السبت، 6 فبراير 2010

مطحنة أبو فاطمة

بقلم عزام أبو الحمام

بدأ ضجيج العجلات الكبيرة المسننة بالخفوت رويدا رويدا إلى أن توقفت تماما عن الحركة ، حينذاك قام الرجل المسن صاحب الوجه المدور الممتلئ الذي يكسوه الشيب القصير وأستل من خاصرته خرقة بالية وراح ينفض غبار الطحين وقشور الحبوب الأخرى عن المسننات الضخمة، كان وجهه قد اكتسى تماما بغبار الطحين الأبيض وبقي القليل من احمرار شفتاه يلمع لأنه كان يخرج رأس لسانه ويمرره بين شفتيه ، لا شك أنه هذا المسن الثمانيني سيكون في غاية الأناقة والجمال لو أراد ذلك، بشره بيضاء ضاربة للحمرة ووجه مكتنز وعينان ملونتان وقامة متوسطة ، ربما ستكون قامته أكثر طولا قبل أن ينثني كاهلاه قليلا بفعل الشيخوخة والعمل ، وربما بفعل عاديات الزمن التي لا نعرف عنها الكثير، كل ما نعرفه أن هذا الرجل يكنى أبا فاطمة، وقد خطط الاسم على جدار المطحنة باللون الأحمر العريض ، ونعرف أيضا أنه جاء إلى عمان لاجئا خلال حرب حزيران عام 1967، وصرنا نعرف أيضا أن منزله يقع خلف المطحنة تماما ، لا يفصل بينهما سوى حاكورة صغيرة فيها أشجار قليلة يابسة ومغبرة وفيها قبر قديم كأنه ضريح أحد الأولياء. كان صوت المطحنة وضجيجها قد توقف في الوقت الذي كنت أوقف فيه سيارتي أمام المطحنة، كان صوتها يخبو رويدا رويدا ودخلت الباب ولما كانت العجلات الكبيرة المسننة ما تزال تدور إلى أن خبت وتوقف تماما عن الحركة، كان أبو فاطمة في ذلك الحين يراقب العجلات دون أن يلتفت للقادم الجديد، وكان يغرس إبهامي كفيه في الحزام وقد تدلت من خاصرته خرقة بالية لا لون لها، كأنها دهماء ، لكن غبار الطحين يتخلل الزيوت فيها فيغدو من الصعب تحديد لونها، وعندما توقفت العجلات تماما، التفت الرجل نحوي وقال: أهلا، ثم مضى وارتقى الدرجات الثلاث للمصطبة التي نصبت فيها العجلات الكبيرة، عبر الرجل المسن من بين العجلات بكل ثقة ولكن بحرص شديد، الآن تفهمت لماذا اختار أن يلبس هذا الثوب القصير الذي يرتفع عن الأرض مقدار شبرين أو أكثر، ثم هو أيضا يتحزم بحزام جلدي على وسطه بخلاف الآخرين الذين اعتادوا لبس هذا النوع العربي والإسلامي من الثياب الفضفاضة، لا شك أنه يحرص أن لا تقبض تلك المسننات ثوبه أثناء تنقله بين هذه العجلات الكبيرة والصغيرة، وفوق أحد العجلات جلس وراح يتمعن في محور الدولاب الكبير وهو يهز رأسه، ثم سرعان ما نفخ من فمه برفق على محور العجلة ومسحه بالخرقة الكبيرة البالية قبل أن يقف مرة أخرى ويعاود أدراجه من حيث قام عن المصطبة الواطئة التي تتناثر فيها أكياس الحبوب الصغيرة وأكياس الطحين التي أنتجها حتى أواسط ذلك النهار.
وعندما تمكن من الاستقرار والجلوس على أحد أكياس الحبوب فيما ظهره مسندا إلى الجدار، شرع أبو فاطمة بصنع لفافة التبغ الهيشي وسرعان ما أشعلها وبعدها فقط التفت إلي يخاطبني ويقول : الماكنة توقفت ولكن أعرف لماذا، سأدخن السيجارة أولا قبل أن أصلحها، هل لك لدينا بعض الحبوب لطحنها؟ وتوقف مرة أخرى ونفث دخانه الكثيف دون أن يرفع بصره عن العجلات الضخمة التي ترتفع في المصطبة العلوية.قلت له :- لا إن كيس الحبوب الصغير ما زال في سيارتي وفضلت أن أسألك قبل أن أجلبه لك يا أبا فاطمة. - سأصلحها هذا اليوم ، لا عليك، سيأتي ابني يوسف بعد قليل ليساعدني في إصلاحها، بوسعك تنزيل الكيس، هذه أمور اعتدت عليها منذ زمن بعيد، من أيام البلاد. ثم أردف:- من أي بلد أنت، لا أظنك من بلدنا، أنت لست من قرية دورا؟- قلت لا، أنا من قرية أخرى بعيدة.- أهه، أتعتقد أني لا أعرف قريتكم ، قال ذلك وهو ينفث دخانه الكثيف ويفتر فمه عن ابتسامة هازئة فيما كان يهز رأسه دون أن تتحول عيناه عن الدواليب.ثم أردف، لا يوجد قرية في الجنوب لم أزرها لأصلح ماكناتها، إذا سألت عن طواحين الحبوب فلا بد أن تعرف أبا فاطمة يا هذا، ما أسمك يا هذا؟وظل أبو فاطمة يلف سجائر التبغ فيما أحضر ابنه الفتى إبريق الشاي وسكب في كأسين ، وحينها نظر إلي أبو فاطمة وهو يوجه كلامه للفتى، هيا استبدل دولاب التوازن، لم يبقى فيه خير، استبدله فقط.- راح الفتى ينفذ تعليمات والده المسن ويفك بعض العجلات في المصطبة العلوية بكل جد واجتهاد.فكانت فرصة لأبي فاطمة أن يشرح لي أعطال الماكنات وكيف أنه كان قد أحضر ماكنته القديمة من ألمانيا قبل وقوع حرب حزيران بعامين فقط ، وأنه كان الخبير الأول للمطاحن في المنطقة، وكيف أنه ظل أمينا لعمله فباع الماكنة التي بقيت في القرية وابتاع بدلا منها وأقام لنفسه هذه المطحنة بعد عام فقط من الحرب والنزوح.- كان عمري آنذاك أقل من ثلاثون عاما، وكان لدي يوسف ، ليس يوسف هذا بالطبع حتى لا تقول عني أنني رجل تسعيني فقد ذاكرته، هل تعلم أنني ما زلت أذكر كل أسماء أبناء القرية ونساءها؟.- إذن ، من هو يوسف إذا لم يكن هذا أبنك يوسف وهو في عقده الثاني بعد؟- أهه، هو يوسف الأول الذي مات عقب النزحة بعشرة سنوات، لقد مات هنا في الطاحونة، هذه هي الدنيا.لقد كان يوسف صغيرا، لم يكمل عقده الأول بعد عندما كان يأتي لمساعدتي هنا، صعد ذات مرة فوق العجلات المسننة وهي تعمل وهديرها يملأ السماء، لم أكن في الطاحونة حينها، كنت أمه معه تراقب العمل وكنت قد خرجت لأجلس في الشمس قليلا، العجلات المسننة الضخمة تناولت الولد من ذراعه وقضمته، لم أستطع التصرف لأن أمه تأخرت في النداء .ثم مد يده إلي وسحبني خارج الباب برفق وهو يقول سأريك قبرهُ، إنه في الحاكورة خلف البناء، وسرعان ما شاهدت الضريح الكبير الذي شيد بالاسنت الضارب إلى الزرقة، كأنه ضريح من أضرحة الأولياء القدماء، قلتُ :- إن الله عوضك بغيره ، لله ما أعطى ولله ما يأخذ.- هذا هو الصحيح يا بني، تصر أمه كادت تجن وتفقد عقلها ذلك اليوم فقلت لها : لماذا كل هذا الجنون، سنزرع بدلا منه،وفي الأسبوع الرابع كنت قد زرعت فيها الابن الآخر هذا ، ووضعته قبل مرور عام على موت الأول، حينها قلت لها: أرأيت يا أم فاطمة ، الله عوضنا بيوسف وكدت أن تفقدي عقلك يومها.- ثم ضحك وراح ينفض الغبار الأبيض عن ثوبه القصير الذي يتوسطه حزام جلدي عريض امتلئ بالتشققات لكنه لم ينقطع لأنه من الجلد الطبيعي.قلت له ، إذن يا أبو فاطمة لماذا لا نقول لك أبا يوسف ، ما دام لك يوسف ما شاء الله عليه، فقد صار رجلا يصلح الماكنة أيضا كشأن والده؟ضحك أبو فاطمة مرة أخرى ومد يده إلى جيب ثوبه الأزرق القصير وهو يقول، من يعرف أبو يوسف ويوسف، الكل يعرف أبا فاطمة من أيام البلاد، اذهب هناك واسأل عن أبو فاطمة في كل القرى سيعرفونه، أما أبا يوسف فمن يدري.!!ثم أطرق قليلا وهو يلف سيجارته العريضة ، ومرر رأس لسانه فوق أطراف سيجارته ومسح بسبباته طرف الورقة الرقيقة فصارت سيجارة منسجمة، وقال وهو ينظر إلى شعلة السيجارة:- يا بني ، عندما نعود إلى البلاد إن شاء الله، عليك زيارتي هناك في قريتنا، اسـأل فقط عن أبو فاطمة ، الكل سيشير لي بالبنان، سأكون في الطاحونة بعد أن أقوم بصيانتها وإصلاحها ، لقد تركتها تعمل ، والمفتاح ما يزال لدينا. فقط قل للناس أريد أبو فاطمة وستصل وسترى.ثم دارت الماكنة مرة أخرى فانفتل أبو فاطمة نحو باب البناء وهو يقول : ألم اقل لك، بإمكان يوسف إصلاح الماكنة أيضا، حتى تصدق كل ما أقوله لك ، هيا بلا تأخير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق