأن كشفت لي بعض أسرار جسدها الذي تلفه بعض الثياب البالية لأكتشف حين ذاك بعض الندب وعلامات الضرب وبعض آثار التعب والكد الذي تتجشمهُ المرأة كي تعيل أسرتها وتساهم في توفير حاجات أبنائها ،ومع ذلك كان من اليسير ملاحظة جمال هذا الجسد الممشوق والصافي البياض كتمثال مرمرٍ إغريقي اكتسى بالغبار ووقع بين أيدي لا تعرف قيمة هذا الكنز الثمين فألحقت به بعض الأضرار.كانت ذروة اعترافاتها قد جاءت في زيارتها الثالثة لي في المنزل هذه المرة، لقد قدمت لها عنوان منزلي بحجة حاجتي للمساعدة في بعض الأعمال المنزلية،لأنها تجيد مثل هذه الأعمال، جاءت بالفعل ووفرت لها مناخاً مشجعا وباشرنا معاً في تحضير بعض الطعام والشراب وبعض الأعمال المنزلية البسيطة وهدفي هو تعميق الصداقة بها وكسر كل الحواجز بيننا، وفي هذه الأثناء جلسنا معاً سوية بعيدا عن زوجي وأبنائي نشرب القهوة ونتجاذب أطراف الحديث، وإذ ذاك اكتشفت أيضا ما للمرأة من جمال روحي رغم ما تتصف به من قلة التعليم وبساطة التفكير حد السذاجة أحيانا، وفوق ذلك، فهي لا تتوانى عن إطلاق النكتة في وقتها المناسب وتتبعها بضحكة بريئة تفيض بالصدق والسرور. خلال شربنا فنجان القهوة راحت تسرد لي عن بعض معاناتها في الحياة- وقد تهدج صوتها وسالت على وجنتيها بعض الدموع وهي تقول:كنت أنتظر بفارغ الصبر ذلك اليوم الذي سيقبل فيه ابني البكر طالبا في الجامعة الحكومية حيث الرسوم أقل بكثير من الجامعات الخاصة، وقد قادني شوقي هذا وإلحاحي إلى أن نصحني بعضهم باللجوء إلى ذلك الضابط الكبير في الدولة، كان الرجل في غاية اللطف والحماس لمساعدتي وتقبل أوراق ابني بكل شهامة وتشجيع، وقد قام الرجل واتصل فورا برقم آخر لغرض مساعدة ابني في دخول الكلية الجامعية، وقد سمعت الصوت الآخر على خط الهاتف وهو لا يقول غير كلمات : حاضر سيدي، أوامر، اعتبر ذلك تحصيل حاصل.وهكذا بدأنا ننتظر الجواب النهائي يوما بعد يوم، وقد تكرم الرجل وراح يطمئننا عبر الهاتف إلى حسن سير الأمور إلى أن اتصل ذات يوم مبشراً بأن القبول صار في جيبه ، وما علينا سوى شكر الرجل الآخر الذي قام بمتابعة الأمر إلى أن نجح فيه، ولذلك طلب مني أن أسارع عصر ذلك اليوم وأن أجلب له بعض الأوراق الرسمية لتستكمل الإجراءات ولنشكر الرجل في بيته على عمله هذا الذي سيفتح للطالب باب المستقبل المزهر الذي لا بد وأن ينعطف بمصير العائلة نحو أمل جديد بعد أن تم تأبين الأمل في ذلك الزوج الذي لا يشبهه إنس ولا جن.ركبت بجانب الضابط في سيارته الفارهة وأنطلق بنا وقد غمرني الفرح وأنساني كل شيء حتى معاناتي السابقة وبصيص أمل بغد مشرق يتراقص أمام ناظري كجذوة شمعة في ليل دامس، وأمام بناية أنيقة وقفت السيارة فنزلنا وقد استقبلنا حارس البناية بالترحاب بوجهه الباش وعيناه الطافحتان بالفرح والمرح وكأنه يعرف أننا جئنا البناية لأمر هام ووجيه.ثم صعدنا سلما حجريا إلى أن وقفنا أمام باب الشقة المقصودة ، وقد تفاجأت وتحيرت عندما بدأ الرجل يدير مفتاحا يحمله ليفتح الباب، وما أن سألته لماذا وكيف تفتح بمفتاحك منزل الآخرين حتى كان الباب قد فتح ودفعني الرجل فيه دفعاً وفي طرفة عين كان يغلق الباب ويدير المفتاح مرة أخرى لأصبح رهينة لا حول لها ولا قوة أمام جبروت هذا الرجل الذي يتدلى مسدسه بجانبه وقد تزاحمت فوق كتفيه النجوم اللامعة كعيون الشياطين.كدت أنهار تماما في تلك اللحظات التي كان يدفعني فيها إلى حجرة النوم في آخر الصالة الكبيرة، لا أحد في الشقة التي بدت كقبر صامت لا حياة فيه، شعرت بأن صوتي قد ضاع ولم يعد يقوى على تحريك حنجرتي، ذراعاي متهالكتان ولا تقويان على دفع دجاجة إلى الوراء فكيف لي بمقاومة هذا الثور الضخم وهذه السواعد المفتولة وقد شرع الرجل في التجرد من ملابسه، وهو يأمرني بكل ثقة وصلف بالتجرد من ملابسي والاستسلام للأمر الواقع كي يفتح لنا باب المستقبل الجديد،،، كانت الدموع الضنينة التي خرجت من عيني غير كافية لاسـتعطافه بل فقد كانت ترسم على وجهه الضخم الأزرق إشارات الزهو والثقة، وكأنه الضبع الذي بات مطمئنا لاستسلام فريسته بلا أدنى مقاومة،،، كانت أوصالي تهتز وقد رميت بنفسي على جانب السرير الوثير كي لا أسقط مرة واحدة إلى الأرض، ظل الرجل يخلع ملابسه وبسمة نصر تلوح في طرف فمه ،بينما شعر شاربه الكث راح يتراقص وكأنه مقبل على التهام دجاجة مشوية، لم يبق فوق جسده غير ما يستر عورته وقد تدلى كرشه الضخم وبدا بشعره الأسود الخشن كحيوان أسطوري كريه،،حينها لاحظ صمتي ووجومي وقد شعرت برغبة في البكاء أو رمي نفسي والنوم بدون صحوة ، مما جعله يقول بكل هدوء وهو يدير ظهره : سأعود من الحمام لأجدك في تمام الاستعداد. هيا لا تضيعي الوقت ولا تضيعي مستقبل ابنك وعائلتك، أنا متأكد أنك طيبة وذو عقل راجح، لن تفضحي نفسك على الأقل. وحتى تستريحي ولا تبحثي في أي ركن ، فها هو مفتاح الشقة معي في الحمام أيضا.دارت الأفكار في رأسي كسرب غربان يدور فوق جيفة في يوم قائظ، راح صراخ الغربان يملأ رأسي، كادت روحي تخرج من حلقي في تلك اللحظات، لم يعد لي رغبة في الحياة، شعرت بأوصالي تذوي وأطرافي تتهالك وروحي تقترب من أنفي، دعوت ربي أن أموت قبل أن يعود الرجل من الحمْام، رغبت بالانتحار، جلت بناظري فألفيت النوافذ محكمة الإغلاق أيضاً، لم أجد في الحجرة ما يساعدني على الانتحار أيضا، سمعت صرير باب الحمام يفتح، وخطواته تتقدم نحو الحجرة التي أجلس فيها، الوحش على وشك الهجوم، خارت قواي فأضحيت خرقة بالية، وقبل أن يطل كرشه الضخم من الباب، كنت قد لمحت مسدسه معلقا مع ملابسه العسكرية خلف باب الحجرة، لا أعرف كيف تدفق جسدي بالقوة والحيوية دفعة واحدة، فقفزت كقط شرس إلى المسدس وقبضته بيدي الاثنتين، وعندما أطل بجسمه المبلل بقطرات الماء، كنت قد وجهت المسدس إلى صدره وما زالت يداي ترتجفان، لكن المفاجأة عقدت لسانه وبدأ الخوف يسيطر عليه فعلا، وبالكاد استطاع أن يبتلع ريقه وهو يقول: يا مجنونة، الحبة في بيت النار، حاذري. لكن ذلك منحني ثقة أكثر كنت بحاجة لها أيضا لأأمره بالسير وبأن يخرج مفتاح الشقة من يده، وأن يسير إلى الباب الرئيسي،،،وصلت به إلى الباب الرئيسي وهو يرتجف وقد تبخرت قطرات الماء من على جسده المليء بالشعر القميء، فتح الباب بينما المسدس منغرسٌ في كتفه الضخم، وأخذت المفتاح من يده وأمرته بأن يبتعد عن الباب بينما المسدس قائم في يدي، ولما ابتعد إلى آخر الصالة مرتجفاً، التقطت أنفاسي وقلت له: ستموت الآن بطلقة في صدرك وسيجدونك عارٍ وسيقولون أنك انتحرت ، وكم سررت وأنا أشاهد الهلع يطفح من عينيه وهو يرتجف كورقة خريف صفراء، حينها رميت له بالمسدس بعد أن قلت له: إليك بمسدسك، فقد صار بوسعه الآن فقط ، أن يفتخر بأنه قام بمهمة شريفة في حياته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق