
ذلك الرجل المشرد لفت انتباهي في الآونة الأخيرة فقط، صرت أنتبه لوجوده كلما ذهبت إلى منطقة عملي الثانية هذه، إذ في ساعات الضحى كان يجب علي الانتقال بسيارتي من أطراف المدينة الكبيرة إلى منتصفها تقريبا،حيث ازدحام السيارات مما يضطرني للدخول بسيارتي إلى تلك الساحة الترابية الفسيحة قريبا من مكان العمل.
****
يأتي الرجل المشرد إلى الساحة الترابية الفسيحة المنبسطة بمحاذاة الشارع العام كل يوم حيث يختار أصحاب السيارات ترك سياراتهم هناك، ينتحي الرجل المشرد أقصى الساحة حيث السور الواطئ وشجرات الصنوبر الثلاث الهرمات،وحيث الكثير من النفايات الصغيرة وبعضها من نفايات مطابخ المطاعم ، الرجل يتدثر بأسمال بالية يبدو أنه لم يجددها ولم يغسلها منذ سنوات، نعم منذ سنوات وليس منذ شهور أو أسابيع، لذلك فإن لونها استحال إلى لون معدني خالطته الأتربة والزيوت، تبدو لي كحديد صدئ سحب من تحت أنقاض منزل مدمر بقذائف الطائرات، وحينما دققت النظر من خلف زجاج سيارتي لاحظت الكثير من الخروق في هذه الثياب المعدنية كأنها خروق الرصاص وشظايا القذائف، وعلاوة على ذلك فإنك تخشى الاقتراب منه تحاشيا لروائحه التي لا بد أنها لا تطاق. يبدو لي الرجل في عقده الخامس مما تنبئ به لحيته التي طغى فيها الشيب على السواد، ومن بُعد عدة أمتار ومن خلف زجاج نافذة السيارة، تمعنت في وجهه، فلم أستطع الإطالة في هذا المنظر المزري، لقد تآكلت أدمية الرجل تماما وبدا جسدا هزيلا تكاد نسمة هواء عابرة أن تطيح به، وقد لاحظت أن عظام وجنتيه بارزتان وعيناه خائرتان في محجريهما، ساكنتان جامدتان، محايدتان، للدرجة التي لا تجعله يأبه بي أو بمن حوله من أشخاص متحركين، وربما أنه يتحاشى الاحتكاك أيضا مع معشر الناس اتقاءً لشرورهم بعد أن خبرها بنفسه فأورثته الكثير من الخروق والندبات الظاهرة وغير الظاهرة.
****
نادرا ما أصادف الرجل خارج تلك البقعة رغم أن حركتي في المنطقة شبه يومية، أنا أعرف أن لكل مشرد اسمه أو هويته على الأقل، إلا هذا الرجل، ثمة في المدينة بعض المشردين الذين نشاهدهم باستمرار، كان أشهرهم ذلك الذي يتشبه- من خلال ملابسه - بالقائد التاريخي نابليون بونابرت، ولذلك تعارف الناس على كونه المشرد نابليون، أما هذا الرجل فلا شيء يميزه لأنه أصلا لا يتحدث مع الناس ولو بكلمة واحدة، ولم يصادف أن شاهده أحدهم يتعاطى حديثا ، ولا أنه متوقف مع شخص آخر ليشتمه أو ليتوسله أو حتى ليتسول منه شيئا، ومن خلال مشاهداتي المتكررة له قدرت أنه يعيش كما يلي:
يتناول وجبته مما تيسر من بقايا المطاعم في الموقع ساعات الضحى قبل أن ينام بمحاذاة السور بين النفايات مستفيدا من ظلال السور وظلال ثلاث أشجار صنوبر باسقات، أما شتاء فلا بد أنه يعرف أحد كراجات السيارات المسقوفة فيأوي إليها أو ربما تحت واحدة من هذه البنايات التجارية الكثيرة،. أما يومه فإنه يقضيه متسكعا في مكان بعيد، لست واثقا تماما من ذلك لأنه لا يشاهد في النهار على الأرصفة مثله مثل المتسولين وبعض المشردين العابرين، من المحتمل أنه يقضي جل يومه نائما، وكل هذه تكهنات لخيالي المحدود، وقد يكون له عالم آخر غير عالمنا هذا الذي نعيش به.
***
وصلت ذات يوم ساعة الضحى وكان الجو قائظا والهواء ساكنا والرطوبة عالية، ولاحظت الرجل في الموقع وهو يشعل ناراً وسط النفايات الصغيرة، يبدو أنه يطبخ شيئا فوق النار التي يحاول إشعالها، تحدثت بخصوص الرجل المشرد مع الرجال الأربعة المتقاعدين من أعمالهم وقد اعتادوا أن يقضوا النصف الأول من النهار في لعب ورق الشدة أمام الجمعية التي لا يفصلها عن موضع الرجل المشرد سوى بضعة أمتار، هم لا يشاهدونه إلا حينما يصل المكان فيجلس ويختفي بالسور الواطئ، لكن دخان النفايات التي يشعلها يصلهم ويعبق أجواءهم، مع ذلك لم يحفلوا بالأمر ولم يحاولوا تغيير مجراه، بل إنهم لا يعرفون ماذا يفعل الرجل خلف السور إلى أن قلت لهم أنه يغلي شيئا ما في وعاء صدئ، كل ما فعلوه أن أولهم صمت ولم يحرك ساكنا، فيما الثاني زم شفتيه مستغربا، وقال الثالث، لا يوجد شيء نخاف عليه ليشتعل، أما الرابع فقد قال بنبرة اختلطت فيها السخرية باللامبالاة، ولماذا تشغل نفسك بهذا الشيء؟!.
ومن المؤكد أن أيا منهم لا يعرف أسما أو كنية للرجل أو أي شيء يشير إلى أي بعد من أبعاده كأصله أو قصته أو مرضه.
****
استغربت الموقف إلى حد ما وعدت أجلس في سيارتي لأرقب الرجل بنفسي، وخطر لي خاطر أن هذا الرجل أقرب أن يكون شيئا ، على الأقل في ذهني أنا ومعي الرجال الأربعة الذين يلعبون الورق ما دمنا لا نعرف أسمه أو أصله أو روايته، أليس لكل فرد فينا رواية يدافع عنها أو يعتز بها أو يتألم لأجلها؟.
رأيت الرجل يجثو على ركبتيه بين النفايات بينما كان عمود الدخان الأزرق ينهار فوقه ويحيط به من كل جانب لأن الرياح سكنت تماما في تلك الأثناء، الرجل المشرد فقد حتى ملامحه العامة وبدا لي كتلة سوداء أو شيئا غامضا وسط الدخان الأزرق الكثيف الذي يغمر الموقع، لم يعد شخصا أو رجلا، بل هو اقرب لأن يكون شيئا متحركا على الأرض، وحركته ليست حركة تامة، بل هي ململة في الموضع نفسه، كأن الشيء يحاول نفث الهواء وإذكاء النار الخامدة، توقفت عن مهاتفة صديقي وأمعنت النظر لأرى نتيجة الصراع هذه، يبدو أن الشيء يعاني كثيرا في إخراج الهواء من داخله ، فالدخان يملأ أرجاء المكان ولا بد أنه يملأ رئتيه، ألقيت نظرة سريعة على الرجال القريبين الذي يلعبون ورق اللعب، ثمة أذرع عريضة من الدخان الأزرق الكثيف تحوم حولهم كأنها أذرع إخطبوط ضخم تحاول الانقضاض عليهم ، لكن أحدا منهم لم يحرك ساكنا بل كانوا في غمرة الانهماك في اللعب وتدخين السجائر.
بعد جهد كبير وبسبب موجة خفيفة من الرياح نهض عمود الدخان مرة أخرى كمارد أزرق خالطه بعض البياض فظهرت شعلة النار الواهنة من جديد وبدا لي الوعاء الأسود فوقها، صار بوسعي أن أرى الشيء يمد ذراعا تبدو لي ذراعا معدنية صدئة لتلتقط الأوراق وبعض النفايات وتزج بها إلى النار، في هذه الأثناء جاء الرجل الكهل صاحب السيارة المتوقفة قريبا من الشيء وفتح بابها دون أن ينظر إلى الشيء وأدار محرك سيارته وطفق يبتعد على مهل دون أن يلقي نظرة للشيء الذي يشعل نارا.
بعد قليل خمدت النار تماما وانقشع الدخان فيما الشيء يواصل تململه، لكن بأكثر بطئا، كأنه يُلقم فمه شيئا لم أستطع تبينه، بعد دقائق معدودة توقف الرجل عن تحريك ذراعه إلى فمه، ثم رأيته يتكور على نفسه بين النفايات كفقمة جريحة تلفظ أنفاسها، وقدرت أنه ينام في موضعه بعد أن أحكم لف القماش ذو اللون المعدني الصدئ حول وجهه، وسرعان ما سكنت حركته تماما، حينها غادرت المكان نحو عملي ونسيت أمر ذلك الشيء وانغمست في أشياء الحياة الأخرى.
****
بعد ثلاثة أيام، شاهدت الشيء مرة أخرى في ساعات المساء لكن ليس في الموقع نفسه، بل في المنطقة نفسها وليس ببعيد عن موقعه المعتاد حينما كنت أعبر السوق الذي يزدحم بمئات من الناس، وحيث الأرصفة النظيفة المرصوفة بالبلاط الأصفر والكرميدي وحيث صفوف شجر الآكاسيا ذات اللون الفستقي، إنه موسم بداية التسوق لشهر رمضان وبداية التسوق للمدارس أيضا. ولأول مرة أشاهد الشيء رغم مروري المتكرر من هناك، كان جسده مستندا إلى ساق شجرة الاكاسيا التي قلمت أغصانها تماما فبدت كعجوز متصابية، من بعيد تأملت الشيء تحت الأضواء الساطعة فبدا لي رجلا طويل القامة بلا أطناب وله وجه طويل ملتحي يشبه وجوه رجال الأفلام التاريخية، لكن عيناه بدتا جامدتان ساكنتان لا تستطيع أن تقرأ فيهما شيئا ، لا هو الغضب ولا الرضا ولا الاندهاش ولا الخوف ولا الاستجداء ولا الاعتداد ولا أي شيء على الإطلاق، كان عشرات من الناس يمرون من أمامه كل دقيقة فلا يثير أي منهم، للحظة شككت أنني أتوهم بوجوده لأن عشرات من الناس لا تلتفت نحوه ولا يثيرها وجوده. في هذه الأثناء لم أتمالك الوقوف مطولا أمامه تماما رغم أني أعرف أنه لا يعرفني ولا ينظر إلى ولا لغيري بل كانت عيناه ساهمتان جامدتان كعدسة الكاميرا الساكنة، أو كتمثال برونزي صدئ.
قررت أن أغير مكاني فوقفت بمحاذاته على الرصيف وغمرتني رائحته الكريهة التي تشبه رائحة النفايات القديمة، صرت أتخيل مثله حشود الناس المتحركة عبر الرصيف، وتحت الأضواء الساطعة بدت تلك الجموع في صورة مختلفة عما كنت أراها سابقا:
حشود من الأشياء الملونة المتراصة تتدفق في الاتجاهات كلها، بعضها يدور في المكان بشكل دائري فلا يصطدم بأي شيء وبعضها يدور بلا أي نظام فيصطدم بأشياء ساكنة أو متحركة، بعض تلك الأشياء – كباعة الرصيف وغيرهم- يراوح مكانه ويناول الأشياء الساكنة الملونة للأشياء الملونة التي تتحرك على الرصيف، إنها أشياء لا عيون لها، بل هي أفواه شرهة كأنها كائنات آلية لا يهمها إلا الحصول على كل شيء ملون، لذلك فهي لم تلتهم هذا الشيء الآخر الساكن الذي يحتمي بالأسمال ذي اللون المعدني الصدئ وذي الرائحة الكريهة التي تشبه رائحة النفايات القديمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق