الخميس، 25 فبراير 2010

البعد الإعلامي في اغتيال المبحوح

بقلم عزام أبو الحمام

الإعلام الشفاف بات سلاحا حاسما في يد من يحسن استخدامه ، ونجاح أو فشل العمل العسكري أو الأمني المحدود (العمليات) أو الواسع (الحرب) صار يرتبط بمدى التعامل مع الإعلام وخصوصا الصورة، هذا ما أبرزته عملية الموساد الأخيرة في دبي.
ومن حيث المبدأ، فإن اغتيال قائد أو كادر عسكري أو أمني ليس بالأمر الغريب بين القوى المتصارعة، ووصول فريق الاغتيال إلى بلد آخر عبر وسائل المواصلات العادية أو عبر التسلل لم يكن أمرا غريبا أيضا في كل دول العالم ولم يكن بمعجزة، الصراع المحتدم بين الفلسطينيين والعرب من جانب وإسرائيل من جانب آخر، تخللته الكثير من عمليات الاغتيال منذ بدايته، إسرائيل ظلت تبني جزءا كبيرا من سمعتها الأمنية والعسكرية على عملها الأمني هذا وعلى عمليات الكوماندوز التي تستند إلى معلومات استخبارية دقيقة في كثير من الأحيان، المعلومات الدقيقة هي الأساس للتخطيط الناجح ومن ثم النجاح في التنفيذ، لكن إيصال الرسالة Message من وراء الاغتيال لا تتوقف على الاغتيال بحد ذاته، خصوصا في عصرنا هذا عصر الإعلام وعصر الصورة وعصر المعلومة أيضا. الحدث كثيرا ما يكتسب أهميته ليس من كون أنه وقع بل من كونه صار مادة إعلامية يتناقلها الناس لأن الرسالة في هذه الحالة ستصل إلى العدد الأكبر من الجمهور وستحظى بكل آليات التثبيت، أي بما يحقق الأثر Effect المستهدف، الأمثلة في هذا الصعيد كثيرة ولكننا لا نرغب بالابتعاد عن موضوعنا،إسرائيل كانت تغلف عملياتها بالغموض الإعلامي وتترك للآخرين التكهن والتخبط في تقديرات متنوعة عنوانها الارتباك والحرج ، مما كان يعظم من نجاح الإسرائيليين ويشبع من غرورهم وصلفهم. بعد ذلك، تعطي إسرائيل المجال الواسع لضباطها لكتابة كتب ومقالات وصناعة أفلام تتحدث عن البطولات والنجاحات وتدس فيها الكثير من الرسائل المغرضة والمصطنعة، وجميعها تستهدف النيل من الإرادة العربية وتستهدف تشويه صورة العربي في عينيه وإشعاره بعجزه مقابل القوة الخارقة لعدوه. ولهذا فإن ضباط الموساد هم أكثر من أصدر كتبا عن تجاربهم ولا يوجد رئيس لجهاز الموساد لم يكتب كتابا واحدا على الأقل عقب انتهائه من الخدمة. هذا ناهيك عن الأشكال الإعلامية الأخرى لهم خصوصا المقالات والأخبار المصطنعة أو التي يعاد تصنيعها Remanufacturing أو ربما أقرب إلى إعادة التدوير مثلما يجري في الصناعة تماما Recycling.

إثر كل عملية أمنية سرية، فإن إسرائيل تحجم عن الإعلان عن أية معلومات مفيدة تتعلق بالعملية والثغرات التي تسرب منها القتلة أو المعتدين، لكنها تستخدم اسلوب التسريب الإعلامي لوسائل إعلامها أو لوسائل إعلام أجنبية بعد إعادة تصنيع ما لديها من معلومات تلافيا لقول الحقائق كاملة لتحميلها الرسائل المستهدفة وتلافيا لأية التزامات قانونية أو دبلوماسية، لأن ما تنشره وسائل الإعلام لا يلزم الحكومة وهو غالبا ما يقدم رواية إسرائيلية صنعتها دوائر متخصصة في القانون والأمن والإعلام عادة ما تكون ملحقة بالأجهزة الأمنية شأنها شأن دوائر العلاقات العامة ومراكز الأبحاث.
في السنوات الأخيرة وقعت عدة عمليات أمنية وعسكرية في بلدان عربية ظلت طي الكتمان إلى أن أعلنت عنها وسائل إعلام أمريكية أو إسرائيلية مثلما حدث من اعتداء على قافلة سيارات في السودان قيل عنها أنها كانت تحمل أسلحة لصالح حركة حماس وكشف عنها موقع مجلة تايم الأمريكية بعد شهرين من وقوعها مشيرا إلى أنها وقعت في شهر كانون الثاني/ يناير 2009. وقال التقرير أن 40 سقطوا ضحايا هذه العملية التي تقع على أراضي السودان باستخدام طائرات حربية.
رئيس الوزراء المنقضية ولايته ايهود اولمرت قال ردا على أسئلة الصحافيين دون الاشارة الى السودان " ان اسرائيل تعمل حيثما نستطيع" ضد أعدائها.
واضاف "لا جدوي من الخوض في التفاصيل.. كل شخص يستطيع ان يستخدم خياله."
ومثل تلك الإجابات وردت أيضا على لسان إيهود باراك وزير الحرب الإسرائيلي، لكن القاسم المشترك بين التصريحات الإسرائيلية هو الإقرار بمسؤولية إسرائيل وعكس حالة من الرضى والغرور في غلاف من الغموض لأن الغموض سيحقق ثلاثة أهداف مهمة لإسرائيل:
1- الغموض يضفي مشاعر الخوف أو الإعجاب أو الدهشة ويثير خيالات بطولية على العملية.
2-الغموض الإعلامي يحرر إسرائيل من أية مساءلة أو أية مراجعة قانونية أو أخلاقية لأنها لم تقر بالعمل مثلما لم تنفيه . وهذا حالها بخصوص الأسلحة النووية التي تملكها إسرائيل وتعتمد سياسة عدم النفي وعدم الإقرار بوجودها.
3-الصمت الإعلامي يَستُر على آليات ووسائل وطرائق الإسرائيليين في العمل الأمني ويحيطها بالغموض أمام الجمهور على الأقل.
في الجانب الآخر، فإن السودان لم ينشر شيئا مهما عن العملية، وكان رد الفعل الأبرز هو ما جاء على لسان متحدث باسم وزارة الخارجية السودانية في قوله" ان المركبات التي أصيبت في الغارة اصغر بكثير من أن تستخدم في تهريب أسلحة."
وما زلنا لا نفهم الأسباب التي حالت دون قيام السودان برد فعل قوي على ذلك الاعتداء الذي يتم على سيارات بصرف النظر إن كانت صغيرة أو كبيرة، ولا نعرف ما الذي منع السودان من رفع شكوى للأمم المتحدة وغيرها واتهام إسرائيل بالإرهاب الدولي والاعتداء على أراضي دولة ذات سيادة!!! هذا ناهيك عن سر العملية ومن أين جاءت الطائرات الإسرائيلية وكيف حصلت إسرائيل على معلومات استخبارية وما هي نتائج التحقيقات السودانية!!؟؟؟..إلى الكثير من تلك الأسئلة التي لم ولن تجد لها جوابا.

وفي السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2004، كان عملاء إسرائيل قد زرعوا عبوة ناسفة في سيارة أحد كوادر حماس (عز الدين الشيخ خليل) في دمشق فأودت به، ولم يصدر عن الجهات المعنية في حماس أو دمشق سوى تصريحات مقتضبة ولم يتبع ذلك أي تحقيق أو تفسير لما وقع، هذا الأسلوب ترك "اللوح فارغا" لتكتب عليه وسائل الإعلام الإسرائيلية ما تشاء وما تشاء دوائر صنع الروايات الأمنية والسياسية. ذلك أن وسائل الإعلام الإسرائيلية ظلت تنشر تقاريرا ومقالات وتصريحات تمجد بعملية الاغتيال وترفع من شأن الذراع الإسرائيلية ، وخصوصا أن الجانب الآخر لم يبادر إلى أي إجراء لا إعلامي ولا سياسي ولا دبلوماسي ناهيك عن إجراء عن الرد من جنس العمل.

ثمة مثل آخر أيضا في الميدان نفسه وفي المجال نفسه، فقد تسربت أنباء صحفية عن محاولة لاغتيال خالد مشعل نفسه في مخيم اليرموك قرب دمشق في العام 2004 أيضا، وجاءت تلك التسريبات مقتضبة ولم تأت من مصدر سوري محدد.
وفي دمشق نفسها أيضا جاءت العملية الأهم التي طالت القائد العسكري لحزب الله الشهيد عماد مغنية بتاريخ 12 شباط 2008 ثم من بعده العميد محمد سليمان المقرب من الرئيس السوري بشار الأسد دون أن نسمع روايات إعلامية متماسكة من الجهات المعنية بل إن عظم ما علمناه ما هو إلا تسريبات أو تصريحات مقتضبة، وهذا ما أفسح المجال أمام التكهنات التي لم تكن لا في صالح سوريا ولا في صالح حركة حماس بما يشبه " اللوح الفارغ" Empty Board حيث سيعبئ الإسرائيليون هذا اللوح بالصور التي يرغبونها أو يترك ذلك لأقلام الإشاعة مثلما حصل بخصوص العميد سليمان، حيث تقول الإشاعة أن الأمن السوري هو من بادر إلى تصفيته. لكنها تظل إشاعة بالطبع. ورغم ذلك فهي الرواية الأقوى لأن الطرف المعني لم يصدر رواية متكاملة ومقنعة وشفافة!. أو مثلما يحصل بخصوص الكادر الحمساوي في دمشق الذي تقول فيه التسريبات أنه هو العميل الإسرائيلي الذي سرب المعلومات عن الشهيد المبحوح وغيره من الأهداف السابقة خصوصا القائد عماد مغنية قبل عامين، بالطبع نحن هنا لا نبحث عن مدى صحة او عدم صحة مثل تلك التسريبات، كل ما نبحث عنه هو الإشارة إلى أهمية تقديم الرواية المتكاملة التي تعبئ الفراغ على اللوح الفارغ.
وإذا ما رغبنا بتلخيص نتائج العمليات السابقة بعبارات قليلة فإنه يمكن القول أنها جاءت انتصارا لصالح النهج الأمني والإعلامي (المعنوي) الإسرائيلي الذي ظل يتحصن وراء الإستراتجية نفسها دون إزعاج ، وهي الإستراتيجية المتمثلة في "لنصمت وندع الإعلام الإسرائيلي أو الأجنبي يتحدث يصنع روايتنا ما دام الذين يملكون الحقائق يلوذون بالصمت أو لا يقدمون رواية متكاملة".
يبدو أن عملية دبي ستشكل مرحلة جديدة تجلب معها تغيرات عديدة في مستويات عديدة وفي دول عديدة أيضا، ويأتي التعامل الإعلامي على رأس هذه التغيرات، إذ إنه رغم نجاح فريق العمل الإسرائيلي باغتيال المبحوح، إلا أن الثمن الذي يبدو أن إسرائيل ستدفعه بات أكبر من توقعاتها، وأول ذلك هز صورة الذراع الإسرائيلية الأمنية التي ظلت حريصة على الحفاظ عليها. هذا التغيير يسجل لصالح شرطة دبي التي أحسنت استخدام معلوماتها وأحسنت استخدام أدواتها وأحسنت التحليل ، والأكثر أهمية أنها كانت تدرك أهمية الصورة في إيصال الرسالة التي استهدفتها.
الصورة والربط والتحليل عكَسَ الرسالة ببساطة " لقد كشفت آليات العمل الأمني الإسرائيلي في الخارج" ويلحق بهذه الرسالة رسائل أخرى على درجة كبيرة من الأهمية أيضا، منها: إسرائيل تحشد من كل أنحاء العالم لأجل اغتيال رجل أعزل، وهي لا تتواني عن تجاوز الحدود الأخلاقية والدبلوماسية والقانونية لأجل تحقيق أغراضها، ومن يفعل ذلك غير الدول المارقة؟
النشر الإعلامي الشفاف الذي اتبعته شرطة دبي وضع إسرائيل في إحراج مع العديد من الدول الأوروبية وملأ اللوح كاملا بما لا يبقي لإسرائيل إلا القليل، واستدعاء السفراء الإسرائيليين إلى عدد من وزارات الخارجية الأوروبية هو أحد مظاهر الحرج، وهو أيضا وضع الجانب الفلسطيني بشقيه في غزة ورام الله في دائرة الحرج أيضا بسبب الأخبار التي تحدثت عن الاشتباه بضلوع فلسطينيين في العملية.
لنتخيل لو أن شرطة دبي لم تهتم بالجانب الإعلامي للمعلومات التي حصلت عليها؟ بالتأكيد إن الصورة ستظل مغايرة، إخفاق دبي في حماية زوارها ومواطنيها والتهاون في اختراق حرماتها .." وهذه الصورة السلبية كادت تترسخ بعد الأيام الأولي للعملية مقابل صورة القوة الخارقة للإسرائيليين إلى أن بدأت شرطة دبي بتقديم روايتها لوسائل الإعلام بالطريقة الأمثل: معلومات دقيقة، رواية متماسكة، صور حية للاعبين ولمسرح الجريمة.
إن حادثة الاغتيال وتداعياتها تستحق المزيد من التحليل في مستويات عديدة ومنها الأمنية والسياسية، ويظل الجانب الإعلامي على درجة كبيرة من الأهمية لأن عمليات الاغتيال لا تستهدف قتل رجل أو قائد فقد، بل هي تستهدف أكثر ايصال رسالة إلى المعنيين كلهم حول العالم خصوصا الجمهور العربي " من أن ذراع إسرائيل قادرة على الوصول دون عناء ودون كلفة عالية".
لكن الأداء الأمني والإعلامي لشرطة دبي كشف الصورة الأخرى التي تعري الإسرائيليين وغيرهم ، وكشف أيضا عن حقيقة مهمة وهي أن المعلومات والإعلام باتت متاحة للجميع، لكن المهم كيف نستخدمها لتنقلب ضغطا وعبئا على الطرف الآخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق