الاثنين، 31 مايو 2010

من حكايات القرى

من حكايات القرى (1) حكايات البلعاوي


تعرفنا على محمد البلعاوي حينما كنا في السنة الأولى في جامعة بيرزيت قرب رام الله أوائل الثمانينات، جاء محمد من أسرة فقيرة من قرية بلعا قضاء طولكرم، لذلك كني البلعاوي من قبل زملائه في الجامعة رغما عنه، وهو يحتل المرتبة التاسعة بين أخوته وأخواته ويكبره واحد فقط فيما هو الأوسط بين البنات، ووالده مزارع كبير السن شقي مثابر وفيه بساطة الفلاحين وبعض سذاجتهم، وهو يعيل الأسرة مما تجودُ به زيتونات لهم في أطراف القرية الجبلية التي تقع قريبا.
كانت نقطة ضعف محمد أنه فقير الحال، فشقيقه الأكبر يدرس الهندسة في الخارج، وثمة جيش من البنات بعضهن تزوجن وبعضهن في الانتظار، ونقطة قوته أنه ينتمي إلى جيش الرجال قصار القامة، فطوله لا يتجاوز المتر والنصف، وعيناه الصغيرتان تبرقان ذكاء لحد الخبث أحيانا، يمشي مشدود القامة وكأنه قائد حرس الشرف في عسكر الرئيس، ذلك العسكري الذي يحمل سيفا لا نعرف ما هي فائدته في عصر الصواريخ والبنادق، ومحمد من النوع الفلزي الدائم الحركة، لا يكن ولا يَون ولا يستكين، لا يهجع لا ليلا ولا نهارا، ودائما لديه ما يقوله للآخرين فيضحكهم أو يُبكيهم أو يغضبهم أو يستفزهم ، لا يمكن أن يسكت إلا إذا طلبت منه ذلك وأغلظت بالرجاء، فإذا غضب امتنع عن الحديث وكأنه السلطان يمتنع عن العطاء، فيضطر الآخر لتغليظ الرجاء مرة أخرى ليواصل حديثه من أجل أن يكمل قصة أو حكاية بدأها ولم يستكملها، وربما كان محور الطلب، هو استكمال إطلاق المواويل والأغاني الزجلية التي يحفظ منها الكثير بصوت رخيم تُشنف له الأذان.
كان محمد البلعاوي لا يهنأ له بال إلا إذا صنع مقلبا أو مكيدة ببعض زملائه أو أصدقائه، ومن ذلك ما فعل بصديقه وزميله في المسكن وفي الجامعة ماهر القادم إلى الضفة الغربية من قطاع غزة ، وذلك أوائل الثمانينات.
كان القاسم المشترك بين ماهر والبلعاوي هو زمالتهما في كلية الاقتصاد في تخصص المحاسبة، كان ماهر على النقيض من البلعاوي، فهو طويل القامة بشكل لافت وهو أطول من المتوسط إذ يقترب طوله من مترين إلا قليلا، كان هادئ الطباع ساكن الوجه، صِديقا، لكن فيه بعض التهور رغم ذكائه .

ذات مرة، خرج بعض طلبة الجامعة في رحلة إلى البحر الميت، وكان البلعاوي خبيرا بالسباحة في مياه هذا البحر التي تعتبر الأكثر كثافة من بين كل مياه بحار العالم، إذا تبلغ نسبة الأملاح قريبا من ثلاثة الأرباع المئوية من كمية الماء، وهنا لا يحتاج السباح إلا الحفاظ على توازن جسمه في الماء وليس للسباحة الحقيقية، وبإمكان السباح المكوث أياما في هذا الماء لولا حاجات الإنسان الأخرى، وبإمكانه النوم على سطح المياه كأنما ينام على فرشة أسفنجية إذا ما أحسن الحفاظ على توازن جسمه، وبإمكانه الوقوف في الماء كما يقف رجل الفضاء في الفضاء بعيدا عن الجاذبية الأرضية، لكن الشر المستطير هو تغطيس الوجه في الماء أو حتى مجرد إصابة الماء بقطرة واحدة من ماء البحر المشبعة بعشرات أنواع الأملاح، وهنا يكمن الخطر إذ قد يؤدي ذلك إلى فقدان التوازن وبالتالي التخبط فشرب مياه البحر فصعوبة التنفس فالاختناق ، وهذا بخلاف بحر غزة (البحر المتوسط) الذي لا يخوض غماره إلا من خبر أخطاره وأمن نفسه بمهارات تحتاج إلى دربة ومران وقوة بدنية، فالأمواج تتلاعب في السباح وتهزهز جسده وتجعله في عراك دائم مع البحر.
كان ماهر سباحا ماهرا في بحر غزة، ولكنه لم يكن له أية خبرة في البحر الميت، بحر أريحا، كان البلعاوي قد دبر مكيدته في ليلة ظلماء، كان قد أجج روح التحدي لدى ماهر كي يباريه في السباحة وفنونها.
حينما وصل حشد الطلبة البحر، بكر البلعاوي ورمى بملابسه وخاض مخاضته سيرا على الأقدام حتى ابتعد عن الشاطئ أكثر من عشرين مترا، حينها انقلب على ظهره وفتح جريدته التي اصطحبها معه وراح يتصفحها بعين فيما العين الأخرى ترقب ماهر الذي جاء هادرا متوعدا ومتحديا، ولما صار قبالة البلعاوي الذي يراقبه بعين الخبث والمكر، تذكر التحدي وقرر أن يأتي بمهارة أخرى غير قراءة الجريدة على سطح البحر، فوثب وضرب رأساً في البحر ويغطس مثلما اعتاد أن يفعل في بحر غزة، وما هي إلا ثوان معدودة حتى وقف على رجليه الطويلتان يفرك عيني ويصيح بأعلى صوته طالبا النجدة من البلعاوي الذي كان قد رمى بالجريدة وراح يغرق في نوبة من الضحك بينما هب آخرون لنجدة ماهر بالماء العذب.



من حكايات القرى (2)
بقلم عزام أبو الحمــام

(البلعاوي وحكاية الموز)

حدثنا محمد البلعاوي عن طفولته الشقية فقال:
كان والدي مزارعا يعيل أسرتنا الكبيرة بشق الأنفس، ولكن ذلك لم يكن استثناء في قُرانا التي تواصل عليها الاستعمار وحتى الاحتلال جنبا إلى جنب مع الفقر والتجهيل والعزل، كانت الكثير من حاجاتنا الأساسية غير متوفرة، بل فإننا بالكاد نسمع عنها كلاما عابرا من هنا أو من هناك، خصوصا في الكتب المدرسية التي كانت نافذتنا – نحن الصغار – إلى العالم.
وكم كان الواحد منا تواقا لملامسة أو مشاهدة بعضا مما نسمع أو نقرأ أو نشاهد، أما أنا شخصيا، حيث كنت ابن العاشرة تقريبا، فقد ألح على خاطري طعم الموز ولونه الجميل وشكله الغريب لبضعة شهور دون أن أراه أو أشتم رائحته المهيبة، فرحت أطالب به والدي دون أن يلقى طلبي اهتماما يذكر، وكان رد فعل الأهل إما الاستغراب أو الاستهجان أو الاستنكار، فالموز في عرف أهل القرية في ذلك الزمان، دواء لا يحمل أو يشترى إلا للمرضى، وربما ليس لكل أنواع المرضى، بل لأولئك الذين استفحلت أمراضهم ويأس الأطباء من شفائهم، فالموز في هذه الحالة هو جوائز ترضية ومواساة لأن المريض على وشك مغادرة الدنيا ولا بأس بتجشم عناء إحضار الموز له قبل أن يفارقها مغتما لم يعرف طعمه ولم تتنسم خياشيمه برائحته السحرية.
ألح محمد وواصل إلحاحه بين الحين والآخر، لكن دون جدوى، ولما علم أن الموز لا يؤتى به لغير المرض، فقد حاول التمارض إلى أنه سرعان ما ينكشف أمره حينما ينفلت مبرطعا بقامته الصغيرة في الحارات وبين الأشجار وفوق الحيطان العتيقة،،

ولحسن الطالع، فإن خالا له يعيش في الأردن قرر زيارة أخته أم محمد، فلما عبر الجسر إلى أريحا، نصحه البعض بأن يأخذ بعض الموز هدية لأخته وعيالها، وكان موز أريحا المسمى "أبو نملة" يجذب العابرين برائحته العطرة ويسيل له اللعاب ولم يكن له أي منافس في ذلك الحين. فالموز فقط هو ماركة أبو نملة الريحاوي.
ابتاع الرجل عنقودا من الموز بوزن يقارب العشرة كيلوات غرام، وهذه كمية كبيرة بكل المقاييس خصوصا في ذلك الزمان، لكن الرجل كان يضمر شيئا آخر من وراء ذلك.
وصل الرجل بيت أخته أم محمد فهب الجميع لملاقاته والترحيب به، وبالنسبة لمحمد، الصبي المتحفز لكل حركة في بيئته الجافة الفقيرة، فقد تغير لون الدنيا وأصبح بلون الموز الأصفر الجميل، ورائحتها أضحت معطرة بعطر موز أبو نملة. وها هي أغلى أمنياته تقترب من التحقق وكأنها رفعت إلى السماء في ليلة القدر.
انهمك الجميع في مجالسة الضيف وخدمته إلا محمد، فقد راح يحوم حول عنقود الموز الذي رفعته والدته على ظهر خزانة المنزل، وهي قطعة الأثاث الوحيدة في البيت وما عداها يُحمل على جمل صغير أو على ظهر عتال عفيً، كانت الخزانة بمثابة القلعة بالنسبة للأم وللأسرة، ففيها يوضع كل ثمين وغال، وفوقها توضع بعض الأطعمة التي تحتاج إلى تقنين في الاستهلاك، وهكذا، فقد تم رفع الموز هناك ليظل تحت أعين الرقابة فلا يمسه متهور أو متطفل أو طامع من أفراد الأسرة الكُثر.

ظل محمد يتفتل حول فريسته كقط شرس، لكن هيهات هيهات، فقامته قصيرة ولن يستطيع الوصول بسهولة، خصوصا أن الرقابة باتت مشددة.
ومرة أخرى، يبتسم الحظ للقط النهم، إذ يفطن أن وراء الخزانة فسحة أو ممر بينها وبين الجدار، وجسمه الصغير يساعده على ولوجه، وقد راح يجمع ما تيسر له من أوعية في تلك الفسحة وغيرها ليصعد فوقها كي يصل الفريسة الشهية.
صار محمد يغافل الجمع ويتحايل على الرقابة بأن يدور حول الخزانة إلى أن تسنى له ولوج الفسحة، ثم الصعود فوق قنطرة من بعض الأثاث والأواني ووصل إلى حيث "شجرة المنتهى" الأرضية، وراح يقطع من الموز ويأكل بقشره وبغير قشره، حيث يرمي القشور فوق ظهر الخزانة فلا يترك أثرا لجريمته النكراء.
عصر ذلك اليوم كان محمد قد أجهز على ربع العنقود تقريبا، فراح بعد ذلك يتنطط في الحارة منشرحا وسعيدا وقد أشفى غليله مبدئيا من الموز الذي كان قد جافاه طوال طفولته وظل يسمع عنه حينما تأتي سيرة بعض الأمراض المستعصية، أو ربما في كتاب القراءة أو كتاب العلوم.
استمرت العائلة بمساهرة الضيف وانتقل الجمع لفناء الدار (الحوش) وهكذا تهيأت الفرصة لمحمد أن يغير مرة أخرى على قطف الموز الشهي قبل أن يؤوي للنوم، دار محمد حول الخزانة وصعد القنطرة وأجهز على الربع الثاني من كمية الموز.
في الصباح خرج محمد متثاقلا إلى مدرسته، وعاد منها متثاقلا بعد أن تيبست معدته بكميات لا عهد لها به من الموز، مع ذلك لم يفطن الصبي إلى ذلك، لكن حركته تثاقلت فلم يرغب بالخروج إلى الحارة، ولذلك بقي هاجعا في المنزل مما أغراه على الإغارة مرة أخرى على قطف الموز، كيف لا وقرون الموز دانية تناديه من على واجهة الخزانة الأمامية وكأنها تلاعب وتهيج ما بقي من ذرات عقله، وهكذا التف حول الخزانة وعبر "النفق" ليجهز على الربع الثالث في هذه الغارة، وبقي الربع الأخير مُعربشا على جذعه، وكانت أم محمد وبناتها يرون واجهة قطف الموز فلا يثير ذلك أية شكوك لديهن، لأن المؤامرة نفذت من الخطوط الخلفية وبقيت الواجهة تضليلا لأعين الرقابة،،،
في ساعات المساء كان الألم يهاجم الصبي بشكل لا يحتمل، مما دعاه للشكوى والتلوي، ولكنه مع ذلك لم يعترف لأهله الذين التفوا حوله يسائلونه عن السبب ويشطحون في التخمينات، ولم يكن أمامهم إلا أن يستدعوا له طبيبا من أبناء القرية وبيته ليس ببعيد عنهم، فهم جيران، وقد جاء الطبيب بحقيبته وبدأ يعاين حالة محمد وبيسر اكتشف تيبس معدته، لذلك ألح على محمد وهو يسأله عن طعامه على مدي يومين سابقين، فهمس محمد في أذنه أنني سأعترف لك بعد أن ننفرد معا، وهكذا طرد الطبيب الجمع واستفرد بالصبي الذي راح يضع الشروط كي يضمن عدم تسريب اعترافه كشرط أول، ثم الشرط الثاني أن يقوم الطبيب بوصف "الكازوز"(المشروب الغازي) كعلاج أساسي للمرض، وقد تفطن محمد لهذا الصنف من المشهيات بعد أن أشفى غليله من الموز، ووجد مرضه فرصة كي يبالغ في مطالبه خصوصا أنها ستأتي بوصفة طبية لا مساومة فيها، أما إذا أخل الطبيب بالشروط، فإن محمدا سيكون في حل من أي اعتداء قد يقع على ابن الطبيب الذي يقارب محمد في السن ويلعب مع أولاد الحارة وكثيرا ما يتعرض للاستفزاز أو الإيذاء كونه صبي مرفه ومنعم باعتباره ابن طبيب ميسور الحال، وهو الوحيد من صبية القرية الذي يلبس بيجامة عند حلول المساء مما كان يثير سخرية أقرانه بل وبعض رجال القرية ونسائها الذين كانوا يرون في ذلك دلاعةًً وميوعة لا تليق بالأولاد إذا ما رام أبائهم أن يكونوا رجالا في وقت مبكر!!.
تعجب الطبيب من فراسة الصبي ومن ذكائه ومكره ولكنه كان مجبرا على احترام تعهداته أو ربما تجنيبا لأبنه أية شرور هو في غنى عنها، لذلك كانت وصفة الطبيب الوحيدة للمريض، هي قنينة كازوز ذهب لجلبها بعضهم من المدينة، فراح الصبي يشربها بتلذذ بينما هو ممدد في فراشه وعيناه تتفرسان الوجوه بمكر وخبث واستدرار عطف فيما أفراد الأسرة حوله يدعون له بالشفاء العاجل ربما كي لا تطول معه حاجتهم لابتياع المزيد من الدواء، أقصد الكازوز.
في اليوم التالي كان الضيف يهم بزيارة أخته الثانية، وقد كان في نيته أن يحمل لها نصف كمية الموز التي جلبها من أريحا، ولهذا الغرض سحبت أم محمد قطف الموز فإذا بها لا تجد غير عدد محدود من قرون الموز وكادت تكذب عيناها لهذا المنظر، وهنا ثارت الاتهامات ووجهت إلى البنات لأن محمد الصغير استبعد من دائرة الاتهام لسببين – غير وجيهين – مرضه المفاجئ ثم قصر قامته.
المشكلة أن أم محمد أصيبت بإحراج لا مثيل له أمام شقيقها الضيف، ولذلك فقد راحت تستغرب وتضرب كفا بكف وهي تقول: لا أصدق أن أبنائي وبناتي يفعلون ذلك، ربما بعض الأغراب خاتلنا وسرق الموز، ربما بعض القطط فعلت ذلك!! أما بناتي وأولادي فأستبعد ذلك يا أخي لأن الموز لا ينقطع من بين أيديهم، كيف لهم أن يفعلوا ذلك وهم بالكاد يحبون الموز الذي طالما ألقينا به للحصان لقلة الإقبال عليه.
أما أبو محمد فلم يكن لديه ما يقوله وكان يعتبر أن الأمر لا يستحق التعليق، فالموز أمر ثانوي وكمالي في حياتنا ولا يستحق التعليق.
المهم أن محمد ظل خارج دائرة الاتهام إلى أن يأتي اليوم الذي يعود له ضميره فيعترف وينجي شقيقاته من لهيب الشك الذي أحاطته بهن أمهن الحنونة الطيبة.
كان اعترافا ثمينا رغم أنه جاء متأخرا ببضع سنوات.



من حكايات القرى(3) – الملائكة تأكل الحلاوة
بقلم عزام أبو الحمــام


روى لنا البلعاوي عن طفولته الصعبة فقال:
كان والدي – مثله مثل الفلاحين الآخرين – ينتظر موسم قطف الزيتون بفارغ الصبر لأنه المصدر الأساسي والوحيد لرزقنا، وقال، كنا أسرة كبيرة وكان والدي فقير الحال، وكان من عادة مزارعي الزيتون أن يوفروا نصية من الحلاوة قبل أيام معدودات من موسم القطف، وكان ذلك ضروريا لمساعدة الفلاحين على أعمالهم في موسم القطف الذي يبدأ مع بداية موسم البرد أيضا. وقد اتفق بعض المزارعين على توفير الحلاوة قبل الموسم بأسابيع طويلة لاستغلال فرق السعر الذي يشهد ارتفاعا مع ارتفاع الطلب, وكان أبو محمد (البلعاوي الأب) من ضمن هؤلاء المزارعين الأذكياء. وقد انتدبوا لهذا الأمر الخطير أكثرهم ذكاء وأقدرهم على المساومة للذهاب إلى مدينة نابلس وشراء الحلاوة بأحسن الأسعار، وبالفعل سافر الرجل إلى المدينة وقام بإتمام الصفقة على أحسن وجه وعاد بنصاصي الحلاوة ووزعها على أصحابها حال وصوله القرية وكأنه يوزع سلاحا خطيرا يحاط بالسرية قدر الإمكان.
قال: وقام والدي من وقته بتأمين نصية الحلاوة في مكان آمن لا يصله الجن حسب اعتقاده، إذ اختار أن يعلقها في خطاف مرتفع جدا في قبة الحجرة القديمة التي هجرتها الأسرة بعد أن بنت بجانبها منزلا متواضعا من عدة حجرات، وصارت الحجرة القديمة هذه (عقد الريش) مخزنا لأدوات الزراعة وللحصان ولأعلافه ولأي مهملات لا تحتاجها الأسرة. وكان الحج قد صعد سلما مزدوجا طويلا كي يعلق النصية في خطاف متدل من وسط السقف المُقبب كان ينشأ لمثل هذه الأغراض، أي لتعليق كل ما خف وزنه وغلا ثمنه. وبعد ذلك، سحب الحبل الذي علقه بها فارتفعت بحيث لا يصلها الشخص إلا بمساعدات كبيرة من فِرقْ من الدفاع المدني الشعبي، وحتى يأتي يوم حاجتها فلا بد من فرج حينها.
مضى أسبوع على حادثة شنق نصية الحلاوة ومحمد ابن الأربعة عشر عاما يتفكر ويتدبر في كيفية الوصول إليها ، وكان يشتم رائحتها فيسيل لعابه فيزداد تصميما على المخاطرة وتجاوز كل الصعاب لأجل هذا الهدف العظيم، لكن قامته القصيرة لا تساعده في تحقيق طموحاته وآماله، إلى أن هداه تفكيره الخبيث إلى طريقة معقدة نوعا ما، إذ أحضر منضدة خشبية مهملة في الحجرة، ووضع فوقها السلم المزدوج، وصعد فوقه، لكنه مع ذلك لم يبلغها ، لذلك عاد وأحضر خطافاً من قضيب حديد، فرفعه وشبكه في حلقة السقف التي يتدلى منها الخطاف الأصيل الذي يحمل نصية الحلاوة، وراح يرتقي القضيب بضعة خطوات ريثما يصل وكأنه سنجاب أو قرد صغير، وهناك استل سكينا من نوع (موس قرن الغزال) فعالج النصية التي هي عبارة عن تنك رقيق، فجعل فيها فتحة تسمح بمرور يده لغرف الحلاوة، وهكذا صارت الحلاوة في متناول يده.

وكان يغترف منها كفين أو ثلاثة كل يوم قبل أن ينزل وينطلق إلى الحارة كالقردة يلعب مع هذا ويلكز هذا ويتحدى ذاك ويقفز من فوق هذا السور أو يرتقي تلك الشجرة إلى أن يحل الليل فيعود إلى النوم وقد أشبع حاجاته من الحلاوة واللعب.
بعد انقضاء أسبوعان على افتتاح نصية الحلاوة كان محمد خلالهما قد أجهز على نصية الحلاوة وجعلها طبلا أجوفاً، وإذ ذاك بدأ يعد الأيام بالساعات تحسبا من عواقب فعلته الشنيعة، إذ لم يتبق على افتتاح موسم قطف الزيتون سوى أيام معدودات حيث تبدأ المراسم من تنزيل تنكة الحلاوة من معقلها المرتفع، لذلك راح الفتى يضرب أخماس في أسداس دون أن يهديه عقله لأي حيلة، لكنه كان يحس بالاطمئنان حينما يتذكر أنه سيكون آخر المتهمين لقصر قامته خصوصا حينما كان يستذكر واقعة الموز ونجاته من الاتهام والعقاب، إذ لا يعقل أن هذه الفعلة ستربط به إذا ما بدأ التحقيق المعمق والموسع. لذلك كان يطمئن ويستكين بعد أن تأخذ به الظنون كل مآخذ.
حل موسم قطف الزيتون وراح الأب يجهز العدة والعتاد المُخزن في الحجرة الكبيرة من سلالم خشبية ومفارش الخيش والبلاستيك وعصي جد الزيتون التي كان تستخدم لضرب الأغصان، وفوق كل ذلك وأكثرها أهمية، نصية الحلاوة الضرورية للعاملين من أفراد الأسرة، حيث لا معين - بعد الله - على ذلك العمل الشاق سوى نصية الحلاوة المعلقة في قبة الحجرة. جهز الحاج السلم الطويل وارتقاه وأحضر أفراد الأسرة جميعا ليشهدوا هذه المناسبة وليعاونوه هندسيا في إنزال النصية. وما أن قبضت يداه على النصية وقد تهيأ لحمل ثقيل، حتى مال به السلم شمالا ويمينا وكاد يسقط به لولا لطف الله لأنه تهيأ لقبض حمل ثقيل فشد عضلات جسده كاملة لهذه المهمة، لكن توازنه اختل حينما ألفاها تنكة فارغة.
نزل الرجل عن السلم وقد أسقط في يده وخاب أمله وسيطر عليه الذهول لعدة دقائق واستحال لون وجهه إلى لون الكركم لهول الفاجعة، وطفق الرجل يضرب كفا فوق كف وهو يبسمل ويحوقل ويهلل ويستغفر. ولم يتناه إلى ذهنه إلا أن الملائكة هي التي أكلت الحلاوة انتقاما، ولا نعرف تماما كيف تفتق ذهنه عن مثل هذا الاعتقاد الذي يبدو أن له جذورا بعيدة في المعتقدات الشعبية، وإلا فكيف يتهم الملائكة ويعتبر أنها تأكل حلاوته انتقاما؟
فحسب رأيه فإن الملائكة غير راضية عن الوضع الجديد للمجتمع أو للأسرة على الأقل، وربما اعتبر أن مجرد انتقاله من حجرة الأجداد العتيقة إلى بناء جديد كان فسادا وفسقا أغضب الملائكة وأثار حنقها، وربما ربط ذلك أيضا مع ما يشهده المجتمع من تغيرات بدأت تنتشر بسرعة في المجتمع الفلسطيني مع نهاية حقبة السبعينات، ويتجلى ذلك في انتشار التعليم وانتشار الخدمات كالكهرباء وسيادة نمط الملابس الغربية على المجتمع وسفور البنات وغير ذلك الكثير.
وهكذا لم يجهد نفسه بالتحقيق في الأمر، على العكس من ذلك فقد قرر أن يقدم أضحية تكفيرا للذنوب والمعاصي، فتحامل على نفسه وعلى ميزانية الأسرة واشترى كبشا كبيرا وذبحه لوجه الله وقدم منه للفقراء ولصلات الأرحام، وكانت فرصة أخرى لمحمد أن يوغل في أكل اللحم بعد أن أشفى غليله في الحلاوة قبل ثلاثة أسابيع.
مضت بضع سنوات وأبو محمد يسرد قصة الملائكة والحلاوة على مسامع القوم وكان ينطلق من ذلك أو ينتهي إلى نقد المجتمع ونقد الأخلاق ثم الدعوة إلى التمسك بالدين والقيم والأخلاق والتمسك بكل قديم قبل أن يأتي أمر الله بالسخط، فيما كان محمد يتمتع بسماع ذلك طوال تلك السنوات إلى أن أضحى محمد طالبا في السنة الأولى في الجامعة، إذ صار يمتلك الجرأة الكافية ليفصح عن السر الكبير.
وذات يوم عاد محمد يوما من الجامعة بعد غياب استمر بضعة أسابيع هاجت خلالها أشواق أفراد الأسرة لعودة ابنهم المحبوب. ولما وصل المنزل عصر ذلك اليوم، وجد والدهُ يتوسط دائرة من الرجال ويقص عليهم حكاية الملائكة التي أكلت تنكة الحلاوة انتقاما مما يشهده المجتمع من انحراف عن جادة الصواب، وكان البعض منهم قد مل سماع هذه الحكاية اللامنطقية، في تلك الأثناء وصل محمد وسمع بما يجري، فما كان منه إلا أن انتفض على نفسه وعلى والده واعترف بجريمته التي مضى عليها أكثر من خمس سنوات،
- أنا الذي أكل الحلاوة يا والدي وكفى بالله عليك اتهاما للملائكة. لقد مللنا سماع هذه الخزعبلات يا والدي غفر الله لك.
وعلى خلاف ما توقعه، فقد لاقى تصرفه ذلك استحسانا كبيرا لدى الختيار الذي كان يشق عليه أن يتخيل أن بعض الملائكة غضبت عليه وانتقمت منه بأكل نصية الحلاوة، وما كان منه إلا أن يعلن أنه الآن أكثر سعادة لمعرفة السر الحقيقي، وأن ذلك يستحق الاحتفال بذبح خروف ثانٍ تقربا لوجه الله الذي أظهر براءته من الفسوق والفساد. إضافة إلى ذلك فقد دشنت الأسرة في ذلك اليوم فتىً شجاعا كان يحمل اسم قريته كاملة. ومنذ ابتداء الوليمة الكبيرة حتى نهايتها، كان البلعاوي الأب يتمتم لنفسـه:
- ظهر الحق، ظهر الحق، ربي لك الحمد فالملائكة لم تأكل الحلاوة.



من حكايات القرى – 4(حكاية بذلة الجوخ)

كان البلعاوي يقضي جل وقته في الجامعة وفي أطرف رام الله، وكان دينمو أساسي في النشاطات الوطنية الطلابية، كثيرا ما كان يقوم بمراقبة الشوارع في رام الله متصديا هو وجماعة من أصدقائه لسيارات المستوطنين ودوريات الاحتلال التي كانت تمر من المنطقة، وكانت جامعة بيرزيت آنذاك تعتبر مركزا أساسيا لتوجيه العمل الوطني والنضالي إضافة إلى كونها صرحا أكاديميا مرموقا. وكانت أعداد كبيرة من طلبتها القادمين من المحافظات البعيدة يسكنون في قرية بيرزيت أو مدينة رام الله (كانت رام الله قرية كبيرة)، مما سيوفر فرصا كبيرة للاحتكاك والتفاعل بين هؤلاء الطلبة القادمين من مختلف المحافظات بما فيها محافظات غزة.
وكانت الأراضي المحتلة آنذاك تشهد حراكا كبيرا على كل المستويات، وراحت تشهد نهضة وطنية حينما شرعت م.ت.ف تشجع على تأسيس المؤسسات الوطنية والنقابية والشبابية والمرأة والتعليم...إلخ. مما أتاح الفرصة لانتعاش أبناء الطبقات الفقيرة في التعليم وفي قيادة العمل الوطني.
ذات مرة مكث البلعاوي بضعة أسابيع دون أن يعود إلى منزل أسرته في طولكرم وقد انخرط في الكثير من الأنشطة الطلابية داخل الجامعة وخارجها أيضا في أطراف رام الله وقراها، في تلك الأثناء كان عم له يعمل في الكويت قد أرسل له بذلة (طقم) من الجوخ الفاخر ووصلت لأسرته فعلقوها على أحد الجدران لبضعة أيام بانتظار صاحبها، وبسبب دخول موسم البرد في أوائل الشتاء، قرر والد محمد المزارع المسن أن يستغل البنطال فلبسه تحت قمبازه فأعجبه ذلك كثيرا بعد أن صارت ساقاه تحس بالدفء لأول مرة في حياته ربما، وكان يذهب إلى أعماله الزراعية مطمئن البال دافئ القلب ودافئ الساقين، كيف لا وهو يلبس بنطالا من جوخ يغطي كامل ساقيه بعد أن كان لا يعرف غير ذلك النوع من السراويل القصيرة التي تصل إلى الركبة فقط ، وهي فضفاضة جدا ولا تقي الأطرف السفلى جائحة البرد القارص.
ولما رأي الحاج أن محمد تأخر كثيرا، ولم يكن الهاتف الأرضي معروفا في قريتهم حينها، فقد رأى أن الجاكيت يصلح أيضا لتدفئة ظهر الفرس، والفرس عند الفلاحين هي فرس للحراثة والأعمال الشاقة وليست للرفاه، لكنها مع ذلك تستحق أن يدفأ ظهرها بقطعة قماش من الجوخ الذي لا يثير أحدا في المنزل، ولذلك فقد وضعها فوق ظهر الفرس وتحت البردعة (الحِلس)، وصار يروح ويجيء وهو أكثر اطمئنانا من ذي قبل لأن فرسه باتت أكثر نشاطا وحيوية.
مضى على استغلال بذلة الجوخ الكويتية أكثر من أسبوعين حينما عاد محمد إلى منزل الأسرة لجلب التمويل المالي بعد طول غياب، وما أن فرغ من تقبيل يدي والدته ، وما أن فرغت شقيقاته من تقبيله حتى دخل والده فناء المنزل يركب فرسه وقد أضناه العمل منذ ساعات الصباح الباكر، هب محمد لملاقاة والده فقبل يده وأخذ منه رسن الفرس ليعقله في مكانه، في هذه الأثناء انطلقت ضحكات بعض شقيقاته بعد أن تفطن لبذلة الجوخ حينما شاهدن البنطال على والدهن وقد كساه الطين الأحمر، فيما أطراف الجاكتة كانت بادية على ظهر الفرس وقد كسيت بطبقة من شعر الفرس وعرقه.
استغرب محمد غمزات شقيقاته وضحكاتهن وتمتمتهن وهن يعرفن ما في شقيقهن من بعض العصبية وبعض النزق ، وما أن علم بالأمر حتى جن جنونه وراح يصيح بنزق وهو يتفحص ساقي والده أولا وقد هاله ما شاهده من طين أحمر على أطراف البنطال الذي أصبح خلقا رثا، وجن جنونه أكثر حينما تأكد تماما أن ظهر الحصان تدفأ ببذلة له لم يفرح بلبسها، راح محمد يقلب الجاكيت بين يديه ويتفحصها بعينين فاغرتان بعد أن خلعها عن ظهر الحصان، ثم ما لبث أن هدأ من روعه لأنه يعرف أن الصياح والغضب باتا لا يفيدان وقد وقعت الفأس في الرأس وصار المطلوب الآن العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه . لذلك راح يتمتم ويقول: سامحك الله يا حج، سامحك الله يا والدي،،،ثم تجرأ وقال شبه آمر:
- يا الله يا حج روح اخلع البنطال تنشوف هالمصيبة. وكان الختيار يقول بكل هدوء وبساطة فيما كان يُسحل البنطال عن ساقيه:
- خمنت أنها لن تعجبك، وشُفتك طَولتْ بالجامعة فقلت نستغلها أنا والحصان، لأننا نحن من يعيل الأسرة وليس طقمك الهامل هذا.
في النهاية، استدرك محمد الأمر، وذهب ببذلته إلى محلات الغسيل الجاف والخياطين وأصلح من أمرها قدر الإمكان ، ثم لبسها وعاد بها إلى الجامعة بعد يومين متبخترا كطاووس صغير، لكن رائحة الحصان كانت ما تزال تفوح من البذلة مما اضطر محمد أن يعترف لبعض أصدقائه بالقصة، ومنهم صديقه ماهر الذي وجد ذلك مناسبة لينتقم من مكيدة البحر الميت في الصيف السابق فيسرب القصة إلى الزملاء الآخرين، لكن محمد كان يستخدم اسلوب عدم الانكار بل يبالغ في ذلك ويقول إنه التزم لوالده بإعادة البنطال له والجاكيتة للحصان مع أول الشتاء بعد ثلاث سنوات.
وعلى الأرجح أنه نفذ ما وعد به بعد ثلاث سنوات.



من حكايات القرى- 5 (البلعاوي مديرا فقَصْيراً)
بقلم عزام أبو الحمــام

واصل محمد البلعاوي دراسته في الجامعة وكان بين الحين والآخر يلبس بذلة الجوخ مما كان يثير تندر بعض أقرب أصدقائه، خصوصا أن ارتداء البذلة لم يكن مألوفا في الجامعات في تلك الفترة، حتى بين الأساتذة وأغلب الإداريين.
ورغم أن الجامعة أغلقت أكثر من مرة من قبل قوات لاحتلال إلا أن الدراسة كانت تتواصل عن طريق برامج تعويضية، حيث تعقد المحاضرات في منازل بعض الطلبة أو بعض الأساتذة أو بعض المؤسسات والأندية في رام الله والقرى المحيطة. مما مكن البلعاوي من التخرج في مدة قياسية وهي خمس سنوات، رغم أن معدل سنوات التخرج في تلك الفترة كان يصل إلى 6 سنوات وربما أكثر للكثير من الطلبة بسبب الإغلاق المتكرر للجامعة أو بسبب الاعتقالات التي تقع في أوساط الطلبة بين الحين والآخر.
وتبسم القدر لمحمد فعمل مديرا لمؤسسة مالية في مدينة طولكرم القريبة، وهذا ما شجعه على استعجال الزواج من زميلة له كان يعرفها في الجامعة وتخرجت هي الأخرى وراحت تعمل مدرسة في إحدى المدارس القريبة، وبدا محمد أكثر نشاطا وحراكا من قبل رغم زواجه وعمله، ويبدو أن الزواج والعمل أمداه بطاقات جديدة فكان لا يهدأ ولا يستقر وغالبا ما يبادر إلى تشكيل مجالس السهر مع أعداد كبيرة من أصدقائه في البلدة أو في البلدات المجاورة كعنبتا وكفر رمان أو مدينة طولكرم وحتى نابلس أحيانا.
كان محمد يطمح إلى بناء منزل متواضع له بدل المنزل القديم الذي يقيم به ، وهو ملك لبعض أقربائه وكان مهجورا وآيلا للسقوط من النمط البائد إلى أن استوطنه محمد، غير أن ما ينغص عليه أنه ما يزال مضطرا لتسديد بعض الديون التي تحملتها الأسرة جراء عرسه الذي أصر على أن يكون عرسا حافلاً كبيرا جلبت فيه الأحصنة وقد امتطى العريس حصاناً وجاء الزجالون والقوالون من أصدقائه وأصدقاء أصدقائه وأقاموا حلقات الزجل في الساحات وفي الشارع وكأنه موكب المندوب السامي للبلاد، وشارك في العرس أصدقاء محمد وزملاؤه الذين جاءوا من أماكن بعيدة من الخليل وغزة جنوبا حتى جنين شمالا.
انتهى العرس وأسبوع العسل وعاد محمد إلى عمله في المؤسسة التي يديرها، وكان لم ينقض على عمله ذاك سوى اقل من عام بقليل عندما اندلعت أحداث الانتفاضة الأولى بشرارة من مخيم جباليا في قطاع غزة سرعان من اشتعلت في مخيم بلاطة قرب نابلس لتنتشر في اليوم التالي في أغلب قرى ومدن ومخيمات الأراضي الفلسطينية، فأنخرط فيها مثله مثل الشباب الآخرين.
وبعد مرور شهرين على اندلاع الانتفاضة وبتاريخ 3/2/1988 استشهد الشاب البلعاوي إبراهيم منصور حمدان وهو احد أبناء عمومة محمد ومن أصدقائه المقربين، مما زاد الموقف صعوبة في القرية ومما استدعى مواجهات يومية بين القوات الإسرائيلية و"القوات الضاربة" التي أصبح البلعاوي من أنشط قادتها الميدانيين، ومما كثف من ضغط القوات الإسرائيلية على سكان القرية والمنطقة .
كانت القوات الضاربة تعلن بعض قرى أو المناطق بين الحين والآخر كمناطق محررة ، وكانت تنظم نفسها تنظيما محكما بحيث يصعب على القوات الإسرائيلية دخولها في ساعات الليل، لذلك فقد كانت سلطة النهار للقوات الإسرائيلية وسلطة الليل للقوات الضاربة. وما هي إلا أيام بعد استشهاد إبراهيم حمدان، حتى صار البلعاوي المطلوب رقم واحد في منطقته. لذلك راحت القوات الإسرائيلية تكرر مداهمة منزله نهارا أو المؤسسة التي يعمل بها دون أن تفلح في إلقاء القبض عليه.
انتشرت حواجز جيش الاحتلال وراحت الانتفاضة تضطرم يوما بعد يوم فتعطلت الكثير من الأعمال ومنها المؤسسة التي يديرها البلعاوي في طولكرم القريبة.
وكانت فرصة له أن يتفرغ لنشاطات الانتفاضة قائدا ميدانيا وموجها ومحرضا.
وتستمر الأيام والأسابيع دون أن تلوح في الأفق أية نهاية للانتفاضة أو أية مخارج أو نتائج ملموسة رغم ارتفاع الحالة المعنوية للناس ورغم حفاظهم على الإصرار وعلى نيل الحقوق مهما طال الزمن ومهما عظمت التضحيات.
كانت زوجة محمد تواصل إدارة المنزل منفردة بكل صبر ورباطة جأش لأن زوجها نادرا ما يستطيع دخول البيت في ساعات النهار، بل كان يزورهم لماما مرة أو مرتين في الأسبوع في أواخر الليل وكان ذلك بعد تنظيم رقابة مناسبة يستطيع من خلالها محمد الانسحاب من المنزل في الوقت المناسب وقبل وصول القوات الإسرائيلية، ومما ساعده على ذلك أن معظم المحيطين بمنزله هم من أقربائه الأدنى، وكانت النساء تتولى الرقابة في محيط المنزل بينما يتولى الشبان الرقابة على مداخل القرية وفي محيطها، وفي حالة معاينة أية دوريات لجيش الاحتلال كان الشبان يطلقون صفيرا من أفواههم سرعان ما يتردد صداه في أرجاء القرية فتعلن حالة التأهب القصوى وتندلع المواجهات فور اقتراب تلك الدوريات، ولم يكن محمد هو المطلوب الوحيد بل ثمة الكثير منهم.
وضعت زوجة محمد مولودها الأول أثناء الأشهر الأولى للانتفاضة فأسموه عاصف، ومن ذلك الحين ثبت الاسم شرعيا وصار أبو عاصف ماركة مسجلة للبلعاوي.
غير ان الأمور الحياتية بدأت تسوء حيث توقف مصدر الدخل وشحت الأموال، لذلك قرر أبو عاصف أن يستجيب لعرض صديقه أبو خالد الذي يعمل "قصيرا" في المنطقة، وهي المهنة الأصعب من بين كل مهن البناء، وكانت مهمة أبا عاصف هي تحضير الطينة المجبولة ونقلها إلى المعلم أبا خالد، قبل أبو عاصف التحدي فاصطحب معه ملابس رثة للعمل وهو يمني نفسه بدخل يقيه وأسرته شر السؤال، كذلك أمل في نفسه أن يجد ملاذا في النهار يبتعد فيه عن أعين العسس وحملات الجيش الإسرائيلي التي ظلت تداهم منزله والمنازل الأخرى بين الحين والآخر خصوصا في ساعات النهار.
مضى أسبوع على البلعاوي أبا عاصف وهو يعمل في خدمة القصير أبا خالد، ولحسن الحظ، فإن العمل كان عبارة عن قصارة بئر يقع في ظاهر القرية في أرض زراعية فسيحة تحيط بها مزارع الزيتون، وكان أبو عاصف قليل النوم طوال عمره وقد اعتاد أن ينهض من مراقده المتغيرة من ساعات الصباح الأولى وقبل بزوغ الشمس، ومن هناك كان يعبر أزقة القرية الملتوية وينفذ إلى ظاهر القرية فيبادر إلى عمله بحيوية ونشاط حتى ساعات المساء حيث سيبدأ عمله الآخر، ويبدأ بممارسة سلطاته الميدانية.
وذات يوم، وصل محمد منطقة عمله ونزل في البئر وراح يحضر جبلة الطين التي سيعمل بها معلمه الذي سيأتي بعد قليل، وفعلا وصل المعلم لكنه قرر أن يشرع في تحضير الشاي قبل وصول البئر والنزول فيه، فراح يشعل بعض أعواد الحطب وهو لا يعلم أن البلعاوي في البئر، ولا يعلم أن مجموعة من عناصر الجيش الإسرائيلي كانت تكمن وراء أشجار الزيتون بانتظار قدوم البلعاوي في تلك اللحظات وفقا لتقارير رصد العملاء التي زود بها قائدهم "الكابتن نائل" ولم يكونوا على علم أن البلعاوي وصل قبلهم واختفى في البئر الضخم، وعلى حين غرة وبلا أية مقدمات، كانت أعداد كبيرة من أفراد الجيش الإسرائيلي تبزغ من بين الأشجار، وتركض صوب أبا خالد الذي ينهمك في صنع الشاي، لكن المسافة بينهم كانت كافية لإغرائه بالهرب، فأطلق ساقيه للريح، وتبين أن شبانا آخرين كانوا في المنطقة أو في منازلهم القريبة قد شاهدوا الموقف فركبوا الريح أيضا واتجهوا نحو الأودية الصعبة القريبة ملتفين بين الأشجار والصخور كالغزلان البرية التي تطاردها الذئاب الجائعة.
ظل الجنود يتابعون الهاربين بين الأودية ولكنهم عادوا وتوقفوا عن المطاردة حينما تبين لهم أن المطاردين استطاعوا قطع الأودية الصعبة والدخول إلى قرية كفر رمان القريبة. وفي تلك الأثناء كان البلعاوي قد خرج من البئر على صوت الجلبة منذ بدايتها، فانتحى جانبا وراح يرقب الجنود الذين اضطروا للتوقف عن المطاردة والالتفاف حول المنطقة إلى حيث كانوا قد أخفوا مركباتهم العسكرية، ولم يطمئن تماما إلا حين اعتلى الجنود مركباتهم وقفلوا عائدين بعيدا عن القرية.
وهنا قرر أبو عاصف أن يبادر لإنقاذ جبلة الطين قبل جفافها ، فأمسك بعدة العمل الخاصة بالمعلم أبو خالد وباشر العمل بكل عزم وإصرار محاولا إنتاج أفضل جودة ممكنة في عمله الصعب هذا، وما أن عاد المعلم أبو خالد حتى دهش لعمل البلعاوي الذي يضاهي عمل أي معلم مخضرم، فما كان منه إلا أن هنئه على مبادرته وحسن تصرفه وأعلن أنه يمنحه شهادة مهنة القصارة وهو يُدشنه منذ الآن معلما كامل المواصفات رغم أن خدمته بالكاد أكملت الأسبوع.
كذلك سر كثيرا صاحب الورشة، وأعلن عن تكريم البلعاوي والعمال الآخرين بغداء دسم من طعام المسَخنْ ( الدجاج البلدي المشبع بزيت الزيتون والبصل المفروم على الخبز) لأنه أنقذ له مبلغا لا بأس به من المال الذي اشترى به الاسمنت والرمل وخلافه.
ومنذ هذا اليوم سيصبح للبلعاوي مهنة أخرى، هي مهنة القصارة إضافة إلى وظيفته كمحاسب أو مدير حسابات سابق. لكن الأهم أنه صار المطلوب رقم واحد في منطقته حتى ذلك الحين. فإلى متى يستمر نجاحه في مراوغة القوات الإسرائيلية؟؟ خصوصا أن ( الكابتن وائل) مسئول المنطقة في جهاز الشين بيت الإسرائيلي يتوقع نقله من المنطقة ويرغب بتحقيق إنجاز ملموس قبل ذلك يسجل في ملفه الأسود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق