الأربعاء، 6 أكتوبر 2010

الكرة الصغيرة،،بقلم عزام أبو الحمـام

كنت ابن التاسعة حينما بدأت بالمواظبة على الجلوس في حانوت والدي الصغير الذي يقبع في السوق القديم المسقوف الذي بني قبل مئات السنين.
وحينما صرت في العاشرة من عمري أحببت ذلك السوق وتعلقت به كثيرا وصرت أتمنى أن يأتي يوم الجمعة كل يوم. فقد تعرفت خلال تلك المرحلة بصديق من سني، كان لقبه غزال ، وكان يأتي كل يوم للسوق لأنه توقف عن الذهاب للمدرسة لمساعدة والده الأعرج الذي يبيع الشاي لأصحاب السوق، كان غزال ووالده ركنا من أركان السوق وعلامة أساسية فيه، كان والدي يداعبه كلما أتى له بكأس من الشاي فتعرفت إليه وبدأت علاقاتنا تتوطد فأحببته وصرنا صديقين حميمين، كنت أنتقي له من الحانوت أفضل ما فيه من الحلويات وكان هو بدوره يحضر لي الشاي وقطعة من كعك البرازق المكسو بالسمسم فيأبى أن يأخذ ثمنا لذلك، كان غزال طفلا مثلي وكان يساعد والده الذي ينادى بأبي غزال في بيع الشاي وتوزيعه على الناس في السوق ، وكانت الابتسامة المشبعة بالرجاء والأمنيات تشع في عينيه وهو يري غزال يكبر ويصبح قادرا على دفع العربة كان الرجل يدفع العربة الخشبية التي تحمل إبريقا كبيرا من الشاي وقد رصت الكاسات الزجاجية حوله، وكان يسير خلفها بصعوبة بادية بسبب التواء في ساقه، وكان غزال يتبعه وهو يصيح، شاي ، سخن الشاي، شاي الغزال ما في منو. وكان دور غزال لا يقف عند المناداة بصوته الرفيع الرخيم، بل كان يتمتع في دفع العربة الخشبية الثقيلة كلما كلً أبوه عن الدفع ، أو حينما كان يسارع إلى نقل كاسات الشاي إلى طالبيها من الزبائن، وكان يتفنن في حركاته الرشيقة وهو يضع عروقا من النعناع من الاضمامات التي يحملها ويرمي بها في كوب الشاي الزجاجي، ثم كان يقوم بغسل كاسات الشاي بعد أن يتسلمها من الزبائن دون أن يتوقف عن المناداة بسعادة بادية في صوته، شاي، شاي الغزال،،اشرب يا عطشان،،اشرب يا كسلان،،اشرب يا زعلان،، اشرب يا فهمان،،،
كان غزال، يختلس أوقات الهدوء، فيأتي إلي في الحانوت حاملا كأسين من الشاي وبضع حبات من كعك البرازق البني بعد أن يضعهما على كرتونة صلبة. وكنت أهيىء له مكانا مناسبا أمام الحانوت، فنجلس ونباشر بشرب الشاي وقضم الكعك وتبادل أطراف الحديث، كنت أروي له بعض القصص الصغيرة التي تدور في المدرسة، وكنت أتوق كثيرا لسماع قصصه وحكاياته المليئة بالعجائب والمغامرات، كان لغزال ذاكرة رائعة لا يفوتها أدق التفاصيل، وكان قاصا يضفي على الحكايات من خياله الكثير فيلهب خيالي الصغير، وكنت أنا أعجب من أين له بكل هذه الحكايات وهو ما يزل طفلا لم يتعلم في المدرسة سوى عامين فقط، كانت حكاياته تدور حول الملائكة والسماء وكان يقول إن العصافير التي نراها حولنا ما هي إلا ملائكة تدور في الفضاء لترى ماذا يفعل الناس في حياتهم،،

وحينما تسائلتُ عن سبب تنوع ألوان وأشكال العصافير والطيور قال إن اختلاف الألوان ما هي لاختلاف المهمات والواجبات التي كلفت بها العصافير، فمنها ما هو لتسجيل الخير ومنها ما هو لتسجيل أعمال الشر ومنها ما هو لجلب الشفاء للناس أو الأرزاق أو غير ذلك، وكان يؤكد أن الأطفال الذين يموتون يصبحون عصافيرا من عصافير الجنة فيمرحون ويطيرون ولا يواجهون أي منغص في جنانهم. وكنت حينما أسأله عن مسائل لا يتواني عن الإجابة، أما حينما يعجز عن الإجابة فقد كان يسارع للوقوف وهو يقول: لا بد أنني تأخرت عن مساعدة والدي وسأعود لك لاحقا.
كان غزال محبوبا من قبل جميع رجال السوق ورواده، وكان صوته الرفيع الرخيم يدل على مكان وجوده باستمرار ويضفي على ذلك السوق الهرم لحن الخلود، ويبدو أن الكل يعرف أن غزال هو الابن الوحيد لوالده ، إذ إن أمه ماتت قبل ذلك بسنوات، وكان هو أمل والده الفقير المثخن بالأمراض في الحياة، ولذلك إذا أراد أن يغلظ الإيمان يقسم بحياة غزال وغلاوته.
وذات جمعة وصلت فيها إلى السوق وأنا أتوق لملاقاة غزال وقد جلبت له كرة قدم جديدة سمح لي والدي بشرائها وجلست في الدكان أنتظر سماع صوته، لكن صوته تأخر عن الوصول، ولم يبادر إلي كما كان يفعل في كل مرة، بل كان السوق هادئا وذابلا، ولما سألتُ عنه قال والدي إن والده أيضا لم يأت منذ أسبوع، ولعلهم انتقلوا إلى سوق آخر فألقيت بالكرة داخل الدكان والخيبة تجلل وجهي.
جاء الأسبوع القادم وعدت إلى السوق وقد تشنفت أذناي لسماع صوت غزال مرة أخرى، لكن الهدوء كان يخيم على السوق مثلما كان في الجمعة السابقة، وأحسست بقلبي يرتجف كعصفور صغير في قفص متهالك، وخطر لي خاطر بأن أتمارض كي أعود للمنزل بعيدا عن هذا السوق الكئيب الهَرم. ولاحظ والدي تباطئي وذبولي فتحسس رأسي وسألني عن صحتي فلم أخف عليه حزني لأن غزال لم يكن في السوق. لكنني عدتُ وتمالكت نفسي إذ خطر لي خاطر أن خبرا قد يأتيني عن غزال أو لعله يأتي متأخرا بنفسه.
وبعد أن عاد والدي من صلاة الجماعة من مسجد السوق ظهرا، كان قد أتى بالخبر الفاجع، لقد تكلم الجميع بالخبر ولم يعد سرا يخفيه عني. لقد مات غزال إثر مرض مفاجئ وما يزال والده طريح الفراش لا يقوى على الوقوف، وكان يقول، لقد قطعت يداي الاثنتان وقطعت رجلي ولم يعد لي قائمة.
حينها بدأت أتساءل عن سر الحياة، فلا أجدها في الحياة، وكبرت وأنا أبحث بين الكتب لكن دون أن اصل إلى السر حتى الآن رغم عشرات وربما مئات الكتب التي قرأتها।

ومن يومها لم أعد أحبس العصافير في الأقفاص لأني أخشى أن يكون من بينها صديقي الذي أحببته ورحل مبكرا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق