بقلم عزام ابو الحمام
الأخوات والأخوة القراء الكرام والزملاء الكتاب: تقبلوا شوقي وتحياتي لكم جميعاً، وسنواصل معا على درب الكلمة الحرة الأمينة بعون الله.
الأرض تضحك وتبكي في آن واحد
رأيناها تبتسم عندما دخلناها من جهة الشرق فصارت جبال الأردن في ظهورنا، كانت دموعها الحرى تسيل في النهر المحروس بالبنادق وبالصمت، وكانت الجبال حزينة ووجهها مكفهرٌ كوجه شيخ فقد البوصلة في بحر لجي، كأن الجبال الشرقية آلت على نفسها أن لا تلبس الأخضر إلى أن يعود الجميع إلى منازلهم المدمرة أو المهجورة، عندما نظرنا غرباً رأينا وجه قبة الصخرة الذهبي يطل خجلا من خلف الجبال العالية، كدت أرى دمعة حرى تسيل من مقلة القبة وتتبخر في سماء بيت لحم قطرات من أمل، كانت طائرات نفاثة تمزق صمت السماء فوق كنيسة المهد، وحشد من السياح منهمك في التقاط صور في باحة الكنيسة ، وراح بعضهم يطلب من الشرطي الفلسطيني صورة تذكارية، وفي الأثناء كان جمع من الشيوخ يتجاذب أطراف الحديث أمام المقهى إلى أن ارتفع صوت المؤذن من مسجد عمر بن الخطاب المحاذي لساحة الكنيسة، عند ذاك ، توقف السياح وأشاحوا بوجوههم إلى المسجد فتهامسوا بلغاتهم الغريبة : فلستينا ، بالستو ، بالستاين ،إنها الأرض العربية.
من رام الله إلى بيت لحم
ظلت الحافلة تصعد الطريق القادم من أريحا إلى القدس، وقبل الوصول إلى مشارفها واجهنا حاجز عسكري إسرائيلي محصن بمختلف وسائل الحماية والهجوم، عند ذاك انعطف السائق شمالاً نحو رام الله ، فتحولت الطريق إلى طريق كطرقات جهنم ، ظلت الحافلة تسير وعيون العائدين فاغرة إلى اللا شيء، ومن بين ركام السيارات المهشمة والأخشاب والأتربة رأينا الناس ككرات صغيرة من البولاد تتدحرج في مسارب مرسومة سلفا ببنادق الجنود المحتلين، يسيرون بسياراتهم في الشوارع الملتفة حول المستوطنات السرطانية ويقترفون حياتهم مثلهم مثل الشعوب الأخرى في بقاع الدنيا المختلفة، هنا تتملكك الحيرة، إن هذه الكرات تقطع الضفة الغربية جيئة وذهاباً وقد صار همها الأهم هو التزاوج والتوفيق بين الشباب والشابات في زواجات سريعة وكأنهم في معركة محتدمة . لكنك سرعان ما تفهم ذلك عندما تعرف أن المعركة حقيقية وعنوانها "معركة الديموغرافيا والاستيطان".
من بيت لحم إلى الخليل
كأن الطبيعة ما تزال بكرا منذ جاء كنعان الأول من الجزيرة العربية، أو منذ جاء رسل المجوس يبحثون عن الرسول المولود في بيت لحم، الرعاة أنفسهم الذين استقبلوا الرسل ما زالوا ينتشرون في بعض الجبال، الجدران الحجرية (السناسل) تقطع الجبال الخضراء فترسم لوحات رائعة كأنها قطع من الجنة لولا تلك البثور السرطانية من مستوطنات المحتلين وآلياتهم العسكرية.أكثر ما يلهب المخيلة هذه الحقول الجبلية المغطاة ببساتين التفاح والبرقوق وكروم العنب، العنب الملون والأخضر كائن سحري بلا ريب، إنه يخلب الألباب وعناقيده تختال جمالاً تحب أشعة الشمس. هذه الحقول لوحدها تستحق حرباً حقيقية تتحرك لها الجيوش، وليت أحدهم ينقل الصورة لتلك الجيوش، فأنا متأكد أنها ستتحرك وتقسم يمين الولاء والشهادة.التشابك قال صديقي : أية صيغة أو أية معادلة هذه القادرة على فك هذا التشابك في الواقع ، لا خلاف على أنه واقع معقد ومركب وصعب لا يستطيع إدراك كنهه غير كل متابع انغمس في حمم هذا الواقع، أو احترق بأتون ناره وحجارته الملتهبة.لكن يا عزيزي نستطيع أيضا تبسيط الأمر بمعادلة بسيطة وسهلة، لنقل ما لا خلاف عليه أولا: نحن نواجه احتلالاً عز نظيره لأنه في الحقيقة احتلالا إقصائيا أو إحلاليا يسعى لطرد شعب وإحلال آخرين محله. وبذلك نستطيع أن نقسم الأمر إلى فسطاطين، فسطاط الاحتلال وفسطاط المقاومة والنضال.قلت لصديقي: ليت الأمر يكون وفق تلك المعالة المبسطة ، ليته كذلك، لقد كان كذلك قبل وقت ليس بالقليل، فأنت أما مع الاحتلال وإما ضده، اليوم الأمر مختلف ، فأنت إما مع الاحتلال ، أو مع المقاومة ، أو مع السلطة، أو مع الصامتين، أو مع المتقلبين الذين ينحازون دوما إلى الخيار الأسهل. أو مع الصامتين لأسباب كصبر أيوب أو مع الصائحين لأسباب في نفس يعقوب.ظللنا في نقاش طويل إلى أن سمعنا تلميذ صغير يقرأ من كتابه المدرسي شعراً حوشياً وهو يقول بصوت رفيع خفيظ :وطن يباع ويشـترى وتصيح فليحيى الوطن لـو كنت تبغي خيره لبذلت من دمــك الثمن
عندما قام الخطباء
تناوب الخطباء على المنصة واحداً بعد الآخر وقد انتفخت أوداجهم حماسة، كانت أصواتهم تزلزل أركان الساحة الفسيحة دون أن يبقى لها أي صدىً، وظلوا كذلك حتى المساء إلى أن جاء صوت عبر الهاتف انطلق من معتقل النقب الصحراوي، كان الصوت لواحد من الشباب المعتقلين منذ آمد بعيد ، فظل صدى الصوت يتردد في نفسي ويزلزل أركاني وهو يقول: لا تيئسوا لا تيئسوا فإن الفرج قريب، وسيندحر الباطل، سيندحر، لكن ليس برنين الخطب ، بل بصهيل الرصاص سيندحر.
فلسطين - الخليل - 20/8/2009
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق