بقلم عزام أبو الحمام
هل سمعتم بجمل المحامل؟؟ هل تعرفونه ؟إنا أعرفه جيدا، التقيت به مرة ومرات، بل مرات كثيرة ، لماذا لا أقول الحقيقة منذ البداية فلا أتقيد بأصول القصة، سأقول الحقيقة مثلما أعرفها، لقد عايشته فترة طويلة من الزمن، وعملنا معا في مراحل صعبة، وفارقني ودموعا تفر من عينيه ومن عينيَ على رغبة منه ورغبة مني.
كان تيسير هو الولد الأكبر لوالديه، كان والده مزارعا من قرية إذنا قرب الخليل، تلك القرية المحاذية للخط الأخضر من جنوب الضفة الغربية، كانت حياته حافلة بالغرائب والطرائف والمآسي، عندما بدأت الانتفاضة الأولى، كان تيسير طالبا في سنته الأولى في جامعة بيرزيت، فتعطلت الدراسة فيها ، فكانت فرصة له أن يتفرغ لأعمال الانتفاضة ومهماتها اليومية، كنت أنا في عمان في سنتي الثانية، وكنت قد تركت جامعة بيرزيت قبل عامين ونصف أيضا، وصرت اسمع باسمه ناشطا في أعمال الانتفاضة من خلال المراسلات السرية وغير السرية.كان قوي البنية ثابت البنيان شديد التفاؤل بالحياة وبالغد رغم قلة ما في يده أو رغم عثراته الكثيرة، لا يعرف المستحيل ولا يتوانى عن بعض المغامرات اندفاعا وحماسة حينما يقتنع بأي فكرة مهما كانت صعبة. تجمعت في شخصه ميزات القائد الميداني الذي لا يهاب الموت ويعرف متى وكيف وأين يضرب ضربته ، وفي مرحلة متقدمة من الانتفاضة، تطلب الأمر حمل السلاح علنا، لردع المتسترين والمندسين بين المقاومين، ولردع كل من تسول له نفسه الاعتداء عليهم وعلى المواطنين وخصوصا من قوات المستعربين الإسرائيليين الذين كانوا يتقنعون بالكوفيات ويندسون بين الشباب المقاومين، أو يتصرفون باسمهم في ترويع الناس الآمنين وفي الإساءة لسمعتهم. وكان تيسير وأسرته ممن يقتنون السلاح ولا يتخلون عنه في منازلهم أو في محيطها، وكانوا يتقنون استخدامه وصيانته لأن قريتهم تحاذي جبال واسعة من جهة الغرب فيسرحون ويمرحون فيها ويطلقون النار في الوديان ويدخلون الجبال الغربية في ما يسمى منطقة الخط الأخضر، يشدهم الحنين إلى أرض جدهم سليمان التي احتل منها مئات الدونمات في عام 1948، فيقطفون منها الزعتر والميرمية والبقلاء ويعتبرون ذلك حقهم المشروع، بل أكثر من ذلك، فقد كان تيسير وغيره من الشباب يطاردون العجول التي تسرح بالمئات في أراضي أجدادهم المحتلة ويذبحون بين الفترة والأخرى عجلا أو أكثر وينقلون لحمها إلى قريتهم على أكتافهم ويوزعون منها ويأكلون وينجحون في تجاوز الرقابة والحراسات الإسرائيلية، لأن الأرض تتستر عليهم وتحن إلى أحذيتهم كما كانوا يعتقدون وهي تدرك أنهم أصحابها الشرعيون.صار اسم تيسير معروفا جيدا للإسرائيليين ، وبدءوا بملاحقته وبذلوا في ذلك جهودا كبيرة، لكن طبيعة قريتهم ساعدته على التخفي والمراوغة، خصوصا أن نصف منازل القرية تعود لأقربائه، فيما جهتيها الجنوبية والغربية مفتوحتان على الجبال والأودية الصعبة.
مضى على تيسير أكثر من سنة بعد انكشاف أمره وبدء ملاحقته، بدأ والداه يقنعانه بضرورة الزواج لأن هاجسا يلح عليهما ويقض مضجعهما ويقول لهما إن تيسير سيسقط شهيدا في أي لحظة، فقد صار من أهم المطلوبين في المنطقة وصارت قوات الاحتلال تداهم منزلهم ومنازل الكثير من أقربائه كل ليلة بحثا عنه، وتذهب إلى الجبال حيث تتوقع أن يكون في بعض المخابئ مع بعض رفاقه، لقد كان متهما بضربهم في عدة مواجهات بالأسلحة هم وعملائهم. وعلى كل حال، فإن الآباء في تلك القرية، يصبح ديدنهم زواج أبناءهم حينما يبلغون التاسعة عشر من أعمارهم، في حين أن سن الفتاة المفضل للزواج هو السادسة عشر والسابعة عشر من عمرها.في لحظة ضعف ما ، وربما هي لحظة قوة أيضا، وافق تيسير على الزواج حينما أقر بهواجس والديه وهو ابنهم الأكبر، وتفهم أنهما بحاجة إلى أبنائه فلا ينقطع عقبه قبل زواجه، وتشجع أكثر حينما أقنعه أصدقاؤه بأن الأمر سيكون تحت السيطرة وأنه سيكون في حل من الالتزام بأي شيء تجاه عروسه التي وافقت بسرور على الاقتران به، كيف لا وسيرة بطولاته ومآثره شاعت في القرية إثر الاشتباكات البطولية الكثيرة التي كان يخوضها في مقدمة زملائه. فيما بعد شرحت له سببا آخر لموافقته على ذلك الزواج الذي لم يكن في أوانه، قلت له، إن هاجسا باطنيا فيه كان يحفزه لأن يحافظ على نفسه من خلال ولد أو بنت ينجبهما، وأن هذه نزعة خلقها الله في كل إنسان، أي أنه كان يخشى الموت ويتوقعه تماما مثله مثل والديه، فوافقني ، وقلت له أن موافقته على الزواج هي نزوع آخر مكتسب لدى الشباب في مثل وضعه الذين لم يتمتعوا بالاستقرار والحياة الناعمة الدافئة، وهذا النزوع يحاول دفع الإنسان للتعويض عن حياته القاسية والصعبة ، فلم يوافقني على ذلك قائلا إن رغبة والديه كانت السبب الأكثر ضغطا عليه.المهم أنه عبر عن موافقته على مشروع والديه وعمه وقال لهم جملته التي كثيرا ما يكررها، وليش لأ!، المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين.كانت عروسه على درجة عالية من الجمال والخلق وكانت ما تزال في سنتها المدرسية الأخيرة ، وهي ابنة عمه، ولم تتردد في القبول بشروط الزواج، قراءة الفاتحة وذبلة خطوبة، ثم يتولَ والديْ العروسين تدبر بعض الحاجات القليلة الضرورية من أثاث وملابس وبعض الحلويات والحلي الذهبية، فيما تكفل بعض أصدقاؤه بخطف عجل من مزارع الأبقار الإسرائيلية المحاذية مساهمة منهم في عرس صديقهم ، وتم جلب العجل قبل يوم من حفلة العرس وراحت النساء تهتم بطبخه منذ صباح اليوم التالي، ، أما طقوس العرس فقد اقتصرت على غداء من اللحم والرز لعدد محدود من الأقارب وجرى إرسال ما يكفي منه لأصدقاء تيسير في الجبال والمواقع القريبة ، وهذه الطقوس – على كل حال- ليست مستحدثة، بل باتت عرفا لدى غالبية الفلسطينيين أثناء الانتفاضة، فقد توافقت الناس على وقف أية مظاهر للفرح والاحتفال، لأن أحزان فقدان الشهداء وإصابات الجرحى وغياب أعداد كبيرة من الأسرى أدخل الحزن في كل بيت وقضى بأن تخبئ الأسر أفراحها النادرة كأنها أعمال محظورة أو كأنها عمل من رجس الشيطان.تولى الشباب المسلحين حماية وحراسة العرس بأن ضربوا طوقا حول الموقع ومداخله ، كان تيسير يتخفى عن الأنظار أغلب الوقت في تلك الأيام خصوصا في الليل حيث يكون دخول العدو أيسر، بعد مغيب الشمس قامت زمرة من النساء بجلب العروس من بيت عمها في القرية إلى بيت أسرة تيسير دون أن تلبس الثوب الأبيض والطرحة، ولم يستخدم في ذلك غير سيارة واحدة ، فلم يعرف سوى بعض الأقارب والقليل من الجيران عن أمر الزواج، وكانت الفتاة حريصة على نقل كتبها المدرسية معها لأنها تنوي متابعة سنتها الأخيرة التي لم يتبقَ منها غير نصفها الثاني، ، هناك، كانوا قد هيئوا لها جزءا من المسكن الواسع فوق التلة المرتفعة حيث تجري مراسم عرس سري.حضر العريس بعد أن أعطي الإشارة بالحضور، كان عليهم إتمام إجراءات عقد القران الرسمية وكان ذووه قد رتبوا الأمر وجلبوا شيخاً مآذونا شرعيا لينجز الأمر، ولم يكن على تيسير غير التوقيع في المكان الذي أشار له الشيخ. ولم يتطلب ذلك سوى بضع دقائق تبادل فيها مع عروسه بعض الابتسامات وشكر الشيخ وودعه وهو يقول له: ادعوا لنا بالتوفيق يا سيدي الشيخ. كانت النساء بانتظار دخوله الحجرة الكبيرة التي تجمعن بها، تردد كثيرا في الدخول حيث تلتف زمرة من النساء حول العروس التي جلست وهي لا تعرف ماذا يترتب عليها فعله في هذه الحفلة الغريبة، لذلك فقد اكتفت بأن تضع يدا فوق الأخرى وتتمعن في الأرض أكثر مما تنظر في عيون الحاضرين، أما هو فرغم شجاعته المعروفة ورجولته البادية فقد كان شديد الخجل، وما أسهل أن يتصبب عرقا حينما يواجه امرأة فيصبح وجهه كحبة خوخ حمراء ، كانت جبهته القمحية واسعة ولامعة وكان شعره قصيرا ومجعدا، أما أنفه فطويل أقنى وشفاهه رفيعة، فيما شعر دقنه وشاربيه ضعيفا وبالكاد يستطيع حلقه ، وكان طويل الجسم بلا إفراط ، عريض الكتفين مفتول الساعدين، كان يقوم بمفرده بالسيطرة على عجل قوي بأن يقبض بساعده على رقبته فلا يستطع العجل حراكا، كان مثالا للمقاتل الشرس رغم حداثة سنه، وكان جسده يفور بالطاقة والحيوية، ومع ذلك، دخل الحجرة بتردد فيما يده اليسرى قابضة على ظهر بندقيته المعلقة في كتفه..تقدمت والدته وسحبته من يده وفرحت عندما وجدته مستحما لامعا على غير عادته وقامت شقيقته الكبرى بنثر عطر بخاخ على ملابسه:- لا أحد غريب في الحجرة، كلهن أخواتك وبنات عمك وخالاتك وبناتهن، قالت والدته التي يتعارك الفرح والحزن على وجنتيها الحمراوين، وراحت تكرر على مسمع النساء قولها إنها المرة الأولى التي أزوج فيها ابنا لي ، فتعال ولا تفسد فرحتي، ثم تمسح بيدها على ما يفيض من عينيها من دموع وتقول لبناتها، أمانة أن تزغردن ولو بصوت خفيض لا يسمع خارج الحجرة.جلس تيسير في الكرسي المخصص له بجانب العروس وهو لا يعرف ماذا يترتب عليه فعله، وراحت إنثتان من شقيقاته يغنين بصوت خفيض بعض الأغاني التراثية فلاحت من فمه ابتسامة وشعر برغبته بسيجارة رغم أنه لا يدخن، فأحضرت له سيجارة من بعض الشباب المدخنين خارج المنزل، مضى على حفلة تيسير بين النساء نصف ساعة حتى الآن، أرادت بعض شقيقاته مسك بندقيته كي يرقصن بها فرفض وشدد قبضته عليها بكلتا يديه، رغم أن السلاح كان أمرا مألوفا في الأسرة وثقافته منتشرة حتى قبل قيام الانتفاضة ، كان شقيقه عزيز وبعض أصدقاءه المسلحين يقفون في آخر الطريق الجبلي المؤدي إلى منزلهم ويتبادلون الإشارات مع سلسلة طويلة من الرقباء تمتد إلى مداخل القرية على بعد عدة كيلو مترات، وكان أخوه حسن يقف في باب الحجرة بين الفينة والأخرى وهو يقول: كل شيء تمام، لا شيء غير عادي.تناول طعام العشاء من عروسه وبعض النساء ووالده وعمه ، وتشجع ووجه كلمة لعروسه وقال لها: لولا أنك ابنة عمي لما قبلت بي في مثل هذا الوضع،،،. لكن سامحيني يجب أن أخرج الليلة وأبيت في الخارج، فأن يقال أن تيسير قتل في الطريق أو في مواجهة أفضل من أن يقال اعتقل أو قتل في منزله. ولما هم بالخروج من باب المنزل، توقف واستدار فجأة وقال: لا تعتقدي أني سأخرج خوفا، لكنني سأخرج كي لا يظن البعض أن تيسير نسي رفاقه لأنه مع عروسه. وقال: لا تخافي سأرتب لك عرسا كبيرا مع أول يوم يزول فيه الاحتلال، هذا وعد عليَ. ثم خرج وانضم إلى اثنين من أصدقاءه كانا في انتظار خروجه قرب المنزل ودلفوا معاً الدرب الترابي وابتلعهم ليل الجبل البهيم.
يتبع/
أعراس الموت (2-3)بقلم عزام أبو الحمــام
فيما غاب العريس تيسير عن الأنظار تفرق جمع المحتفلين الذين لا يزيد عددهم عن أصابع اليدين وتولت نساء المنزل مسامرة العروس الجديدة . في مساء الليلة التالية لم يأتِ العريس مثلما توقعت أسرته أو مثلما تأملت عروسه، فقد راح وانخرط في مهماته وكأنه نسي ما وقع من أمر زواجه بالأمس، لكنه بعد أسبوع تقريبا عاد لزيارة منزله وقد لبس ثيابا جديدة كان أصدقاؤه قد وفروها لهذه المناسبة ، وفي هذه الليلة اكتفى بأن جالس عروسته فوجدها أقل خجلا من اليوم الأول، فتحادثا وشربا الشاي وتناول طعاما حضر له على عجل من الكبدة واللحوم الحمراء. وكان أن تشجعت عروسه وذكرته بوعده لها بحفلة عرس كبيرة في أول فرصة سانحة، ولم تنس أن تتمنى أن يحصل ذلك سريعا في اليوم الأول لجلاء الاحتلال. فعاد وأكد لها على وعده وهو يبتسم ، وهو يقول:- هذه بسيطة، لك هذا الوعد حالما يخرج أولئك الملاعين من حياتنا وأرضنا. ثم انسحب بهدوء من خلف المنزل وهو يبتسم لها فيما هي تلوح له بيد بينما يدها الأخرى تمسح دموعا فرت من عينيها رغما عنها.ظل الحال يسير على هذا المنوال بين الفينة والأخرى دون توفر فرصة اختلاء العروسين معا إلى أن رتب لهما الانتقال إلى منزل بعيد أكثر أمنا، وهناك عاشا معا ليلتين قبل أن يعاود تيسير سيرته الأولى في التنقل والاختفاء ، إذ كان في النهار يمارس أعمالا تتعلق بتوجيه أعمال المقاومة الشعبية ويتدخل في إدارة بعض الشؤون البلدية بعد أن جرى مقاطعة كل الدوائر التي كان الاحتلال يقوم من خلالها بإدارة حياة الناس، لقد فرض على المقاومين وبدعم رسمي وبطلب شعبي التدخل لحل مشاكل الناس الحياتية.
وذات يوم، نجح الإسرائيليون في تحديد موقعه في أطراف القرية، وكانت سياراتهم العسكرية قريبة من الموقع ، فهاجموه وزملائه واشتبكوا معهم بالرصاص الحي وأظهر المقاومون بطولات من خلال صمودهم وقدرتهم على المناورة،،،،تمكنت قوات الاحتلال من إصابة بعض المقاومين بالرصاص وأصيب بعض الجنود بجراح أيضا وجرى تعزيز قوات الاحتلال بقوات كبيرة وفرضت طوقا حول الموقع وقامت باعتقال بعض الجرحى والمقاومين والمواطنين قبل أن تنسحب ، غاب تيسير وبعض رفاقه عن الأنظار لمدة أسبوع وسرت أنباء في القرية عن اعتقاله حيا أو ميتا، لكن الأخبار غير مؤكدة وشباب المقاومة لا يؤكدون ولا ينفون الأخبار الشائعة.بعد أسبوع ظهر تيسير وبعض رفاقه وسط البلدة وتبين أنه كان قد أصيب إصابات غير مباشرة بشظايا الرصاص وخصوصا الرصاص المتفجر، الدمدم. فملأ فخذيه ورجليه وسالت الدماء منهما لكن ذلك لم يتسبب له بالعجز أو لم يمنعه من المناورة والتسلل والابتعاد، واعتبرت جراحه سطحية فعاد إلى سيرته الأولى بعد أيام فقط من هذه الحادثة.صارت قوات الاحتلال تكثف هجماتها على البلدة يوميا وتنكل في أهلها قدر المستطاع، وكانت الانتفاضة تشتعل في أرجاء مختلفة من الضفة الغربية وقطاع غزة وفي السجون والمعتقلات خصوصا معتقل النقب الصحراوي الذي سقط فيه شهيدان من الأسرى قبل أسبوعين.في مرحلة متقدمة، قررت قيادته التنظيمية الأخذ بتوصيات أصدقاءه فوجهوا له توصية بمغادرة البلاد للخارج ليخفف الضغط عن زملائه وعن بلدته التي راحت قوات الاحتلال تنكل في أهلها بحثا عن أخطر المطلوبين، وافق تيسير على ذلك وبضغط أيضا من أسرته ومن بعض أصدقائه الذين يخشون على حياته ويعرفون أنهم سيخسرون مناضلا عنيدا صلبا شجاعا، لكنهم كانوا يأملون أن يخفَ ضغط العدو بعد غياب تيسير عن المسرح.رتب الأمر لتيسير فجرى تهريبه إلى غزة ومنها إلى مصر عبر سيناء، في مصر قضى بضعة أسابيع في معتقل أبو زعبل موقوفا إلى حين تسوية الأمر ليجري تسفيره إلى تونس بالطائرة، وهناك قضى بضعة شهور فلم يرق له الحال وقد وجد نفسه ملزما إما بالعيش داخل الشقق المغلقة أو بالجلوس في المكاتب فراح يسعى للرحيل، ومن ثم اختار الانتقال إلى العراق باعتباره أقرب للقاء أهله الذين يتحرقون لزيارته والاطمئنان عليه ، قضى ما يقرب من نصف سنة في العراق فقامت حرب الخليج الثانية وعلى إثرها حدثت عمليات نزوح كبيرة من العراق وجرى تسهيل خروج الكثيرين وكان تيسير منهم، ونجحت جهوده في الوصول إلى عمان حيث قدمت زوجته من الضفة الغربية بطفل صغير أصبح عمره أكثر من عام كانوا قد اختاروا له اسم إبراهيم ، وفي عمان بدأ حياته من جديد.كانت الانتفاضة ما تزال مستمرة وكانت عمان مركزا للجان الدعم والتوجيه بشتى أشكالها، في هذه المرحلة، رتب تيسير أمر أسرته سريعا وتعرفنا عليه من خلال العمل بعد أن كنا نعرفه بالاسم أو بالسمعة. وكم تفاجئت عندما اكتشفت أنه شديد الخجل مع كبير جرأته في مواجه العدو وفي مواجهة خصومه أيضا مهما علت درجتهم الوظيفية، كان لا يتردد في قول كل ما يخطر في باله، كان يبدو متسرعا في كثير من الأحيان، كأن الشجاعة المفرطة لا بد أن يصحبها التسرع، لكن تيسر مع ذلك كان يتدارك أمره إذا اقتنع بخطئه، كان يقف ويقول لخصمه: - أنا أخطأت وهات بوسة على راسك. هل قلت لكم أنني نبي معصوم عن الخطأ، ثم كان يضحك بملء فيه فينزع من غريمه أية ذرة من غل أو غضب. ورغم أنه لا يتعاطى تدخين السجائر، فقد كان بين الحين والآخر يطلب مني سيجارة فأشجعه وأقول له، العلبة على حسابك، وأعتبر طلبك للسيجارة مؤشر تحسن في عقليتك الجبلية الصعبة، فيضحك ويقول منذ أسبوع لم أطلب منك سيجارة ، وعليك أن تحتسب ذلك وتقدمه حين الطلب،، وكان ينسى إشعال سيجارته فإن بادرت وأشعلتها له كان لا يشفط دخانها في جوفه، فينفثها في الهواء وهو يقول، ما أسوأ الدخان، لكنني أحب أن "أعفطه" عندما أكون مفلسا أو غضبا.صار تيسر يشغل جل وقته في أعمال رعاية الجرحى والمحتاجين والمرضى القادمين من الأرض المحتلة للعلاج ولغير ذلك في عمان. صرت وتيسر رقمين متلازمين في كثير من المواقف والمحطات، بحيث إن ظهرت منفردا سُئلتْ: وأين تيسير عنك؟ هل وقع بينكما أي سوء؟ وإن ظهر هو كذلك، واجه السؤال نفسه.كان تيسير قد عثر على منزل ريفي صغير في أطراف المدينة فاستأجره، وكان خلف المنزل حقل واسع من الزيتون، وفي باحته الجانبية شجرة تين كبيرة، في هذا المنزل بدا تيسير سعيدا لأنه لا يطيق السكن في الشقق المغلقة، وكان هذا قاسما مشتركا آخر بيننا، وكنت حين زيارته نجلس تحت تلك التينة الكبيرة فيأتي لنا طفله إبراهيم بالماء وبالقهوة، وتحت تلك الشجرة عرفت الكثير من تراث قريتهم وحكاياتها الكثيرة.كانت الشعارات الكبيرة للانتفاضة قد بدأت تتراجع وتذوي تحت وطأة الأحداث الجسام التي تدور في العالم، انهار الاتحاد السوفيتي القوة العظمي، واشتعلت حرب الخليج وتقطعت أطراف العراق الدولة الإقليمية الأكبر وتفسخت الجبهة العربية جراء غزو الكويت واضطرب الشارع العربي وصار الجمهور يموج في الشوارع كالمجنون أو كالمصدوم يرفع رايات كثيرة الألوان ويردد شعارات انفعالية متناقضة ومتنوعة فيما كانت المياه تجري في دهاليز السياسة كشلالات ضخمة تفجرت فجأة فراحت تغير معالم الحقل الكبير وتبني ضفافا وآفاقا جديدة للمنطقة.في الأرض المحتلة ظل الناس يرقبون انهمار المزيد من الصواريخ العراقية وبدا للكثيرين منهم أن عصر حروب الحجر قد ولتْ ما دمنا في عصر الصورايخ الباليستية وبدا الشعب الفلسطيني يجد نفسه لاعبا صغيرا في اللعبة الأضخم التي تقاطبت فيها الدول العظمي وغير العظمى للعب في ملاعب المنطقة. وصار اهتمام الناس منصبا على أمرين مهمين، الحصول على لاصق للنوافذ لحمايتها من الكيماوي الموعود، وترقب احتراق إسرائيل بالصواريخ الكيماوية.
وتحت شجرة التين الكبيرة تلك قص علينا تيسير الكثير من قصصه وتراث قريته وهو يقارب بينها وبين ما وصل إليه حالنا آنذاك، وكان أحيانا ما يتحدث بمرارة عن واقعنا وبمرارة أكثر عن مستقبلنا وبدا أنه يتشائم على غير عادته وهو يتوقع أحداثا جسيمة جراء تداعيات حرب الخليج التي شهد قسما منها أثناء إقامته في بغداد.قال ذات يوم، هل تعرف يا صديقي أن دورنا أصبح كتاجر الملح في قريتنا ؟ قلت ومن هو تاجر الملح هذا؟ قال: لقد اجتمع تجار الدكاكين في بلدتنا في الأشهر الأولى للانتفاضة يبحثون أمر تجارتهم الكاسدة، ومعظمهم من أصحاب الدكاكين البائسة. قال، فحضر الاجتماع رجل يسمى أبو عودة وهو أصلا مزارع كان يتخذ من دكانة صغيرة أمام بيته متنفسا له فيجلس فيها ويبيع ما تيسر ويثرثر مع الغادي والرائح، لكنه منذ سنتين بدأ بتصفية بضاعته الزهيدة أصلا ولم يتبق في دكانه الصغير غير نصف كيس ملح يبيع منه بين الحين والآخر ببضع قروش. قال، فوقف أبو عودة وأراد أن يدلي بدلوه في مسائل التجار والتجارة فتصدى له الحضور وقالوا له، أبنصف كيس الملح جئت تفتي وتقرر!!. قال ونحن يبدو أننا أصبحنا كحال أبو عودة ليس لدينا غير ربع كيس الملح.فأقول له، صدقت، ولكن ألا تظن أن طبيخ بلدكم كله سيظل ناقصا إن نضب ملح أبو عودة، فيضحك ويقول : والله أنك جبتها يا أبو الحمـام، لكن أهل قريتنا لم يقدروا ذلك.
رزق تيسير ببنت ثانية أسماها عائدة، ومرت السنوات مرور السحاب وأنا وتيسير وغيرنا من الشباب المتحمسين لا نلوي على شيء ونعمل وكأننا سنعود غدا إلى فلسطين ولم نستفق وإلا بالناس تخرج من منازلها بالحقائب عائدة إلى فلسطين على إثر اتفاق أوسلو الشهير.ولم نستفق وإذا بأطفالنا قد صاروا يذهبون إلى المدارس ويوجهون لنا الأسئلة الكثيرة، لماذا وكيف ومتى ومن وأين؟؟؟بذلت وتيسير جهودا مضنية لكي نحقق حقنا في العودة، لكن دون جدوى، وقضينا في هذا الشأن الأيام والليالي والشهور والسنون دون جدوى، وفي مرات معينة تحقق لنا الموافقة بالعودة فنودع أهلنا ونذهب للجسر ومن هناك يجري إعادتنا دون إبداء الأسباب بالطبع، وتكرر الأمر عدة مرات دون أن يدب اليأس في القلوب.ظللنا على حالنا بين أعمال نختلقها لأنفسنا وبين محاولاتنا تحقيق أمر عودتنا دون كبير جدوى في المجالين، وكان تيسير ينجح في جري وتوريطي في عوالمه التي تدور في مجتمع من جرحى الثورة القدامي المقيمين وبعض جرحى الانتفاضة الزائرين فأعرفهم واغوص معه في شؤونهم وشجونهم ومشاكلهم الكثيرة، وبالمقابل كنت أخفق في توريطه في عوالمي الأخرى التي تتصل بالدراسات وبالطلبة والكتب والكتابة وحتى بالتدخين ، فقد كان يرفض الالتحاق بالجامعة على أمل أن يعود إلى بيرزيت في القريب العاجل حسب أمله، وكان يختفي بين الحين والآخر ليومين أو أكثر فلا أعرف له اتجاها. وذات مرة اكتشفت أنه يذهب إلى منطقة البحر الميت وصديق له كنا نعتبره مغامرا ولا يتوانى عن القيام بمغامرات غير محسوبة، ويبدو أن تيسير كان يتعمد إخفاء الأمر عني حتى لا يثقل علي أو حتى لا ألومه أو أثنيه عما يفكر فيه، هذا ما قدرته فيما بعد، بعد أن جرى اعتقاله وزميله في ظروف تجلب الشبهة" في " منطقة حساسة" قرب البحر الميت، ولكن جهود بعض أهل الخير جعل الجهات الأمنية تفرج عنه وعن زميله بعد بضعة أيام دون أن يُدانا بأي عمل مخل بالأمن. وحينها عاتبته على إخفاء الأمر فتعرقت جبهته واحمرت فصرت أخفف من حرجه وأبرر له ذلك، وشكرته لأنه لم يخبرني وإلا لتحملت جزءا من عبء القضية، خصوصا أن الموضوع جنوني فهو يتعلق بالتفكير بحفر نفق تحت نهر الأردن ، وهذا يفترض مسافة تنوف عن كيلومترين في تربة غير ثابتة وفي منطقة أمنية حساسة جدا، هذا عدا عن قصة النهر وعدم إمكانية وصول أية آليات إلى المنطقة، فكيف لا تكون مثل هذه الأفكار أفكارا جنونية!!؟؟ وبالطبع فقد نفى هو هذا الأمر وأعتبره نكتة ماكرة من بعض الأصدقاء، وأكد أنه ليس بمجنون كي يفكر بتلك الطريقة، والحقيقة أنني حتى الآن لم أعرف سر تلك الزيارة الغريبة لمنطقة خطرة وحساسة.وكنا في بعض أيام الربيع نخرج إلى أصدقاء لنا في مدينة مأدبا المحاذية التي تحيط بها السهول الزراعية الفسيحة، وكانوا يوفرون لنا خيلا نركبها بعد ساعات العصر فننطلق إلى السهول على ظهر الخيل، فنلعب ونتسابق فلا أستطع مجاراته في السرعة ولا في فنون الخيل الكثيرة، وكانت تلك من الساعات القليلة التي كنا نقتنصها لأرواحنا وقلوبنا بالغة.وذات يوم، هاتفني من أحد المستشفيات وأخبرني أنه اضطر لدخول المستشفى بعد أن راجع الطبيب بسبب ألم خفيف في فخذه، فعاتبته ولكنه ضحك وقال هذا أمر بسيط، لقد اكتشفوا بعض الشظايا الدقيقة في أعلى الفخذ، وكانت تضغط على أعصابي فتخلصوا منها وسأخرج اليوم من المستشفى.لم أذهب للمستشفى بناء على طلبه، فزرته في منزله وتبين أن الأمر بسيط وحمدنا الله على ذلك واستذكرنا معا الاشتباك الذي وقع بينه وبين قوات الاحتلال بعد زواجه بشهر، وكيف أنه لم يفطن لضرورة متابعة علاج نفسه حتى بدأ يشعر بألم بعد سنوات على ذلك الحادث.
بعد أسبوع من العملية، عاد الألم لرجليه، وبدأت رحلته مع الأطباء والمستشفيات.وتبين أن الأمر أكثر خطورة من مجرد شظايا دقيقة وصغيرة.
حاول الأطباء التعمية على حقيقة المرض ولكنهم اعترفوا بعد أسبوع فقط، وكنت حينها معه في مستشفى الأردن وتحققت من الأمر بنفسي من طبيبه المشرف ، قالوا لنا أنه الورم السرطاني وعليه الاستعداد لمراحل صعبة من العلاج.تفاقم الأمر وشرع الأطباء في علاجه بالأشعة والكيماوي وصرنا نستشعر هول المصاب الذي ألم بصديقنا ولكنه كان في مرحلة انتقالية بين الصدمة وبين المكابرة، إلا أن بدأ شعر رأسه يتساقط جراء العلاج الكيماوي حينها أيقن أن الأمر خطير وأنه يواجه هذه المرة عدوا عنيدا وعليه المجابهة بكل قوة فلا يخسر المعركة كفلسفته العامة للحياة وشؤونها المختلفة، هذا لم يمنع تسلل اليأس أحيانا إلى نفسه خصوصا عقب تعرضه لجرعات قوية من السوائل الكيماوية الرهيبة التي تقضي على الجهاز المناعي للجسم فلا يقوى إذ ذاك على ممارسة حياته المعتادة ويطفئ في صدره جذوة الحياة ويحيل لونه إلى الاصفرار وكأنه ورقة خريف آيلة للسقوط، حتى الماء أضحى طعمه مُراً علقماً فلا يستسيغ شربه إلا مُكرهاً.بدأ اليأس أيضا يغزو نفوس أصحابه ورفاقه وكان يقرأ ذلك في وجوههم ، لكنه كان يقوم برفع معنوياتهم ويقول: المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين، وبالنسبة لي لست خائفا من الموت بحد ذاته، بل كنت أحب أن أموت هناك عند أهلي في فلسطين فأدفن هناك ،،،ثم تراه يعاود فيقول: لقد جلب لي صديق بدوي بعض حليب النوق، وبعض الأعشاب، وسأشرب منه، ويقال أن الرسول عليه الصلاة والسلام أوصى به. فنفرح لذلك ويبدأ البعض بعرض معلوماته ومعارفه عن الأعشاب والأدوية التي سأل عنها وتأكد أنها جيدة، وكنا نقضي في مثل هذا الحديث وقتا طويلا، ولكنه سرعان ما كان يقطع الحديث وينقلنا إلى موضوعات أخرى فنذهب معه إلى أرض الواقع وإلى اهتماماته ومسؤولياته التي يعمل بها متطوعا وخصوصا في مجتمع جرحى المقاومة والمرضى منهم.وكثيرا ما كان يوجه دفة الحديث بقوله المفاجئ، أين سيجارتي؟، هاتوا حصتي من السجائر، ليتني كنت مدخنا مثلكم لأنه ثبت أن غير المدخنين هم الأكثر عرضة للسرطان اللعين. فيدفعنا إلى الضحك وتتداعي الكثير من القصص حول ذلك.
أعراس الموت (3-4) بقلم/ عزام أبو الحمــام
((ملاحظة، لقد وجدت الجزء الأخير طويلا نسبيا فآثرت تقسيمه لجزئين، ليصبح العمل أربعة أجزاء، فأرجو المعذرة"
صار لزاما على تيسير أن يتعرض لجرعة كيماوية قوية كل أسبوع تقريبا، فيغيب عن الحياة ليوم وليلة أو أكثر أو أقل بساعات، ولكنه كان يتحايل على التعليمات ويطلب من الأطباء تصريح خروج أو إجازة مؤقتة فيخرج ويمارس أعماله ويعود حين اللزوم، وغالبا ما يتجاوز المدة المتفق عليها، غير أن طاقم المستشفى كانوا يغضون الطرف عنه وعن تجاوزاته وقد بنى معهم علاقات صداقة ودية من ممرضات وممرضين وأطباء وإدرايين.تواصل العلاج الكيماوي وصار برنامجا روتينا،،، تقوم آلية العلاج الكيماوي على قيام العقار السُمي بمهاجمة الأجسام الغريبة في دم المريض فيقضي عليها جنبا إلى جنب مع قضائه التام على جهاز المناعة في الجسم، حينها يصبح الجسم كخرقة بالية فتذبل الروح وتتراخى الإرادة ويتغير مذاق الحياة فيصبح مرا علقما،،،رغم ذلك كان ظل تيسير جبارا صامدا متينا بحيث أدهش الأطباء أنفسهم بتمرده على المرض وقدرته على الصراع قياسا إلى المرضى الآخرين الذين يمرون على أسرة المستشفى وبعضهم من معارفنا أقارب أو أصدقاء أو نتعرف عليهم بحكم تكرار زياراتنا للمستشفيات وبعضهم من أقطار عربية شتى، ومع أن تيسير صاحب الجسم القوي والصدر العريض فقد قليلا من وزنه لأن طعامه صار قليلا ، إلا أنه ظل يحافظ على بنيته القوية وإرادته الصلبة وعزمه على عدم الاستسلام،، ولم يمنعه هذا من التذمر أحيانا أو التوقف عن الصلاة ليوم أو بعض يوم حينما يشتد به الألم وتعتصر فؤاده الحسرة على حظه من الحياة وعلى زوجته المسكينة التي لم تكحل عينيها يوما ما بفرح من افراح الدنيا ومباهجها الكثيرة التي تسمع عنها أو تحيط بها في مجتمع كبير تتنوع اهتماماته وهمومه وشجونه وكل فيه يغني على ليلاه، وقليلا ما يسمع معاناة الآخرين ولواعج نفوسهم ، وكان ينظر بحسرة إلى أطفاله وقد أصبح أكبرهم في سني المدرسة الأولى، وجاءه الثالث أيضا قبل بداية رحلة مرضه بأيام فقط.
كانت معنوياتنا تنتعش ونحن نرى صموده تحت وطأة العلاج الرهيب، وكانت لحظات صعبة عليه حينما يخضع لجهاز تصوير طبي يسمى جهاز الرنين المغناطيسي الذي يُشبه تجربة الذهاب إلى عذاب القبر التي نسمع بها من بعض المشايخ، يعمل الجهاز بطاقة كهربائية عالية جدا، وأظنها الطاقة النووية، يتخلل ذلك أيضا إشعاعات راديوية ، ووظيفة الجهاز هو استخراج صور شعاعية دقيقة وثلاثية الأبعاد للعظام والأنسجة، يشبه هذا الجهاز برميلا أو انبوبا بالكاد يستطيع جسد الرجل الدخول فيه، يجري إدخال جسد المريض فيه ممددا ويطلب منه عدم الحركة، وعادة ما يجري حشر القطن في أذني المريض للتخفيف من استقباله للضجيج العالي الذي يصدره الجهاز حين تشغيله ، لكن المريض كان يسمع ضجيجا رهيبا متقطعا غير منتظم في رأسه يزلزل كيانه وينخر عظامه ويرجرج دماغه وكأنه صوت الزلزلة يوم ينفخ في البوق العظيم، فلا يعد يعلم أهو ضجيج الجهاز أم ضجيج أفكاره وهواجسه وهي تختلي به في هذا الأنبوب الفظيع. كان هذا التصوير يجري كل شهر تقريبا ليفحص الأطباء التغيرات التي تطرأ على خارطة المرض الذي ينتشر في الأنسجة مع الدم، وكنت أتحاشى مرافقته إلى قسم التصوير المغناطيسي فاختار الانسحاب لشؤوني أو قد أبقى أدخن سجائري وأستخدم هاتفي في فناء المستشفى أو شرفة الحجرة الخاصة به.وكان يعود من التصوير المغناطيسي متقلب المزاج ، مهدود الحَيلة، فإن أتيح الظرف رحنا نتحادث فيجدها فرصة لأن يفضفض بعض مشاعره المرة وأفكاره المحبَطة، كان أحيانا ما يطرح أسئلة عاصفة تتركز حول الوجود والموت والحظ والنصيب والسلوك القويم وغير ذلك من أسئلة صارت تثور في ذهنه، وكانت مشاعره باليأس تستمر لبضع دقائق أو ربما لبضع ساعات فقط، وسرعان ما تجد مزاجه يتغير ويهدأ فينتقل من أسئلته الوجودية إلى ما يثير الضحك أو الدهشة، وكان راوٍ جيد يحفظ الكثير من القصص التراثية والحكايات الواقعية المثيرةـ للدرجة التي صرنا نعرف فيها تراث أهل قريته وكأننا عشنا هناك أيام طفولتنا وشبابنا، وصرنا نعرف أسماء الشخصيات المسرحية في القرية والشخصيات العامة ونوادر الظرفاء فيها حتى رحنا فيما بعد نسأل عن تطورات أخبارهم بين الحين والآخر فيقص علينا منها الكثير مما يأتيه عبر أهله وزواره الكُثر.
مضى على حال تيسير في العلاج الكيماوي ثلاثة شهور أو أكثر، كان يدخل المستشفى لمدة أسبوع ويخرج لمدة ثلاثة أيام أو أكثر أو أقل قليلا، وعلى هذا الأساس بدأ يكيف برنامج حياته، وكان في الكثير من المرات يخرج من المستشفى مرهقا من العلاج بعينين ذابلتين كحبتي عنب دوختهما الشمس ،وكانت أنفاسه لاهثة كمعذب في صحراء بلقع ما دام في سرير المستشفى، وما أن يلبس ملابسه العادية حتى تبدأ مياه الحياة بالسريان في جسمه من جديد، فيتحامل على نفسه ويأتي إلى مكاتب العمل ويقوم بقراءة الملفات ومناقشة أصحاب القضايا ومجادلة المجادلين الذين لا يعرف بعضهم حقيقة مرضه لأنه لم ينقطع عن اهتماماته ولم يَخِلَ بالتزاماته، وهنا كان ينسى أمر مرضه ويعود يفيض بالعافية ويتهلل وجهه بالبشر، وأحيانا ما كان يخرج مع بعضهم لهذا الشأن أو ذاك فيقابل بعض المسؤولين ويناقشهم ويتشاجر معهم إن لزم الأمر، لكنه مع ذلك ظل وجها محبوبا مقبولا لدى الجميع وكانت الأبواب مفتوحة أمامه بترحاب، وكان حينها قد أصبح يلبس كوفية مرقطة وعقالا أسوداً ليخفي فيها رأسه الذي أضحى كحبة شمام شقراء ناضجة.
كان كثيرا ما يسألني قائلا، بقي لي شهرين أو ثلاثة شهور كما يقول الأطباء، أليس هذا ظلما يا صديقي!! كيف توزع الحظوظ في الدنيا!! فأضطرب وأجهد نفسي في الرد عليه وأنا أحرص أن لا يبدو صوتي حزينا أو مشفقا أو حتى متعاطفا، كنتُ أعرف أن خير أسلوب له هو أن لا أغير من أسلوبي المعتاد معه، وكنت أتحاشى التطرق إلى حديث العواطف لأن ذلك سيقودنا إلى تداعيات لا نعرف أين تنتهي، وكنت أحاول مناقشته على أرضية أن لا يقين في الحياة في شيء، اليقين الوحيد هو الموت ، وهو للجميع ، لكن لا يقين في موعد الموت لأي كان من البشر، وكنت أقول له بحدة أحيانا كي لا يستشعر شفقة مني:
- لا أحد من الناس يضمن عمره، فهل تضمن يا تيسير أن أعود الليلة إلى منزلي؟ ألسنا معرضين – لا سمح الله – إلى أي حادث سير مثلا فنغيب عن الوجود في ثانية؟ على الأقل من حيث الاحتمالات فأنا معرض لفرص أكثر للموت منك لأني أتحرك في سيارتي بأضعاف ما تتحرك أنت، وتقول لي أنت يقول الأطباء ثلاثة شهور وأربعة؟ نستغفر الله العظيم على قولهم ذاك!! يا صديقي ليس كل ما يقوله الأطباء صحيحا، وليس كل ما يقومون به صحيحا، ألم ينسوا المقصات والشراشف في بطون المرضى، كم وكم يخطئون في تنبؤاتهم وتقديراتهم!!؟، إن بعضهم لا يعرف الخَمسة من الطَمسة، فاسأل أي طبيب ما هي الخَمسة وما هي الطَمسة وتأكد بنفسك، أليس كذلك؟ فيقول:- صحيح ، والله إن الحجة سارة في قريتنا تفهم في العلاج والطب أكثر من الكثير من أطباء اليوم، وهي لا تتوانى عن معالجة كل الأمراض على اختلافها، حتى أنها علاج رجالي ستاتي وأطفال، وتخصصاتها لا تعد، فهي تخصص عيون على آذان على تجبير عظام على باطني وحتى مشاكل الإنجاب، يعني شاملة. ثم نضحك معا لفترة طويلة ، وكنتُ في داخلي أحس أنه ضحك الأشباح في غابة ما تزال تنمو في كابوس ليلي مروع.
كانت نتائج الفحوصات والتصوير الإشعاعي والمغناطيسي تعطي آمالا في البداية، فقد كان فني التصوير يفتي ببوادر إيجابية حالما يتفحص الصورة، لكنه كان يترك الحكم النهائي للطبيب المختص، وكان تيسير ونحن معه نتغذى على هذا الأمل لبضع ساعات أو لبضعة أيام أحيانا ريثما يسرب الطبيب الحقيقة أو ريثما تبدأ نوبة علاج كيماوي جديدة فنعرف أن الخلايا السرطانية ما تزال تقاوم وتهاجم ، وأثناء تخبطنا في شأنه وشأن علاجه، لا نعرف من أشار علينا بتسفيره إلى أحد المستشفيات المختصة في فرنسا، حيث الطب أكثر تقدما، فنهضنا نسعى لترتيب الأمر، وتعلقنا بهذا الأمل الجديد تعلق الغارق بقشة، بعد أن كاد شبح القنوط يطوقنا بسواعده المميتة، وصرنا نتصل مع صديقنا وزميلنا القديم مروان البرغوثي في رام الله الذي صار الأقرب إلى الرئيس أبو عمار حينها، فوعد خيرا وصدق الوعد دون إبطاء، إذ حصل لنا على قرار بتغطية كامل نفقات العلاج والسفر والإقامة ،،،، وقد مُهر الإجراء بتوقيع الرئيس أبو عمار رحمه الله وتضمن القرار اسمي مرافقا له في هذه الرحلة بناء على التنسيب بذلك، لكن كان علينا أن نأتي بقبول من مستشفيات فرنسا قبل أن نحصل على إذن دخول البلد "الفيزا"، فأرسلنا للمستشفى الفرنسي التقارير الطبية ورحنا ننتظر الجواب. وبما أنني كنت أؤمن بأن العلاج أخذ مداه، فقد كنت متشائما إزاء فرص النجاح وإمكانيات الشفاء.
وبينما رحنا ننتظر جواب المستشفى الفرنسي ، فقد كان كابوس يقضُ مضجعي ويسطو على معنوياتي وأنا أتخيل كيف أن تيسير سيفارق الحياة بين يداي في تلك البلاد البعيدة وسأكون أنا الوحيد القريب منه،،، فيترتب عليَ العودة به جثة هامدة بعد رفقة طويلة تضجُ بالشراكة والمغامرات والذكريات الكثيرة. وكنت أتخيل الاجراءات الصعبة في المطارات والكشف عن الجثة من محطة إلى أخرى فلا أطيق هذه الخيالات فتغمر صدري سحابة دخان قاتمة،،،، حينها كنت أتذكر القول المآساوي لأمهاتنا وجداتنا حينما يقلن "وفلان يا حسرة،، شرب حسرته حينما مات بين يديه أو قضى أمام عينيه". ومع ذلك، فما زال بصيص أمل صغير في يترائي لي أحيانا خلف سحابة الدخان القاتمة، لذلك فقد سارعت للحصول على كتاب "تعلم الفرنسية بدون معلم" وبدأت بحفظ بعض الكلمات وتعلم الحروف استعدادا لهذه السفرة.بعد أسبوع تقريبا عاد الجواب من فرنسا أن ليس لدينا ما نزيده على علاجه هنا ولا فائدة من مجيئه، فخاب أملنا مرة أخرى وشعرت في نفسي بمشاعر متضاربة معقدة تتقلب بين القبول والرضى وبين الحزن وخيبة الأمل، لكنني لم أتفاجأ لعلمي أن العلاج الكيماوي والإشعاعي ما هما إلا أسلوب غربي استوردناه منهم ولو كان لديهم أكثر منه لوصل مستشفياتنا، وبدأت أشعر بالمزيد من اليأس والعجز جراء ذلك.كان رد المستشفى الفرنسي حافزا لأن تنطلق الجهود مرة جديدة لإعادة المريض إلى وطنه تلبية لأمله في تحقيق هذه الفرصة قبل فوات الأوان. وكان تيسير هو من قدح شرارة هذه الفكرة فتلقفها بعض أصدقاءه وعملوا بها،،،،فبدأ يعيش أملا جديدا يخالطه أمل العودة إلى الجبال التي طالما خبرها وخبرته وعطفت عليه وهي تحميه من أعداءه، وكان يعد نفسه بالإفراط في تناول الأعشاب ونبات اللوف خصوصا،، لعل وعسى في ذلك خلاصا له من هذا الكابوس الرهيب أو أن يتوفاه الله هناك حيث تهفو الروح بكل جوانحها،،،،
أعراس الموت (4-4) الأخيرةبقلم عزام أبو الحمــام
بعد ذلك، راح البعض من معارفه فتطوع وحمل ملفه الطبي إلى بعض المسؤولين في السلطة الفلسطينية، وطالبهم فيها بالعمل على إعادة الرجل إلى بلده لأنه مريض بمرض عضال لن يمهله طويلا وأن لا فائدة من علاجه، وكم كان تيسر جبارا وهو يستجمع الأوراق الطبية ويرسلها وأنا أحاول أن أقول له لا تستعجل، فمصلحتك الآن أن تبقى قريبا من المستشفيات ، والمرضى أمثالك يتوقون للخروج من الضفة والوصول إلى هنا فما بالك أنت تخالف التيار،،لكنني لم أكن لاستطيع أن أشدد أو أقسو لأنني لست متأكدا ماذا سأتصرف لو كنت في مكانه وفي محنته هذه. راح تيسير يحشد الأوراق الطبية التي تعزز موقفه وهو يستبشر خيرا بانفراج قريب قد يأتي في أي ساعة، وكان يبني آمالا كثيرة على عودته تلك ونحن نسايره في ذلك، وكان يقول، سأخرج إلى الجبال التي عشت فيها وسأجعل طعامي من الأعشاب ومن نبات اللُوف خصوصا لأنه خير دواء لمرض السرطان اللعين. وفي هذه اللحظات كان يسهب بوصف الأعشاب والجبال وما له فيها من ذكريات وطرائف فينسى مرضه ويتورد وجهه بشرا وحيوية.
كانت أحيانا ما تهجم عليه موجة من الحُمى أثناء نومه فتقض مضجعه وتضطره للنهوض، وفي واحدة من تلك النوبات تملكه السخط وسيطر عليه اليأس فراح يقول وكأنه يعاتب ربه أو يناجيه ويستعطفه:يا الله أنت تعرف أنني لم أفعل ما يغضبك في حياتي ،،، قد يكون لي أخطاء صغيرة، قد أكون قصرت أحيانا في بعض الفروض، لكنك تعرف أنني لم أعرف المعصية،،، لم اسرق، لم أزنِ،لم اقتل، لم اشرب الخمر ولا أعرف لونه، لم أكفر،،، فلماذا يصيبني هذا المرض ولا يصيب الفاسقين الذين يملئون الأرض!!! كم من الناس يشربون الخمر وأنا لا أعرف حتى التدخين، فلماذا أنا؟؟ وما ذنب المساكين أطفالي وزوجتي التي لم تعرف يوم فرح في عمرها؟؟! ثم عادة ما يتخلل ذلك أو يختمه بقوله، استغفر الله العظيم. ليتني متُ شهيدا قبل أن أخرج من بلدي ، ليتني،،استغفر الله العظيم.
وفي واحدة من تلك اللحظات في المستشفى عقب جرعة كبيرة من العلاج الكيماوي، كانت زوجته وطفليه بانتظار استفاقته، ويبدو أنه تلفظ متألما شاكيا دون وعيه، وما أن فتح عينيه حتى وجدهم يبكون بجانبه، فراح يقول لها: وعدتك بأن أقيم لك حفلة عرس، سامحيني إن مت ولم أفعل ذلك، فمثلما تعرفين، لم نعِ أنفسنا ولم نلتقط أنفاسنا، لكن أعدك بذلك إن منً الله علي بالشفاء، فكانت تقول له:- لا أريد حفلة عرس، أريد أن تبقى بجانبي ولا ترحل عنا، حتى لو بقيت مريضا ، حتى لو بقيت ظلا على حائط، المهم أن لا يرحل صوتك عنا.كان المرض اللعين قد نال منه وغرس أسنانه في أحشائه، وهيئ لنا أننا على وشك فقدانه في أي لحظة، وصرت مع كل رنة للهاتف أخشى أن يأتيني بعض الأصدقاء بخبره المفجع،،، وكان الأطباء قد اسروا لبعض أصدقائه أن صراعه مع المرض سينتهي بعد أيام أو بعد بضعة أسابيع على أحسن تقدير، فقد شاهدوا المرض ينتشر في كافة أرجاء جسمه وباتوا عاجزين عن الإتيان بأي جديد. ولكنه بقي صامدا وظل يصارع المرض بكل قوة وعناد كعناد صخرة كبيرة أمام مارد جبار.
مضى أكثر من شهر دون أن تأتي موافقة عودته إلى الوطن والأهل، بدا أنه قطع الأمل بذلك، وذات مساء وأثناء وجوده في منزله، تشجع وطرح السؤال على زوجته أم إبراهيم :- هل تعدينني أن لا تتزوجي بعدي!! قال لها وهو بين اليقظة والغيبوبة.بكت وذرفت دموعها بسخاء ولكنها لملمت نفسها حينما بدأت أعين أطفالهما بالتساؤل، حينها أقسمتْ له وهي تشدُ على يديه بأنها لا يمكن أن تفعل. لكنه أيقن أنه أخطأ فعاود عن قوله وهو يستغفر الله ويقول لها لا تأخذي كلامي وأنا في هذه الحالة، الوجع يشتد بي واشعر بمارد جبار يعاركني من الداخل، قلبه يعارك قلبي ويداه توثق يداي ورأسه يعارك رأسي ولسانه يدخل في لساني، لكن لا عليك، سأنتصر ولن أسمح له بهزيمتي بهذه السهولة. قال ذلك واستند إلى سريره مزمعا الإفلات من قبضة المارد الذي يحاول الإطاحة به.رغبت أن تكرر قسمها لكنه أقسم عليها أن لا تفعل، وأن لا تنطق، وقال لها:- الحي أبقى من الميت فليس للميت على الحي سُلطة. وتركها تبكي وقام يغير ملابسه مكابرا وحينما انتهى من ارتداء ملابسه وصار قرب الباب ، راح يوجه لها أسئلة الزوج إلى زوجته، ماذا تريدين من الخارج ؟ هل ثمة طلبات للأولاد؟خرج وانطلق لبعض شؤونه سيرا على الأقدام لأنه لم يكن يملك سيارة خاصة، وعاد في المساء مستبشرا فرحا، وأخبر زوجته أن تبدأ بتحضير حقائبهم، فالموافقة على عودته صدرت وهي في الطريق، وسيكون بإمكانه السفر خلال أيام قليلة قادمة. في تلك اللحظات تمازج الفرح بالحزن في عيني زوجته أم إبراهيم، فقد كانت هي الأخرى في غاية الحاجة للعودة قريبا من أمها وكافة ذويها كي يساندوها في هذه المحنة، وقد مر عليها لحظات كثيرة وهي تشعر بوحدة وكم هي بحاجة لصدر حنون كصدر أمها تبثه بعض حزنها وبكاءها، أما الطفلين الصغيرين فقد راحا يعلنان عن أحلامهما وطقوسهما وخططهما بعد عودتهما إلى أحضان أجدادهما وأقربائهما والذهول يغمرهما وكأنهما يعيشان حياة خيالية مثل مسلسلات التلفزيون التي يشاهداهما.بعد يومين كان والد تيسير الستيني واثنين من أشقائه يحضرون لمرافقته وأسرته في رحلة العودة المنتظرة، والحقيقة أن أشقاءه الأربعة لم ينقطعوا عنه أبدا منذ أن بدأ العلاج رغم أن واحداً منهم على الأقل كان على الأغلب مندوبا للعائلة في معتقلات الاحتلال. وكان تيسير قد اختار إخبار عدد قليل من أصدقائه بالأمر فجاء أضعافهم وسارعوا صباحا إلى مرافقته في موكب سيارات سار نحو ستين كيلومترا في الانحدار الغوري حتى وصول الجسر ومشاعرهم موزعة بين مشاعر زفاف عريس يعود إلى عروسه وبين مشاعر مشيعين في جنازة فقيد عزيز.
وكان أصدقاء تيسير في الوطن وأقرباؤه قد أعدوا له استقبالا عظيما، وما أن خرج من المعبر الحدودي في أريحا، حتى وجد أمامه عشرات من السيارات ومئات من المستقبلين نساء ورجالا وأطفالا وشيبا وشبابا، وقد جاءوا وهم في أشد حالات التعاطف مع رحلته بين أدغال التيه الجغرافي وصراعه القاسي مع المرض الرهيب، وفي ذلك اللقاء كانت الدموع تذرف بغزارة فلا تستطيع تصنيفها إن كانت دموع اللقاء أم هي دموع الوداع الأخير، ومن هناك استقل وزوجته وأطفاله سيارة خصصت لهم، وسار الموكب الطويل بسرعة كبيرة استمرت ساعتين إلا أن وصل قريتهم إذنا في جنوب الضفة الغربية.. وخلال الطريق كان يقول لزوجته:- هل ما زلت ترغبين بأحسن من هذا العرس؟ أعتبرِ هذا العرس الوطني هو وعدي لك بعرس كبير،،لأننا مهما بذلنا لن نصنع مثل هذا العرس العفوي وهذه الحفاوة الكبيرة التي تجعلني الآن كطائر يطير فوق البحر، فتطفر دموعها من عينيها وتقول: - لا ، لم أكن لأتخيل مثل هذا أصلا،،،،،، كل ما أرجوه الآن،،،، هو أن يمنَ الله عليك بالشفاء وأن نواصل حياتنا معاً أو أن يأتي وعدي قبل وعدك. ثم ينهرها ضاحكا فيقول:- لا تقولي هذا، سأكون مثل أبو عمار،،، الموت يشد وأنا اشد حتى يموت الموت،،،
وكانت حينها تصمت وينهد صدرها بشهيق عميق وتجهد نفسها بكتمه وهي تحتضن رضيعها الجديد وتنظر إلى طفليها الآخرين ثم تلتصق بكتفه تستمد منه العزم والقوة، بينما يسرح هو بعيدا بعينيه وشريط من الجبال حول الطريق يتراءى لعينيه كأنها أحلام اليقظة.وصل الموكب إلى القرية وكان عرسا لم تشهده في حياتها وقد تجملت بالزينة وبالأعلام الفلسطينية وصدحت مكبرات الصوت بالأهازيج الوطنية، فقد عاد إليها ابنها البطل بعد طول لأي.في الأسبوع الأول من وصوله اضطر لمجاراة عادات الناس وقضى معظم وقته في استقبال المهنئين الذين توافدوا من أرجاء بعيدة من الوطن، وخلال ذلك نسي أنه مريض وعاد يعج بالحيوية والنشاط، وكان يُصر على الوقوف لمئات المهنئين ويقضي في ذلك ساعات وساعات كل يوم وخصوصا في ساعات المساء.لكن مواعيد الأطباء وتوسلات أصدقائه وأشقائه عادت وذكرته بمرضه وبضرورة أن يراجع الأطباء في مستشفيات عمان ، وهكذا اضطر للعودة ليومين أو ثلاثة، كان خلالها يستعجل الأطباء لأخذ جرعاته من الدواء على الرغم من الألم الكبير المصاحب لها، وكان يظل دائم التطلع والنظر عبر نوافذ المستشفى وهو يعد موعد عودته بالساعات. وكنا نقضي معه في المشفى ساعات طوال وهو يحدثنا بأحوال العباد والبلاد وهو يفيض أملا ووعودا وخططا بالمستقبل.نام في منزلي ليلة وسهرنا معا وقد رمى جانبا كوفيته وكان شعره قد برح رأسه فبدا كحبة فستق مقشرة أو كبرتقالة لامعة، فجاء أحد أطفالي ابن الخامسة وراح يداعبه ويقول له، تعال العب على صلعة عمك تيسير، فاللعب الليلة مجانا، فسعد معه الطفل وسعدنا بحضوره سعادة كبيرة.صار المرض والعلاج بالنسبة لحياة تيسير هما أمرا جانبيا على هامش حياته وأعماله، وكان لا يزور المستشفى والأطباء إلا مضطرا، أي حينما يشتد عليه الألم، وظل همه العمل الوطني وخصوصا تنظيم جهود الناس وطاقاتهم وتوجيهها نحو مقاومة الاحتلال ومشاريعه الكثيرة.عاد بعد زيارته الثانية إلى الوطن فدخل عملية انتخابات أقيمت هناك وفاز بمقعد من أحدى عشر مقعدا في تنظيمه على مستوى المحافظة، واختار لنفسه متابعة أصعب الملفات وأخطرها، ملف مواجهة الاستيطان اللعين. وبناء عليه انطلق يخطط ويعمل ويجمع من حوله الناس كعادته متناسيا مرضه حتى تقوم زوجته أو بعض أشقاؤه بتذكيره بضرورة الالتزام بمواعيد الأطباء وتعليماتهم، مما حدا به أن يتدبر أمره ويتحول للعلاج في مستشفيات الداخل كي يوفر وقته وجهده فيستغني عن السفر ويبقى على اتصال قريب بميدان عمله.ظل كذلك دون أن يتوقف عن الحياة إلا لبعض ساعات، وأحيانا يوما كاملا وشطرا من نهار آخر، في تلك الأثناء كان أشقاؤه وبعض أصدقاؤه قد أقنعوه بضرورة بناء بيت لأسرته بجانب منزل أسرته الأصلي، وقام بعض الأصدقاء والأقارب بالتبرع ببعض مستلزمات البناء وتطوع بعضهم بالعمل فأنجز هيكل البناء وبدا يستعد للمرحلة التالية منه، مرحلة التشطيب.مضى على عودته إلى أرض الوطن حتى الآن ما يقرب من أربعة شهور صار خلالها معروفا للقاصي والداني وهو يتنقل بين القرى والمدن والمخيمات يبث الناس العزم ويحرضهم على الثبات والصمود ومواجهة سرطان الاستيطان. وكان يعود إلى منزله أو إلى المستشفى فيخضع لجرعة العلاج الكيماوي فيغيب عن الوعي لبعض الوقت ويفقد قوته نهائيا بعد ذلك لنصف يوم إلى أن اعتاد على هذا الأمر وصار أمرا مألوفا له ولمن حوله، كان المرض قد انتشر في أرجاء مختلفة من جسمه.وذات ليلة، اشتد عليه الألم فحمل إلى المستشفى في بيت لحم، وبدأت نوبة علاج جديدة له فخارت قوته وذوت كأنه المرهق الذي لا يبغي غير النوم . هرع المقربون إليه وجاءت زوجته بجانبه ترقبه وترعاه، فأمسك في يدها وبدأ يوصيها:- اسمعي يا أم إبراهيم، سيكون لك عرسا كما وعدتك حينما أشفى من مرضي، آه لو كان هذا المرض حيوانا ضخما لأطلقت عليه النار، لو كان رجلا أو شيطانا لخنقته بيدي هذه،،،لكن،،آه لا أستطيع أن اشد قبضة يدي،،رباه،، رحماك ربي.- لا تقل هذا، أنت قوي وأنا لا أريد منك غير أن تظل قويا ولا ترحل،،،أرجوك اصمد لا أريدك أن ترحل،،،قالت ذلك بحروف مكتومة ولم تستطع الاستمرار فانفجرت في البكاء.
- البكاء لا ينفعني، ولا أحبه ، أنت تعرفين ذلك، لا أحب البكاء، أريدك امرأة قوية، أرجوك لا تقاطعيني،،،سأقول لك،،، قبل أن أنام أو أغيب ،،،،
- انتبهوا للأولاد ولا تعلموهم الخوف من الحياة، ديري بالك على الصغير كثيرا لأنه لم يعرفني جيدا ولم اشبع منه، انتبهي لنفسك وعيشي حياتك كما ترينها مناسبة فقد أخذت نصيبي منها ولم تأخذي أنت نصيبك، لا أشترط عليك عدم الزواج،، أكملوا بناء البيت، أكملوه، فقد تمكنت أنا من وضع الأسس فلا تتوقفوا عن البناء. لا تفرطوا ببندقيتي وأخوتي يعرفون مخبئها ومتى يجب أن تخرج، أكملوا بناء البيت.وو،،،أشهد أن لا إله إلا الله ، م ح م د رس ول ا ل ل ه.
في صباح اليوم التالي ، كان موكبٌ طويلا من السيارات يخرج من مستشفى بيت جالا قرب بيت لحم، واختلف بعض الناس حول الطريق وتجادلوا في تصنيفه إن كان جنازة شهيد أو موكب عرس.
-انتهت-
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق