السبت، 6 فبراير 2010

آباء وأبناء

بقلم عزام أبو الحمام

( مهداة للشاعر مريد البرغوثي وزوجته الأديبة د.رضوى عاشور)
مساء أمس عاد ابني الشاب الذي بدأ يطل على الحياة للتو، عاد من أمسـية شعرية استمع فيها للشاعر الذي يفضله على غيره ويحفظ الكثير من قصائده الجميلة عن الوطن والحب والحياة، وأكثر من ذلك فهو يحاول أن يقلده في لباسه وشعر لحيته الذي يجهد نفسه في اكتمال شعيراته المتناثرة ، بل ويتتبع أخبار سفراته ورحلاته وأخبار أسرته ويعرف عنهم الكثير وقد تعرف إلى بعضهم هنا أو هناك،،،كان بعض أفراد أسرة الشاعر من ضمن جمهور الأمسية ، والدهُ الشاعر غير المشهور، وأمه الكاتبة الأقل شهرة، وجَدَتهِ التي لا يعرفها الجمهور والتي لم تستطع إخفاء فرحها الطافح من عينيها وهي تشهد كل هذا الحضور الكبير لحفيدها الشاب، ولكن ابني يعرفهم جميعاً، كيف لا وهم أسرة شاعره المحبوب.بدأ الناس بالتجمع في الساحة التي ستقام فيها الأمسية، أغلب الجمهور من الشباب والصبايا صغار السن، ثمة أعداد قليلة من كبار السن، كاميرات التلفزيونات تتأهب لاقتناص أول كلمة سيقولها الشاعر الشاب، الكل يتطلع إلى المنصة التي تعد للشاعر المشهور، في المقدمة جلست الجدة بجانب الأم التي فضلت البكاء بصمت، ثمة رجل ستيني يسكن وجهه البدر ينظر في وجوه أفراد الجمهور بلا معنى واضح في عينيه، لم يعره الحضور أي انتباه، قد يكون رجلٌ متقاعد لم يعرف أين يقضي بقية نهاره فقادته قدماه هنا صدفة أو فضولا، لقد عرفه ابني وبدأ يرقب خلجات قلبه في وجهه الساكن، بدت ملامحه محايدة، كأنها ساكنة لا أمل فيها، كأنه حزين، البسمة لا تظهر كما هي في وجوه أفراد جمهور الشباب وكذلك الشاعر الفرح بلقاء أحباءه، لعل الشاعر مزهواً أمام أفراد أسـرته وهو يقول في سـره : أرأيتم أيها الأكرمين، ابنكم اليوم شاعرٌ شهير، يشار له بالبنان وها هو يأتي بما لم يأتِ به أحد منكم على امتداد أعماركم! هذا ما تخيله ابني رشيد وهو يتفحص هذه اللحظات المهمة من يومه.بدأت الأحزان تسري بالعدوى إلى صدر ابني، كيف لهذا الجمهور تجاهل هذا الأديب الأقدم والأعرق من ابنه ، حتى وسائل الإعلام تتواطأ مع الشاعر الشاب وتتجاهل والده الأديب وأمه الكاتبة، قرر الشاب أن يتصرف، أحس بكل ما يحس به الأب من حزن لهؤلاء الناس الذي لا يلتفتون إليه ولا يقدرون قيمته بل يتلهفون لابنه الذي هو نتاج تربية والده، والفضل كل الفضل له ولأمه حيث وفرا له المناخ المناسب ليصبح شاعراً مشهوراً.تقدم الشاب رشيد خطوة وتشجع ومد يده مصافحاً الرجل، قال لهُ: أنا أعرفك، أنت الأديب الشاعر العتيق الذي لا ينسى فضله. وأنا سعيد أن ألتقط معك صورة تذكارية، بش وجه الرجل بالبشر والسعادة، إذا ها هو شاب في مقتبل العمر يعرفه ويعترف بفضله. إذن، لا بد من بسمة، على الأقل لأجل الصورة التذكارية مع هذا الشاب اللطيف الذي يعرف ما لا يعرفه غيره، هكذا قرأ الشاب هواجس الرجل ومشاعره.عاد الشاب على المنزل مرتاح الضمير مسروراً بالصورة بجانب شاعره المحبوب، وبدأ يقرأ لنا ما وراء الوجه في صورته مع والد الشاعر الذي تجاهله الناس،،،كان يعتقد أنه أنقذ الرجل من الغرق في الحزن نتيجة صعود نجم ابنه الصغير وأفول نجمه،، يا له من قارئ بصير نافذ للنفوس،،،يا له من غِـرٍ وهو لا يعرف أن الكبار يكتمون فرحهم زهواً بنجاح وتقدم أبنائهم الصغار،،،كم سنة سيحتاج ليعرف أن الأب لا يحب أن يعلوه أحد سوى أبناؤه، وكيف لو عرف أن قلب الجدة يرقصُ مرتين، الأولى لفرح ابنها الستيني الراقص بالصمت، وأخرى لفرح حفيدها الشاعر المحفوف بالجمهور والكاميرات.ها أنت اليوم عرفت كيف يفرح الكبار حينما يَشهدون نجاح الآخرين.وسأترك لك لتعرف بالتجربة كيف ينحو الصغار في الموقف نفسه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق