عزام أبو الحمام
من منا يعرف كيف تموت البغال بعد أن تصل إلى نهايتها المحتومة مثل باقي المخلوقات؟ لم أكن لأعرف أن البغال يمكن أن تموت بهذه الطريقة الوحشية بعد أن عاينت ذلك بنفسي قبل أيام معدودة....
هل سمع أحدكم ببغل ينقل إلى مستشفى ؟ أو أن بغلا أصيب بجلطة قلبية وأصبح أو أمسى جثة هامدة..؟ هل أتيح لأحدكم معاينة بغل أو حمار في حالة نزعه الأخيرة ؟ ربما سمعنا عن بعض الحيوانات ومنها البغال قد نفقت أو أصيبت بفعل حادث سير أو بسبب حروب بني البشر. أما الموت الطبيعي، أي بسبب الشيخوخة أو بسبب مرض أو إصابة في احد الأطراف ، فهذا سر من أسرارنا نحن بني البشر الذين وصلنا إلى سطح القمر.
لقد اكتشفت أن البغال تعاني الأمرين حينما يقترب أجلها، يا لبشاعة بني آدم في تعاملهم مع هذه الحيوانات، البغال غالبا ما تعاني من الهرم والضعف بعد عشرين عاما من الخدمة في الأشغال الشاقة من حراثة الأرض أو جر العربات أو حمل الأثقال الكبيرة للمسافرين والبضائع والجيوش والرحالة وما شابه ذلك.
بالأمس اكتشفت المنطقة المخصصة لموت البغال والخيول في أطراف المدينة، في منطقة نائية عن المدينة، وهي منطقة صحراوية شبه معزولة... ذهبنا هناك مع الشركة منذ أسبوعين وصار عملي هناك كمهندس مقيم لمشروع أبنية ضخمة لأحد مؤسسات الحكومة، كان يتوجب علينا النوم هناك أغلب أيام الأسبوع لإنجاز الأعمال المستعجلة ، هذا أتاح لي فرصة التجوال في التلال المحيطة بسيارتي أحيانا أو مشيا على الأقدام لأستطلع المنطقة الموحشة المحيطة بنا ، حيث لا ترى غير سهول صحراوية بركانية ، سوداء ، ممتدة ، تتناثر فيها تلال صغيرة بدون انتظام ، اليوم اكتشفت في الصحراء ما هزني وأدهشني،،،
كان الاكتشاف صدمة لي أذهلتني وهزت مشاعري وأرقت منطقة قصية في دماغي...وجدت بغلا في المنطقة التي تشبه الحوض الكبير بين التلال الصحراوية حيث لا شيء ينبئ بالحياة، لا ماء ولا أشجار ولا أي نوع من الاخضرار، إنها الصحراء التي يسميها البدو "الحرة" حيث تتناثر فيها الحجارة والحصى البركانية الصغيرة المدببة كآذان الشياطين،،،وعلى امتداد النظر فإنك ترى بقع السراب المتوهج الذي ينبئك عن الجحيم النافث منها ، وعندما تهب بعض الرياح المحملة بالرمال الناعمة التي يسميها البدو هنا "طوز" فقد يهيئ لك أن الصحراء تنفث من بطنها الدخان كما ينفث التنين النار في حالة غضبه ،،، أو كأنه الدخان الفوسفوري الذي ألقي على غزة ذات اعتداء...
البغل بات قاب قوسين أو أدنى من الموت، إنه لا يقوى حتى الوقوف على قوائمه التي أضحت كسيقان أشجار العنب المتقادمة، إنه أقرب لأن يكون هيكلا عظميا يغلفه جلد ناشف تزاحم بالجروح والكدمات والطعنات والرضوض، كأن بعض الكلاب أو الضباع حاولت النيل منه قبل أيام ولكنها عزفت عنه بعد أن خاب أملها بالحصول على لحم يستحق مشقة المحاولة ، الدم القليل النازف في ظهر البغل ورقبته بدأ بالتجلط، والجفاف فيما ثلاث ذبابات زرقاء كانت تحط وتدور فوق الجروح المتجلطة، أستغرب كيف وصلت هذه الذبابات إلى هذا المكان النائي،،، يا الله كم كانت عينا البغل تفيضان بالعتاب والألم والحزن،،،ولا أقول الغضب أو الكراهية،،،لا لم اشعر بغير العتاب والألم والحزن وربما السخرية أحيانا،،،كأنه يقول لي " أنت من بني البشر ولا رجاء منك"..أنت مثلهم ولا أرجو منكم - بني البشر- إلا أن تتركوني أموت بعيدا عنكم...لعل الضباع والذئاب أرحم منكم..
جلست القرفصاء قبالة البغل وزفرت أنفاسي وأنا أغالب غمامة الحزن التي لفتني بعباءتها السوداء...ندمت لأنني لم أحضر علبة السجائر بعد إذ كنت أرغب بالخروج من كل الروتين البشري المصطنع لمدة ساعتين فقط بما في ذلك سجائري وبطاقة هويتي الشخصية وقلمي وهاتفي وحتى حزامي الجلدي وكل ما يذكرني بهذه الحياة العصرية الملفقة....تزاحم رأسي بكل الأفكار : هل يعقل أن يكافئ الحصان أو البغل أو حتى الحمار بإهماله وتركه لينفق بالجوع وبالحر والقرَ أو بنهشات الكلاب والضباع والذئاب بعد حياة حافلة بالعطاء والشقاء !؟ سيقول قائل أنت تتباكى على بغل أو حمار انتهت صلاحيته وفقد قدرته على العطاء والشقاء، فما هي فائدته وهل نفتح لها إسطبلا بالعجزة من الحيوانات مثلها مثل بني البشر؟ وسيقول أخر ربما أكثر تطرفا أنت تتباكى وتحزن على الحيوانات مثل "مارلين مونرو" وزمرتها حيث تتجاهلون ما يقع على بني البشر من اعتداءات مثل اعتداءات إسرائيل وأمريكا على غزة وعلى الكثير من دول وشعوب العالم....فلتذهب الحيوانات إلى الجحيم والأولى أن نتحدث عن ضحايا البشر من قبل إخوانهم البشر. معهم حق في ذلك ولكن ما ذنب هذه الحيوانات التي رافقت الإنسان منذ ولادتها...
لم أعد أحتمل نظرات البغل الساخرة ولم يكن لي أي حيلة، اكتشفت أنني لا أعرف شيئا في الحياة غير هذه الأعمال الروتينية التي يسمونها هندسة وأبنية ، الحياة عندي باتت مجموعة من الحسابات الكمية والأرقام والقياسات، ماذا اعرف مثلا عن البغال أو الحيوانات عموما وعن مشاعرها وألامها ودورة حياتها..ل اشيء يعتد به . تحاملت على نفسي وعدت إلى الموقع حيث زملاء العمل من المهندسين والعمال الآخرين وحارس الموقع وسائق الشاحنة الذي تقطعت به السبل فقرر المبيت عندنا هذه الليلة. أخبرتهم بما شاهدت فلاحظوا فرط تأثري وتشجع بعض زملائي فأطلقوا ضحكات لم يجتهدوا في كبتها بينما كانوا يلعبون لعبة النرد وأراجيلهم (نراجيلهم) الزجاجية تقرقر بالماء كما نفسي التي تقرقر بتوتر أخجل منه أحيانا ولا أستطيع الإفصاح عنه إلا لماما...
المهم، تجاهلت بعض الغمز واللمز الذي دار حول الموضوع في الشركة حيث أعمل ، فقد قررت من شدة تأثري توفير الطعام للبغل الوحيد في المنطقة الذي يبدو أنه سيق لها منذ بضعة أيام فقط ، ولقيت مؤازرة أحد العمال في هذا الشأن.
في اليوم التالي دلفنا هناك بسيارتنا بعد أن ابتعت للبغل حزمتين من القش الناشف ( البرٍسيم) وأحضرتهما في سيارتي ورميت بهما أمامه حيث لا يكاد يقوى على الوقوف أو الانتقال ، لم يكن البغل ليرغب في تناول القش أو لربما عزف عن ذلك بعد ما أصابه هذا البلاء، الحقيقة لا أعرف سببا لهذا العزوف، فقد قلت لكم أني لا أعرف عن البغال والحيوانات ما يعتد به، لكني أعرف عن البغل قدرته الكبيرة على التحمل وميزة العناد خصوصا، ولذلك يقال تهكما او إطراءا أحيانا : فلان أعند من بغل.
في اليوم السابق كنت قد أحضرت له سطلا من الماء ليشرب، شرب البغل ونظر إلي بعينين مغرورقتان بالدموع ، نعم الدموع الكبيرة رأيتها وهي تطفر و تسيل ساخنة من مآقيها الذابلة...تأكدت أن هذه الحيوانات لها مشاعر ولديها أحاسيس،،، ربما ليس بنفس المستوى أو القدر الذي لنا نحن البشر ، نحن بناة الأبراج ونحن الذين وصلنا إلى القمر، أظن أن لديها مشاعر ربما بشكل آخر...تأكدت من أنني لا أعرف من هذه الدنيا إلا النزر اليسير الذي لا يكفي حتى لفهم ما يدور حولي من أبسط الظواهر...لذلك أزمعت في نفسي العودة للمكتبات للتزود في هذا الموضوع ،،،وكنت أود البحث عن جواب للسؤال الرئيسي في ذهني:
أكان من الإنسانية والأخلاق أن تترك الحيوانات في أيامها الأخيرة منبوذة تلاقي مصيرا قاسيا بهذه الطريقة؟
ولكنني تراجعت بعد أن خطر لي خاطر آخر:
ألم يفعل بني البشر - الذين بنوا الأبراج ووصلوا إلى القمر - ببعضهم بعضا أكثر مما يفعلون في البغال والحيوانات الأخرى..؟.شعوبا بأكملها تتعرض للإبادة تحت وطأة القذائف والصواريخ وربقة الجوع والمرض. فهل في ذلك إنسانية وأخلاق أيضا؟
البشر يفعلون كل ذلك وأكثر، لكن هذه البغال لم تكن لتفعل. والله لم تكن لتفعل ، فلماذا ابحث في الكتب..؟!!
ومن يستحق الموت بهذه الطريقة؟ البغل الصابر العنيد أم وحوش البشر الذين بنوا الأبراج ووصلوا إلى القمر وظلوا يقتاتون على دماء الشعوب .
من برأيكم؟.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق