الخميس، 25 فبراير 2010

استراحة في الصين

قدر لي أن أزور الصين بصحبة وفد من تخصصات متنوعة قبل بضع سنوات وكانت زيارة ثقافية شملت خمس ولايات طفناها على مدى اسبوعين، ومن دفاتري التي سجلتها آنذاك أقدم لكم هذه الخلاصات، أمل أن يكون بها فائدة للقراء واستراحة تأملية لهم .

视频播放位置. 下载安装سور الصين العظيم :
في اليوم الأول لوصولنا بكين (بيجين) كانت وجوه الصينيين مكفهرة وكانت سماء بكين مغلفة بقبة رصاصية كئيبة بسبب مخلفات الصناعة التي تحيط بالمدينة للدرجة التي كانت تحجب فيها أشعة الشمس. ولحسن حظنا، فقد أشرقت وجوه مضيفينا الصينيين لأن الأمطار شرعت بالتساقط منذ منتصف الليل ، وكان صباحا مميزا ونحن نقف على سور الصين العظيم ونعبق بذلك التاريخ الذي يمتد أمام النظر كامتداد السور مخترقا الجبال والوديان.يبلغ طول الأجزاء المتبقية من السور نحوا من 6400كم. وبني على فترات متباعدة تبدأ من 220 قبل الميلاد وتنتهي في القرن الرابع عشر.وفي مصادر أخرى يقال : أن الطول الإجمالي للسور الذي بنته كل الأسرات الإمبراطورية خمسين ألف كيلومتر.يقول الصينيون: من لم يزر السور العظيم، كأنه لم يزر الصين.أثناء وقوفنا قال هاجس في عقلي: كم من رواية وقصة وحكاية رافقت بناء هذا السور ورافقت حياته؟قال ماو لمواطنيه عن السور: ليس رجلا من لم يزر السور العظيم.
***
لا أعرف زعيما من عظماء العالم لم ينعته بعض أفراد شعبه بالخيانة أو الانحراف، ولماذا الزعماء، فالأنبياء (صلوات الله عليهم وسلامه) قبلهم تعرضوا لتلك الاتهامات وحرق بعضهم أو شنق أو قتل بالسيف أو طرد وهجر من وطنه.
***
صن يات صن
الزعيم الذي لا يعرف اليأس صن يا تصن (1866- 1925) يعتبر أبو الصين الحديثة ، فقد ولد لأسرة فقيرة في العهد الامبراطوري أثناء ذروة أو قاع انحطاطه، وقاد ثماني انتفاضات فشلت جميعها إلا الأخيرة أحرزت بعض التقدم ، ورغم أنه أصيب بجراح بالغة في بعض المعارك واتهم بالخيانة من قبل أحزاب أخرى، إلا أنه كان متسلحا بإرادته القوية ، فبعد كل فشل كان يقول : هذا فشلنا الأول، ثم هذا فشلنا الثاني ،،وحتى السابع.المحاولة الثامنة نجحت فرشح لمهمة منصب أول رئيس جمهوري للصين، لكنه تخلى عن المنصب لحليفه السابق وخصمه الجديد يوان شيكاي بعد ستة أسابيع ونصف حفاظا على المصلحة العليا للصين، ظل يا تصن مطاردا ومتمردا ومنعوتا بالخيانة وألقي عليه القبض وحكم بالإعدام لكنه نجح في الهروب من السجن.إلى أن توفي بمرض السرطان عام 1925.فيما بعد تنازعت الصين الشعبية وجمهورية الصين (تايوان) الانتماء إلى سيرته وتراثه إلى أن تنبهوا إلى أن ذلك يمكن أن يكون عامل جمع بين الأخوة الأعداء فصار قبره محجا للجميع وكذلك شعاراته الثلاثة (الديموقراطية، القومية، الاشتراكية) صارت قاسما مشتركا لكل الصينيين في جمهورية الصين وفي الصين الشعبية. وعلى قبره نقشت عباراته تلك.
*****
مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة، فبماذا تبدأ مسيرة الستة آلاف ميل؟
***
ماو تسي تونج والمسيرة الكبرى
وفى 1933 جرت تعبئة مليون من جنود الكيومنتانغ ودبابات وطائرات ضد الجيش الأحمر الذي اضطر للتحصن في منطقة جبلية (كيانغسي) وسط الصين، كان الشيوعيون الماويون متهمون بالولاء للاتحاد السوفييتي وفى 16 أكتوبر 1934 ، أجبر ماو تسي تونغ والجيش الأحمر على القيام بتراجع إستراتيجي والشروع فى المسيرة الكبرى المدهشة نحو غرب الصين .بدأت المسيرة من بلدتي يودو وروجين في مقاطعة كيانغسي وسط الصين. قطع الجيش الأحمر بقيادة تسي أكثر من 6 آلاف ميل عبر بعض التضاريس الأكثر وعورة على الأرض (بعضهم يقدرها بثمانية آلاف ميل وبعضهم يزيد). مروا ب 12 ولاية كان يعيش بها 200 مليون شخص. وعبروا 18 سلسلة جبلية و24 نهرا واحتلوا 62 مدينة وبلدة. قاتلوا وتصارعوا مع مليون جندي من الكيومنتانغ بمتوسّط معركة واحدة يوميا، وقاموا بالسير 235 نهارا و18 ليلة من السير على الأقدام. فى أكتوبر 1935 ،سنة بعد مغادرة كيانغسى، انتهت المسيرة الكبرى إلى منطقة شمال شنسي.كانت المسيرة الكبرى قد بدأت بحوالي 100 ألف منهم المقاتلين ومنهم النساء والأطفال، وانتهت ب 20 ألف فقط. لقد قضى أغلبهم إما في الصدامات أو نتيجة الأمراض والإجهاد أو انسحب بعضهم وتخلف عن المسيرة.خلال الطريق، اضطر السائرون لغلي جلود الأحذية أو جذور الشجر لسد الرمق، وطبعا كان الحصول على أي نوع من الحيوانات يعد وليمة بالكاد تتخيلها الأحلام.البقية المتبقية من هذه المسيرة الكبرى، هي من شكلت النواة وحافظت على حلم الصينيين بدولة مستقلة يسودها السلام والأمن والرفاه. والحلم لا بد أن يتحقق حتى لو لم يحمله سوى خُمس أصحابه. ومسيرة الستة آلاف ميل لا بد لها من حلم مهما كان صعبا.
***
" بذرت العديد من البذور التى ستبزغ وتورق وتزهر وتثمر وستنتج حصادا في المستقبل". من مقولات ماو تسي تونغ بعد المسيرة الكبرى.
***
دينج زهاو بنج ولون القطط:في سيرة هذا الزعيم الصيني الكثير من الغرائب، أقصيً عن موقعه في قيادة الحزب لاتهامه بالخيانة أحيانا أو بالانحراف عن أيدولوجيا الاشتراكية الماوية لأنه كان ينادي بالتجديد والتغيير، بعد فترة قصيرة أعيد إليه الاعتبار وانتخب رئيسا ليخرج البلاد من أزمتها الاقتصادية، كافح خصومه بصبر وكافحوه بقسوة وهو الرجل السبعيني، مع ذلك اعتمد على إصراره وشجاعته وخط للصين نهضتها الحالية التي تجمع بين الاقتصاد الاشتراكي واقتصاد السوق، كان زهاو بنج يقول :ليس مهما لون القطة أن كانت سوداء أو بيضاء، المهم أنها تستطيع صيد الفئران.
***
اللغة الصينية:فهمت أن أصل اللغة الصينية يتكون من نحو سبعة آلاف شكل ورمز، هذا إذا ما رغبت بأن تفهم ثقافة الصين وتراثها، أما إذا ما اكتفيت بأن تكون متعلما جيدا، فعليك تعلم أكثر من ثلاثة آلاف رمز وشكل فقط،،وفهمت أيضا أن المحاولات مستمرة لاختزال اللغة لتصل إلى ما يقرب من ألفي رمز وشكل فقط. لكن هذا لن يتيح لك الاطلاع الجيد على تراث الصين الذي نقل إليهم منذ ما قبل الميلاد في كتب ومخطوطات كثيرة.أول كتابة صينية كانت على العظام كتبت فيها وصفة طبية من الأعشاب عام 1200 ق.م.وأول ما اخترع الورق في الصين سنة 105 ميلادية.سنة 1041 اخترع الصيني بي شينغ طريقة الطباعة بالأحرف المنفصلة أو المتحركة باستخدام الطين ثم الخشب. أي قبل اختراع الألماني جوتنبرغ لها بأربعمئة سنة ونيف.
***
المترجمون الصينيون كأي مواطن
أكثر ما يثير الإعجاب أن المواطن الصيني يحترم عمله ويقدسه وهم جميعا يقدسون المواعيد والنظام، لا بد أن يثير إعجابك أولئك المترجمين الذين تقل أخطاؤهم عن أخطاء أصحاب اللغة الأصليين.المترجمة الأنيقة التي استقبلتنا في وزارة الخارجية كانت تجيد العربية والترجمة الفورية كما لا تجيدها الكثير من مذيعات القنوات التلفزيونية والإذاعية. كانت فائقة الجمال، وكان إلقاؤها إذاعياً رغم أنه ارتجالي، ورغم أنها تعلمت العربية في جامعات الصين.أما المترجمة المرافقة صباح التي عبرت بوابة الخمسين من درب عمرها ولم يتبق لها سوى أسابيع للتقاعد،، فقد حافظت على نضارتها ورشاقتها وظل وجهها مشرقا طيلة الوقت وهي تحدثنا بزهو وحب غامر عن إنجازات الصين، وفي صباح تلمح ملامح شرقية أو عربية مزجت بالصينية فزادها ذلك إشراقا وعذوبة، وقد رافقتنا طيلة الزيارة مع زميليها كريم ومنصور (ليو وشو)، وجميعهم كانوا في غاية البراعة وصادق الانتماء لبلدهم وحضارته ، صباح تعلمت العربية في الجامعات السورية أوائل الثمانينات واسمها العربي هذا ما هو إلا ترجمة لاسمها الصيني "تشن".صباح، عندما عرفتها، تأكدت من أن لكل من اسمه نصيب.سامحك الله يا كريم (ليو) كنت أعتقد أنك استجبت لطلبي فالتقطت صورة لذلك العجوز الصيني الذي يعتمر قبعة القش التقليدية وفي وجهه الأسمر الهزيل كل ملامح الكدح والعنت الذي لاقاه أبناء جيله!!هل كنت تخشى أن لا تكون الصورة مناسبة ليحملها الأجانب؟؟!!أنا متأكد أنك كنت ستلتقط الصورة لو انتبهت مثلي للفرح الذي يشع من ابتسامته وهو يطوف في المدينة الإمبراطورية "المدينة المحرمة"؟ لقد كانت بالنسبة له لغزا كبيرا ومكانا محرما ،،لكنه الآن يدوسها بنعليه البسيطين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق