(1) تعرفنا على محمد البلعاوي حينما كنا في السنة الأولى في جامعة بيرزيت قرب رام الله أوائل الثمانينات، جاء محمد من أسرة فقيرة من قرية بلعا قضاء طولكرم، لذلك كني البلعاوي من قبل زملائه في الجامعة رغما عنه، وهو يحتل المرتبة التاسعة بين أخوته وأخواته ويكبره واحد فقط فيما هو الأوسط بين البنات، ووالده مزارع كبير السن شقي مثابر وفيه بساطة الفلاحين وبعض سذاجتهم، وهو يعيل الأسرة مما تجودُ به زيتونات لهم في أطراف القرية الجبلية التي تقع قريبا.كانت نقطة ضعف محمد أنه فقير الحال، فشقيقه الأكبر يدرس الهندسة في الخارج، وثمة جيش من البنات بعضهن تزوجن وبعضهن في الانتظار، ونقطة قوته أنه ينتمي إلى جيش الرجال قصار القامة، فطوله لا يتجاوز المتر والنصف، وعيناه الصغيرتان تبرقان ذكاء لحد الخبث أحيانا، يمشي مشدود القامة وكأنه قائد حرس الشرف في عسكر الرئيس، ذلك العسكري الذي يحمل سيفا لا نعرف ما هي فائدته في عصر الصواريخ والبنادق، ومحمد من النوع الفلزي الدائم الحركة، لا يكن ولا يَون ولا يستكين، لا يهجع لا ليلا ولا نهارا، ودائما لديه ما يقوله للآخرين فيضحكهم أو يُبكيهم أو يغضبهم أو يستفزهم ، لا يمكن أن يسكت إلا إذا طلبت منه ذلك وأغلظت بالرجاء، فإذا غضب امتنع عن الحديث وكأنه السلطان يمتنع عن العطاء، فيضطر الآخر لتغليظ الرجاء مرة أخرى ليواصل حديثه من أجل أن يكمل قصة أو حكاية بدأها ولم يستكملها، وربما كان محور الطلب، هو استكمال إطلاق المواويل والأغاني الزجلية التي يحفظ منها الكثير بصوت رخيم تُشنف له الأذان.كان محمد البلعاوي لا يهنأ له بال إلا إذا صنع مقلبا أو مكيدة ببعض زملائه أو أصدقائه، ومن ذلك ما فعل بصديقه وزميله في المسكن وفي الجامعة ماهر القادم إلى الضفة الغربية من قطاع غزة ، وذلك أوائل الثمانينات.كان القاسم المشترك بين ماهر والبلعاوي هو زمالتهما في كلية الاقتصاد في تخصص المحاسبة، كان ماهر على النقيض من البلعاوي، فهو طويل القامة بشكل لافت وهو أطول من المتوسط إذ يقترب طوله من مترين إلا قليلا، كان هادئ الطباع ساكن الوجه، صِديقا، لكن فيه بعض التهور رغم ذكائه .ذات مرة، خرج بعض طلبة الجامعة في رحلة إلى البحر الميت، وكان البلعاوي خبيرا بالسباحة في مياه هذا البحر التي تعتبر الأكثر كثافة من بين كل مياه بحار العالم، إذا تبلغ نسبة الأملاح قريبا من ثلاثة الأرباع المئوية من كمية الماء، وهنا لا يحتاج السباح إلا الحفاظ على توازن جسمه في الماء وليس للسباحة الحقيقية، وبإمكان السباح المكوث أياما في هذا الماء لولا حاجات الإنسان الأخرى، وبإمكانه النوم على سطح المياه كأنما ينام على فرشة اسفنجية إذا ما أحسن الحفاظ على توازن جسمه، وبإمكانه الوقوف في الماء كما يقف رجل الفضاء في الفضاء بعيدا عن الجاذبية الأرضية، لكن الشر المستطير هو تغطيس الوجه في الماء أو حتى مجرد إصابة الماء بقطرة واحدة من ماء البحر المشبعة بعشرات أنواع الأملاح، وهنا يكمن الخطر إذ قد يؤدي ذلك إلى فقدان التوازن وبالتالي التخبط فشرب مياه البحر فصعوبة التنفس فالاختناق ، وهذا بخلاف بحر غزة (البحر المتوسط) الذي لا يخوض غماره إلا من خبر أخطاره وأمن نفسه بمهارات تحتاج إلى دربة ومران وقوة بدنية، فالأمواج تتلاعب في السباح وتهزهز جسده وتجعله في عراك دائم مع البحر.كان ماهر سباحا ماهرا في بحر غزة، ولكنه لم يكن له اية خبرة في البحر الميت، بحر أريحا، كان البلعاوي قد دبر مكيدته في ليلة ظلماء، كان قد أجج روح التحدي لدى ماهر كي يباريه في السباحة وفنونها.حينما وصل حشد الطلبة البحر، بكر البلعاوي ورمى بملابسه وخاض مخاضته سيرا على الأقدام حتى ابتعد عن الشاطئ أكثر من عشرين مترا، حينها انقلب على ظهره وفتح جريدته التي اصطحبها معه وراح يتصفحها بعين فيما العين الأخرى ترقب ماهر الذي جاء هادرا متوعدا ومتحديا، ولما صار قبالة البلعاوي الذي يراقبه بعين الخبث والمكر، تذكر التحدي وقرر أن يأتي بمهارة أخرى غير قراءة الجريدة على سطح البحر، فوثب وضرب رأساً في البحر ويغطس مثلما اعتاد أن يفعل في بحر غزة، وما هي إلا ثوان معدودة حتى وقف على رجليه الطويلتان يفرك عيني ويصيح بأعلى صوته طالبا النجدة من البلعاوي الذي كان قد رمى بالجريدة وراح يغرق في نوبة من الضحك بينما هب آخرون لنجدة ماهر بالماء العذب.2 – (البلعاوي وحكاية الموز)حدثنا محمد البلعاوي عن طفولته الشقية فقال:كان والدي مزارعا يعيل أسرتنا الكبيرة بشق الأنفس، ولكن ذلك لم يكن استثناء في قُرانا التي تواصل عليها الاستعمار وحتى الاحتلال جنبا إلى جنب مع الفقر والتجهيل والعزل، كانت الكثير من حاجاتنا الأساسية غير متوفرة، بل فإننا بالكاد نسمع عنها كلاما عابرا من هنا أو من هناك، خصوصا في الكتب المدرسية التي كانت نافذتنا – نحن الصغار – إلى العالم.وكم كان الواحد منا تواقا لملامسة أو مشاهدة بعضا مما نسمع أو نقرأ أو نشاهد، أما أنا شخصيا، حيث كنت ابن العاشرة تقريبا، فقد ألح على خاطري طعم الموز ولونه الجميل وشكله الغريب لبضعة شهور دون أن أراه أو أشتم رائحته المهيبة، فرحت أطالب به والدي دون أن يلقى طلبي اهتماما يذكر، وكان رد فعل الأهل إما الاستغراب أو الاستهجان أو الاستنكار، فالموز في عرف أهل القرية في ذلك الزمان، دواء لا يحمل أو يشترى إلا للمرضى، وربما ليس لكل أنواع المرضى، بل لأولئك الذين استفحلت أمراضهم ويئس الأطباء من شفائهم، فالموز في هذه الحالة هو جوائز ترضية ومواساة لأن المريض على وشك مغادرة الدنيا ولا بأس بتجشم عناء إحضار الموز له قبل أن يفارقها مغتما لم يعرف طعمه ولم تتنسم خياشيمه برائحته السحرية.ألح محمد وواصل إلحاحه بين الحين والآخر، لكن دون جدوى، ولما علم أن الموز لا يؤتى به لغير المرض، فقد حاول التمارض إلى أنه سرعان ما ينكشف أمره حينما ينفلت مبرطعا بقامته الصغيرة في الحارات وبين الأشجار وفوق الحيطان العتيقة،،ولحسن الطالع، فإن خالا له يعيش في الأردن قرر زيارة أخته أم محمد، فلما عبر الجسر إلى أريحا، نصحه البعض بأن يأخذ بعض الموز هدية لأخته وعيالها، وكان موز أريحا المسمى "أبو نملة" يجذب العابرين برائحته العطرة ويسيل له اللعاب ولم يكن له أي منافس في ذلك الحين. فالموز فقط هو ماركة أبو نملة الريحاوي.ابتاع الرجل عنقودا من الموز بوزن يقارب العشرة كيلوات غرام، وهذه كمية كبيرة بكل المقاييس خصوصا في ذلك الزمان، لكن الرجل كان يضمر شيئا آخر من وراء ذلك.وصل الرجل بيت أخته أم محمد فهب الجميع لملاقاته والترحيب به، وبالنسبة لمحمد، الصبي المتحفز لكل حركة في بيئته الجافة الفقيرة، فقد تغير لون الدنيا وأصبح بلون الموز الأصفر الجميل، ورائحتها أضحت معطرة بعطر موز أبو نملة. وها هي أغلى أمنياته تقترب من التحقق وكأنها رفعت إلى السماء في ليلة القدر.انهمك الجميع في مجالسة الضيف وخدمته إلا محمد، فقد راح يحوم حول عنقود الموز الذي رفعته والدته على ظهر خزانة المنزل، وهي قطعة الأثاث الوحيدة في البيت وما عداها يُحمل على جمل صغير أو على ظهر عتال عفيً، كانت الخزانة بمثابة القلعة بالنسبة للأم وللأسرة، ففيها يوضع كل ثمين وغال، وفوقها توضع بعض الأطعمة التي تحتاج إلى تقنين في الاستهلاك، وهكذا، فقد تم رفع الموز هناك ليظل تحت أعين الرقابة فلا يمسه متهور أو متطفل أو طامع من أفراد الأسرة الكُثر.ظل محمد يتفتل حول فريسته كقط شرس، لكن هيهات هيهات، فقامته قصيرة ولن يستطيع الوصول بسهولة، خصوصا أن الرقابة باتت مشددة.ومرة أخرى، يبتسم الحظ للقط النهم، إذ يفطن أن وراء الخزانة فسحة أو ممر بينها وبين الجدار، وجسمه الصغير يساعده على ولوجه، وقد راح يجمع ما تيسر له من أوعية في تلك الفسحة وغيرها ليصعد فوقها كي يصل الفريسة الشهية.صار محمد يغافل الجمع ويتحايل على الرقابة بأن يدور حول الخزانة إلى أن تسنى له ولوج الفسحة، ثم الصعود فوق قنطرة من بعض الأثاث والأواني ووصل إلى حيث "شجرة المنتهى" الأرضية، وراح يقطع من الموز ويأكل بقشره وبغير قشره، حيث يرمي القشور فوق ظهر الخزانة فلا يترك أثرا لجريمته النكراء.عصر ذلك اليوم كان محمد قد أجهز على ربع العنقود تقريبا، فراح بعد ذلك يتنطط في الحارة منشرحا وسعيدا وقد أشفى غليله مبدئيا من الموز الذي كان قد جافاه طوال طفولته وظل يسمع عنه حينما تأتي سيرة بعض الأمراض المستعصية، أو ربما في كتاب القراءة أو كتاب العلوم.استمرت العائلة بمساهرة الضيف وانتقل الجمع لفناء الدار (الحوش) وهكذا تهيأت الفرصة لمحمد أن يغير مرة أخرى على قطف الموز الشهي قبل أن يؤوي للنوم، دار محمد حول الخزانة وصعد القنطرة وأجهز على الربع الثاني من كمية الموز.في الصباح خرج محمد متثاقلا إلى مدرسته، وعاد منها متثاقلا بعد أن تيبست معدته بكميات لا عهد لها به من الموز، مع ذلك لم يفطن الصبي إلى ذلك، لكن حركته تثاقلت فلم يرغب بالخروج إلى الحارة، ولذلك بقي هاجعا في المنزل مما أغراه على الإغارة مرة أخرى على قطف الموز، كيف لا وقرون الموز دانية تناديه من على واجهة الخزانة الأمامية وكأنها تلاعب وتهيج ما بقي من ذرات عقله، وهكذا التف حول الخزانة وعبر "النفق" ليجهز على الربع الثالث في هذه الغارة، وبقي الربع الأخير مُعربشا على جذعه، وكانت أم محمد وبناتها يرون واجهة قطف الموز فلا يثير ذلك أية شكوك لديهن، لأن المؤامرة نفذت من الخطوط الخلفية وبقيت الواجهة تضليلا لأعين الرقابة،،،في ساعات المساء كان الألم يهاجم الصبي بشكل لا يحتمل، مما دعاه للشكوى والتلوي، ولكنه مع ذلك لم يعترف لأهله الذين التفوا حوله يسائلونه عن السبب ويشطحون في التخمينات، ولم يكن أمامهم إلا أن يستدعوا له طبيبا من أبناء القرية وبيته ليس ببعيد عنهم، فهم جيران، وقد جاء الطبيب بحقيبته وبدأ يعاين حالة محمد وبيسر اكتشف تيبس معدته، لذلك ألح على محمد وهو يسأله عن طعامه على مدي يومين سابقين، فهمس محمد في أذنه أنني سأعترف لك بعد أن ننفرد معا، وهكذا طرد الطبيب الجمع واستفرد بالصبي الذي راح يضع الشروط كي يضمن عدم تسريب اعترافه كشرط أول، ثم الشرط الثاني أن يقوم الطبيب بوصف "الكازوز"(المشروب الغازي) كعلاج أساسي للمرض، وقد تفطن محمد لهذا الصنف من المشهيات بعد أن أشفى غليله من الموز، ووجد مرضه فرصة كي يبالغ في مطالبه خصوصا أنها ستأتي بوصفة طبية لا مساومة فيها، أما إذا أخل الطبيب بالشروط، فإن محمدا سيكون في حل من أي اعتداء قد يقع على ابن الطبيب الذي يقارب محمد في السن ويلعب مع أولاد الحارة وكثيرا ما يتعرض للاستفزاز أو الإيذاء كونه صبي مرفه ومنعم باعتباره ابن طبيب ميسور الحال، وهو الوحيد من صبية القرية الذي يلبس بيجامة عند حلول المساء مما كان يثير سخرية أقرانه بل وبعض رجال القرية ونسائها الذين كانوا يرون في ذلك دلاعةًً وميوعة لا تليق بالأولاد إذا ما رام أبائهم أن يكونوا رجالا في وقت مبكر!!.تعجب الطبيب من فراسة الصبي ومن ذكائه ومكره ولكنه كان مجبرا على احترام تعهداته أو ربما تجنيبا لأبنه أية شرور هو في غنى عنها، لذلك كانت وصفة الطبيب الوحيدة للمريض، هي قنينة كازوز ذهب لجلبها بعضهم من المدينة، فراح الصبي يشربها بتلذذ بينما هو ممدد في فراشه وعيناه تتفرسان الوجوه بمكر وخبث واستدرار عطف فيما أفراد الأسرة حوله يدعون له بالشفاء العاجل ربما كي لا تطول معه حاجتهم لابتياع المزيد من الدواء، أقصد الكازوز.في اليوم التالي كان الضيف يهم بزيارة أخته الثانية، وقد كان في نيته أن يحمل لها نصف كمية الموز التي جلبها من أريحا، ولهذا الغرض سحبت أم محمد قطف الموز فإذا بها لا تجد غير عدد محدود من قرون الموز وكادت تكذب عيناها لهذا المنظر، وهنا ثارت الاتهامات ووجهت إلى البنات لأن محمد الصغير استبعد من دائرة الاتهام لسببين – غير وجيهين – مرضه المفاجئ ثم قصر قامته.المشكلة أن أم محمد أصيبت بإحراج لا مثيل له أمام شقيقها الضيف، ولذلك فقد راحت تستغرب وتضرب كفا بكف وهي تقول: لا أصدق أن أبنائي وبناتي يفعلون ذلك، ربما بعض الأغراب خاتلنا وسرق الموز، ربما بعض القطط فعلت ذلك!! أما بناتي وأولادي فأستبعد ذلك يا أخي لأن الموز لا ينقطع من بين أيديهم، كيف لهم أن يفعلوا ذلك وهم بالكاد يحبون الموز الذي طالما ألقينا به للحصان لقلة الإقبال عليه. أما أبو محمد فلم يكن لديه ما يقوله وكان يعتبر أن الأمر لا يستحق التعليق، فالموز أمر ثانوي وكمالي في حياتنا ولا يستحق التعليق.المهم أن محمد ظل خارج دائرة الاتهام إلى أن يأتي اليوم الذي يعود له ضميره فيعترف وينجي شقيقاته من لهيب الشك الذي أحاطته بهن أمهن الحنونة الطيبة.كان اعترافا ثمينا رغم أنه جاء متأخرا ببضع سنوات.
3 –
الملائكة تأكل الحلاوةروى لنا البلعاوي عن طفولته الصعبة فقال: كان والدي – مثله مثل الفلاحين الآخرين – ينتظر موسم قطف الزيتون بفارغ الصبر لأنه المصدر الأساسي والوحيد لرزقنا، وقال، كنا أسرة كبيرة وكان والدي فقير الحال، وكان من عادة مزارعي الزيتون أن يوفروا نصية من الحلاوة قبل أيام معدودات من موسم القطف، وكان ذلك ضروريا لمساعدة الفلاحين على أعمالهم في موسم القطف الذي يبدأ مع بداية موسم البرد أيضا. وقد اتفق بعض المزارعين على توفير الحلاوة قبل الموسم بأسابيع طويلة لاستغلال فرق السعر الذي يشهد ارتفاعا مع ارتفاع الطلب, وكان أبو محمد (البلعاوي الأب) من ضمن هؤلاء المزارعين الأذكياء. وقد انتدبوا لهذا الأمر الخطير أكثرهم ذكاء وأقدرهم على المساومة للذهاب إلى مدينة نابلس وشراء الحلاوة بأحسن الأسعار، وبالفعل سافر الرجل إلى المدينة وقام بإتمام الصفقة على أحسن وجه وعاد بنصاصي الحلاوة ووزعها على أصحابها حال وصوله القرية وكأنه يوزع سلاحا خطيرا يحاط بالسرية قدر الإمكان.قال: وقام والدي من وقته بتأمين نصية الحلاوة في مكان آمن لا يصله الجن حسب اعتقاده، إذ اختار أن يعلقها في خطاف مرتفع جدا في قبة الحجرة القديمة التي هجرتها الأسرة بعد أن بنت بجانبها منزلا متواضعا من عدة حجرات، وصارت الحجرة القديمة هذه (عقد الريش) مخزنا لأدوات الزراعة وللحصان ولأعلافه ولأي مهملات لا تحتاجها الأسرة. وكان الحج قد صعد سلما مزدوجا طويلا كي يعلق النصية في خطاف متدل من وسط السقف المُقبب كان ينشأ لمثل هذه الأغراض، أي لتعليق كل ما خف وزنه وغلا ثمنه. وبعد ذلك، سحب الحبل الذي علقه بها فارتفعت بحيث لا يصلها الشخص إلا بمساعدات كبيرة من فِرقْ من الدفاع المدني الشعبي، وحتى يأتي يوم حاجتها فلا بد من فرج حينها.مضى أسبوع على حادثة شنق نصية الحلاوة ومحمد ابن الأربعة عشر عاما يتفكر ويتدبر في كيفية الوصول إليها ، وكان يشتم رائحتها فيسيل لعابه فيزداد تصميما على المخاطرة وتجاوز كل الصعاب لأجل هذا الهدف العظيم، لكن قامته القصيرة لا تساعده في تحقيق طموحاته وآماله، إلى أن هداه تفكيره الخبيث إلى طريقة معقدة نوعا ما، إذ أحضر منضدة خشبية مهملة في الحجرة، ووضع فوقها السلم المزدوج، وصعد فوقه، لكنه مع ذلك لم يبلغها ، لذلك عاد وأحضر خطافاً من قضيب حديد، فرفعه وشبكه في حلقة السقف التي يتدلى منها الخطاف الأصيل الذي يحمل نصية الحلاوة، وراح يرتقي القضيب بضعة خطوات ريثما يصل وكأنه سنجاب أو قرد صغير، وهناك استل سكينا من نوع (موس قرن الغزال) فعالج النصية التي هي عبارة عن تنك رقيق، فجعل فيها فتحة تسمح بمرور يده لغرف الحلاوة، وهكذا صارت الحلاوة في متناول يده.وكان يغترف منها كفين أو ثلاثة كل يوم قبل أن ينزل وينطلق إلى الحارة كالقردة يلعب مع هذا ويلكز هذا ويتحدى ذاك ويقفز من فوق هذا السور أو يرتقي تلك الشجرة إلى أن يحل الليل فيعود إلى النوم وقد أشبع حاجاته من الحلاوة واللعب.بعد انقضاء اسبوعين على افتتاح نصية الحلاوة كان محمد خلالهما قد أجهز على نصية الحلاوة وجعلها طبلا أجوفاً، وإذ ذاك بدأ يعد الأيام بالساعات تحسبا من عواقب فعلته الشنيعة، إذ لم يتبق على افتتاح موسم قطف الزيتون سوى أيام معدودات حيث تبدأ المراسم من تنزيل تنكة الحلاوة من معقلها المرتفع، لذلك راح الفتى يضرب أخماس في أسداس دون أن يهديه عقله لأي حيلة، لكنه كان يحس بالاطمئنان حينما يتذكر أنه سيكون آخر المتهمين لقصر قامته خصوصا حينما كان يستذكر واقعة الموز ونجاته من الاتهام والعقاب، إذ لا يعقل أن هذه الفعلة ستربط به إذا ما بدأ التحقيق المعمق والموسع. لذلك كان يطمئن ويستكين بعد أن تأخذ به الظنون كل مآخذ.حل موسم قطف الزيتون وراح الأب يجهز العدة والعتاد المُخزن في الحجرة الكبيرة من سلالم خشبية ومفارش الخيش والبلاستيك وعصي جد الزيتون التي كان تستخدم لضرب الأغصان، وفوق كل ذلك وأكثرها أهمية، نصية الحلاوة الضرورية للعاملين من أفراد الأسرة، حيث لا معين - بعد الله - على ذلك العمل الشاق سوى نصية الحلاوة المعلقة في قبة الحجرة. جهز الحاج السلم الطويل وارتقاه وأحضر أفراد الأسرة جميعا ليشهدوا هذه المناسبة وليعاونوه هندسيا في إنزال النصية. وما أن قبضت يداه على النصية وقد تهيأ لحمل ثقيل، حتى مال به السلم شمالا ويمينا وكاد يسقط به لولا لطف الله لأنه تهيأ لقبض حمل ثقيل فشد عضلات جسده كاملة لهذه المهمة، لكن توازنه اختل حينما ألفاها تنكة فارغة.نزل الرجل عن السلم وقد أسقط في يده وخاب أمله وسيطر عليه الذهول لعدة دقائق واستحال لون وجهه إلى لون الكركم لهول الفاجعة، وطفق الرجل يضرب كفا فوق كف وهو يبسمل ويحوقل ويهلل ويستغفر. ولم يتناه إلى ذهنه إلا أن الملائكة هي التي أكلت الحلاوة انتقاما، ولا نعرف تماما كيف تفتق ذهنه عن مثل هذا الاعتقاد الذي يبدو أن له جذورا بعيدة في المعتقدات الشعبية، وإلا فكيف يتهم الملائكة ويعتبر أنها تأكل حلاوته انتقاما؟فحسب رأيه فإن الملائكة غير راضية عن الوضع الجديد للمجتمع أو للأسرة على الأقل، وربما اعتبر أن مجرد انتقاله من حجرة الأجداد العتيقة إلى بناء جديد كان فسادا وفسقا أغضب الملائكة وأثار حنقها، وربما ربط ذلك أيضا مع ما يشهده المجتمع من تغيرات بدأت تنتشر بسرعة في المجتمع الفلسطيني مع نهاية حقبة السبعينات، ويتجلى ذلك في انتشار التعليم وانتشار الخدمات كالكهرباء وسيادة نمط الملابس الغربية على المجتمع وسفور البنات وغير ذلك الكثير.وهكذا لم يجهد نفسه بالتحقيق في الأمر، على العكس من ذلك فقد قرر أن يقدم أضحية تكفيرا للذنوب والمعاصي، فتحامل على نفسه وعلى ميزانية الأسرة واشترى كبشا كبيرا وذبحه لوجه الله وقدم منه للفقراء ولصلات الأرحام، وكانت فرصة أخرى لمحمد أن يوغل في أكل اللحم بعد أن أشفى غليله في الحلاوة قبل ثلاثة أسابيع.مضت بضع سنوات وأبو محمد يسرد قصة الملائكة والحلاوة على مسامع القوم وكان ينطلق من ذلك أو ينتهي إلى نقد المجتمع ونقد الأخلاق ثم الدعوة إلى التمسك بالدين والقيم والأخلاق والتمسك بكل قديم قبل أن يأتي أمر الله بالسخط، فيما كان محمد يتمتع بسماع ذلك طوال تلك السنوات إلى أن أضحى محمد طالبا في السنة الأولى في الجامعة، إذ صار يمتلك الجرأة الكافية ليفصح عن السر الكبير.وذات يوم عاد محمد يوما من الجامعة بعد غياب استمر بضعة أسابيع هاجت خلالها أشواق أفراد الأسرة لعودة ابنهم المحبوب. ولما وصل المنزل عصر ذلك اليوم، وجد والدهُ يتوسط دائرة من الرجال ويقص عليهم حكاية الملائكة التي أكلت تنكة الحلاوة انتقاما مما يشهده المجتمع من انحراف عن جادة الصواب، وكان البعض منهم قد مل سماع هذه الحكاية اللامنطقية، في تلك الأثناء وصل محمد وسمع بما يجري، فما كان منه إلا أن انتفض على نفسه وعلى والده واعترف بجريمته التي مضى عليها أكثر من خمس سنوات،- أنا الذي أكل الحلاوة يا والدي وكفى بالله عليك اتهاما للملائكة. لقد مللنا سماع هذه الخزعبلات يا والدي غفر الله لك.وعلى خلاف ما توقعه، فقد لاقى تصرفه ذلك استحسانا كبيرا لدى الختيار الذي كان يشق عليه أن يتخيل أن بعض الملائكة غضبت عليه وانتقمت منه بأكل نصية الحلاوة، وما كان منه إلا أن يعلن أنه الآن أكثر سعادة لمعرفة السر الحقيقي، وأن ذلك يستحق الاحتفال بذبح خروف ثانٍ تقربا لوجه الله الذي أظهر براءته من الفسوق والفساد. إضافة إلى ذلك فقد دشنت الأسرة في ذلك اليوم فتىً شجاعا كان يحمل اسم قريته كاملة. ومنذ ابتداء الوليمة الكبيرة حتى نهايتها، كان البلعاوي الأب يتمتم لنفسـه:- ظهر الحق، ظهر الحق، ربي لك الحمد فالملائكة لم تأكل الحلاوة.
4 –
حكاية بذلة الجوخ
كان البلعاوي يقضي جل وقته في الجامعة وفي أطراف رام الله، وكان دينمو أساسي في النشاطات الوطنية الطلابية، كثيرا ما كان يقوم بمراقبة الشوارع في رام الله متصديا هو وجماعة من أصدقائه لسيارات المستوطنين ودوريات الاحتلال التي كانت تمر من المنطقة، وكانت جامعة بيرزيت آنذاك تعتبر مركزا أساسيا لتوجيه العمل الوطني والنضالي إضافة إلى كونها صرحا أكاديميا مرموقا. وكانت أعداد كبيرة من طلبتها القادمين من المحافظات البعيدة يسكنون في قرية بيرزيت أو مدينة رام الله (كانت رام الله قرية كبيرة)، مما سيوفر فرصا كبيرة للاحتكاك والتفاعل بين هؤلاء الطلبة القادمين من مختلف المحافظات بما فيها محافظات غزة.وكانت الأراضي المحتلة آنذاك تشهد حراكا كبيرا على كل المستويات، وراحت تشهد نهضة وطنية حينما شرعت م.ت.ف تشجع على تأسيس المؤسسات الوطنية والنقابية والشبابية والمرأة والتعليم...إلخ. مما أتاح الفرصة لانتعاش أبناء الطبقات الفقيرة في التعليم وفي قيادة العمل الوطني.ذات مرة مكث البلعاوي بضعة أسابيع دون أن يعود إلى منزل أسرته في طولكرم وقد انخرط في الكثير من الأنشطة الطلابية داخل الجامعة وخارجها أيضا في أطراف رام الله وقراها، في تلك الأثناء كان عم له يعمل في الكويت قد أرسل له بذلة (طقم) من الجوخ الفاخر ووصلت لأسرته فعلقوها على أحد الجدران لبضعة أيام بانتظار صاحبها، وبسبب دخول موسم البرد في أوائل الشتاء، قرر والد محمد المزارع المسن أن يستغل البنطال فلبسه تحت قمبازه فأعجبه ذلك كثيرا بعد أن صارت ساقاه تحس بالدفء لأول مرة في حياته ربما، وكان يذهب إلى أعماله الزراعية مطمئن البال دافئ القلب ودافئ الساقين، كيف لا وهو يلبس بنطالا من جوخ يغطي كامل ساقيه بعد أن كان لا يعرف غير ذلك النوع من السراويل القصيرة التي تصل إلى الركبة فقط ، وهي فضفاضة جدا ولا تقي الأطرف السفلى جائحة البرد القارص.ولما رأي الحاج أن محمد تأخر كثيرا، ولم يكن الهاتف الأرضي معروفا في قريتهم حينها، فقد رأى أن الجاكيت يصلح أيضا لتدفئة ظهر الفرس، والفرس عند الفلاحين هي فرس للحراثة والأعمال الشاقة وليست للرفاه، لكنها مع ذلك تستحق أن يدفأ ظهرها بقطعة قماش من الجوخ الذي لا يثير أحدا في المنزل، ولذلك فقد وضعها فوق ظهر الفرس وتحت البردعة (الحِلس)، وصار يروح ويجيء وهو أكثر اطمئنانا من ذي قبل لأن فرسه باتت أكثر نشاطا وحيوية.مضى على استغلال بذلة الجوخ الكويتية أكثر من أسبوعين حينما عاد محمد إلى منزل الأسرة لجلب التمويل المالي بعد طول غياب، وما أن فرغ من تقبيل يدي والدته ، وما أن فرغت شقيقاته من تقبيله حتى دخل والده فناء المنزل يركب فرسه وقد أضناه العمل منذ ساعات الصباح الباكر، هب محمد لملاقاة والده فقبل يده وأخذ منه رسن الفرس ليعقله في مكانه، في هذه الأثناء انطلقت ضحكات بعض شقيقاته بعد أن تفطن لبذلة الجوخ حينما شاهدن البنطال على والدهن وقد كساه الطين الأحمر، فيما أطراف الجاكتة كانت بادية على ظهر الفرس وقد كسيت بطبقة من شعر الفرس وعرقه.استغرب محمد غمزات شقيقاته وضحكاتهن وتمتمتهن وهن يعرفن ما في شقيقهن من بعض العصبية وبعض النزق ، وما أن علم بالأمر حتى جن جنونه وراح يصيح بنزق وهو يتفحص ساقي والده أولا وقد هاله ما شاهده من طين أحمر على أطراف البنطال الذي أصبح خلقا رثا، وجن جنونه أكثر حينما تأكد تماما أن ظهر الحصان تدفأ ببذلة له لم يفرح بلبسها، راح محمد يقلب الجاكيت بين يديه ويتفحصها بعينين فاغرتان بعد أن خلعها عن ظهر الحصان، ثم ما لبث أن هدأ من روعه لأنه يعرف أن الصياح والغضب باتا لا يفيدان وقد وقعت الفأس في الرأس وصار المطلوب الآن العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه . لذلك راح يتمتم ويقول: سامحك الله يا حج، سامحك الله يا والدي،،،ثم تجرأ وقال شبه آمر: - يا الله يا حج روح اخلع البنطال تنشوف هالمصيبة. وكان الختيار يقول بكل هدوء وبساطة فيما كان يُسحل البنطال عن ساقيه:- خمنت أنها لن تعجبك، وشُفتك طَولتْ بالجامعة فقلت نستغلها أنا والحصان، لأننا نحن من يعيل الأسرة وليس طقمك الهامل هذا.في النهاية، استدرك محمد الأمر، وذهب ببذلته إلى محلات الغسيل الجاف والخياطين وأصلح من أمرها قدر الإمكان ، ثم لبسها وعاد بها إلى الجامعة بعد يومين متبخترا كطاووس صغير، لكن رائحة الحصان كانت ما تزال تفوح من البذلة مما اضطر محمد أن يعترف لبعض أصدقائه بالقصة، ومنهم صديقه ماهر الذي وجد ذلك مناسبة لينتقم من مكيدة البحر الميت في الصيف السابق فيسرب القصة إلى الزملاء الآخرين، لكن محمد كان يستخدم اسلوب عدم الانكار بل يبالغ في ذلك ويقول إنه التزم لوالده بإعادة البنطال له والجاكيتة للحصان مع أول الشتاء بعد ثلاث سنوات.وعلى الأرجح أنه نفذ ما وعد به بعد ثلاث سنوات.
5 –
البلعاوي مديرا
واصل محمد البلعاوي دراسته في الجامعة وكان بين الحين والآخر يلبس بذلة الجوخ مما كان يثير تندر بعض أقرب أصدقائه، خصوصا أن ارتداء البذلة لم يكن مألوفا في الجامعات في تلك الفترة، حتى بين الأساتذة وأغلب الإداريين.ورغم أن الجامعة أغلقت أكثر من مرة من قبل قوات لاحتلال إلا أن الدراسة كانت تتواصل عن طريق برامج تعويضية، حيث تعقد المحاضرات في منازل بعض الطلبة أو بعض الأساتذة أو بعض المؤسسات والأندية في رام الله والقرى المحيطة. مما مكن البلعاوي من التخرج في مدة قياسية وهي خمسة سنوات، رغم أن معدل سنوات التخرج في تلك الفترة كان يصل إلى 6 سنوات وربما أكثر للكثير من الطلبة بسبب الإغلاق المتكرر للجامعة أو بسبب الاعتقالات التي تقع في أوساط الطلبة بين الحين والآخر.وتبسم القدر لمحمد فعمل مديرا لمؤسسة مالية في مدينة طولكرم القريبة، وهذا ما شجعه على استعجال الزواج من زميلة له كان يعرفها في الجامعة وتخرجت هي الأخرى وراحت تعمل مدرسة في إحدى المدارس القريبة، وبدا محمد أكثر نشاطا وحراكا من قبل رغم زواجه وعمله، ويبدو أن الزواج والعمل أمداه بطاقات جديدة فكان لا يهدأ ولا يستقر وغالبا ما يبادر إلى تشكيل مجالس السهر مع أعداد كبيرة من أصدقائه في البلدة أو في البلدات المجاورة كعنبتا وكفر رمان أو مدينة طولكرم وحتى نابلس أحيانا. كان محمد يطمح إلى بناء منزل متواضع له بدل المنزل القديم الذي يقيم به ، وهو ملك لبعض أقربائه وكان مهجورا وآيلا للسقوط من النمط البائد إلى أن استوطنه محمد، غير أن ما ينغص عليه أنه ما يزال مضطرا لتسديد بعض الديون التي تحملتها الأسرة جراء عرسه الذي أصر على أن يكون عرسا حافلاً كبيرا جلبت فيه الأحصنة وقد امتطى العريس حصاناً وجاء الزجالون والقوالون من أصدقائه وأصدقاء أصدقائه وأقاموا حلقات الزجل في الساحات وفي الشارع وكأنه موكب المندوب السامي للبلاد، وشارك في العرس أصدقاء محمد وزملاؤه الذين جاءوا من أماكن بعيدة من الخليل وغزة جنوبا حتى جنين شمالا.انتهى العرس وأسبوع العسل وعاد محمد إلى عمله في المؤسسة التي يديرها، وكان لم ينقض على عمله ذاك سوى اقل من عام بقليل عندما اندلعت أحداث الانتفاضة الأولى بشرارة من مخيم جباليا في قطاع غزة سرعان من اشتعلت في مخيم بلاطة قرب نابلس لتنتشر في اليوم التالي في أغلب قرى ومدن ومخيمات الأراضي الفلسطينية، فأنخرط فيها مثله مثل الشباب الآخرين.وبعد مرور شهرين على اندلاع الانتفاضة وبتاريخ 3/2/1988 استشهد الشاب البلعاوي إبراهيم منصور حمدان وهو احد أبناء عمومة محمد ومن أصدقائه المقربين، مما زاد الموقف صعوبة في القرية ومما استدعى مواجهات يومية بين القوات الإسرائيلية و"القوات الضاربة" التي أصبح البلعاوي من أنشط قادتها الميدانيين، ومما كثف من ضغط القوات الإسرائيلية على سكان القرية والمنطقة .كانت القوات الضاربة تعلن بعض قرى أو المناطق بين الحين والآخر كمناطق محررة ، وكانت تنظم نفسها تنظيما محكما بحيث يصعب على القوات الإسرائيلية دخولها في ساعات الليل، لذلك فقد كانت سلطة النهار للقوات الإسرائيلية وسلطة الليل للقوات الضاربة. وما هي إلا أيام بعد استشهاد إبراهيم حمدان، حتى صار البلعاوي المطلوب رقم واحد في منطقته. لذلك راحت القوات الإسرائيلية تكرر مداهمة منزله نهارا أو المؤسسة التي يعمل بها دون أن تفلح في إلقاء القبض عليه.انتشرت حواجز جيش الاحتلال وراحت الانتفاضة تضطرم يوما بعد يوم فتعطلت الكثير من الأعمال ومنها المؤسسة التي يديرها البلعاوي في طولكرم القريبة.وكانت فرصة له أن يتفرغ لنشاطات الانتفاضة قائدا ميدانيا وموجها ومحرضا.وتستمر الأيام والأسابيع دون أن تلوح في الأفق أية نهاية للانتفاضة أو أية مخارج أو نتائج ملموسة رغم ارتفاع الحالة المعنوية للناس ورغم حفاظهم على الإصرار وعلى نيل الحقوق مهما طال الزمن ومهما عظمت التضحيات.كانت زوجة محمد تواصل إدارة المنزل منفردة بكل صبر ورباطة جأش لأن زوجها نادرا ما يستطيع دخول البيت في ساعات النهار، بل كان يزورهم لماما مرة أو مرتين في الأسبوع في أواخر الليل وكان ذلك بعد تنظيم رقابة مناسبة يستطيع من خلالها محمد الانسحاب من المنزل في الوقت المناسب وقبل وصول القوات الإسرائيلية، ومما ساعده على ذلك أن معظم المحيطين بمنزله هم من أقربائه الأدنى، وكانت النساء تتولى الرقابة في محيط المنزل بينما يتولى الشبان الرقابة على مداخل القرية وفي محيطها، وفي حالة معاينة أية دوريات لجيش الاحتلال كان الشبان يطلقون صفيرا من أفواههم سرعان ما يتردد صداه في أرجاء القرية فتعلن حالة التأهب القصوى وتندلع المواجهات فور اقتراب تلك الدوريات، ولم يكن محمد هو المطلوب الوحيد بل ثمة الكثير منهم.وضعت زوجة محمد مولودها الأول أثناء الأشهر الأولى للانتفاضة فأسموه عاصف، ومن ذلك الحين ثبت الاسم شرعيا وصار أبو عاصف ماركة مسجلة للبلعاوي.غير ان الأمور الحياتية بدأت تسوء حيث توقف مصدر الدخل وشحت الأموال، لذلك قرر أبو عاصف أن يستجيب لعرض صديقه أبو خالد الذي يعمل "قصيرا" في المنطقة، وهي المهنة الأصعب من بين كل مهن البناء، وكانت مهمة أبا عاصف هي تحضير الطينة المجبولة ونقلها إلى المعلم أبا خالد، قبل أبو عاصف التحدي فاصطحب معه ملابس رثة للعمل وهو يمني نفسه بدخل يقيه وأسرته شر السؤال، كذلك أمل في نفسه أن يجد ملاذا في النهار يبتعد فيه عن أعين العسس وحملات الجيش الإسرائيلي التي ظلت تداهم منزله والمنازل الأخرى بين الحين والآخر خصوصا في ساعات النهار.مضى أسبوع على البلعاوي أبا عاصف وهو يعمل في خدمة القصير أبا خالد، ولحسن الحظ، فإن العمل كان عبارة عن قصارة بئر يقع في ظاهر القرية في أرض زراعية فسيحة تحيط بها مزارع الزيتون، وكان أبو عاصف قليل النوم طوال عمره وقد اعتاد أن ينهض من مراقده المتغيرة من ساعات الصباح الأولى وقبل بزوغ الشمس، ومن هناك كان يعبر أزقة القرية الملتوية وينفذ إلى ظاهر القرية فيبادر إلى عمله بحيوية ونشاط حتى ساعات المساء حيث سيبدأ عمله الآخر، ويبدأ بممارسة سلطاته الميدانية.وذات يوم، وصل محمد منطقة عمله ونزل في البئر وراح يحضر جبلة الطين التي سيعمل بها معلمه الذي سيأتي بعد قليل، وفعلا وصل المعلم لكنه قرر أن يشرع في تحضير الشاي قبل وصول البئر والنزول فيه، فراح يشعل بعض أعواد الحطب وهو لا يعلم أن البلعاوي في البئر، ولا يعلم أن مجموعة من عناصر الجيش الإسرائيلي كانت تكمن وراء أشجار الزيتون بانتظار قدوم البلعاوي في تلك اللحظات وفقا لتقارير رصد العملاء التي زود بها قائدهم "الكابتن نائل" ولم يكونوا على علم أن البلعاوي وصل قبلهم واختفى في البئر الضخم، وعلى حين غرة وبلا أية مقدمات، كانت أعداد كبيرة من أفراد الجيش الإسرائيلي تبزغ من بين الأشجار، وتركض صوب أبا خالد الذي ينهمك في صنع الشاي، لكن المسافة بينهم كانت كافية لإغرائه بالهرب، فأطلق ساقيه للريح، وتبين أن شبانا آخرين كانوا في المنطقة أو في منازلهم القريبة قد شاهدوا الموقف فركبوا الريح أيضا واتجهوا نحو الأودية الصعبة القريبة ملتفين بين الأشجار والصخور كالغزلان البرية التي تطاردها الذئاب الجائعة. ظل الجنود يتابعون الهاربين بين الأودية ولكنهم عادوا وتوقفوا عن المطاردة حينما تبين لهم أن المطاردين استطاعوا قطع الأودية الصعبة والدخول إلى قرية كفر رمان القريبة. وفي تلك الأثناء كان البلعاوي قد خرج من البئر على صوت الجلبة منذ بدايتها، فانتحى جانبا وراح يرقب الجنود الذين اضطروا للتوقف عن المطاردة والالتفاف حول المنطقة إلى حيث كانوا قد أخفوا مركباتهم العسكرية، ولم يطمئن تماما إلا حين اعتلى الجنود مركباتهم وقفلوا عائدين بعيدا عن القرية.وهنا قرر أبو عاصف أن يبادر لإنقاذ جبلة الطين قبل جفافها ، فأمسك بعدة العمل الخاصة بالمعلم أبو خالد وباشر العمل بكل عزم وإصرار محاولا إنتاج أفضل جودة ممكنة في عمله الصعب هذا، وما أن عاد المعلم أبو خالد حتى دهش لعمل البلعاوي الذي يضاهي عمل أي معلم مخضرم، فما كان منه إلا أن هنأه على مبادرته وحسن تصرفه وأعلن أنه يمنحه شهادة مهنة القصارة وهو يُدشنه منذ الآن معلما كامل المواصفات رغم أن خدمته بالكاد أكملت الأسبوع.كذلك سر كثيرا صاحب الورشة، وأعلن عن تكريم البلعاوي والعمال الآخرين بغداء دسم من طعام المسَخنْ ( الدجاج البلدي المشبع بزيت الزيتون والبصل المفروم على الخبز) لأنه أنقذ له مبلغا لا بأس به من المال الذي اشترى به الاسمنت والرمل وخلافه.ومنذ هذا اليوم سيصبح للبلعاوي مهنة أخرى، هي مهنة القصارة إضافة إلى وظيفته كمحاسب أو مدير حسابات سابق. لكن الأهم أنه صار المطلوب رقم واحد في منطقته حتى ذلك الحين. فإلى متى يستمر نجاحه في مراوغة القوات الإسرائيلية؟؟ خصوصا أن ( الكابتن وائل) مسئول المنطقة في جهاز الشين بيت الإسرائيلي يتوقع نقله من المنطقة ويرغب بتحقيق إنجاز ملموس قبل ذلك يسجل في ملفه الأسود.
6 –
ضحية أخرى
كان محمد البلعاوي قد أفلت من الاعتقال وخيب ظن الكابتن "نائل" قبل بضعة أسابيع حينما داهمه بقوات راجلة في منطقة قصية من القرية حينما كان يعمل في أعمال البناء، لكن الكابتن نائل لم ولن ييأس من إلقاء القبض على محمد وعلى مطلوبين آخرين، وذلك ليسجل في ملفه قبل انتقاله المزمع بعد أيام أو أسابيع قليلة.ظل محمد يزاول نشاطه المعتاد رغم أنه رزق بابنه البكر "عاصف" ومضت شهور ثلاثة على ذلك الحدث حينما قام بشراء كبش كبير قرر أن يذبحه "عقيقة" لابنه البكر. ولأجل هذا الغرض اتفق مع جزار القرية الذي وافق بلا تردد لقلة الأعمال في ذلك الوقت، لكنه طلب من محمد أن يسبقه إلى المنزل كي يتوضأ وليقضي بعض شؤونه بعد أن حمله عددا من عتاده من ساطور وسكاكين طويلة كان الدم ما يزال عالقا ببعضها.حمل محمد الأسلحة البيضاء المعفرة بالدم وراح يتبختر بين الأزقة القديمة وعبر السوق الصغير الذي يتكون من بضعة دكاكين مظلمة وصالون للحلاقة ومحل لبيع الدجاج، وهناك التقى بصديقه ورفيقه طارق، كان طارق هو الآخر من أهم المطلوبين لقوات الاحتلال في تلك الفترة، بادره محمد وطلب منه مرافقته إلى المنزل للمساعدة في ذبح الكبش وتقطيعه، لم يمانع طارق لكنه طلب مهلة ريثما يدخل إلى صالون الحلاقة ويقص شعره الذي مضى عليه وقت طويل دون قص وترتيب ووعد محمد اللحاق به حال الانتهاء من قص الشعر خلال دقائق. لم تمض سوى دقائق معدودة حينما غادر محمد المنطقة متوجها إلى منزله، حيث أفراد الأسرة بانتظار الحدث الكبير في حياة الأسرة. حينها كان المؤذن يرفع آذان المغرب في ذلك اليوم الثاني عشر من شهر أكتوبر/ تشرين أول من العام 1989 وفي الأثناء كانت سيارتان مرسيدس صغيرتان تتوقفان أمام المحل بشكل مفاجئ لينهمر منهما سيل من الرجال المسلحين بألبستهم المدنية مصوبين أسلحتهم النارية نحو كافة الشباب الواقفين هناك. وعلى الأرجح فقد جاءوا لاعتقال بعض المطلوبين بناء على معلومات عاجلة ودقيقة، ولا بد أن ذلك حدث في وقت مبكر، أو أنهم كانوا في حالة استنفار في المنطقة وتلقوا بلاغا مستعجلا فوصلوا الموقع بسرعة.طلب الجنود "المستعربين" من الجميع رفع أيديهم والاستسلام، كان طارق ما يزال على كرسي الحلاقة ولم ينجز الحلاق سوى نصف رأسه الأيمن، حاول التملص لكن أين! لقد ألقي القبض عليه في أضعف ما يكون وضع الإنسان تقريبا، كان الكابتن "نائل" هو قائد العملية وهو يخاطر بنفسه وبجنده لينجز اعتقال بعض أهم المطلوبين قبل انتقاله إلى منطقة أخرى.أما محمد فقد دهش لصوت الصفير المفاجئ وسط القرية التي غادرها قبل دقائق، وكانت الأسلحة البيضاء ما تزال في يده ولم يبلغ منزله بعد، عاود محمد طريقه فيما صفير الإنذار الذي يطلقه الشباب والفتيان يعلو ويزداد يتلوه صراخ ثم إطلاق صليات متتالية من الرصاص. حينها أدرك أن الحدث كبير وجلل فراح يركض إلى حيث مركز الحدث.وصل محمد أبا عاصف مركز القرية وبانت له الصورة ناصعة، لذلك انهمك في إدارة الحدث الآن ومشاركة الشباب والبنات والرجال والنساء ضرب الحجارة نحو الجند الأغراب المستعربين.الحجارة كانت تنهمر على الجنود الذين ما زالوا يحاولون الانسحاب بضحيتهم دون أن يفلحوا في ذلك، وصار الوقت يمر بصعوبة وبات الموقف في غاية الخطر بعد أن تجمع الناس من حول الأغراب المعتدين، وباتت الحجارة تنهمر فوق الرؤوس كانهمار البَرد. نجح الشباب في ضرب طوق محكم حول الأغراب المستعربين، إنها المرة الأولى التي يشاهد الشباب والناس فيها محمد أبا عاصف يحمل مثل هذه الأسلحة البيضاء الطويلة التي تقطر دما، لا بد أنه أوغل في دماء المستعربين بهذه الأسلحة، البعض همس في نفسه أو للآخرين قائلا: لا بد أنه فارس من فرسان زمان الذين سمعنا أن سيوفهم كانت تقطر دما في حومات الوغى، الدهشة تعلو وجوه بعض النساء والرجال، بعض النسوة أطلقن الزغاريد حينما شاهدن الأسلحة التي تقطر دما في يد أبا عاصف، فيما بعض النسوة الأكثر تعقلا رحن يرجونه أن يبعد هذه الأسلحة الخطيرة لأن مجرد مشاهدتها من قبل الجنود تجعلهم يطلقون النار بلا تردد، وكان البعض من الشباب يمسك بأذرعة محمد ويحاول ثنيه عن مواصلة الهجوم والقتل فيرجونه أن لا يرمي بنفسه إلى التهلكة بهذه الطريقة العنترية التي لا تفيد لأن الرصاص سيصلك قبل أن تتمكن من رفع سلاحك هذا، "وليس في كل مرة تسلم الجرة" * وستكون مذبحة في أبناء البلدة.أدرك محمد أنه وقع في كمين محرج، ثم همس لنفسه " إلي بدري بدري واللي ما بدري بقول كف عدس"* لذلك راح يصيح: يا جماعة هذه ليست لي، هذه للجزار،،هل تعتقدونني طرزان القرية!؟. ثم ما لبث أن ركنها جانبا خلف أحد الأبنية، وراح يشمر عن ذراعيه ويضرب بالحجارة مثله مثل الآخرين.كان الكابتن "نائل" قائد العملية قد بدأ يفقد قدرته على القيادة، لكنه ظل يتوسل التعزيزات عبر الهاتف الذي يحمله في يده. ولم يكن أمام المستعربين غير الدخول في دكان صغير ليحتموا به مع ضحيتهم طارق، ومن شق صغير في الباب راحوا يطلقون زخات متتالية مجنونة من الرصاص في اتجاهات عشوائية. وبدا الأمر وكأن مذبحة كبيرة ستقع تحت جنح الظلام. حيث استمرت الاشتباكات حتى منتصف الليل حينما وصلت التعزيزات الضخمة بواسطة الطائرات المروحية وطوقت البلدة بالجنود وأعلن منع التجوال، واستطاعت أعداد كبيرة من الجند اختراق الطوق والوصول إلى الجند المحاصرين والانسحاب بالمركبات المصفحة مع أسيرهم.كانت القرية حينها قد منيت بعدد كبير من الجرحى جراء صليات الرصاص المجنونة من قبل الجند المحاصرين، وكان الهم الأكبر لأبنائها هو إسعاف عشرات الجرحى إلى مستشفيات المدينة، لكن "سونيا الواوي" ابنة الثامنة عشرة كانت قد ارتقت شهيدة تلك الليلة بطلقة في الصدر.في صباح اليوم التالي وبمبادرة من "اللجان الضاربة" انطلق أبناء القرية شيبا وشبابا ونساء ورجالا ليكسروا الطوق الذي ضرب عليهم خلال ساعات الليل، وراحوا يهتفون باسم الشهيدة سونيا حيث تجمعوا معا وسط القرية وواروا جثمانها الطاهر التراب بينما روحها ترتقي إلى أعالي السماء.أما محمد فقد نجا مرة أخرى من الاعتقال، وكذلك نجا كبشه من الذبح، لكن إلى حين.هوامش :- مثل شعبي فلسطيني وربما معروف في بلدان بلاد الشام وغيرها، ويقصد به أن النجاح لا يضمن تحقيقه دائما.- مثل يقال في فلسطين وغيرها ويقصد به أن الحقيقة هي في غير الظاهر للعيان في هذه الساعة. وأصل المثل قصة طريفة.
7 –
ليلة اعتقال محمد
تسلم زمام المنطقة جنوب طولكرم في جهاز الشين بيت الإسرائيلي ضابط جديد اسمه الكابتن (النقيب) "ألون" ، ويبدو أنه من أصول أوروبية رغم أنه بات يتقن اللغة العربية التي درسها في الجامعة العبرية على مدى سنتين، وكان من ضمن مهماته اعتقال عدد من المطلوبين المصنفين مهمين أو خطرين ومنهم صديقنا محمد البلعاوي.إن مجرد تحقيق نجاح باعتقال مطلوبين سيسجل في ملف الضابط وسيفيده في تسريع الترقية، لذلك أعد الكابتن ألون خطة محكمة هذه المرة بعد أن فشلت خطط سلفه الكابتن "نائل". وكان قبل ذلك قد انكب على دراسة ملفات القرية ، وسكانها وأعمالهم وألقاب عائلاتهم ونشطائهم وتنظيماتهم وأيهم أكثر غنى وأيهم أكثر فقرا وأيهم طلبة جامعيين وفي أي الجامعات وأيهم يضمر أحقادا لجاره وأيهم كان له سوابق في السجون والمحاكم الإسرائيلية وغير ذلك مما لم يتمكن الضابط الجديد من استكماله منذ أن بدأ فيه منذ أسبوعين.كان محمد يسكن في طرف القرية القديمة، وكان البيت من الطراز القديم المبني قبل مئة عام وهو آيل للسقوط. وإذ ذاك كان محمد قد رزق بابن صار عمره الآن حولين وبنت أخرى رضيعة. وفي تلك الفترة كان محمد يشارك أصدقاءه الشباب بعض فعاليات الانتفاضة ويزاول أعمال البناء في النهار كلما تيسر له أي عمل، فقد أصبح قصيرا ماهرا منذ أكثر من شهرين.وصل الكابتن ألون على رأس قوة عسكرية إلى مشارف القرية عند انتصاف الليل وبعيدا عن أعين الرقابة التي كانت تمارسها لجان تطوعية تسمى "القوات الضاربة"، وقام أفراد القوة العسكرية بإبقاء مركباتهم في منعزل بعيد وراحوا يتسللون عبر بعض الحقول وتحت جنح الظلام.في تلك الليلة ظل محمد يجوس بين أصدقائه وبين شباب القوات الضاربة حتى فجر اليوم التالي، وبعد أن اطمئن إلى سلامة الحال، فقد تسلل عبر الأزقة وولج إلى منزله كعادته في بعض الليالي.لم يمض على دخوله سوى ثوانٍ معدودة عندما سمع صوت جلبة تنهمر من كل صوب وحدب، أحس بوقع خطوات حول البيت وفوق سطح المنزل، وما أن فتح الباب الرئيس للمنزل حتى واجهه بعض الجنود مشهرين أسلحتهم إلى رأسه.أسقط في يد محمد وهو يواجه مصيره وحيدا ودون علم من عناصر لجان الحراسة والقوات الضاربة، وشعر بنفسه ريشة في مهب الريح وهو يحاول امتصاص وقع المفاجأة، فعليه أن لا يستسلم وعليه أن يناور قدر الإمكان، فلعل وعسى. هكذا برقت الأفكار في مخيلته.كان أول ما تفوه به الكابتن ألون هو طلب الهوية وسؤاله عن أسمه وبصوت خافت جدا، في المقابل راح محمد يرفع صوته عاليا وهو يجيب:- أظنك قرأت اسمي بالعبرية الفصيحة في بطاقة الهوية، أنا محمد حمدان...هل ثمة اسم آخر في بطاقتي التي بين يديك؟ -لكن،،،أليس لك اسم آخر؟ رد الكابتن ألون بتردد.- اسم آخر، لا ليس لي إلا اسم واحد وهو بين يديك.- ألست محمد أبو طبق؟ رد الكابتن نائل بصوت خافت ايضا وهو يدقق البطاقة ويتفرس وجه محمد.- أبو طبق، من أبو طبق هذا؟ صاح محمد بصوت مرتفع. مما حدا بالكابتن نائل لتحذيره مرة ثانية من رفع صوته.في هذه الأثناء، كان بعض الجنود الذين تسلقوا سطح المنزل قد بدؤوا بالنزول إلى ساحة المنزل بعد أن تأكد لهم أن الأمر ليس بتلك الخطورة التي هيئوا لها، إن الشاب أعزل وهو فوق ذلك قصير القامة وبالكاد تبلغ قامته طول بندقية الميم 16 التي يحملونها. وفي هذه الأثناء، ندتْ عن محمد لفتة وامضة، إذ تنبه إلى أن بعض حجارة السطح على وشك السقوط في باحة المنزل ، وهي بانتظار لمسة صغيرة من قدم احد الجنود الذين بدأوا بمحاولة النزول في باحة المنزل، فبادر بسرعة إلى التقاط السلم الخشبي المركون في باحة المنزل الصغيرة وراح يسنده بحرص إلى الحائط مطالبا الجنود الحذر لأن الحجارة على وشك السقوط. وبالفعل، استند الجندي إلى السلم وهبط بحذر كبير، وما أن نزل الأخير حتى سقط حجر كبير في باحة المنزل كان يمكن أن يؤذي أحدهم لو أصابه.استغرب الجند هذه الفطنة في هذا الموقف وأعتبره بعضهم موقفا إنسانيا من الشاب الذي جاءوا لاعتقاله وقد هيئهم قائدهم أنهم بصدد اعتقال رجل خطير وشرير قد يبادر إلى إيذاء الجنود في أي لحظة. ومن هنا، فإن أغلب الجنود اسندوا بنادقهم وحولوها بعد أن كانت مصوبة جميعا إلى الشاب الذي تبين من خلال هذا الحوار أنه إنسان عادي جدا، وله زوجة جميلة، تتحدث الإنجليزية بطلاقة وتقارع الكابتن ألون بالحجة ، وتبين أن له طفلان صغيران كفراخ القطا. وتبين أن الشاب جامعي أيضا وليس كما اعتقدوا انه خارج من أعماق الغابات.استمر الحوار لبعض الوقت كان خلاله محمد يحاول أن يرفع صوته أملا في أن يسمع جيرانه ذلك فينتقل الخبر إلى لجان الحراسة فيشيع وتعلن حالة الاستنفار فيستعصي على الجنود الانسحاب بدون خسائر، لذلك ظل الكابتن نائل وجنده حريصون على عدم إحداث جلبة مسموعة رغم أن ثمة مسافة كبيرة بين منزله ومنازل جيرانه، مع ذلك فقد ظلوا يحذرونه بضرورة عدم رفع صوته، وبدا أنهم يرغبون بالانتهاء من المهمة بأسرع وقت ممكن، لكن المعضلة أنهم بدؤوا بالشعور أن تقارير الإخباريين قد غررت بهم، فهم بصدد أسم آخر، وليس محمد أبو طبق مثلما يفيد مخبرهم، تراخى الجنود وبدأ بعضهم بمداعبة الطفل ابن السنتين في انتظار أن ينهي الكابتن مهمته فيعتقل الشاب أو ينسحب بقوته، مما زاد من محاولة محمد الظهور بمظهر الشاب الوديع الذي وقع ضحية لبس أو تشابه أسماء ، فلعل ذلك ينجيه من اعتقال قاسٍ لا يعرف كم سيطول وكم سيستمر وأفراد الأسرة بحاجة كبيرة جدا لوجوده في هذه الظروف الصعبة.في اللحظة الأخيرة، خطر للكابتن خاطر ، عاد وطلب بطاقة الهوية مرة أخرى من محمد بعد أن أعادها إليه قبل قليل مع عبارات الاعتذار، وإذ ذاك خرج لبضع دقائق خارج فناء المنزل قبل أن يعود ويقرر أنه لم يخطئ مهمته، وأنه صار متأكدا الآن أنه جاء إلى العنوان الصحيح.جرى تكبيل يدي البلعاوي أمام زوجته وأطفاله الذين أفاقوا منذ بداية وصول زوار آخر الليل ، راح محمد يسير بين الجنود بينما كان بعضهم يدفعه في ظهره بطرف بنادقهم دون أن يفقد أمله بحدوث معجزة تنجيه من هذه الرحلة القاسية عليه وعلى أسرته. فطالما خبر معاناة الاعتقال وتعذيبه في ثلاث مرات سابقة. كان ما يزال يسمع صوت زوجته وهي تواصل كيل اللعنات على المعتدين باللغتين العربية والإنجليزية، ولكنه كان يقول في نفسه: لحجر صغير يضربون به أنفع لي من كل اللعنات، لكن يبدو أن الجميع في سبات عميق.كان السكون يخيم على القرية إلا من حركة أحد العملاء الملثمين بقناع أسود كان يرقب المركبات العسكرية التي أقلت محمد ومعتقلين آخرين وراحت تغيب بعيدا في بحر من الظلام الأسود بينما شرعت بعض الديكة تتبادل الصياح في أرجاء القرية الساكنة حيث بدأت خيوط الفجر تغزو جبالها المحيطة.
8 –
التحقيق في مسلخ طول كرم المركزي
كان اعتقال محمد قد تم فجر ليلة الأحد، وقد اقتيد معصوب العينين مكبل اليدين خلف الظهر مشيا على الأقدام من خلال الحقول إلى أن أودع في مركبة عسكرية على مشارف القرية وجد فيها معتقلين آخرين من أبناء قريته، وقد استطاع معرفة بعضهم من خلال بعض الكلمات التي نطقوا بها تذمرا واحتجاجا على القيود التي كبلوا بها أو احتجاجا على الكيس الكتاني القميء الذي لفتْ به رؤوسهم،،،تحركت المركبات العسكرية وراحت أصوات الديكة في القرية تغيب رويدا رويدا تحت وطأة أصوات المحركات فيما حنينا للقرية وأزقتها بدأ يشب في صدر محمد كجذوة نار تشتعل في تنور حسبه خامدا لوقت طويل، لقد بات يعرف أنه سيكون بعيدا عن قريته وعن أسرته وعن أصدقائه لوقت طويل وأنه سيكون نزيل السجن الإسرائيلي الأسوأ على الإطلاق، إنه سجن طولكرم للتحقيق المركزي الذي طالما عرف بكنيته بين الناس ب"المسلخ".في ذهن محمد صورة واضحة عن التعذيب الذي يجري في هذا المسلخ القذر من خلال زملائه وأصدقائه الذين سبقوه.ظلت السيارات تسير إلى أن وصلت السجن بعد أقل من ساعة من الزمان فتوقفت ليتأكد محمد أنه صار في فم المسلخ الكبير، وبدأ يشتم رائحة السجن الكريهة من تحت الكيس الكتاني الذي يغطي وجهه، ومن هناك جرى اقتياده مع طابور من المعتقلين الجدد فيما ما يزال الكيس القميء يكبت أنفاسه والقيود البلاستكية تحز معصمي يديه.تواصلت إجراءات تسليم المعتقلين وترتيب شؤونهم في المعتقل حتى ساعات الصباح، تفتيش ملابس المعتقلين وتغييرها بملابس السجن، إجراءات التسجيل والتحقق والتوثيق وإنشاء الملفات والتصوير أمام الكاميرا،،،ثم التوزيع كلٍ إلى ما قُررَ له، وغالبيتهم على قسم الشبح ، ومنهم محمد.في إحدى قاعات السجن جرى شبح يديه في مربط أعلى جسده، وكان السجانون قد جعلوا ظهره للحائط ، ومن هنا بدأت رحلة العذاب التي لم يكن محمد ليتفاجأ بها وقد سمع عنها الكثير، خصوصا أنه سبق وأن سجن في معتقلات الفارعة قرب نابلس وسجن رام الله أيضا لبضعة أشهر وسجن المسكوبية في القدس لبضعة أسابيع، لكن رحلة المسلخ لا بد أن تكون أكثر قسوة.إنه فجر يوم الأحد، اليوم الأول له في هذا السجن، لقد بدأ منذ هذه اللحظات التعرف من خلال حواسه على البيئة، بدأ يسمع همس المعتقلين الآخرين من حوله وأنين بعضهم وصيحات الجنود ولكماتهم الموجهة إلى المعتقلين المشبوحين إلى الحائط، وقد عرف بعضهم، وبين الحين والآخر صار يسمع أحد المعتقلين صائحا بسجانيه:- نازيين صهاينة مجرمين،،،،،،،ثم أصوات الركلات تتلاحق وتتداخل مع الشتائم والأنين والعويل.في نهاية هذا اليوم الأول استطاع تخيل المشهد من خلال ما استجمعه من بعض المعلومات والأصوات التي كان يسمعها من المعتقلين المشبوحين أو من خلال حركة الجنود والمحققين وبعض محادثاتهم باللغة العبرية التي يلم بما يكفي منها للتواصل مع البيئة. لقد عرف من خلال زملائه المعتقلين أن صاحب دخان الغليون الذي يعبق المكان هو المحقق الأكثر لؤما وقسوة، إنه الكابتن تصادق، وهو محقق صهيوني من أصول إنجليزية يجد متعته الفضلى في ضرب المعتقلين المشبوحين على أعضائهم التناسلية بركلها بقدمه أو يقوم أحيانا بفركها بقبضة يده بكل وحشية، مما يؤدي إلى حالات إغماء لبعض المعتقلين أحيانا.لقد ذكره غليون هذا المحقق بالدكتور ألبرت أغازيان الذي كان عميدا لشؤون الطلبة في جامعة بيرزيت قبل تخرج محمد من الجامعة منذ ما يقرب من عام، كان الدكتور أغازيان مواطنا فلسطينيا فذا ينحدر من اسرة أرمنية وكان يتحدث سبع لغات بطلاقة. وكان الدكتور ألبرت لا يسير في الجامعة إلا ودخان غليونه يتبعه ويشير إليه، لكنه أسف في نفسه لهذا الخاطر لأنه لا يمكن مقاربة صورة رجل متحضر وآخر وحشي جاء مع أفواج من مصاصي الدماء ليستولي على أرض شعب آخر.كان المحقق تصادق يشق طريقه بين صفي المعتقلين المشبوحين إلى الجدران فيما دخان غليونه يُعلن عن حضوره الوحشي ، وكان بوسع محمد تخيل المشهد المريع، عشرات من الشبان وقد شبحت أيديهم إلى حائط طويل، إنهم أشبه بالذبائح المعلقة في مسلخ، لا وجوه لهم لأن رؤوسهم غطيت بالأكياس القميئة، بعضهم كان يفك قيده ثم يساق إلى غرف التحقيق فيعود بعد ساعات أو لا يعود، الحركة في السجن قد تبدأ منذ ساعات الصباح وحتى منتصف الليل. بعض المعتقلين يتوسل شربة الماء فلا يستجاب له لعدة أيام قد تصل إلى أسبوع أو أكثر قليلا،،،مضى يومان وليلتان على محمد حتى الآن دون أن يرفع عن وجهه الكيس القميء أو دون أن يزود بشربة ماء، بدأ يحس بجسده قطعة يابسة من الخشب، لكنه بدأ يمني نفسه بأنه سيشرب الماء ويرفع الكيس عصر يوم الجمعة الذي لم يبق عليه سوى أربع ليال وثلاثة أيام. لا بأس أن نجعل من بعض الأمنيات الصغيرة معينا لآمالنا الكبيرة، حدث نفسه وزفر من فيه نفسا عميقا وهو يقول حسبي الله ونعم الوكيل.لقد انتهى حتى الآن من ترتيب أفكاره تماما لمواجهة المحققين، لقد أخذ وقتا كافيا لذلك فقد استعان بمضغ أفكاره ولوكها على قضاء الوقت الطويل ، سيستعين أيضا على هذه الورطة بأن لا يلح في طلب الماء، أما الطعام فهو يستطيع أن يتناسى أمره إلى أيام أخرى ، والأهم أنه سيظل يستحضر صور طفليه وزوجته في مخيلته كي تساعده على الصبر والتحمل، ولكي يصبر على عذاب الجلادين فلا ينجحوا بإدانته بأي تهمة تودي به في غياهب السجون لوقت طويل، الصُور التي أعجبه تكرارها في مخيلته هي صُور أزقة القرية، كان يتخيلها ثم يرى نفسه يمشي بها على مهل، فيسلم على هذا ويجلس مع ذلك ويتبادل الطرائف المضحكة مع تلك أو ذاك من الأصدقاء والجيران والأهل،،كانت مثل هذه السيناريوهات تأخذ منه وقتا كبيرا فتعينه على التحمل ونسيان الألم الذي يسرى في ساعديه وكتفيه.في ضحى يوم الخميس، بعد خمسة أيام من الاعتقال والشبح، جاء أحد المحققين ونادى صائحا: من محمد أبو طبق؟ ران الصمت فعاد الجندي المحقق يسأل : مين محمد أبو طبق؟كان محمد قد عزم في نفسه على بداية معركة الإرادة من هذه اللحظة.صاح الجندي مرة أخرى: من منكم هنا من قرية بلعا؟ثلاثة من المعتقلين أجابوا بنعم ومنهم محمد. وبدأ بسؤال كل واحد عن اسمه.توجه المحقق إلى محمد قائلا: ألست أنت محمد أبو طبق؟- أنا محمد حمدان وبوسعك العودة إلى بطاقتي. قال محمد بهدوء.وبينما راح الجندي يفك قيود محمد من الحائط، فقد راح يصيح بحنق وغضب:- هل أتي لك بأمك وأبوك ليقولا لك أنك من دار أبو طبق؟ هل آتي لك بجدك من القبور ليقول لك أنك من دار أبو طبق؟ هل أتي لك بالله من سمائه ليقول لك أنك أبو طبق؟- لا لست هو أنا ،،،قد يكون شخص آخر، رد محمد ببرود مرة أخرى وقد بدأت معنوياته في التحسن بعد أن نجح في إثارة الجندي من باب أولى فيما بدا أنه مقبل على مرحلة التحقيق التي كان يستعجلها في نفسه ليواجه مصيره وليتخلص من وضع الشبح القاتل هذا،،،دفع الجندي بمحمد من خلال باب وهناك قام برفع الكيس القميء عن وجهه لأول مرة منذ خمسة أيام فأحس بأنه يولد من جديد، لكنه ظل يعزم في نفسه على مواجهة التحدي. وحينما بدأ يفرك عينيه حيث انهمر فيهما سيل جارف من الضوء فجأة بعد ليل طويل دام خمسة أيام بلياليها كانت صورة المحقق تتضح له تماما، ،،،،،،- أنا الكابتن تصادق، لا بد أنك سمعت بي ، قال المحقق.- ومن أين سأسمع بك، لقد غطوا رؤوسنا بالأكياس ولم نكن في مقهى نتبادل الأحاديث.- هكذا إذن. رد الكابتن تصادق وهو يهز رأسه، ثم راح يتفحص جهاز الكمبيوتر أمامه بينما عيناه تحدجان محمد بنظرات الاستعلاء والكراهية.
9 –
مواصلة التحقيق
* * *كانت فرصة لمحمد أن يتفحص شكل المحقق "تصادق" الذي طالما سمع عن قسوته ووحشيته ثم ترائى له الفرق الشاسع بين صورة المحقق القصير القامة القميء الوجه وبين صورة الدكتور ألبرت أغازريان الذي كان يعطر أجواء الجامعة برائحة تبغه الطيبة وبسماته الواثقة الحانية ووميض عينيه الأبوي: -أنت اعتقلت قبل هذه المرة في معتقل الفارعة، ثم في سجن رام الله، وسجن المسكوبية في القدس، لكن أريد أن أنبهك أننا هنا غير تلك الأماكن والمعتقلات،،في تلك المعتقلات أن تخرج بدون اعتراف فذلك شيء مألوف،،،عادي جدا،،،هناك الأمر يعتبر نزهة،،،لكن هنا الأمر مختلف،،أظنك سمعت عن المسلخ؟!!. قال ذلك الكابتن تصادق وأشاح بنظره عن جهاز الكمبيوتر وراح يرمق محمد باستخفاف واستعلاء.كان محمد يصيخ السمع ويهز رأسه بإيماءات خفيفة لكنها تعطي دلالات متعددة، فلا هي بالقبول ولا هي بالرفض ، ولكنها لا تزيد عن معنى :أنني اسمع ما تقول.مرة أخرى، تترائى له صورة الدكتور ألبرت أغازريان حينما قابله بعد أن أفرج عنه في أول مرة يعتقل فيها: قال له الدكتور ألبرت، المعتقل أيضا امتحان يا محمد، البعض ينجح فيه والبعض يرسب، فانتبه وأحب لك أن تظل من الناجحين مثلما عرفتك دوما.- يبدو أنك سرحت بعيدا يا محمد. دق المحقق تصادق بقاع غليونه على طرف الطاولة حينما لاحظ السرحان في عيني محمد، ثم واصل قائلا:- هل سمعت بحكاية الحرامي والسلطان؟ سأرويها لك ولكن أرجو أن لا أضطر لتكرارها عليك .- هز محمد رأسه دون أن ينبس ببنت شفة. فشرع المحقق تصادق يسرد حكايته: لقد قبض حرس السلطان على الحرامي وهو يسرق السمك من بركته القريبة من القصر، فاقتيد إلى السلطان. فحكم عليه السلطان بالسجن ألف يوم عقابا له لتجرئه على سرقة أسماك السلطان،،،غير أن اللص راح يتوسله أن يعفيه من هذه العقوبة وينظر في غيرها.توقف الكابتن عن الحديث قليلا وراح يحشو غليونه ويشعله قبل أن يعاود استكمال قصته:قال له السلطان، أوافق أن أعفيك من هذه العقوبة بل سأخيرك بين ثلاثة : إما أن تدفع ألف دينار من الذهب. أو أن تسبح ألف يوم في البركة، أو أن تجلد ألف جلدة.اختار الحرامي أن يسبح في البركة ، فقد تهيأ له أنه الخيار الأسهل والأقل كلفة، لكنه بعد ساعات لم يتمكن من مواصلة السباحة وراح يرجو السلطان أن يغير العقوبة، وراح يطالب بعقوبة الجلد بديلا، فوافق السلطان، لكن الحرامي لم يستطع احتمال أكثر من عشرين جلدة ، فشرع يصيح ويتوسل السلطان مرة أخرى أن يعفيه وأن يختار عقابا أخر ، فوافق السلطان على عقوبة الألف دينار كخيار أخير، ولهذا الغرض أخرجه مع الحراس ليجمع المبلغ، لكنه فشل في جمع شيء منه فأعيد إلى السلطان وبدأ هناك يتوسل إليه العودة إلى العقاب الأصلي بأن يسجن الألف يوم. صمت المحقق تصادق قليلا، ثم واصل:وأنت يا مخمد، أخشى عليك أنك لم تفهم القصة ولم تعتبر منها فتعود إلى بداية المشوار. قال المحقق تصادق معلنا نهاية الحكاية.-اسمع يا خواجة تصادق، الحرامي قبض عليه متلبسا بسرقة سمك السلطان، أما أنا فقد جاء رجالك واعتقلوني من بين أبنائي ومن منزلي وليس من بركة السلطان. أنتم من جاء إلى بركة السلطان وليس أنا.- مخمد أنت فيلسوف زمانك، أنت متهم بأنك تحرض على دولة إسرائيل وأنك مشترك بأعمال تخريبية ، وأنت متهم على التحريض على مراقبة وتتبع الكابتن "نائل" قبل نقله من المنطقة، وعليك اعترافات، وهناك مسائل أخرى سنكشفها لاحقا. قال ذلك الكابتن تصادق وكأنه يقرأ من شاشة الكمبيوتر أمامه.- هذا كله غير صحيح، وأنا أتحدى أن تأتي لي بأي شخص يعترف بذلك،، حتى لو اعترف بعضهم تحت التعذيب فأنا لا أعترف بذلك،،أنا رجل منهمك في أعمالي وليس لي شأن بما تقول. قال محمد ذلك ببعض العصبية ولكنه عاود جزر لسانه فأوقفه ليسمع ما الذي في جعبة المحقق.- اسمع يا مخمد، أنت شاب جامعي وعقلك كبير، نريد لك ولنا أن نختصر الطريق لأنك تعرف أننا نملك الوسائل لنثبت عليك ذلك ولنحكمك بأحكام عالية، لكن يمكن أن نخفف عنك قليلا إذا أبديت تعاونا في التحقيق،،،. قال المحقق تصادق، ثم راح يصلح من وضع غليونه ويشعله على مهل. ثم واصل:أنت تتعدى على القانون لدولة إسرائيل، ودولة إسرائيل دولة ديموقراطية لا تقبل تجاوز القانون ولا تقبل الإرهاب، وأنت تعرف نحن لدينا القوة لتعترف ولنصل أهدافنا، هل نسيت أننا كسرنا كل الدول العربية في ستة أيام!؟؟ هل أنت زعيما أكثر من الزعماء العرب؟ جمال عبد الناصر نفسه كان ينصاع لأوامرنا ونحن من يسمح لأمريكا بمساعدة العرب، وإن رغبنا منعنا عنهم المساعدة، هل تعتقد أن ياسر عرفات يحلم بك، أنت لا تعلم أنه يعيش الآن في أحسن الفنادق وهو يعاقر الخمر وهو عميل للاتحاد السوفييتي، أما أنت فمسكين أنت، أنت مغرر بك ولكن يجب عليك أن تعترف...- ليس لدي ما أعترف به وأنت متأكد أنهم اعتقلوني من منزلي وليس من ميدان حرب وليس لي شأن لا بعبد الناصر ولا بعرفات ولا غيره.- إذن أنت اخترت الطريق الطويل ، وأنت تجني على نفسك،،،- وماذا ستفعلون أكثر مما تفعلون بنا،،،هل تهددوننا بالقتل، فليكن ذلك، ألم تقتلوا مئات الآلاف من الشعب الفلسطيني؟ هل حل ذلك مشكلتكم؟ إن حل مشكلتكم ليس على حسابنا وليس على أرضنا، عودوا إلى حيث جئتم من أوروبا وغيرها ومن،،- اخرس يا كلب ،،أنت تعمل فلسفة كثير،،لا تنسى أنت سجين وأنا هنا المحقق.- أنا لا أنسى ذلك،،لكن الحقائق مرة على أسماعكم،،أم تريدني أن أظل صامتا،،حسنا.قال محمد ذلك وكأنه يوجه تهديدا مبطنا بالصمت، ثم أشاح بوجهه إلى ركن الحجرة التي طليت جدرانها بالرمادي المقيت. أنت تجيب على أسئلتي فقط. قال الكابتن صادق بحزم مفتعل.- وهل أنت الذي يحدد الإجابات؟ إذا كان الأمر كذلك، فاكتب لديك ما تريد على لساني، وهذه ليست غريبة عليكم..- شتير ،، شتير(جندي – حارس) ، تعال خذ هذا الكلب إلى الشبح مرة أخرى. ولا تعطوه شيئا غير الماء.
10 – الأخيرة
و لن تنهي الحكايات
انتهت جلسة تحقيق أخرى فنادى الكابتن "تصادق" الواقف بالباب الجندي وطلب منه بلغته العبرية إعادة محمد إلى مكان ما في المعتقل:- شتير، تحزورتو لفريجدرير،، مهير. قال ذلك الكابتن صادق بنبرة غاضبة.قبض الجندي ياقة قميص محمد البني الداكن وراح يجره جرا فيما يداه مكبلتان إلى ظهره، وعبْرَ الممر الطويل للمعتقل كانت ثمة حركة نشطة لهذا اليوم، جنود يضربون معتقلا مكبلا بينما لم يكن أمامه غير توجيه الشتائم لهم، جنود آخرون يجرون معتقلا على البلاط بعد أن أغمي عليه حينما ركله الكابتن " نوح " على مناطق حساسة بين فخذيه، رغب محمد أن يتوقف ويتفحص المعتقل المصاب محاولا التعرف عليه، حينها سارع الجندي وركله بقدمه اليسرى على مؤخرته، لذلك استشاط محمد غضبا وصاح في الجندي بأعلى صوته.- أنتم نازيين بل أكثر من النازيين،،،،أودع محمد هذه المرة في الثلاجة عقابا له على ما اعتبر مقاومة وتمرداً وعدم انضباط وعدم تعاون في التحيق، نعم هي ثلاجة تبريد تتدنى فيها الحرارة إلى درجة الصفر مئوي تقريبا ، الآن فقط استطاع تفسير معنى الأمر الذي صاح به الكابتن "تصادق" للجندي، إنها زنزانة لا تزيد أبعادها عن متر واحد عرضا ومتر ونصف طولا، كان الهواء البارد ينفث من فتحة في سقف الزنزانة ، حينما غاب وجه السجان وهو يغلق الباب خلفه، شعر محمد في البداية ببعض الراحة بعد أن كان يتصبب عرقا ، ولكنه سرعان ما أفاق من ومضة الراحة تلك حينما بدأت أسنانه تصطك اصطكاكا فيسمعها كما لو كانت ماكنة صغيرة لطحن القهوة، بدأ يفرك كفيه بعضهما بعضا ، ثم راح يمارس الوقوف والجلوس تباعا كي ينشط دورته الدموية لكن دون فائدة كبيرة، استمر على هذا الحال منذ ساعات المساء إلى أن جاءه الجندي في الصباح وفتح باب الزنزانة الثلاجة وسحبه سحبا للخارج لأنه بالكاد استطاع تحريك رجليه المجمدتين ، بدأ محمد يستنشق هواء كوردور المعتقل الساخن وبدا له وجه السجان كمخلوق غريب لا ينتمي إلى جنس البشر حينما كان يقهقه بضحكة صفراء لا تشبه أصوات الناس ولا ضحكاتهم.انتهت الأيام الثمانية عشر للتوقيف القانوني الصوري الذي يتعاملون به في المعتقلات، واقتيد محمد إلى المحكمة بصحبة معتقلين آخرين، وكان القاضي الأشقر الذي هو عبارة عن ضابط بلباسه العسكري لا يوجه للمعتقل غير سؤال واحد:- هل أنت مذنب؟ - لا لست مذنب.- يمدد اعتقالك لعشرين يوما أخرى. انتهت الجلسة.- انتهت انتهت،،، محاكم مهزلة وقوانين مسخرة. قال محمد ذلك وهو يرسم ابتسامة ساخرة على فمه فيما السجان يحاول جره من كتف قميصه باتجاه العربة التي ستعيده إلى المعتقل.ومن هناك أعيد مرة أخرى إلى الحجرة الكبيرة حيث عشرات المعتقلين المشبوحين وقوفا أو جلوسا على كراسٍ قصيرة الأرجل أو على صناديق بلاستيكية تستخدم لنقل زجاجات المشروبات الغازية التي يستهلكها الجنود في المعتقل.كان نصيب محمد الجلوس فوق صندوق من تلك الصناديق بينما كان مكبل اليدين ثم زيد على ذلك بأن أعيد القمع الكتاني القذر إلى رأسه فغطى وجهه وكتم أنفاسه برائحة الرطوبة والقذارة، وصار ذقنهُ يلامس ركبتاه في تلك الجلسة التي تزرع الألم في الظَهر، لكنه أملً نفسه باختلاس غفوة صغيرة علً ذلك يخفف من آلامه ويعوضهُ عن ليالٍ طويلة من قلة النوم، خصوصاً في الثلاجة التي قضى فيها ست ساعات متواصلة.* * *كانت ثلاثة شهور قد مرت منذ اعتقاله حينما داهمته غفوة صغيرة كأنها برق وامض، رأى نفسه يزرع شجرة صبار صغيرة بحجم كف يده، ورأى نفسه يعلوها ويقطف من ثمارها زيتونا أخضرا يانعا وكان في غاية السعادة وهو يتنسم هواء عليلا يأتي من ناحية البحر الذي يشاهد من الأماكن العالية في قريتهم،،،وحينما استفاق من حلمه الوامض هذا، كان قد تخفف من كل آلامه، وشعر بطاقة جديدة تنفجر في نفسه، وأسرَ لنفسه أنه على استعداد الآن لمزيد من التحمل والصبر ،،،في صباح ذلك الحلم، جرى تحويل محمد إلى زنزانة صغيرة تبلغ أبعادها مترا واحد عرضا في مترين طولا ومترين ارتفاعا، ولحسن حظه فقد جيء له بشريك في الزنزانة التي لا يدخلها الهواء إلا من بضعة ثقوب صغيرة في السقف، مع ذلك تعتبر هذه الزنزانة فرجا كبيرا في معتقل طولكرم لولا المصباح المضاء على مدى الأربع والعشرين ساعة بحيث يمنع المعتقل من النوم ويحيل حرارة الزنزانة إلى فرن حار، أما الماء وقضاء الحاجة فثمة فتحة صغيرة في أرضية الزنزانة يقوم المعتقل من خلالها بقضاء حاجته، وفي الوقت نفسه فمن سنبور الماء المتدلي فيها ينهل حاجته للشرب بكف يده أو بكأس قذرة يوفرهُ السجانون في الزنزانة لهذا الغرض.كان مجيء الشاب مصطفى محمود بركات فرجا جديدا لمحمد، بدءا يتبادلان التعارف والحكايات في الزنزانة، مصطفى شاب وسيم الطلعة قوي البنية من قرية عنبتا المجاورة لقرية محمد، لقد اعتقل قبل بضعة أشهر على معبر الجسر أثناء عودته من إحدى البلاد العربية ووجهت له اتهامات بالانضمام لمنظمات فلسطينية والتدرب على السلاح والتخطيط لعمليات عسكرية، رفض مصطفى التهم الموجهة إليه ولم يبدِ أي تعاون مع المحققين وظل يتشبث بكلمة "لا" فقط. وعرف محمد منه أنه الشقيق الوحيد لخمس شقيقات ما زلن في ربيع العمر. في ساعات صباح أحد الأيام كان السجانون قد قرروا شيئا مهما. سحبوا مصطفى من الزنزانة واقتادوه لجهة غير معلومة ، في مساء اليوم التالي، كان محمد من خلال زنزانته يسمع أصوات جلبة لم يعهدها من قبل قرب زنزانته، قدر أن الأمر ما هو إلا مناورة لترويع المعتقلين وإرهابهم نفسيا وإغراقهم بالضجيج،،،بعد دقائق كانت أصوات المعتقلين من خلال الحجرات المغلقة والزنازين الموصدة تصيح غضبا وتدق الأبواب بقبضات الغضب والتمرد والثورة، لقد سرت إشاعات في المعتقل عن استشهاد احد المعتقلين تحت التعذيب اختناقا نتيجة الضرب ونتيجة إحكام الكيس القذر على وجهه.وفي ذلك المساء قرر السجانون إطلاق سراح العشرات من المعتقلين قبل وصول لجان الصليب الأحمر للمعتقل. وكان محمد واحدا من المفرج عنهم بعض قضاء شهور ثلاثة قاسية.في ظهيرة يوم 5/8/1992 الذي وصل فيه محمد منزله ، كانت زوجته تضع مولودها الثالث (فراسة) في المستشفى القريب. وكانت أبواب مسلخ طولكرم تستقبل جموعا جديدة من شباب فلسطين مكبلي الأيدي تحت أنظار الصليب الأحمر والهلال الأخضر.في تلك الظهيرة كان محمد يشارك أهل قرية عنبتا تشييع جنازة الشهيد مصطفى بركات الذي لم ينبس ببنت شفة إلا أنه نطق بالشهادة في الثواني الأخيرة لحياته قاهرا السجانين بصموده وصمته .
=============
تعقيب من ا الأستاذ الأديب نزارب. الزين / سوريا/ كندا
- وثيقة جديدة من فظائع الإحتلال و أساليبه النازية في احتلاله و اغتصابه الأرض و الماء و الهواء
- و ثيقة جديدة من أدب المقاومة
- و ثيقة إجتماعية عن أحوال القرى الفلسطينية
- تحليل نفسي معمق لشخصيات القصة
- أسلوب تصويري رائع في نقل الأحداث
***
اخي المبدع المقاوم ابو غسان
قضيت بضع ساعات أخّاذة مع ملحمتك الرائعة "من حكايات القرى"
أدام الله لك هذا النفس الروائي الجذاب
و أدام لك إبداعك و تألقك
نزار ب। الزين/ سوريا - كندا مراجعة الرابط التالي :
http://www.freearabi.com/حكايات-القرى=قصة-في-حلقات=عزام-أبو-الحمام.htm
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
الأستاذ الكبير الأديب نزار ب.الزين حفظه الله
اشكرك وأمتن لك وقد شرفتني بهذا الإطراء وشرفتني أكثر باستضافة حكاياتي هذه ونصوص أخرى لي مما يمنحني وساما
على صدري أرجو أن أكون في مستواه وفي مستوى حسن ظنك وما أنا إلا تلميذ مجتهد في مدرستكم الكبيرة.
مع خالص تقديري.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق