السبت، 6 فبراير 2010

رقص على وقع الطبول

بقلم عزام ابو الحمام

دخان النراجيل يسبح في القاعة الفسيحة كغيمة كبيرة تدور حول نفسها أو كموج البحر والناس فيها كتماثيل قذفت بها سفينة عابرة، رؤوس التماثيل تتحرك مع موجات البحر ومع كل نسمة تهب ولكنها تبدو ثابتة في أماكنها وكأنها تتحرك حركة موضعية، الموسيقى المنداحة من آخر الصالة تتعالى كأنها صفير رياح بحرية بدأت تهب على صواري السفن مختلطا بعواء ذئاب البحر وصيحات النوارس المفزوعة.
شرع صوت الموسيقى بالارتفاع رويدا رويدا، مغنو الكورال الثلاثة بدءوا يهزون رؤوسهم إيذانا باقتراب نشيدهم لكن الفراشات السوداء تحت ذقونهم ظلت ثابتة فوق قمصانهم البيضاء، انهمرت العصي القصيرة في يد العازف فوق الطبول الكبيرة وفوق الأطباق اللامعة:
دف دف دف دوو دف دف دف دوف دوف دف دوف دف دوفدف دو دو دف دو دو دو دو دف
رؤوس التماثيل في القاعة زادت من تمايلها وحركتها وكأن موج البحر يراودها على السباحة فلا تستطيع الفكاك من سلاسل تشدها إلى قاع البحر.من خلف المنضدة الخشبية العالية التي تحاذي باب الصالة وقف الرجل ذو البذلة السوداء يترقب المطرب الذي يتقدم الفرقة الموسيقية على منصة منخفضة في واجهة الصالة، هذا الرجل تخلى بعد الحرب الأخيرة عن عمله في الصحافة وقرر أن يتجنب الخطر لأجل أن يعيل أسرته، ولذلك قرر أن يقبل بدوره أمينا للصندوق في الملهى الليلي ، لا شك أن عمله جد حساس، فهو الوحيد المؤتمن على غلة المحل التي تعد بالآلاف في بعض الحالات، خصوصا في ليالي الأعياد والمناسبات حيث تجتمع سحنات عربية متنوعة ما بين المحيط والخليج، في هذه الصالة أكثر من غيرها لا تستطيع تبين الملامح واللكنات لأن الجميع يتواطئ مع ضباب الدخان وضجيج الموسيقى المجنونة في التخلي عن بطاقته ولا أحد يشغل نفسه بسؤال الآخر عن أصله أو بطاقته أو عمله، كل ما يفكر به السُمار هو الحصول على الترفيه والمتعة والانقطاع التام عن الحياة خارج الصالة، كلهم هنا هاربون من جحيم حياتهم المليئة بالمآسي التي أنتجتها الحروب أو أنتجتها السياسات الاقتصادية أو انتجتها سياسات القمع اليومي، بعضهم جاء هنا لأنه لم يعرف أين سينفق ذلك الفائض الكبير من المال الذي انساب إلى جيوبه وأرصدته البنكية دون أن يبذل حبة عرق واحدة.بدأت الموسيقى بالتراخي والتمايل فشرع المطرب بالتمايل يمنة ويسرة وراح يغني،،،
يولاه ،،،يولاه،،،يولاه يابا،،،،يابا يــــــابا يابا يابــــا،،،يا بييييـــــا دمعت العين هلـــــي بكل وقت،، وانْسَلِويا روح ثُوبي على فراق اللي مِشى وانســــــَلِآني شمعتي انطفت كانت ضيا وانس لــــــــي وايامي الأفراح، بدلها زماني بألم،،،كثرن جروحك يا قلبي ،،،وايامي الافرااااااح،، بدلها زماني بألم،،كثرن جروحك يا قلبي،،، يا قلبي
يا با يابا يا بــــاه ،،،يـــا محمد يا نوحي،،
الرؤوس تتمايل وأعمدة الدخان تتصاعد من النراجيل والكؤوس ترتفع في الهواء وتتلاقى ، الأضواء الملونة بدأت بالحركة ودخان النراجيل أضحى ملونا كدخان السحرة يراقص البصر والبصيرة والوجوه هي الأخرى تتلون بالأحمر والبنفسجي والأخضر والأزرق فتبدو كوجوه المهرجين في سيرك الحياة الكبير،،،الرجل صاحب البذلة السوداء الذي كان يعمل صحافيا تحرك ببطء من خلف المنضدة ، وحينها تبين أنه يسير بصعوبة على رجله اليسرى وبالكاد يستطيع زحزحتها ونقلها، لكنه لم يكن ليرغب بالذهاب بعيدا، لقد توجه إلى عمق الصالة حيث العازفين والراقصين.سُمار الصالة يستقبلون مطربة جديدة ويبدو أنها تمكنت من تفكيك بعض السلاسل التي تُقيد البعض، فتاة كهلة طويلة تركت مقعدها ووقفت بكامل قامتها وبدأت تهز بخصرها وترفرف بذراعيها ، الموسيقى ترتفع وتيرتها والعصي الطويلة تنهال على الطبول دون رحمة،،،دف دف دوف دف ،،،،،دف دوف دف دف$$$،،،//// ،،،،/////$$$يا ريتك لو تيجي يميواسمعك كل صدى هميزرعتك وردة بعروقيزرعتك وردة بعروقي
أتاري انت من دميواتاري أنت من دمي
أمام المنصة التي يعتليها العازفون والمطربة تقدمت الفتاة الكهلة ممتلئة الجسد بعد أن تخلت عن مقعدها وتقدمت نحو الساحة الصغيرة أمام المنصة، الفتاة الكهلة التي تلبس جلبابا أسودا طويلا زين بشريط مقصب باللون الذهبي بدأت ترقص دون أن يستغرب احد ذلك، كأن الجميع بانتظار وقوفها ، تزداد حركاتها مع ارتفاع إيقاع الطبول ،الراقصة تخلع جلبابها الأسود وترمي به فوق المقعد الذي غادرته، بدت سواعدها البضة من تحت قميص أحمر لامع أكثر بياضا من وجهها، من بين ثنايا قميصها الخفيف أطلا نهدان ممتلئان كأنهما كرات السيلكون البيضاء، وصارت الكرات أكثر حرية وهي تتماوج مع قرع الطبول وتصفيق السُمار، إيقاع الطبول والموسيقى يرتفع بلا توقف، والعرق يَنزُ من جبهة الراقصة ومن عنقها الطويل وهي تتمايل في كل الاتجاهات، شعرها الأسود الفاحم ينفلت في الهواء فيعود إلى ظهرها مرة وإلى صدرها مرة أخرى،،، والمطربة ما تزال تصيح وتتأوه وتتلوى بحرقة وألم وهي تطيل النظر إلى الراقصة:
كنت الليل ابكي على غيابكما ارتاح تاشم تيابكصار لي زمان والله على بوابكوالشوق دايب على بوابكيا دنيا جراحي لمي
الرجل الذي كان يعمل صحفيا ذات يوم ظل يمشي بين المقاعد وبين النراجيل التي تنفث الدخان إلى أن وصل الدائرة الصغيرة أمام المطربة التي ما زلت تولول وتتأوه بحرقة، كأن الراقصة أنهكها الدوران لكنها ظلت ترقص بإصرار وهي لا تنظر إلا نحو قدميها أو نحو السقف أحيانا وكأنها تشخص بعينيها لشيء محدد فيه.الرجل الذي كان صحفيا ذات يوم صار أمام الراقصة تماما، وبحركة من يده فك حزاما صغيرا من فوق ركبته ورمى بقدمه البلاستيكية إلى طرف الساحة فتوقفت تحت أحد المقاعد، وبرجل واحدة صار يدور ويدور ويدور كالبرغي أمام الراقصة إلى أن وقع مغشيا عليه فصفق الجمهور طويلا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق